الاثنين، 27 يوليو 2026

ماذا عن خطايا الأنبياء في الكتاب المقدس

 



1- أرجوك يا صديقي أن تنظر إلى أسلوب النقد المتحيز هذا، لتدرك هدف هؤلاء النُقَّاد، ومدى تحاملهم على الكتاب المقدَّس، ولي الحقائق، وطمس جزء كبير من الحقيقة، وتركيز الأضواء على سقطات الأنبياء، والتغافل تمامًا عن النقاط البيضاء الكثيرة في حياة رجال الله هؤلاء...

أين بر نوح، وطاعته لله، وصبره وطول أناته وهو يبني الفلك على مدار مائة عام، وإنذاره لجيله وهو يظهر كمختل في أعينهم..؟! أين قداسة لوط البار الذي عاش وسط شر سدوم وعمورة وحفظ نفسه طاهرًا؟! وأين شجاعته ودفاعه عن ضيوفه؟! أين تحذيره لأصهاره رغم أنه ظهر كمازح في أعينهم..؟ أين إيمان إبراهيم مضرب الأمثال عندما رفع السكين ليذبح ابنه طاعة لله..؟! أين صبر موسى، وغيرته المقدَّسة، وأمانته، وشفاعته عن شعبه، وقيادته الحكيمة لشعب عنيد أربعين سنة في الصحراء؟! وأين إيمانه الذي شق البحر، وفجر الماء من صخرة صماء وهزم عماليق؟!

لماذا لم يحاول هؤلاء النقاد التأمل في الفضائل الكثيرة لرجال الله هؤلاء الذين تكلم معلمنا بولس الرسول عن إيمانهم العظيم وختم كلامه قائلًا:

"الذين بالإيمان قهروا ممالك صنعوا برًّا نالوا مواعيد سدوا أفواه أسود. أطفأوا قوَّة النار نجوا من حد السيف تقوَّوا من ضعف صاروا أشداء في الحرب هزموا جيوش غرباء... وآخرون عُذبوا ولم يقبلوا النجاة لكي ينالوا قيامة أفضل. وآخرون تجرَّبوا في هزء وجلد ثم في قيود أيضًا وحبس. رُجموا نُشروا جُرّبوا ماتوا قتلًا بالسيف طافوا في جلود غنمٍ وجلود معزى معتازين مكروبين مُذلين. وهم لم يكن العالم مستحقًا لهم تائهين في براري وجبال ومغاير وشقوق الأرض" (عب 11: 33 - 38).

 

2- لو طبقنا أسلوب النقد الذي اتبعه هؤلاء النقاد فلن نجد إنسانًا قط يستحق الحياة... هل لأن الإنسان أخطأ مرة تقطع رقبته؟! هل لأن إنسان كذب مرة يطلقون عليه الكذاب المستبيح؟! وهل لأن إنسان زنى مرة يطلقون عليه الفاسق الشرير الكبش الضال؟! وهلم جرا...

 

3- الأنبياء من نفس عجينة البشرية لهم أخطاءهم وضعفاتهم، ومع هذا فإنهم أناس أمناء أحبوا الله من كل قلوبهم، قدموا توبة قوية عن كل خطية سقطوا فيها، ولكن النُقَّاد يلذ لهم تضخيم أخطاء هؤلاء الأنبياء القديسون، مع تغافل توبتهم تمامًا، ونحن لا نؤمن بعصمة الأنبياء في حياتهم الشخصية، لأن "الجميع زاغوا وفسدوا معًا. ليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحد" (رو 3: 12) فلا يوجد إنسان بلا خطية "إن قلنا أننا لم نخطئ نجعله كاذبًا وكلمته ليست فينا" (1يو 1: 10) إنما نؤمن بعصمتهم أثناء تسجيل كلمات الوحي الإلهي فقط.

 

4- كتابنا المقدَّس لا يُجمّل الصورة، إنما يذكر كل شيء بصراحة تامة وصدق كامل بدون تهويل ومبالغة، وبدون استهتار وتهاون، فالكتاب لم يكتب من أجل تمجيد الإنسان، إنما لتمجيد الله الذي يكره الخطية ويحب الخاطئ، ولذلك ذكر الأعمال الصالحة والطالحة، والأفعال البارة والخاطئة، وعندما ذكر أخطاء الأنبياء لم يذكرها كنوع من مدح الخطية، بل كنوع من إدانة الخطية، ولكيما نتعلم ونتعظ ونتحفظ لأنفسنا، ووجود هذه الأخطاء في الكتاب المقدَّس تعد دليلًا على عدم تعرضه للتحريف أو التبديل، لأنه لو تعرض للتحريف لحذف اليهود خطايا آبائهم وأنبيائهم الذين هم موضع افتخارهم... ألم يفتخر اليهود بأنهم أبناء إبراهيم؟! ولولا إيمان اليهود الكامل بالوحي الإلهي في تسجيل كلمة الله لحذفوا هذه الأخطاء من سطور الكتاب.

 

5- لم يتهاون الله ولم يتساهل مع أحد المخطئين برغم محبته الشديدة لهم، إنما نال كل منهم عقابه من الله... ألم يُحرَم موسى من دخول أرض الموعد لمجرد أنه ضرب الصخرة في المرة الثانية ولم يكلمها..؟! ألم يُعاقب داود بشدة على خطيته؟! أما نوح فكان أول إنسان يسكر على وجه الأرض، فربما لم يكن يعلم أن الخمر ستُذهب عقله.

 

6- إن كان هؤلاء النُقَّاد يشمئزون من خطايا الأنبياء التي ذكرها الكتاب المقدَّس، فما بالهم بخطايا الأنبياء التي جاء ذكرها في القرآن والأحاديث، وما أكثرها؟! بل إن القرآن نسب أحيانًا أخطاء لرجال الله لم يرد لها ذكر في التوراة، فمثلًا جاء في سورة يوسف عن محاولة امرأة فوطيفار إسقاطه "ولقد همَّت به وهمَّ بها" (سورة يوسف 24) أي أنها قصدت الخطأ معه وهو كذلك قصد الخطأ، والشروع في الخطأ يعتبر خطأً، بينما جاء عنه في سفر التكوين رفضه للشر منذ اللحظة الأولى قائلًا: "كيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطئ إلى الله" (تك 39: 9).

ومثل آخر أنه جاء عن نوح في القرآن أنه دعا على أهل زمانه قائلًا "ولا تزد الظالمين إلاَّ ضلالًا. ولا تزد الظالمين إلاَّ تبارًا" (سورة نوح 24، 28) بينما ذكر الكتاب المقدَّس أن نوح "كان كارزًا للبر" (2بط 2: 5).

ومثل ثالث أنه جاء في الحديث أن الشيطان أغوى آدم مرتين الأولى في الأكل من الشجرة المحرَّمة والثانية عندما سمى ابنه عبد الحارث، والحارث هو إبليس "قال ابن عباس لما وُلِد لآدم ولد أتاه إبليس فقال له إني سأنصح لك في شأن ولدك هذا تسميه عبد الحارث، وكان قبلًا يسمي أولاده عبد الله وعبد الرحمن، فقال آدم: أعوذ بالله من طاعتك. إني أطعتك في أكل الشجرة فأخرجتني من الجنة فلن أطيعك، فمات ولده، ثم وُلِد له بعد ذلك ولد آخر فقال أطعني وإلاَّ مات كما مات الأول فعصاه، فمات ولده، فقال (إبليس) لا أزال أقتلهم حتى تسميه عبد الحارث (وكان اسم إبليس الحارث) فأطاعه" (راجع الهداية جـ 1 ص 12)..

ألم يقل رسول الإسلام: "كل بني آدم خطاؤون، وأفضل الخطائين عند الله التوابون"؟!

 

7- الإدعاء بأن اليهود شوَّهوا صور جميع الأنبياء إدعاء غير صحيح، لأن هناك من رجال الله القديسين لم يذكر لهم العهد القديم أخطاء مثل أخنوخ البار، ويوسف الصديق، وصموئيل النبي، وإيليا النبي، ودانيال النبي... إلخ.

 

8- لم يكن لوط نبيًا، ولا يهوذا نبيًا، ولم ينكر أيوب البعث، بل آمن بالله والحياة الآخروية، وإن كان بعض النُقَّاد قد إتهموا اليهود بأنهم لطخوا سيرة أنبيائهم فإنهم لم يوضحوا ما الدافع لهذا؟! وإن قال بعض النُقَّاد أن ما قاساه اليهود في السبي دفعهم لتلطيخ ذكرى هؤلاء الأنبياء... كيف..؟ إن كان الإنسان الذي يضيع منه الحاضر يتمسك بشدة بالماضي، ويزداد فخره بآبائه، لأنه يحتسب مجد آبائه مجدًا له، فكيف يتنازل اليهود عن مجدهم ويفتخرون بخزيهم وخزي أبائهم؟! كما أن دعوى التحريف في النص أمر قد قتلناه بحثًا، ثم يجب الالتفات إلى أمر هام، وهو لا يصح الحكم على الذين عاشوا قبل الميلاد بعشرين قرنًا بمقاييس القرن العشرين.

 

9- يقول قداسة البابا شنودة الثالث عن أخطاء الأنبياء:

"حينما نقول إنهم أخطأوا، فلا نعني أن حياتهم كلها كانت خطية. بل السقطات كانت الوضع العابر الطارئ في حياتهم. أما القداسة فكانت الوضع الطبيعي الدائم. إذ عرفنا أن داود في وقت ما، قد زنى وقتل. فليس معنى هذا أن حياته كلها كانت زنى وقتلًا. وليس معنى هذا أن يتطاول بعض الوعاظ على هذا القديس العظيم، ولا يتحدثون إلاَّ عن خطيئته بلون من الاستصغار!! وينسون أنه رجل الصلاة والتسبيح والمزامير، رجل المزمار والقيثار والعشرة الأوتار، رجل الإيمان والوداعة، الذي قال عنه الرب بنفسه: "فحصت قلب داود فوجدته حسب قلبي"، إن الشر لم يكن طبيعة هذا البار، الذي حل عليه روح الرب، والذي هزم جليات، واحتمل شاول، وغفر لشمعي بن جيرا، وسبح للرب تسابيح جديدة... إنما هي صفات طارئة، سمح بها الرب ليعطي قديسيه انسحاقًا ودموعًا، ويصيره درسًا في التوبة، كما كان درسًا في الصلاة، وفي الوداعة، وفي الشجاعة.

وبنفس الوضع حينما نذكر أبينا إبراهيم، وقوله عن امرأته سارة أنها أخته... لا ننسى أبدًا إيمان الرجل، ونسكه، وشجاعته، وكرمه، وطاعته للرب حتى رفع السكين ليقدم وحيده المحبوب محرقة... ولا ننسى تركه لأهله وعشيرته وسعيه وراء الرب.." (شخصيات الكتاب المقدَّس - آدم وحواء ص 11، 12).

كما يقول قداسة البابا شنودة الثالث أيضًا عن خطايا الأنبياء:

"تؤمن المسيحية واليهودية أن العصمة من الخطية هي لله وحده. الله وحده هو القدوس الذي لا تتفق الخطية مع طبيعته الإلهية... أما عن البشر فقيل {ليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحد} (مر 14: 3)..

وقال القديس يوحنا الرسول "إن قلنا أنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا" (1يو 1: 8) ونحن نقول في صلواتنا "لأنه ليس أحد بلا خطية، ولو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض". 

أما عن عصمة الأنبياء، فنؤمن أنهم معصمون فقط في نبوءاتهم فيما ينقلونه من كلام الوحي الإلهي، ولكنهم ليسوا معصومين في حياتهم الخاصة... نبوءات الأنبياء هي المعصومة، وليس أشخاصهم... الرسالة التي يحملونها من الله هي المعصومة، وليست أعمالهم... لو كان كل نبي معصومًا، لصار مثل الله، أو لاعتبرنا الأنبياء من طبيعة أخرى غير طبيعتنا البشرية. الأنبياء بشر مثل سائر بني آدم، ولكنهم في مستوى عالٍ من الفضيلة وعلى الرغم من ذلك يمكن أن يخطئ النبي مع ملاحظة أمرين: أن الخطية تكون عارضة عليه، وليست أسلوب حياة دائم. والأمر الثاني أنه سرعان ما يقوم من الخطية، فيتوب بسرعة ويندم...

من الظلم إذًا أننا نذكر خطيئة لداود، ولا نذكر صلواته وحبه لله. كما لو كنا نتصيد لإنسان غلطة! ولا نأخذ حياته في جملتها، وهي في غالبيتها كلها قداسة، والأخطاء فيها هي الندرة، على الرغم من فداحة الخطأ... ولا ننسى أن الشيطان حينما يحارب نبيًا يحاربه حروبًا قاسية جدًا، أشد بكثير جدًا من محاربته لباقي الناس الذين غالبًا ما يقودهم إلى الخطأ ويتركهم إلى شهوات أنفسهم... كذلك من الظلم أن نذكر خطيئة لداود، وننسى توبة داود ودموعه... نفس هذا الكلام أو ما يشبهه، نقوله عن باقي الأنبياء ورجال الله في أخطائهم، وبخاصة في عصر الوثنية وانتشار الفساد، الذي كان فيه هؤلاء الآباء مشاعل من نور، على الرغم من سقطات بعضهم. هذه السقطات قال عنها أحدهم {لا تشمتي بي يا عدوتي. فإني إن سقطت أقوم} (مي 7: 8).

سمح الله ببعض السقطات لهؤلاء القديسين، حتى لا ترتفع قلوبهم بسبب عمق برهم، وعمق صلتهم بالله، فيقعوا في البر الذاتي... وكان في سقوط هؤلاء الأنبياء درس لنا، لكي نحترس في سلوكنا، ونخاف لئلا نسقط نحن أيضًا... هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، حتى لا نكون قساة في معاملة الذين يسقطون. فنحن معرضون للسقوط" (سنوات أسئلة مع الناس - أسئلة لاهوتية وعقائدية (ب) ص 104 - 106).

 

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن كتاب: النقد الكتابي، مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد القديم من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب


الأحد، 26 يوليو 2026

هل صلب الجسد الخاص بالابن على الصليب يعني انفصال بين الاب والابن؟!



كتير نقاد المسيحية بيستخدموا عقيدة إن الابن هو من صلب على الصليب علشان يقول لك: بص أهو في انفصال في الثالوث، لو كانوا واحد ليه متقولش إن الآب صلب؟

 

أولًا: إحنا مش بنقول الابن صلب، بنقول إن جسد الله الخاص صلب على الصليب، مش الابن في لاهوته، برغم انه في اتحاد دائم بلا افتراق ولا امتزاج ولا تغيير.. لكن طبيعة الله لا يقع عليها الألم ولا الموت..

 

ثانيًا: هل دا يعني إنفصال في الثالوث القدوس؟

لا طبعًا، ده ما يعكسش أي انفصال خالص بين الآب والابن، ولا يعني إنهم مش واحد.

في اللاهوت المسيحي والفكري الآبائي، موضوع الصلب والآلام بيتقري من خلال مفهومين أساسيين: وحدة الجوهر والاتحاد الأقنومي.

 1. جوهر واحد مش بيتجزأ (Homoousios): الآب والابن والروح القدس إله واحد، ليهم طبيعة وجوهر واحد (Ousia) مستحيل ينفصل أو يتجزأ. المسيح قالها صريحة: «أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ» (يوحنا 10: 30). الأقانيم متمايزة في الخصائص الأقنومية (الآب هو الأب، الابن هو المولود، الروح القدس هو المنبثق)، لكنهم واحد تمامًا في الجوهر والإرادة والقدرة. فكرة إن أقنوم ينفصل عن الأقنوم التاني دي غير ممكنة لاهوتيًا لأن اللاهوت بسيط وما بيتجزأش.

 

 2. مين اللي اتصلب فاتألم؟ الابن (اللوغوس) هو اللي أخد طبيعة بشرية كاملة (جسد ونفس بشرية) واتحد بيها. الصلب والموت وقعوا على الطبيعة البشرية اللي اتحد بيها الكلمة اتحاد كامل من غير اختلاط ولا تغيير ولا انفصال. وبسبب الاتحاد ده، بننسب الألم والموت لأقنوم الابن المتجسد بالجسد، في حين إن لاهوته لم يطله أي ألم ولا موت ولا تغيير؛ لأن اللاهوت طبيعته غير قابلة للألم (Apathes).

فالصلب معملش أي شرخ أو انفصال في الثالوث. الآب ما فارقش الابن ولا لحظة واحدة («وَأَنَا لَسْتُ وَحْدِي لأنَّ الآبَ مَعِي» - يوحنا 16: 32). اللي اتألم ومات بالجسد هو الابن الكلمة المتجسد، مع استمرار اتحاد لاهوته بناسوته، وثباته في الوحدة مع الآب والروح القدس أزلًا وأبدًا.

 

لما بنقول «الابن هو اللي تجسد واتصلب»، ده مش انفصال، ده تحديد للاقنوم اللي أخد الجسد. الابن وحده هو اللي صار إنسانًا، وبالتالي هو وحده اللي اتصلب بالجسد. لو قلنا إن الآب هو اللي اتصلب، نكون كدا بنلغي التمايز بين الأقانيم وبنوقع في خلط أقنومي.

 

قاعدة لاهوتية آبائية شهيرة بتقول: «أعمال الثالوث للخارج لا تتجزأ». فالآب يُرسل ويُسرّ بالخلاص، الابن يُنفّذ ويتجسد ويُصْلَب بالجسد، والروح القدس يُكمّل ويُثبت مفاعيل الفداء في المؤمنين. فالآب مش غايب عن الصليب؛ هو حاضر بإرادته ومحبته وحضوره الإلهي في الابن دون انفصال.

المسيح نفسه أوضح إن كل عمل بيعمله هو بالاتحاد الكامل مع الآب:

«أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ» (يوحنا ٥: ١٧).

«لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنظُرُ الآبَ يَعْمَلُهُ» (يوحنا ٥: ١٩).

عمل الخلاص على الصليب كان عمل الثالوث الأقدس بالكامل: محبة الآب هي مصدر الفداء، بذل الابن لجسده هو وسيلة الفداء، وقوة الروح القدس هي التي قدّمت هذا القربان.

 

فهنا بيظهر أقنوم بشكل أوضح في الصورة، لكن العمل للثالوث القدوس هو عمل واحد، فالفداء وخلاص البشرية هو عمل الثالوث القدوس، واللي بيظهر بشكل واضح في الصورة هو أقنوم الابن لكن دون انفصال عن الأقنومين الآخرين.

 

عدم صلب الآب مش معناه انقسام في الثالوث، بل معناه تمايز في الأدوار الأقنومية مع وحدة كاملة في الجوهر والإرادة. الجسد هو جسد الابن الخاص، فالألم يقع على الابن بالجسد، لكن الآب والروح القدس حاضرين ومتحقّقين في عمل الخلاص ده بدون تجزئة للجوهر الإلهي.


لقب ابن الإنسان عن المسيح ومعناه المسياني

 



أكثر الألقاب التي استخدمها المسيح عن نفسه، هو " ابن الإنسان ".


ولكن لم يستخدم أحد آخر هذا اللقب. وقد استخدمه المسيح في مناسبات عديدة، فأحياناً كان يرتبط ارتباطاً مباشراً بخدمته العامة، كما في قوله: إن " ابن الإنسان " هو "رب السبت"

(مر 2: 28). أو أن " لابن الإنسان سلطاناً... أن يغفر الخطايا " (مر 2: 10). وأحياناً يرتبط ارتباطاً مباشراً بآلامه، كما في قوله " إن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً ويرفض " (مر 8: 31). وفي أحيان أخرى في الإشارة إلى مجيئه في المستقبل، كما في قوله لرئيس الكهنة: " سوف تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً في سحاب السماء" (مرقس 14: 62). فماذا كان يعني الرب يسوع بهذا اللقب، ولماذا استخدمه؟

لقد سبق أن استخدم لقب "ابن الإنسان" أو "ابن آدم" من قبل، ولكنه في مز 8: 4 يشير إلى الإنسان. وفي نبوة حزقيال يشير "ابن آدم" إلى النبي حزقيال نفسه. ولكن نجد استخداماً مختلفاً في نبوة (دانيال 7: 13) حيث نقرأ:

"وإذا مع سحب السماء مثل ابن الإنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه"، وهي عبارة قوية الشبه بما جاء في إنجيل (مرقس 14: 62). كما ورد هذا اللقب في بعض الكتابات الأبوكريفية (مثل تشبيهات سفر أخنوخ) حيث يشير إلى كائن سابق الوجود، سيأتي ليدين أعداء الله ويقضي عليهم. من كل هذا يتضح لنا أن استخدام المسيح للقب "ابن الإنسان" استخدام فريد لا نظير له.

والأقوال التي تتضمن لقب "ابن الإنسان" موزعة في الأناجيل الأربعة دون أي اختلافات تُذكر. ولكن ما يدعو للدهشة هو أنه بينما يرد ذكر هذا اللقب كثيراً في الأناجيل على فم المسيح نفسه، فإن أحداً من كُتَّاب أسفار العهد الجديد أو المسيحيين الأوائل لم يستخدمه، ولا يظهر سوى مرة واحدة في سفر أعمال الرسل 7: 56، حيث يستخدمه استفانوس، ومن هنا يتضح أن هذا اللقب كان له معناه الخاص عند المسيح، لم يكن عند الآخرين. مما لاشك فيه أنه كان يشير به إلى نفسه، وليس لأحد آخر كما يثبت ذلك من الدراسة الدقيقة لكل الأقوال التي جاء بها لقب "ابن الإنسان". والأرجح أنه استخدم هذا اللقب لأنه أراد أن يتجنب استخدام كلمة "مسيا" التي كانت تحمل مضموناً سياسياً. ولكن ماذا كان يقصد المسيح من لقب "ابن الإنسان؟"، إنه لقب غني بفكرة "الناسوت"، ويمكن أن تكون الإشارة إلى ابن الإنسان في نبوة دانيال، كما لعل فيها إشارة إلى فكرة "العبد المتألم" (إش 53). والأرجح أن الكنيسة الأولى فضلت استخدام اللقب، "المسيح" (المسيا) لأنه اللقب الذي يشير إلى المخلص الملكي، فبعد موت المسيح لم يعد هناك خوف من سوء الفهم السياسي.

 

وكلمة "المسيح" (مسيَّا) لم يستخدمها الرب يسوع أبداً في تعليمه. والمرة الهامة التي قبل فيها وصفه "بالمسيح" كانت عندما قال له بطرس في قيصرية فيلبس:

"أنت المسيح ابن الله الحي" (مت 16: 16)، وقد سجلت هذا الاعتراف الأناجيل الثلاثة الأولى. ويسجل متى تعليق المسيح على هذا الاعتراف بالقول "طوبى لك يا سمعان ابن يونا، إن لحماً ودماً لم يعلن لك، لكن أبي الذي في السموات" (مت 16: 17). فواضح أن الرب قبل هذا الاعتراف واعتبره إعلاناً من الله. وثمة مرة أخرى لم يرفض فيها هذا اللقب، وذلك في إجابته على سؤال رئيس الكهنة: "أأنت المسيح ابن المبارك؟" (مر 14: 16). وفي إنجيل يوحنا يقول أندراوس لأخيه بطرس: "قد وجدنا مسيا الذي تفسيره المسيح" (يو 1: 41). كما أن المرأة السامرية قالت له: "أنا أعلم أن مسيا الذي يقال له المسيح يأتي"... فقال لها يسوع "أنا الذي أكلمك هو" (يو 4: 25، 26).

لقد كان هناك توقع كبير عند اليهود أن مخلصاً سيأتي للقضاء على أعدائهم من الرومان، ولكن كانت تختلف آراؤهم حوله (فمن قائل إنه قائد عسكري، وقائل إنه محارب سماوي)، وكذلك اختلفت الآراء حول طرقه (فكان الغيورون يعتقدون أن الخلاص لن يأتي إلا بثورة مسلحة). ومن ذلك يمكن أن نفهم لماذا لم يتكلم الرب يسوع عن مسيانيته.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دائرة المعارف الكتابية