الثلاثاء، 26 سبتمبر 2023

هل أمنت الكنيسة الأولى بذخائر القديسيين؟

 


يقول القديس باسيليوس الكبير:

الكنيسة عروس المسيح التي اشتراها بدمه المقدس. وأما أجساد الشهداء فيجب أن تُبني لها أماكن منفردة، وأن تكمل قداساتهم في أماكنهم.. ولكني أقول إنه يجب ألا تُكرم الكنيسة من جهة الشهداء، بل الشهداء من جهة الكنيسة لأن المجد لها، لأن الروح القدس تكلم لأجل كنيسة واحدة جامعة تلك التي أُقيمت من جهة آبائنا القديسيين.

 

ويشرح أحد رهبان دير السريان العامر هذا القانون قائلاً:

إذ كان يستشهد أحياناً بضعة آلاف في اليوم الواحد فكان بعض الناس يأخذون أجساداً إلى الكنائس لإكرامها! ويطلقون على الكنائس أسماء هؤلاء الشهداء الذين نُقِلت أجسادهم إلى الكنائس، وكثر الخلط، فأحتاج الأمر إلى قانون لتنظيمه، ولتفهيم الناس أن جسد الشهيد هو الذي يُكرم بواسطة الكنيسة، وليست الكنيسة هي التي تُكرم بواسطة جسد الشهيد.[1]

 

ويقول د/ صموئيل معوض (أرثوذكسي حاصل على دكتوراه في القبطيات):

(الكنيسه) كانت ترى أن عدم دفن (الشهداء) في التراب مثل غيرهم أمر غير لائق. فأجساد الأنبياء دُفِنت في الأرض وكذلك جسد السيد المسيح نفسه قد وضِعَ في القبر.[2]

 

ويقول القديس أثناسيوس الرسولي:

لم يسلمنا آباؤنا مثل هذا، بل حسبوا عملاً كهذا تعدٍ للوصية. ففي القديم قرر الله على آدم حكماً: أنت تراب وإلى تراب تعود (تك 3: 19) وهذه الكلمة تنطبق على كل واحد من ذرية آدم. وفي كل مكان يُدفن الموتى. هكذا فعل إبراهيم واشترى مغارة عفرون، وهناك دفن سارة امرأته. بعد ذلك دفن اسحق ابراهيم، وفي ذات المغارة دفن جسد يعقوب... في موضعين يذكر الكتاب المقدس عن الأنبياء أنهم دُفِنوا.. لا نتعجب، لأن الموضع الخارجي يشهد (البستان) أن جسد الرب قد وضع في قبر.[3]

وهذا ايضا رأي الأنبا انطونيوس.[4]

 

ويقول الأنبا باخوميوس أب الشركه موصياً تلميذه تادرس أن يأخذ جسده بعد دفنه لمكان آخر لا يخبر به أحداً، لأنه كان يخشى أن يقيموا له مزاراً ولا يدفنوا جسده في الأرض، وكان يقول إن القديسيين غير راضين عن هذا، وإن كل من يصنع هذا بهم هو يتاجر بأجساد القديسيين.[5]

 

ويقول الأنبا شنوده رئيس المتوحدين:

يقول البعض، لقد ظهر لنا شهداء وقالوا لي: إن عظامنا مخبأة في مكان ما، ولما وصلنا إليهم وأمسكناهم في ضلالهم، وجدناها عظام كلاب. وآخرون لما كانوا يقومون بالهدم والحفر في بعض الأماكن، عثروا على شكل مبنى تحت الأرض وشكل توابيت، فقالوا أنهم شهداء، هل كل من وُضِع في تابوت يكون من الشهداء؟! ألا يوضع فيهم كثيرون (من غير الشهداء). مكتوب: الغبي يصدق كل كلمة ويؤمن أيضاً بكل شيء على الإطلاق والذكي يكون منتبه (أم 14: 15). ما شأنكم أيضاً أيها الناس بمثل هذا الأمر؟ فكنيسة المسيح، بيت الله، شامخه أكثر منهم جميعاً.[6]

 

 

ويقول العلامة أوريجينوس:

فقبل ذلك كان يوجد مؤمنين حقيقيين، في عصر الشهداء المزدهر، فعند عودة مواكب أجساد الشهداء إلى القبور كانت الكنيسة كلها تجتمع بلا أي خوف، وكان الداخلون إلى الإيمان حديثًا يتعلمون مبادئ المسيحية وهم يرون من حولهم أجساد الشهداء، كما أن مؤمنين كثيرين كانوا يعترفون بإيمانهم حتى الموت دون أن يكونوا خائفين او متزعزعين في إيمانهم بالله الحي.[7]

 

ويقول القديس مار إفرام السرياني:

كل من يُضيئ سراجاً على قبري يحترق بالنار الأبدية. لأنه ماذا تفيد النار الفاسدة الإنسان الذي سوف يحترق بالنار نفسها؟ لأنه حين تظهر مثل هذه النار الرهيبة يُباد كل شيء. يكفي ألمي، فلما تضيفون ألماً آخر عليَّ؟! لذلك أتوسل إليكم أن لا تدفنوني بالطيوب لأنه لا يليق بالجاهل مثل هذا الإكرام، ولا بالذليل مثل هذا المجد. لا تستخدموا ايضاً أية رائحة ذكية أُخرى لأني تراب ورماد. قدموا البخور لهيكل الله أما أنا فرافقوني بصلواتكم. لا تقدموا ليَّ الطيوب بل لله.. لإنه ماذا تُفيد الرائحة الذكية جسداً مائتاً لا حس فيه؟ قدموا بخوركم إلى بيت الله لمجده وتطويبه لأنه هو الذي يسكن فيه. لماذا تلف جسداً فاسداً بثوب براق! لن يفيده! دع الجسد الأرضي لأمهُ الأرض، لأنهُ قد أُخِذَ مِنها بلا نفاسٍ كما أن المجد الباطل لن يرافقه.[8]

 

فقديما كانت توضع عظام الشهداء إما في مواضع خاصة أو تحت المذبح داخل الكنيسة ولا توجد لها مزارات،[9] وقد أدخل هذا الأمر القديس كيرلس السكندري لكي يواجه العادة الاجتماعية التي كانت منتشره في وقته بأن يذهب الشعب مسيحيين وغيرهم إلى المزارات الوثنيه فاحضر أجساد لشهداء وصنع لهم مزارات ليزورها الشعب بديلاً عن المزارات الوثنية،[10] وصار في دربه فيما بعد القديس أنبا شنوده رئيس المتوحدين وقد كانت توجد التزامات في منتهي الحزم وقتها ضد أي إنحراف أو تكريم زائد. حتى وصلنا لما نحن فيه الآن!



[1] القديس باسيليوس الكبير. حياته. نسكياته. قوانينه الكنسية. إصدار دير العذراء السريان العامر. عن مخطوطات دير السريان. شارك في نسخه الراهب أنطونيوس السرياني (البابا شنودة الثالث فيما بعد). طبع تحت رعاية نيافة الأنبا ثيوفيلوس أسقف ورئيس دير السريان السابق. ومراجعة د / وهيب عطا الله (الأنبا غريغوريوس أسقف الدراسات والبحث العلمي فيما بعد وأ. د / مراد كامل أستاذ اللغات السامية بجامعة القاهرة. الطبعة الثانية. ص 479.

[2] النصوص المسيحية في العصور الأولى. الأنبا شنوده رئيس المتوحدين. الجزء الأول. سيرته، عظاته، قوانينه. د / صموئيل القس قزمان معوض. مراجعة هيئه علميه اكاديميه تحت اشراف د / جوزيف موريس فلتس. إصدار دار بناريون للنشر. ص 90.

[3] الرساله الفصحيه 41. النصوص المسيحيه في العصور الاولي. الانبا شنوده رئيس المتوحدين. الجزء الاول. سيرته، عظاته، قوانينه. . د / صموئيل القس قزمان معوض. مراجعة هيئه علميه اكاديميه تحت اشراف د / جوزيف موريس فلتس. إصدار دار بناريون للنشر. ص 90، 91.

[4] سيرة الانبا انطونيوس بقلم اثناسيوس الرسولي. ف 90، 91. . تجدها ايضاً في كتاب نسكيات الانبا انطونيوس [حياته. رسائله. تعاليمه] مكتبة دير السريان العامر ص 102: 105. النصوص المسيحيه في العصور الاولي. الانبا شنوده رئيس المتوحدين. الجزء الاول. سيرته، عظاته، قوانينه. . د / صموئيل القس قزمان معوض. مراجعة هيئه علميه اكاديميه تحت اشراف د / جوزيف موريس فلتس. إصدار دار بناريون للنشر ص 91، 92

[5] سيرة الانبا باخوميوس، النص القبطي البحيري ف 122 – 123، السيره اليونانيه الاولي ف 116، النص العربي ص 647 – 648. . النصوص المسيحيه في العصور الاولي. الانبا شنوده رئيس المتوحدين. الجزء الاول. سيرته، عظاته، قوانينه. . د / صموئيل القس قزمان معوض. مراجعة هيئه علميه اكاديميه تحت اشراف د / جوزيف موريس فلتس. إصدار دار بناريون للنشر ص 92. . باخوميوس اب الشركه وتلميذه تادرس. الاب تادرس يعقوب مالطي. إصدار كنيسه مارجرجس اسبورتينج. ص 49 [النسخه الاليكترونيه طبعة 2008. ص 60]

[6] عن عظة: حيث انه يليق بالمسيحيين. النصوص المسيحيه في العصور الاولي. الانبا شنوده رئيس المتوحدين. الجزء الاول. سيرته، عظاته، قوانينه. . د / صموئيل القس قزمان معوض. مراجعة هيئه علميه اكاديميه تحت اشراف د / جوزيف موريس فلتس. إصدار دار بناريون للنشر ص 94

[7] عظه 4: 3 علي سفر ارميا

[8] القديس إفرام السرياني، مُختارات نُسكيه وزُهديه، اسبيرو جبور والاب افرام كرياكوس، نشر مطرانية الروم الارثوذكس باللاذقيه 1994، ص 33، 34

[9] "وَلَمَّا فَتَحَ الْخَتْمَ الْخَامِسَ، رَأَيْتُ تَحْتَ الْمَذْبَحِ نُفُوسَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ، وَمِنْ أَجْلِ الشَّهَادَةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُمْ،" (رؤ 6: 9).

[10] إن القديس كيرلس السكندري وعلى نهج خاله البابا ثيوفيلوس كان بيقاوم الوجود الوثني في منطقة الإسكندرية، لكنه اتخذ منهج افضل من خاله وأكثر حكمة، فبدل المقاومة بالعنف حاول يعمل تواجد لبديل مسيحي يخطف أنظار العامة من الاحتفالات الوثنية..

وواحدة من طرقه للحد من عبادة إيزيس اللي كان بيحتفل بعيدها وبيؤمن بقدرتها الشفائية حتى المسيحيين، نقل رفات الشهيدين أباكير Cyrus ويوحنا (البتوليان والعجائبيان) لنفس المنطقة اللي فيها مزار إيزيس.. ونقلهم في موكب مهيب واحتفال ليتورجي استمر ٨ أيام كاملة (حاجة شبيهة بنقل المومياوات الملكية اللي جذب انظارنا كلنا في الوقت الحالي)..

ونجح جدًا في خطته للحد من عبادة إيزيس حتى إن المنطقة نفسها ظلت على اسم الشهيد أباكير إلى يومنا دا (منطقة أبو قير).. وكمان انتشر تقديسهم في كل الكنائس الأرثوذكسية (روس- يونان- أقباط..) لحد اليوم..

ودا اللي ذكره الأب John McGuckin جون ماكجكين في دراسته:

 Saint Cyril of Alexandria and the Christological Controversy.


ليست هناك تعليقات: