ضرورة الاتحاد الأقنومي[1]
ضروري لخدمته الشفاعية
إن اتحاد الطبيعتين في شخص يسوع المسيح الواحد أمر ضروري لكي يكون
الوسيط بين الله والبشرية. يعبر أيوب عن معضلة قديسي العهد القديم عند تأملهم في
كيفية الاستجابة لله:
«لأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانًا مِثْلِي
فَأُجِيبَهُ، فَنَأْتِيَ مَعًا إِلَى الْمُحَاكَمَةِ. لَيْسَ بَيْنَنَا مِصَالِحٌ
يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا» (أيوب 9: 32-33).
يعبر البطريرك هُنا عن الحاجة إلى وسيط يكون إلهًا وإنسانًا معًا.
كاتب الرسالة إلى العبرانيين يحرص على الإشارة إلى أن هذا الشوق البطريركي قد تحقق
في يسوع المسيح، الذي تشارك في اللحم والدم، وجُرب في كل المجالات كما البشر (ما
عدا طبيعة الخطية) ويبقى إلى الأبد رئيس الكهنة العظيم لجميع المؤمنين (عبرانيين
2: 14-18؛ 4: 14-16).[2]
يلخص بولس الفكرة قائلًا: «لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ
بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ» (1 تيموثاوس 2: 5).
ويضيف ليثام بشكل مفيد:
إذا لم يكن [المسيح] شخصًا واحدًا متكاملًا، بل
كان بدلًا من ذلك نوعًا من الانفصام، فلا يمكن القول بأي حال من الأحوال أن الله
قد وحد نفسه معنا في معاناتنا. بل سنُترك بدلًا من ذلك مع مخلص أجوف وإله بعيد
ومنفصل عنا في نقطة حاجتنا العظمى.[3]
ضروري لإنجاز الفداء من الخطية
إذا كان المسيح أقل من إنسان، لم يكن ليكون مخلصًا للبشر، تمامًا كما
أن المسيح الأقل من إله لم يكن ليكون إعلانًا حقيقيًا عن الله. إن ما هو عليه يحدد
ما يمكنه فعله. كما يقول بو يتنر:
كان من الضروري أن يكون فادي البشرية إنسانًا
وإلهًا معًا. كان من الضروري أن يكون إنسانًا إذا كان سينوب حقًا عن الإنسان
ويتألم ويموت، لأن اللاهوت كذات لم يكن قادرًا على ذلك. وكان من الضروري أن يكون
إلهًا لتكون لآلامه وموته قيمة غير محدودة.[4]
يلاحظ ليثام أن "التجسد والتدبير الكفاري يحددان متبادلين
أحدهما الآخر".[5]
وهو يعني، بشكل صحيح، أن خطية الإنسان لا يمكن كفارتها إلا بإنسان بلا خطية يكون
أيضًا إلهًا كاملًا ومطلقًا.
علاقة الطبيعتين بالوعي الذاتي والإرادة لدى يسوع
هناك جدل كبير حول ما إذا كان ليسوع إرادة واحدة أم إرادتان. والسؤال
يدور في الواقع حول ما إذا كان الوعي الذاتي وتقرير المصير الذاتي يقبعان في
الطبيعة أم في الأقنوم. من الأفضل القول بأن يسوع كان له "أنا" واحدة أو
وعي ذاتي واحد كأقنوم غير قابل للتجزئة، وهذا يقبع في اللوغوس. كان ليسوع وعي
مزدوج ولكن وعي ذاتي واحد. كان واعيًا بنفسه كإنسان، وبالتالي يمكنه القول: «أَنَا
عَطْشَانُ» (يوحنا 19: 28)، وكان واعيًا بنفسه ككائن إلهي وكان يمكنه بسلطان مطلق
مماثل أن يقول: «أَنَا وَالأَبُ وَاحِدٌ» (يوحنا 10: 30). ولكن، كان الأقنوم نفسه
أو الـ "أنا" الواعية بذاتها هي التي قالت الأمرين معًا. الـ
"أنا" نفسها كانت "على الأرض" وكانت موجودة "قبل كون
العالم" (يوحنا 17: 4-5).
كان يسوع واعيًا بذاته أزليًا كأقنوم في الثالوث الإلهي. لم يكن
لطبيعته البشرية وجود منفصل قبل اتحادها باللاهوت. لم يتخذ اللوغوس في الاتحاد مع
نفسه شخصية متطورة بالفعل في إنسان فرد. بل نالت الطبيعة البشرية الوعي الذاتي
وتقرير المصير الذاتي في الأقنوم الواحد أو شخص الإله المتجسد، وهذا كان مقره في
اللوغوس. يقول وليم شيد إن الطبيعة البشرية للمسيح قد تشخصت وصارت أقنومية بالحبل
المعجزي.[6]
لم يكن للطبيعة البشرية "أنا" متميزة. كان لإنسانية يسوع جانب عاقل
وإرادي ولكن ليس لها "أنا" متميزة. لم تكن طبيعته البشرية مشخصة في وعي
ذاتي وتقرير مصير ذاتي إلا في الاتحاد مع اللوغوس.
أما بالنسبة لإرادة (إرادات) يسوع، فمن الأفضل القول إنه كان لديه
بالفعل إرادتان، خاصة إذا كانت الإرادة، كما يعرفها بوسويل، هي "مركب
سلوكي". بهذا المعنى، كان للمسيح نمط سلوك إلهي ونمط سلوك بشري.[7]
بما أن إنسانية يسوع، التي نالها من أمه مريم، كانت حقيقية تمامًا،
فقد كان لها جانب عاقل وإرادي (أي إرادة)، برغم كونها غير مستقله بأقنوم خاص.
وسيكون أقل من إنسان لو لم يكن هذا صحيحًا. وطبيعته الإلهية، اللوغوس، كانت
أقنومًا عاقلًا وإراديًا منذ الأزل. وبما أن اللوغوس كان يسيطر على الإله المتجسد،
فقد كان ليسوع اتجاه واحد فقط في القرارات الأخلاقية—وهو أن يفعل مشيئة أبيه
(عبرانيين 10: 7).
الصيغة التاريخية الصادرة عن مجمع خلقيدونية (عام 451م) قالت:
"الطبيعتان متحدتان في شخص واحد أو أقنوم (Hypostasis)،
بغير اختلاط، ولا تحول، وبدون انقسام أو انفصال". هذا يقول بلغة عملية إنه لا
يجب على المرء لا أن يقسم الأقنوم ولا أن يخلط بين الطبيعتين. وفي عام 680م حسم
مجمع القسطنطينية الثالث النزاع حول المونوثيلية (المشيئة الواحدة). وخلص هذا
المجمع إلى أن المسيح له إرادتان وفعلان. وكان اتحاد الإرادتين/الفعلين أخلاقيًا
وليس فيزيائيًا. أي أن الإرادة البشرية كانت خاضعة للإرادة الإلهية.
[1] Rolland
McCune, The Doctrines of Man, Sin, Christ, and the Holy Spirit, Systematic
Theology of Biblical Christianity (Allen Park, MI: Detroit Baptist Theological
Seminary, 2009). 146
[2] «فَإِذْ
قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا
كَذَلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ
الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ خَوْفًا مِنَ
الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ. لأَنَّهُ
حَقًّا لَيْسَ يُمْسِكُ الْمَلاَئِكَةَ، بَلْ يُمْسِكُ نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ. مِنْ
ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِكَيْ يَكُونَ
رَحِيمًا، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِينًا فِي مَا للهِ حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا
الشَّعْبِ. لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ
يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ.» عبرانيين 2:14-18
«فَإِذْ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ، قَدِ
اجْتَازَ السَّمَاوَاتِ، يَسُوعُ ابْنُ اللَّهِ، فَلْنَتَمَسَّكْ بِالإِقْرَارِ.
لأَنَّ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ
لِضُعْفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلَا خَطِيَّةٍ.
فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ، لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً
وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ.» : عبرانيين 4: 14-16
[3] The
Work of Christ (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1993), p. 29
[4] Studies
in Theology (Philadelphia: Presbyterian & Reformed, 1974), pp. 198–99.
انظر أيضًا فكر إيريناؤس (نحو 130- نحو 200) كما ورد في Letham,
The Work of Christ (p. 28)
ومعالجة ليثام الخاصة في قسم "The unity of the person
and work of Christ" (pp. 24–31).
[5] The
Work of Christ, p. 28
[6] Dogmatic
Theology, pp. 617–18
[7] A
Systematic Theology of the Christian Religion, 2:53. ومع ذلك، إذا اتبع
المرء جون فالفورد، على سبيل المثال، وعرّف الإرادة بأنها القرار الأخلاقي الناتج،
فإن المسيح عندئذٍ كان له إرادة واحدة. ومن المثير للاهتمام أن فالفورد يقيد هذا
قليلًا بقوله إن المسيح كان له إرادة "سيادية" واحدة فقط (Jesus Christ Our Lord [Chicago: Moody Press, 1969], p. 119).

