السبت، 4 يوليو 2026

هل شهادة يسوع لنفسه حق أم ليست حق؟ (يو5: 31؛ يو8: 14)

 



المشكلة: في يوحنا 8: 14 قال يسوع: "وَإِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي حَقٌّ". ولكن هنا في يوحنا 5: 31 يبدو أنه يقول العكس تمامًا، أي: "إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي لَيْسَتْ حَقًّا".

 

في وقت سابق، قَبِلَ يسوع، على سبيل الجدال، الاعتقاد اليهودي بأن شهادة المرء لنفسه غير شرعية (يوحنا 5: 31). وهنا أشار صراحة إلى ما كان صحيحًا طوال الوقت، وهو أنه في الحقيقة يشهد بالحق عن نفسه، سواء دعمه أي شخص آخر أم لا. وفي العدد 18 مضى ليقدم شاهدًا آخر[1].[2]

فهنا يستشهد يسوع بمبدأ العهد القديم، وهو أمر مركزي في الشريعة اليهودية اللاحقة (سواء شريعة الربانيين "rabbis" أو شريعة مخطوطات البحر الميت "Dead Sea Scrolls")، ومفاده أن هناك حاجة إلى شاهدين لإثبات قضية (عقوبتها الإعدام) (تثنية 17: 6؛ 19: 15)[3].[4]

أي أن كل ما قاله يسوع كان حقًا في الواقع، ولكن من الناحية الرسمية لم يكن يُعتبر حقًا إلا إذا تأيد بـ "شاهدين أو ثلاثة شهود" (تثنية 19: 15). وبما أن يسوع هو "الحق" المتجسد (يوحنا 14: 6)، فإن كل ما قاله كان حقًا. ومع ذلك، بما أنه يحاول إثبات دعاويه لليهود، فإنه يلاحظ أنه ليس عليهم قبول كلماته بمفردها، بل أيضًا شهادة الكتب والآب.[5]

فقد كانت شريعة موسى تتطلب شاهدين لتثبيت أي قضية (تثنية 19: 15؛ قارن تثنية 17: 6)، وجاء التفسير اليهودي اللاحق ليجعل هذا الشرط أكثر صرامة؛ وهنا يَعمد يسوع إلى استخدام الحجة اليهودية القياسية "كم بالأحرى": إن كانت شهادة رجلين حقًا، فكم بالأحرى شهادة الآب والابن؟[6]

 

الخلاصة:

قد يبدو قول يسوع في (يو5: 14) مناقضًا لما يقوله لاحقًا (قارن يوحنا 8: 13 وما يليه). ولكن لا يوجد أي تناقض؛ فهو يشير هنا إلى تلك الدعاوي التي كان يمكن أن يقدّمها بدافع من توكيد الذات. غير أن شهادته تتحد مع شهادة الآب، ولهذا فهو يثق به.[7]

ويتوافق تصريح يسوع مع تعليم العهد القديم بشأن الحاجة إلى شهود متعددين (تثنية 17: 6؛ 19: 15؛ قارن عدد 35: 30).[8] وعبارة "أنا هو" تمثل إدراج الضمير اليوناني "egō" (إيجو)، وهو ما يجعل الفعل "أشهد" توكيديًا، ويوضح أن مثل هذه الشهادة لا تُعتبر مقبولة في المحكمة.[9]

فلم يكن يسوع بحاجة إلى أن يشهد لنفسه لأن مشيئته كانت مطابقة لمشيئة الآب (يو8: 31-32).[10] وفي حالته، فإن شهادته لنفسه ستكون شهادة زور لأنها تعني أنه بحاجة إلى التمييز بين نفسه وبين الآب. وهذا لا يتعارض مع يوحنا 8: 14، حيث لم يكن يسوع يضع في الاعتبار الفرضية المستحيلة المتمثلة في تعارض شهادته مع شهادة الآب. وهنا، فإن "الآخَرُ" الذي يشهد هو الآب الذي شهادته أيضًا حق دائمًا.[11]

وقد قدَّم يسوع خمسة شهود على حقيقة شخصه الإلهي وسلطانه: نفسه (يوحنا 5 : 30–31)، يوحنا المعمدان (يوحنا 5: 33–35)، أعماله أو معجزاته (يوحنا 5: 36)، الآب (يوحنا 5: 37–38)، وأسفار العهد القديم (يوحنا 5: 39–47). أعظم الشهود الخمسة هو سلطان الآب (يوحنا 5: 36).[12] كل هؤلاء يركِّزون على يسوع كمصدر الحياة الأبدية.[13]



[1] "أَنَا هُوَ الشَّاهِدُ لِنَفْسِي، وَيَشْهَدُ لِي الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي»." (يو 8: 18).

[2] Ted Cabal, Chad Owen Brand, E. Ray Clendenen, Paul Copan, J.P. Moreland and Doug Powell, The Apologetics Study Bible: Real Questions, Straight Answers, Stronger Faith (Nashville, TN: Holman Bible Publishers, 2007). 1587

[3] «عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يُقْتَلُ الَّذِي يُقْتَلُ. لاَ يُقْتَلْ عَلَى فَمِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ.» (تثنية 17 : 6)

«لاَ يَقُومُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى إِنْسَانٍ فِي ذَنْبٍ أَوْ خَطِيَّةٍ مَا. فِي جَمِيعِ خَطِيَّةٍ يُذْنَبُ بِهَا. عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ عَلَى فَمِ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يَقُومُ الأَمْرُ.» (تثنية 19 : 15)

[4] Craig S. Keener and InterVarsity Press, The IVP Bible Background Commentary : New Testament (Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1993). Jn 5:31

[5] Norman L. Geisler and Thomas A. Howe, When Critics Ask : A Popular Handbook on Bible Difficulties (Wheaton, Ill.: Victor Books, 1992). 410

[6] Craig S. Keener and InterVarsity Press, The IVP Bible Background Commentary : New Testament (Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1993). Jn 8:13

[7] F. F. Bruce, New International Bible Commentary (Grand Rapids, MI: Zondervan Publishing House, 1979). 1242

[8] «عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يُقْتَلُ الَّذِي يُقْتَلُ. لاَ يُقْتَلْ عَلَى فَمِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ.» (تثنية 17 : 6)

«لاَ يَقُومُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى إِنْسَانٍ فِي ذَنْبٍ أَوْ خَطِيَّةٍ مَا. فِي جَمِيعِ خَطِيَّةٍ يُذْنَبُ بِهَا. عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ عَلَى فَمِ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يَقُومُ الأَمْرُ.» (تثنية 19 : 15)

«كُلُّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا فَقَتَلُ الْقَاتِلِ عَلَى فَمِ شُهُودٍ. وَشَاهِدٌ وَاحِدٌ لاَ يَشْهَدْ عَلَى نَفْسٍ لِلْمَوْتِ.» (عدد 35 : 30)

[9] Crossway Bibles, The ESV Study Bible (Wheaton, IL: Crossway Bibles, 2008). 2032

[10] «فَقَالَ يَسُوعُ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ: إِنَّكُمْ إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلاَمِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تَلاَمِيذِي، وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ.» (يوحنا 8 : 31–32).

[11] D. A. Carson, New Bible Commentary: 21st Century Edition, 4th ed. (Leicester, England; Downers Grove, Ill., USA: Inter-Varsity Press, 1994). Jn 5:19

[12] «لأَنِّي لاَ أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي. إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي لَيْسَتْ حَقًّا.» (يوحنا 5 : 30–31)

«أَنْتُمْ أَرْسَلْتُمْ إِلَى يُوحَنَّا فَشَهِدَ لِلْحَقِّ. وَأَمَّا أَنَا فَلَيْسَ قَبُولُ شَهَادَةِ الإِنْسَانِ، وَلَكِنِّي أَقُولُ هَذَا لِتَخْلُصُوا أَنْتُمْ. كَانَ هُوَ السِّرَاجَ الْمُوقَدَ الْمُنِيرَ، وَأَنْتُمْ أَرَدْتُّمْ أَنْ تَبْتَهِجُوا بِسَاعَةٍ فِي نُورِهِ.» (يوحنا 5 : 33–35)

«وَأَمَّا أَنَا فَلِي شَهَادَةٌ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا، لأَنَّ الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي.» (يوحنا 5 : 36)

«وَالآبُ نَفْسُهُ الَّذِي أَرْسَلَنِي يَشْهَدُ لِي» (يوحنا 5 : 37–38)

«تَفْتَشُونَ الْكُتُبَ، لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي. وَلَكِنْ لَسْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ لِتَكُونَ لَكُمْ حَيَاةٌ. مَجْدًا مِنَ النَّاسِ لَسْتُ أَقْبَلُ. وَلَكِنِّي قَدْ عَرَفْتُكُمْ: أَنَّ لَيْسَتْ لَكُمْ مَحَبَّةُ اللهِ فِي أَنْفُسِكُمْ. أَنَا قَدْ أَتَيْتُ بِاسْمِ أَبِي وَلَسْتُمْ تَقْبَلُونَنِي. إِنْ أَتَى آخَرُ بِاسْمِ نَفْسِهِ فَذلِكَ تَقْبَلُونَهُ. كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تُؤْمِنُوا وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ مَجْدًا بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَالْمَجْدَ الَّذِي مِنَ الإِلَهِ الْوَاحِدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ؟ لاَ تَظُنُّوا أَنِّي أَشْكُوكُمْ إِلَى الآبِ. يُوجَدُ الَّذِي يَشْكُوكُمْ وَهُوَ مُوسَى الَّذِي عَلَيْهِ رَجَاؤُكُمْ. لأَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ مُوسَى لَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي، لأَنَّهُ هُوَ كَتَبَ عَنِّي. فَإِنْ كُنْتُمْ لَسْتُمْ تُصَدِّقُونَ كُتُبَهُ، فَكَيْفَ تُصَدِّقُونَ كَلاَمِي؟» (يوحنا 5 : 39–47)

[13] Robert B. Hughes and J. Carl Laney, Tyndale Concise Bible Commentary, The Tyndale reference library (Wheaton, Ill.: Tyndale House Publishers, 2001). 472


السبت، 27 يونيو 2026

ما معنى: إله ربنا يسوع المسيح؟ (أفسس 1: 17)

 

يمكنك أيضًا مشاهدة هذا الفيديو:

وقراءة هذه الدراسة:

النص اليوناني «ὁ θεὸς τοῦ κυρίου ἡμῶν Ἰησοῦ Χριστοῦ, ὁ πατὴρ τῆς δόξης» يُترجم إلى «إله ربنا يسوع المسيح، أبو المجد». الأسلوب هنا ليتورجي، إذ يحدد المخاطَب في الصلاة. العبارة الأولى تذكّر بما ورد في افتتاح البركة (أفسس 1 : 3)، حيث يُحافظ بولس على التمييز بين الله والمسيح (الإنسان)، مع إبراز أن الله هو إله المسيحيين المرتبط بالمسيح ارتباطًا فريدًا.[1]

وقد علق جون كالفن على هذا بأن الابن في طبيعته البشرية يدعو الله إلهه وليس في لاهوته، فيقول: "فالابن صار إنسانًا بطريقة جعلت الله إلهه كما هو إلهنا أيضًا. قال المسيح: «إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ، وَإِلَهِي وَإِلَهِكُمْ.» (يوحنا 20 : 17). وهو إلهنا لأنه إله المسيح الذي نحن أعضاء فيه. لكن يجب أن نتذكر أن هذا يخص طبيعته البشرية، فلا ينتقص خضوعه من ألوهيته الأزلية".[2]

 

وهذا أيضًا ما فهمه بعض المفسرين الأوائل، لتجنب الاستعمال الآريوسي ضد ألوهية المسيح، فسّروا "المجد" بأنه الطبيعة الإلهية، و"الرب" بأنه الطبيعة البشرية، كما فعل ثيودوريت وأثناسيوس.[3]

فعبارة "إله ربنا يسوع المسيح" لا ينبغي أن تُفهم كانتقاص من ألوهية الابن، بل في ضوء خضوعه الوسيط للآب.[4]

ويكتب القديس جيروم:

إنه إله الإنسان المتجسد هذا الذي هو أبو المجد والحكمة والحق، والذي يمنح روح الحكمة والإعلان للذين يؤمنون بابنه لكي يصيروا حكماء ويعاينوا مجد الرب بوجه مكشوف (2 كو 3: 18). وعندما تجعلهم هذه الحكمة وهذا الإعلان حكماء وتفتح لهم الأسرار التي كانت مخفية، يتبع ذلك فورًا أن تكون «مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ».[5]


يمكنك أيضًا مشاهدة هذا الفيديو:

وقراءة هذه الدراسة:

[1] Andrew T. Lincoln, Word Biblical Commentary : Ephesians, Word Biblical Commentary (Dallas : Word, Incorporated, 2002). 56

[2] Calvin's Commentaries: Ephesians, Calvin's Commentaries (Albany, OR : Ages Software, 1998). Eph 1 : 17

[3] Thomas Kingsmill Abbott, A Critical and Exegetical Commentary on the Epistles to the Ephesians and to the Colossians (New York : C. Scribner's sons, 1909). 26

[4] E. K. Simpson, The Epistles to the Ephesians and the Colossians, The New International Commentary on the Old and New Testament (Grand Rapids, MI : Wm. B. Eerdmans Publishing Co., 1957). 38

[5] Epistle to the Ephesians 1.1.15 seq.6


الخميس، 25 يونيو 2026

نحن لا نعبد مخلوقًا، القديس أثناسيوس الرسولي

 




نحن لا نعبد مخلوقًا ، حاشا !

لأن مثل هذا الضلال إنما هو خاص بالوثنيين والآريوسيين . ولكننا نعبد رب الخليقة كلمة الله المتجسد. لأنه إن كان الجسد نفسه، في حد ذاته هو جزء من عالم المخلوقات، إلاّ أنه صار جسد الله. فنحن من ناحية، لا نفصل الجسد عن الكلمة، ونعبد مثل هذا الجسد في حد ذاته، ومن ناحية أخرى، فإننا لا نفصل الكلمة عن الجسد، ولكننا إذ نعرف أن "الكلمة صار جسدًا " فإننا نعرفه كإله أيضًا بعد أن صار في الجسد.

وتبعًا لذلك، فمن هو أحمق إلى هذه الدرجة حتى يقول للرب "انفصل عن الجسد لكى أعبدك "؟ أو من هو عديم التقوى لدرجة أن يقول له مع اليهود الحمقى " لماذا وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا " (يو33:10)؟

ولكن الأبرص لم يكن من هذا النوع ، فإنه عَبَدَ الله في الجسد ، وعرف أنه الله قائلاً "يارب، إن أردت تقدر أن تطهرنى " (مت3:8) ، فهو من ناحية لم يظن أن كلمة الله مخلوق، بسبب الجسد، ومن الناحية الأخرى لم يحتقر الجسد الذى كان يلبسه (الكلمة) بسبب أن الكلمة هو خالق الخليقة. ولكنه عَبَدَ خالق الكون كما في هيكل مخلوق، وهكذا تطهر.

وهكذا أيضا المرأة نازفة الدم لأنها آمنت، فقد اكتفت بلمس هدب ثوبه وشفيت (مت20:9ـ22).

والبحر المضطرب بأمواجه، سمع الكلمة المتجسد، فكفت العاصفة (مت11:8).

والأعمى منذ ولادته قد شُفي بتفلة الجسد من الكلمة (يو6:9).

وما هو أعظم وأكثر غرابة، فإنه حينما عُلق الرب على الصليب فعلاً (لأن الجسد كان جسده، وكان الكلمة في الجسد)، فقد أظلمت الشمس والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، وانشق حجاب الهيكل (لو45:23)، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين (مت52،51:27).

إن هذه الأشياء قد حدثت ، ولم يجادل أحد من أولئك، فيما إذا كان يجب على الإنسان أن يؤمن بالكلمة المتجسد. بل عند رؤيتهم إياه إنسانًا عرفوا أنه هو الذى خلقهم. وحينما سمعوا صوتًا بشريًا، لم يكونوا يقولون إن الكلمة مخلوق بسبب بشريته. بل بالعكس كانوا يرتعدون، ولم يعرفوا شيئًا أقل من أنه كان ينطق به من هيكل مقدس.

فكيف إذن لا يخاف عديمو التقوى، لئلا كما أنهم لم يستحسنوا أن يبقوا الله في معرفتهم، ربما يسلمهم إلى ذهن مرفوض ليفعلوا تلك الأشياء التى لا تليق (أنظر رو28:1)، لأن الخليقة لا تعبد المخلوق، وأيضًا هى لم ترفض أن تعبد ربها بسبب الجسد. ولكنها كانت ترى خالقها في الجسد، " وانحنت كل ركبة " باسم يسوع، حقًا، "وستنحنى (كل ركبة) ممن في السموات ومن على الأرض ومن تحت الأرض وسيعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب (في11،10:2)، لأن الجسد لم يقلّل من مجد الكلمة، حاشا : بل بالأحرى، فإن الجسد نفسه قد تمّجد بالكلمة.

والابن الكائن في صورة الله، أخذ صورة عبد، وهذا لم يُنقص من ألوهيته، بل هو بالأحرى قد صار بذلك مخلصًا لكل جسد ولكل خليقة .

وإن كان الله قد أرسل ابنه مولودًا من امرأة ، فإن هذا الأمر لا يسبب لنا عارًا بل على العكس مجدًا ونعمة عظمى. لأنه قد صار إنسانًا لكى يؤلهنا في ذاته.

وقد صار (جسدًا) من امرأة ووُلد من عذراء كى ينقل إلى نفسه جنسنا (نحن البشر) الذين ضُلِّلنا، ولكى نصبح بذلك جنسًا مقدسًا، ونصير شركاء الطبيعة الإلهية (2بط4:1) كما كتب بطرس المُطوب.

وما " كان الناموس عاجزًا عنه إذ أنه كان (الناموس) ضعيفًا بواسطة الجسد ، فإن الله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ، ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد " (رو3:8).

إذن، فالكلمة أخذ جسدًا، لأجل تحرير كل البشر، ولإقامة الجميع من بين الأموات، ولكى يصنع فداءً من الخطايا .

فأولئك الذين يستخفون بهذا الأمر (الجسد)، أو الذين بسبب الجسد يتهمون ابن الله بأنه مصنوع أو مخلوق، كيف لا يظهر أنهم جاحدون للنعمة ومستحقون لكل اشئمزاز ونفور؟ فكأنهم بذلك يصرخون قائلين لله : لا ترسل ابنك الوحيد الجنس في الجسد ، ولا تجعله يتخذ جسدًا من عذراء لكى لا يفتدينا من الموت ومن الخطيئة، ولا نريده أن يصير في الجسد لكى لا يقاسى الموت من أجلنا، ولا نرغب في أن يصير في الجسد لئلا يصير بهذا الجسد وسيطًا لنا للدخول إليك فنسكن في المنازل التى في السموات. فلتغلق أبواب السموات، لكيلا يكرّس لنا كلمتك الطريق في السموات بواسطة الحجاب الذى هو جسده. هذه هى الأقوال التى يتفوه بها أولئك الناس بجرأة شيطانية ... لأن الذين يرفضون أن يعبدوا الكلمة الصائر جسدًا، هم جاحدون لنعمة صيرورته إنسانًا .

والذين يفصلون الكلمة عن الجسد، لا يحسبون أنه قد حدث فداء واحد من الخطيئة، ولا يحسبون أنه قد تم اندحار للموت .

ولكن على وجه العموم، أين سيجد الكافرون، الجسد الذى اتخذه المخلص، منفصلاً عنه ، حتى يتجاسروا أن يقولوا أيضًا : إننا لا نعبد الرب متحدًا بالجسد بل نفصل الجسد ونعبد الكلمة وحده ؟

لقد رأى اسطفانوس المغبوط ، الرب واقفًا في السموات ، عن يمين الله (أع55:7)، والملائكة قالوا للتلاميذ "سيأتى هكذا بنفس الطريقة التى رأيتموه بها منطلقًا إلى السماء" (أع11:1)، والرب نفسه يقول مخاطبًا الآب: " أريد أن يكونوا هم أيضًا معى على الدوام حيث أكون أنا" (قارن يو24:17). وفي الواقع، إن كان الجسد غير منفصل عن الكلمة ألاّ يكون من اللازم، أن يتخلى هؤلاء الناس عن ضلالهم ، ومن ثم يعبدون الآب باسم ربنا يسوع المسيح، أو ، إن كانوا لا يعبدون ويخدمون الكلمة الذى جاء في الجسد، فينبغى أن يُطرحوا خارجًا من كل ناحية، وأن لا يُحسبوا فيما بعد مسيحيين، بل بالأحرى يُعدوا بين اليهود .

هذا هو إذن ، هَوْس (جنون) أو جسارة أولئك الناس . أما إيماننا فمستقيم وهو نابع من تعليم الرسل وتقليد الآباء ويؤكده كل من العهد الجديد والعهد القديم، حيث يقول الأنبياء "أرسل كلمتك وحقك" (مز3:42) " هوذا العذراء ستحبل وتلد ابنًا وسيدعون اسمه عمانوئيل" (إش14:7) " الذى تفسيره الله معنا " (مت23:19)


ولكن ماذا يعنى هذا إن لم يكن أن الله قد جاء في الجسد ؟

فإن التقليد الرسولى يعلّم في قول المغبوط بطرس " إذا قد تألم المسيح لأجلنا بالجسد" (1بط 1:4)، بينما يكتب بولس " متوقعين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح. الذى بذل نفسه لأجلنا لكى يفدينا من كل إثم ويطهر لنفسه شعبًا خاصًا غيورًا في أعمال حسنة " (تى14،13:2). فكيف إذن قد بذل نفسه لأجلنا، لكى ، بقبوله الموت في هذا الجسد، يبيد ذلك الذى له سلطان الموت أى إبليس (عب14:2).

ولذلك فإننا نقدم الشكر على الدوام باسم يسوع المسيح ، ولا نبطل النعمة التى صارت إلينا بواسطته. فإن مجئ المخلص متجسدًا قد صار فدية للموت وخلاصًا لكل الخليقة.

لذا أيها الحبيب والمشتاق إليه جدًا ، فليضع محبو الرب هذه الأقوال في عقولهم، أما أولئك الذين يتمثلون بسلوك يهوذا، ويتخلون عن الرب ليكونوا مع قيافا، فليتهم يتعلمون من هذه الأقوال ... وليعلموا ، أنه بعبادة الرب في الجسد، فإننا لا نعبد مخلوقاً، بل كما قلنا قبلاً، فإننا نعبد الخالق الذى لبس الجسد المخلوق ...

أما إن كانوا يريدون أن يتشبثوا بتجديفاتهم فليشبعوا بها وحدهم، وليصرّوا على أسنانهم مثل أبيهم الشيطان، لأن إيمان الكنيسة الجامعة يقر بأن كلمة الله هو خالق كل الأشياء، ومبدعها، ونحن نعرف أنه "في البدء كان الكلمة ، والكلمة كان عند الله " (يو1:1) فإننا نعبد ذلك الذى صار هو نفسه أيضًا إنسانًا لأجل خلاصنا، لا كما لو كان هذا الذى صار جسدًا هو مساوٍ للجسد بالمثل، بل (نعبده) كسيد آخذًا صورة عبد، كصانع وخالق صائرًا في مخلوق أى (الجسد) لكى بعد أن يحرر به كل الأشياء ، يقرّب العالم إلى الآب، ويصنع سلامًا لكل المخلوقات سواء التى في السموات أو التى على الأرض .

ولذلك فنحن نعترف أيضًا بألوهيته التى من الآب .

ونعبد حضوره المتجسد ، حتى ولو مزق الآريوسيون المجانين أنفسهم.

 


المرجع: المسيح في رسائل أثناسيوس، الرسالة إلى أدلفيوس، ترجمة د. صموئيل كامل، ود. نصحي عبد الشهيد، مركز دراسات الآباء بالقاهرة.