الثلاثاء، 5 مايو 2026

هل أمر يسوع تلاميذه أن يأخذوا عصا للطريق أم لا؟! (مت10: 10؛ مر6: 8؛ لو9: 3)

 




متى 10: 10 (قارن مرقس 6: 8)—هل أمر يسوع التلاميذ بأخذ عصا أم لا؟

متى 10: 9-10: «لاَ تَقْتَنُوا ذَهَباً وَلاَ فِضَّةً وَلاَ نُحَاساً فِي مَنَاطِقِكُمْ، وَلاَ مِزْوَدًا لِلطَّرِيقِ وَلاَ ثَوْبَيْنِ وَلاَ أَحْذِيَةً وَلاَ عَصاً، لأَنَّ الْفَاعِلَ مُسْتَحِقٌّ طَعَامَهُ.»

لوقا 9: 3: "وَقَالَ لَهُمْ: «لاَ تَحْمِلُوا شَيْئًا لِلطَّرِيقِ: لَا عَصًا وَلَا مِزْوَدًا وَلَا خُبْزًا وَلَا فِضَّةً، وَلَا يَكُونُ لِلْوَاحِدِ ثَوْبَانِ."

لوقا 10: 4: "لَا تَحْمِلُوا كِيسًا وَلَا مِزْوَدًا وَلَا أَحْذِيَةً، وَعَلَى الطَّرِيقِ لَا تُسَلِّمُوا عَلَى أَحَدٍ."

مرقس 6: 8: «وَأَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يَحْمِلُوا شَيْئاً لِلطَّرِيقِ غَيْرَ عَصاً فَقَطْ، لاَ مِزْوَدًا وَلاَ خُبْزاً وَلاَ نُحَاساً فِي الْمِنْطَقَةِ.»

 

المشكلة: في إنجيل متى، يبدو أن يسوع يقول إن على التلاميذ ألا يأخذوا عصا، ولكن في إنجيل مرقس يظهر أنه يسمح لهم بالحصول على واحدة.

 

الحل: 


يكشف الفحص الدقيق أن الرواية في (مرقس 6: 8) تعلن أن التلاميذ لا يجب أن يأخذوا شيئًا سوى عصا، وهي ما يحمله المسافر عادةً. بينما تذكر الرواية في إنجيل متى أنه لا يجب عليهم اقتناء عصا أخرى (إضافية).

لا يوجد أي تعارض بين هذه النصوص.

رواية مرقس تقول إن بإمكانهم أخذ العصا التي معهم بالفعل، بينما يقول إنجيل متى إنه لا ينبغي لهم أخذ عصا إضافية لإن إنجيل متى كان واضحًا في عدم أخذ شيء إضافي: " وَلاَ ثَوْبَيْنِ" ولوقا فعل نفس الأمر فقال: " وَلَا يَكُونُ لِلْوَاحِدِ ثَوْبَانِ".[1]

إنّ متى 10: 10 يتضمن ما يبدو أنه إيضاح أبعد: لم يكن عليهم أن يقتنوا [ktēsēsthe - كيتيسيسثي] (أي يستحدثوا أو يشتروا) عصا كجزء من معداتهم الخاصة للجولة.

ويبدو أن مرقس 6: 8 يشير إلى أن هذا لم يكن يتطلب بالضرورة التخلص من أو ترك حتى عصا المشي التي كانوا يحملونها معهم عادةً أينما ذهبوا، بينما كانوا يتبعون يسوع خلال خدمته التعليمية.[2]

وكما يقول Lange (Commentary on Mark، ص 56):

(كان عليهم أن يمضوا بعصاهم، كما كانت لديهم في ذلك الوقت؛ لكن لم يكن عليهم أن يبحثوا عن واحدة بعناية، أو يجعلوها شرطًا لسفرهم).

ثم يلخص Lange الفقرة كما يلي:

(الفكرة الجوهرية هي هذه، أنهم كانوا سيخرجون بأقل قدر من المؤونة، وفي حالة اعتماد على التدبير الإلهي في الطريق... ولا نجد في تعبيرات مرقس سوى رؤية أكثر تعبيرًا عن حالة غربتهم، حيث لا يُثقلون بأقل عبء ممكن، ويكونون أحرارًا بقدر الإمكان من كل هم).

فيقول النص بوضوح: "لاَ تَقْتَنُوا.. وَلاَ ثَوْبَيْنِ وَلاَ أَحْذِيَةً وَلاَ عَصاً" (بصيغة الجمع في النص اليوناني الذي يشير إلى الأدوات الإضافية: الآيات 9-10). النص لا يقول إنه لا ينبغي لهم أخذ عصا (بصيغة المفرد كأداة أساسية).

وإذا فهمنا النص على أنه يعني المنع التام لكل ما هو مذكور، فهل سيسير التلاميذ بدون حذاء أيضًا؟! أم أنه يستثنى الحذاء الذي يستخدموه الآن؟ بالطبع يستثنى ما يستخدموه الآن، فالمنع هو مما سيقومون بشراءه للاعتماد عليه، وليس مما يملكونه الآن أصلًا.

وكانت العصا قديمًا مثل الحذاء يستخدمها جميع البشر أثناء السفر لإنها تساعدهم على السير وتكون وسيلة دفاعية ضد الحيوانات البرية. والمطلوب هُنا ليس ألا يحملوا عصا، بل ألا يحملوا عصا إضافية أو يذهبوا لشراء عصا أفضل من التي معهم، بل ليتكلوا بشكل كامل على الله.

فالقصد من النصوص الكتابية بين الأناجيل الثلاثة هو نفسه: خذوا بأقل المؤن وتوكلوا على صلاح الله. ركّز متى ولوقا على اقتناء الممتلكات في أثناء السفر (ولهذا استخدم متى المصطلح اليوناني "ktaomai" أي "يقتني") أو على إحضار مؤن إضافية (ولهذا جاء prohibition (المنع) في هذا النص ضد "ثوب إضافي").[3]

لذا لا يوجد تناقض.

 

ملاحظة ختامية:

 

لا نندهش عندما يكون معنى كلمات يسوع وجوهرها هو نفسه، لكن الصياغة مختلفة. فقط إذا كان لدى المرء عقل ناموسي غليظ لا يهتم بالمعنى بل بالحرف سيجد فرق على أي حال حتى وإن اتفقت الألفاظ.

بالتأكيد المبشرون الأوائل الذين قرأوا نسخة متى لم يكونوا ليشعروا بالذنب إذا التقطوا عصًا غليظة لمساعدتهم أثناء صعودهم تلاً شديد الانحدار. كانوا يسافرون ببساطة، غير مستعدين للمشاكل العادية للسفر، وكانوا يقبلون مساعدة الأشياء التي يملكونها ليستخدموها، بشكر لله. يسوع عادة ما يتحدث بطريقة المبالغة (hyperbole) لمعلم حكيم، وليس بلغة القانون افعل ولا تفعل، فهناك هدف أساسي وراء كل قول قاله يسوع وليس سجل قانوني بالمحذورات.

وأخيرًا، تدعونا هذه النصوص إلى ألا نخسر الغابة من أجل الأشجار. لقد دعا يسوع مبشريه إلى السفر ببساطة، بدون المؤن العادية للرحلة. كان عليهم أن يتكلوا على الله لإعالتهم. ماذا يعني ذلك بالنسبة لنا نحن الذين نسمي أنفسنا تلاميذ يسوع في عصرنا الحريص على الأمان؟

عندما لا نفكر في الانطلاق في أية مهمة، سواء أمر بها الله أم لا، بدون عشرة أضعاف المؤن العادية التي منعها يسوع (بطاقة ائتمان بالإضافة إلى نقود؛ حقيبة ملابس وليس مجرد ثوب إضافي)، فإن مسألة ما إذا كانت الأحذية أو العصا مسموحة أو ممنوعة للاثني عشر تتلاشى حتى تصبح غير ذات أهمية.[4]

 



[1] Norman L. Geisler and Thomas A. Howe, When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (Wheaton, Ill.: Victor Books, 1992). 339

[2] Gleason L. Archer, New International Encyclopedia of Bible Difficulties, Zondervan's Understand the Bible Reference Series (Grand Rapids, MI: Zondervan Publishing House, 1982). 326

[3] Ted Cabal, Chad Owen Brand, E. Ray Clendenen, Paul Copan, J.P. Moreland and Doug Powell, The Apologetics Study Bible: Real Questions, Straight Answers, Stronger Faith (Nashville, TN: Holman Bible Publishers, 2007). 1477

[4] Walter C. Kaiser, Jr., Peter H. Davids, F. F. Bruce, Manfred T. Brauch and Walter C. Kaiser, Hard Sayings of the Bible (Downers Grove, Il: InterVarsity, 1997). 422


التسلسل الزمني لملوك إسرائيل ويهوذا

 


تسلسل زمني لملوك إسرائيل ويهوذا[1]

بقلم كيرك لوري

 

سواء كانت قصة بسيطة أو تاريخًا معقدًا، فإن العنصر الأساسي هو الزمن. فهو يحدد السبب والنتيجة، والفعل والعاقبة. سفرا الملوك ليسا استثناءً من ضرورة ربط حدث بآخر في الزمن. يتتبع الكاتب أعمال الملوك والحكام عبر الزمن بتسجيل بداية ونهاية ومدة حكم كل ملك على التوالي. يرغب القراء المعاصرون بطبيعة الحال في ربط التسلسل الزمني لسفرَي الملوك بأنظمة التأريخ التي نستخدمها اليوم، لكي نتمكن من ربط الأحداث المُروية هناك ببعضها البعض، وبالأحداث المعاصرة في الأراضي المحيطة بإسرائيل ويهوذا القديمتين، وذلك من أجل استعادة السياق الأصلي لتلك الأحداث.

يقوم سفرا الملوك بمزامنة فترات حكم المملكتين الشمالية والجنوبية في المُلك المُقسَّم، بالإضافة إلى تقديم عدد السنوات التي حكمها الملك.

لكن هناك مشكلة بالغة الخطورة. يبدو أن هذه الأرقام والمزامنات في تناقض مستمر مع بعضها البعض. يبدو من الصعب، بل ربما المستحيل، وضع تسلسل زمني يأخذ في الاعتبار كل هذه الأرقام ويتفق مع التسلسلات الزمنية الثابتة للشرق الأدنى القديم. قادت هذه التعارضات العددية الكثيرين إلى استنتاج أن سفرَي الملوك لا يمكن أن يكونا شاهدين أمينين على تاريخ إسرائيل. إذا أخطأ الكاتب في الأرقام، فماذا أيضًا أخطأ فيه؟

إليكم مثالاً على مشكلة واحدة: غالبًا ما لا تتوافق المزامنة المُعطاة لبداية حكم ملك ما مع إجمالي عدد السنوات المُعطاة لذلك الحكم. يقول (1 ملوك 15: 25: وَنَادَابُ بْنُ يَرُبْعَامَ مَلَكَ عَلَى إِسْرَائِيلَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لآسَا مَلِكِ يَهُوذَا، وَمَلَكَ عَلَى إِسْرَائِيلَ سَنَتَيْنِ) إن حكم ناداب على إسرائيل بدأ في السنة الثانية لآسا ملك يهوذا. ويقول (1 ملوك 15: 28 فَأَمَاتَهُ بَعْشَا فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لآسَا مَلِكِ يَهُوذَا، وَمَلَكَ مَكَانَهُ) إن ناداب مات في السنة الثالثة لآسا؛ أي أنه حكم سنة واحدة. لكن (1 ملوك 15: 25) يقول إنه حكم سنتين. هذه فئة واحدة من التعارض.

الفئة الثانية من التعارض تتعلق بالسنة التي كان من المفترض أن يبدأ فيها الملك حكمه. يقول (2 ملوك 3: 1: وَيُورَامُ بْنُ أَخْآبَ مَلَكَ عَلَى إِسْرَائِيلَ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ عَشَرَةَ لِيَهُوشَافَاطَ مَلِكِ يَهُوذَا، وَمَلَكَ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً) إن يورام بدأ يحكم في إسرائيل في السنة الثامنة عشرة ليهوشافاط ملك يهوذا. لكن (2 ملوك 1: 17: فَمَاتَ حَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ إِيلِيَّا. وَمَلَكَ يَهُورَامُ (أخزيا لم يكن له ابن) مَكَانَهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِيَهُورَامَ بْنِ يَهُوشَافَاطَ مَلِكِ يَهُوذَا، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ابْنٌ) يقول إنه بدأ يحكم في السنة الثانية ليهورام بن يهوشافاط. مجموع سنوات حكم ملوك إسرائيل ويهوذا هو مصدر ثالث للتناقض. المجموع الكلي لسنوات ملوك إسرائيل من ياهو (يهو) إلى فقحيا هو 114 سنة و7 أشهر. وفي نفس الفترة الزمنية في يهوذا (من عثليا إلى عزريا) يصل المجموع إلى 128 سنة، أي بفارق 14 سنة.

عندما نقارن مجموع سنوات حكم إسرائيل مقارنة بنفس الفترة لآشور، نجد أن ملوك إسرائيل حكموا 12 سنة أطول من ملوك آشور. وملوك يهوذا حكموا أطول بـ 25 سنة! بما أن الأرقام غير متطابقة، يجب أن نستنتج إما أن أحدًا ما ارتكب خطأً، أو أن الأرقام تعني شيئًا مختلفًا عما نتصوره.

في عام 1951، نشر إدوين ثييل كتاب The Mysterious Numbers of the Hebrew Kings الذي قدم فيه حلولاً للمشكلات الموضحة أعلاه. اكتشافاته ومبادئه المستخدمة لتنسيق سنوات حكم إسرائيل ويهوذا مع تسلسل زمني مطلق تم تلخيصها هنا.

في المملكة الشمالية، إسرائيل، كانت سنة الحكم تُحسب من شهر نيسان في الربيع، بينما في يهوذا، كانت سنة الحكم تبدأ في شهر تشري في الخريف. كلا هذين النظامين يتداخلان مع رأس السنة الميلادية في يناير. يجب أيضًا أن نأخذ في الاعتبار أن كلا النظامين التقويميين قمريان، وليس التقويم الشمسي المستخدم اليوم؛ أي أن كل شهر يتكون من 30 يومًا تمامًا وفقًا لأطوار القمر. إحدى النتائج الهامة لكل هذا هي أن سنة الحكم في إسرائيل تبدأ في الربيع وستتداخل مع أجزاء من سنتَي حكم في يهوذا تبدأان في الخريف. إذا اعتلى ملك يهوذا العرش قبل يناير بقليل، فإن سنة توليه العرش ستتزامن، على سبيل المثال، مع السنة الثالثة من حكم ملك في إسرائيل. ومع ذلك، إذا اعتلى ملك يهوذا العرش بعد ستة أشهر في الصيف التالي، فإن سنة توليه العرش ستتزامن مع السنة الرابعة للملك الإسرائيلي.

المبدأ الثاني المستخدم لحل التعارضات العددية هو فهم أن طريقة حساب سنوات الحكم كانت مختلفة في المملكتين. فهل تشمل السنة الأولى للملك السنة الجزئية حتى رأس السنة التالية، أم أن السنة الأولى لحكم الملك تُحسب من بداية السنة التالية؟

في الشرق الأدنى القديم، اتبعت بعض الدول الطريقة الأولى وأخرى الثانية. الطريقة الأولى تُسمى تأريخ "سنة التولي" (accession year)، ولا تُحتسب السنة الجزئية؛ ويمكن تسميتها "السنة صفر". أما الطريقة الثانية فتُسمى تأريخ "سنة غير التولي" (non-accession year)، وتحتسب أي سنة جزئية على أنها "السنة الأولى". هذا يعني أن الأمم التي تستخدم نظام تأريخ "سنة غير التولي" تكون دائمًا متقدمة بسنة واحدة عن تلك التي تستخدم تأريخ "سنة التولي". ولكل ملك جديد، تزيد السنوات بمقدار سنة واحدة في الزمن المطلق. بالنسبة لتأريخ "سنة غير التولي"، يجب طرح سنة واحدة لكل ملك، من أجل البقاء متزامنًا مع التسلسل الزمني المطلق.

استخدمت يهوذا نظام "سنة التولي" من رحبعام إلى يهوشافاط؛ ثم استُخدم نظام "سنة غير التولي" من يهورام إلى يوآش. بدءًا من الحاكم التالي، أمصيا، عادت يهوذا إلى نظام "سنة التولي" حتى تدمير أورشليم. في إسرائيل، استُخدم نظام "سنة غير التولي" فقط طوال تاريخها؛ أي من يربعام إلى يهوآحاز. على سبيل المثال، العدد الإجمالي للسنوات الرسمية لحكم ملوك يهوذا من رحبعام إلى يهوشافاط هو 79 سنة؛ العدد الإجمالي لسنوات الحكم لنفس الفترة في إسرائيل (من يربعام إلى أخزيا) هو 86 سنة. لكن عندما نطرح سنة واحدة لكل من ملوك إسرائيل السبعة بسبب استخدام إسرائيل لنظام "سنة غير التولي"، يصبح المجموع النهائي 79 سنة، وهو ما يتوافق مع سجل يهوذا.

مصدر آخر للارتباك هو كيفية الإبلاغ عن سنوات الحكم. بما أن كل أمة كانت لها طريقتها الخاصة في الإبلاغ (سنة التولي أو سنة غير التولي accession year or non-accession-year)، فإنها كانت تبلغ عن أرقام المملكة الأخرى وفقًا لطريقتها الخاصة. وهكذا، كان لرحبعام حكم مدته 17 سنة وفقًا لنظام تسجيل يهوذا (سنة التولي)، ولكن نظام إسرائيل (سنة غير التولي) حسب لرحبعام 18 سنة. يقول (1 ملوك 15: 25) إن حكم ناداب على إسرائيل بدأ في السنة الثانية لآسا ملك يهوذا. وبما أن إسرائيل استخدمت نظام "سنة غير التولي"، فإن السنة الثانية لآسا ستكون السنة الأولى وفقًا لتأريخ يهوذا لسنة التولي. اعتمادًا على المصدر الذي كان الكاتب يستخدمه، "السجل التاريخي لملوك إسرائيل" (1 ملوك 14: 19: وَبَقِيَّةُ أُمُورِ يَرُبْعَامَ، كَيْفَ حَارَبَ وَكَيْفَ مَلَكَ، هِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي سِفْرِ أَخْبَارِ الأَيَّامِ لِمُلُوكِ إِسْرَائِيلَ) أو "السجل التاريخي لملوك يهوذا" (1 ملوك 14: 29: بَقِيَّةُ أُمُورِ رَحُبْعَامَ وَكُلُّ مَا فَعَلَ، أَمَا هِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي سِفْرِ أَخْبَارِ الأَيَّامِ لِمُلُوكِ يَهُوذَا)، يجب أن يأخذ حساب سنوات الحكم والمزامنة بين الملكين هذه الاختلافات في الاعتبار.

المبدأ الرابع المستخدم لحل التعارضات العددية لسنوات الحكم هو الاعتراف بأن بعض فترات الحكم تتداخل (خاصة في إسرائيل) وبعض الملوك كانوا شاركين في الحكم (خاصة في يهوذا). أحيانًا يتم ذكر هذه التداخلات والمشاركة في الحكم صراحةً في النص (على سبيل المثال، «حِينَئِذٍ انْقَسَمَ شَعْبُ إِسْرَائِيلَ نِصْفَيْنِ، نِصْفٌ كَانَ وَرَاءَ تِبْنِي بْنِ جِينَةَ لِيُمَلِّكُوهُ، وَنِصْفٌ كَانَ وَرَاءَ عُمْرِي. فَغَلَبَ الشَّعْبُ الَّذِينَ وَرَاءَ عُمْرِي عَلَى الشَّعْبِ الَّذِينَ وَرَاءَ تِبْنِي بْنِ جِينَةَ، فَمَاتَ تِبْنِي وَمَلَكَ عُمْرِي. فَمَلَكَ عُمْرِي عَلَى إِسْرَائِيلَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. مَلَكَ فِي تِرْصَةَ سِتَّ سِنِينٍ.» (1 ملوك 16:21–23)) بشكل يسمى "التأريخ المزدوج" (dual dating). وفي أغلب الأحيان، يجب استنتاج وإعادة بناء فترات الحكم المتداخلة. في المجمل، تم تحديد تسعة فترات حكم متداخلة، ستة ليهوذا وثلاثة لإسرائيل.


كيف يتم ربط التسلسل الزمني النسبي للملوك العبرانيين بالأحداث التاريخية المعاصرة؟


تسجل قوائم الملوك الآشوريين كسوفًا للشمس حددته الحسابات الفلكية أنه حدث في 15 يونيو عام 763 ق.م. هذا يسمح لنا بتحديد التاريخ المطلق لمعظم الملوك الآشوريين، وبالتالي الأحداث المختلفة لفترات حكمهم من سجلات بلاطهم. في السنة السادسة لشلمنصر الثالث، حارب الآشوريون تحالفًا من الملوك الآراميين (سوريا الحديثة الآن) سُمي "معركة قرقر" the Battle of Qarqar عام 853 ق.م.، ومن بين أسماء الملوك المدرجة أخآب ملك إسرائيل. (هذا الحدث غير مسجل في الكتاب المقدس). في السنة الثامنة عشرة لشلمنصر الثالث، عام 841 ق.م.، تظهر السجلات الآشورية أن شلمنصر تلقى جزية من ياهو (يهو) ملك إسرائيل. هناك 12 سنة بين معركة قرقر واستلام جزية ياهو، وكذلك 12 سنة بين موت أخآب وصعود ياهو إلى العرش (1 ملوك 22: 51: ثُمَّ مَلَكَ أَخَزْيَا بْنُ أَخْآبَ عَلَى إِسْرَائِيلَ فِي السَّمَرِيَّةِ، فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ عَشَرَةَ لِيَهُوشَافَاطَ مَلِكِ يَهُوذَا، وَمَلَكَ عَلَى إِسْرَائِيلَ سَنَتَيْنِ). وهكذا، مات أخآب عام 853 ق.م. وصعد ياهو إلى العرش عام 841 ق.م. وهذا يسمح بإجراء حسابات إضافية للتواريخ المطلقة للعديد من الملوك الآخرين لإسرائيل ويهوذا.

هناك مزامنة أخرى من السجلات الآشورية وهي سنة 701 ق.م. عندما حاصر سنحاريب ملك آشور أورشليم خلال السنة الرابعة عشرة لحكم حزقيا (2 ملوك 18: 13: وَفِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ عَشَرَةَ لِلْمَلِكِ حَزَقِيَّا صَعِدَ سَنْحَرِيبُ مَلِكُ أَشُّورَ عَلَى كُلِّ مُدُنِ يَهُوذَا الْحَصِينَةِ وَأَخَذَهَا). من معركة قرقر عام 853 ق.م. إلى حملة سنحاريب ضد حزقيا عام 701 ق.م. هي فترة 152 سنة، وفقًا للتسلسل الزمني الآشوري. وفقًا لسنوات ملوك إسرائيل ويهوذا المحسوبة بشكل صحيح من موت أخآب إلى السنة الرابعة عشرة لحزقيا، فهي أيضًا 152 سنة، مما يثبت أن المزامنة وطريقة حساب سنوات الحكم صحيحة.

لقد أظهر تاريخ الدراسات الكتابية في القرن العشرين مرارًا وتكرارًا أن "المشاكل" الكبرى في السجل الكتابي كانت نتيجة الجهل الحديث بالعالم القديم. إن حل التعارضات الظاهرية في التسلسل الزمني لسفرَي الملوك يُظهر موثوقية وجدارة السجل الكتابي لتاريخ الشرق الأدنى القديم.

 

الخلاصة


تتناول هذه الدراسة التي كتبها كيرك لوري الإشكالية الظاهرية في التسلسل الزمني لملوك إسرائيل ويهوذا كما هو مدون في سفرَي الملوك، حيث تبدو أرقام سنوات الحكم والمزامنات بين المملكتين متناقضة.

يعرض الكاتب الحلول التي اكتشفها إدوين ثييل عام 1951، والتي تقوم على عدة مبادئ أساسية:

أولاً، اختلاف بداية السنة الملكية بين المملكتين (نيسان في إسرائيل مقابل تشري في يهوذا)، وكون التقويمين قمريين.

ثانيًا، اختلاف طريقة حساب سنوات الحكم: نظام "سنة التولي" (accession year) الذي لا يحتسب السنة الجزئية، ونظام "سنة غير التولي" (non-accession year) الذي يحتسبها كسنة أولى، مما يؤدي إلى فروق عددية يمكن تصحيحها بالطرح أو الإضافة.

ثالثًا، تداخل فترات الحكم والمشاركة في الحكم (coregencies)، خاصة في يهوذا.

رابعًا، ربط التسلسل الزمني النسبي بأحداث مطلقة من التاريخ الآشوري، مثل معركة قرقر (853 ق.م. التي شارك فيها أخآب) وتقديم ياهو (يهو) الجزية لشلمنصر (841 ق.م.)، وحصار سنحاريب لأورشليم (701 ق.م.)، والتي تتطابق مع حسابات الكتاب المقدس عند تطبيق المبادئ الصحيحة، مما يثبت موثوقية السجل الكتابي.

تخلص الدراسة إلى أن ما بدا تناقضات هو نتيجة جهل حديث بالطرق القديمة في التأريخ، وليس أخطاء في النص المقدس.

  



[1] Ted Cabal, Chad Owen Brand, E. Ray Clendenen, Paul Copan, J.P. Moreland and Doug Powell, The Apologetics Study Bible: Real Questions, Straight Answers, Stronger Faith (Nashville, TN: Holman Bible Publishers, 2007). xxxvi


السبت، 25 أبريل 2026

قانون العهد الجديد، جريج كوكل

 


يمكنك تحميله مباشرة من هُنا:

قانون العهد الجديد[1]

 

جريج كوكل



[1] مترجم عن:

Koukl, G. (2023, May 1). The New Testament Canon: Which Books and Why? Stand to Reason. https://www.str.org/w/the-new-testament-canon-which-books-and-why-


تُهدد أخطار مزدوجة المسيحيين الذين يسعون للملاحة في المياه المتلاطمة لأصول قائمة الكتب السبعة والعشرين التي تشكل قانون العهد الجديد. وكما هو الحال مع الوحوش الأسطورية "Scylla" و"Charybdis[1] تنتظرهم الأخطار على جانبي المضيق: تهديد علماني وتهديد ديني.


سكيلا (Scylla)


يمكن العثور على النسخة العلمانية لأصول القانون في واحد من أنجح الأعمال الروائية في القرن الحادي والعشرين، رواية "شفرة دا فينشي" (The Da Vinci Code) لدان براون.

يقدم براون مؤامرة معقدة من الأناجيل الفاسدة، والخداع العقيدي، والقمع اللاهوتي، وحرق الكتب. ووفقاً لبراون، كان مركز هذا الخداع الهائل المفروض على المسيحيين في جميع أنحاء العالم هو مجمع نيقية، الذي انعقد في عام 325م بناءً على طلب الإمبراطور قسطنطين.

يشرح أحد أبطال براون، المؤرخ سير لي تيبينج، جوهر المؤامرة للمشفِّرة الفرنسية صوفي نيفو:

"الكتاب المقدس هو نتاج (إنسان) يا عزيزتي. وليس نتاج الله. الكتاب المقدس لم يسقط سحرياً من الغيوم. لقد صنعه الإنسان كسجل تاريخي لأوقات مضطربة، وقد تطور من خلال ترجمات وإضافات ومراجعات لا حصر لها. لم يكن للتاريخ أبداً نسخة نهائية من الكتاب....

سألت صوفي: "من اختار أي الأناجيل يتم تضمينها؟".

اقتحم تيبينج الحديث بحماس: "أها! السخرية الجوهرية للمسيحية! الكتاب المقدس، كما نعرفه اليوم، تم تجميعه من قبل الإمبراطور الروماني الوثني قسطنطين العظيم....

كان قسطنطين بحاجة إلى تقوية التقليد المسيحي الجديد، وعقد تجمعاً مسكونياً شهيراً يُعرف باسم مجمع نيقية....

كلف قسطنطين وموّل كتاباً مقدساً جديداً، أغفل تلك الأناجيل التي تحدثت عن سمات المسيح (البشرية) وزخرف تلك الأناجيل التي جعلته شبيهاً بالإله. تم حظر الأناجيل السابقة، وجمعها، وحرقها....

الكتاب المقدس الحديث تم تجميعه وتحريره من قبل رجال امتلكوا أجندة سياسية —لتعزيز ألوهية الإنسان يسوع المسيح واستخدام نفوذه لترسيخ قاعدة قوتهم الخاصة".[2]

على الرغم من أن رواية براون هي عمل خيالي، إلا أن شهادة سير تيبينج قد زعزعت بشكل مفهوم ثقة العديد من المسيحيين.

لقد ضلل دان براون قراءه؛ فتوصيفه لولادة قانون العهد الجديد هو تلفيق كامل.

الحقائق الأساسية هي هذه:[3] استدعى الإمبراطور قسطنطين المجمع وترأسه في عام 325م. نوقشت ثلاث نقاط رئيسية: مسألة عيد الفصح، والانشقاق الميليتي، ولاهوت المسيح. لم يكن (القانون) أبداً موضوعاً للنقاش في نيقية، لسبب وجيه؛ فمن الناحية العملية، كانت شرعية الأناجيل الأربعة القياسية —ومعظم بقية العهد الجديد— قد حُسمت قبل قرون.[4]


تشارييديس (Charybdis)


يقع التهديد الديني على الجانب الآخر من المضيق. يصف الأب الكاثوليكي كريس الار خطأً معاكساً:

"لا يمكنك قبول الكتاب المقدس ورفض السلطة التي جاء منها —بمعنى آخر، الأساقفة الكاثوليك— لأنه كان في مجمعي قرطاج وهيبو في 393 و397 م اللذين حددا كل واحد من تلك الكتب التي تدخل في ذلك الكتاب المقدس. هذا الكتاب المقدس هو كتاب كاثوليكي. الآن، بالطبع هو يأتي من الله، وقد استخدم مؤلفين بشريين، ولكن ما هي الكتب التي دخلت في ذلك الكتاب المقدس تم تحديدها من قبل الكنيسة الكاثوليكية الرومانية".[5]

هذه النسخة الدينية لولادة القانون هي أيضاً خيال. لم تكن هناك كنيسة كاثوليكية رومانية (بالمفهوم المؤسسي اللاحق) في ذلك الوقت. كان هناك أساقفة مسيحيون، وليس أساقفة كاثوليك بالمعنى الطائفي الضيق.

هناك مشكلة ثانية؛ فالمنهج نفسه مضلل. إذا كان قانون العهد الجديد عبارة عن قائمة كتب اختارتها سلطة شرعية —يفترض أنها الكنيسة الكاثوليكية— فمن أين حصلت تلك السلطة على شرعيتها في المقام الأول؟ علاوة على ذلك، كانت قوائم شبه كاملة للكتب القانونية تتداول قبل مئات السنين من مجامع قرطاج أو هيبو. لم يقم أي مجمع كنسي من أي نوع بـ "تحديد" الكتب التي دخلت في الكتاب المقدس.

 

مُعترَف بها، وليست مُحدَّدة


لم يكن فعل السلطة العلمانية ولا فعل السلطة الكنسية مسؤولاً عن القانون الذي لدينا اليوم. اتضح أن قانون العهد الجديد ليس (قائمة سلطوية) من الكتب، بل هو (قائمة من الكتب السلطوية).[6] ترتيب الكلمات مهم.

القانون لا يستمد شرعيته من أي مجموعة خارجية تملك سلطة مستقلة لإعلان عمل ما على أنه موحى به. بل إن سلطة نصوص العهد الجديد هي (متأصلة بالفعل في الوثائق نفسها). ثم يتم (الاعتراف) بها لاحقاً كـ "أسفار مقدسة" أصيلة من قبل الكنيسة الجامعة (Catholic - كاثوليك).[7]

عندما أشار يوحنا المعمدان إلى يسوع وقال: "هُوَذَا حَمَلُ اللهِ" (يوحنا 1: 36)، لم يقم إعلان يوحنا بـ (تحديد) وظيفة يسوع المسيانية؛ بل (اعترف) بها. وبنفس الطريقة، كان كل سفر من أسفار العهد الجديد سلطوياً في اللحظة التي جف فيها الحبر على الرق، حتى وإن استغرق الأمر وقتاً لكي تعترف الكنيسة بها جميعاً في النهاية.

يذكر علماء العهد الجديد مايكل كروجر وأندرياس كوستونبيرجر:

"يتحدث آباء الكنيسة الأوائل باستمرار عن (الاعتراف) بالكتب أو (قبولها)، وليس إنشاؤها أو اختيارها. في أذهانهم، لم تكن السلطة الكتابية شيئاً يمكنهم منحه لهذه الوثائق، بل كانت شيئاً (كانوا يؤمنون) أنه موجود (بالفعل) في هذه الوثائق —لقد كانوا ببساطة يقبلون ما (سُلم) إليهم".[8]

 

القانون (Canon)

كلمة "قانون" (Canon - كانون) تعني ببساطة "قاعدة" أو "معياراً" أو "مقياساً". وعندما تُستخدم عن العهد الجديد، فإنها تشير إلى الإعلان الذي يفهمه المسيحيون على أنه يحمل الوزن الكامل للسلطة الإلهية.[9]

وعد يسوع جماعته الرسولية بأن الروح القدس سيمنحهم السلطة لنقل العقيدة السليمة:

"وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ" (يوحنا 14: 26).

"وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ، رُوحُ الْحَقِّ، الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي. وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا لأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ الابتِدَاءِ" (يوحنا 15: 26-27).

"وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ" (يوحنا 16: 13).[10]

 


الرسولية (Apostolicity)


كان القانون —المصدر السلطوي— في البداية هو (مَن) وليس (ماذا). أي شيء علمه الرسل كان سلطوياً لأن تلك السلطة قد أُعطيت لهم من يسوع نفسه.

عندما مات الرسل، استمروا في كونهم السلطة الموثوقة —القانون— ولكن الآن من خلال السجل المكتوب لتعليمهم: الأناجيل والرسائل التي تركوها وراءهم. لذلك، كان السؤال الأسمى للكنيسة الأولى حول أي عمل مدعى هو: هل له سلطة رسولية؟ إذا كان هناك إجماع على الأصول الرسولية للسفر، فإنه يتم الاعتراف بالنصوص فوراً كنصوص قانونية.[11]

بسبب المؤَلَّف الرسولي الواضح، اعتُبر جوهر مكون من 21 سفراً من أصل 27 سفراً سلطوياً.[12] وكان قانون العهد الجديد بالكامل تقريباً في مكانه بحلول نهاية القرن الأول.

بالطبع، لكي يكون العمل رسولياً، يجب أن يكون قد كُتب مبكراً —في وقت ما من القرن الأول. وهذا أحد أسباب استبعاد "إنجيل توما"؛ فهو وثيقة من القرن الثاني، وهو وقت متأخر جداً ليكون له نسب رسولي.[13]

 


الأرثوذكسية (Orthodoxy)


ساعدت السلطة الرسولية في تأمين معيار آخر حيوي للقانونية بالنسبة للكنيسة الأولى: الأرثوذكسية (Orthodoxy).

من المفارقات أن هرطوقياً هو من أطلق العملية الرسمية لتثبيت قانون العهد الجديد. نشأ النزاع عندما رفض الغنوصي ماركيون (حوالي 150م) كتابات كانت قد قُبلت كأصيلة لما يقرب من قرن.

أجبر النزاع قادة الكنيسة الأوائل على توضيح الكتب التي يعترفون بها كرسولية وسلطوية. يقول F.F. Bruce:

"لجأت [الكنيسة الأولى] إلى معيار الأرثوذكسية. وعنوا بـ (الأرثوذكسية) الإيمان الرسولي —الإيمان المعروض في الكتابات الرسولية غير المشكوك فيها والمحفوظ في الكنائس التي أسسها الرسل".[14]

 

في النقاش الذي أثاره ماركيون، حددت الكنيسة الأولى ثلاث فئات من الكتب [21]: "homologoumena" (هومولوجومينا) وهي النصوص التي لم تكن محل نزاع من قِبَل قيادة الكنيسة —20 سفراً من أصل 27.

والـ "antilegomena" (أنتيليجومينا) وهي التي كانت موضع نزاع؛ تلقى بعضها دعماً من بعض القادة دون غيرهم. وبعضها رُفض في النهاية (مثل راعي هرماس، الديداخي)، وقُبل البعض الآخر (يهوذا، يعقوب، العبرانيين، بطرس الثانية، الرؤيا، يوحنا الثانية والثالثة).

أما المجموعة الثالثة —المسماة "pseudepigrapha" (سوديبجرافا) أو ببساطة "الكتب الهرطوقية"— فقد تضمنت مئات الوثائق التي لم تتلقَ أي دعم واعتبرها جميع الآباء الأرثوذكس مزيفة تماماً.[15]

 

الجامعية (Catholicity)


على الرغم من أن جوهر نصوص العهد الجديد تمتع بموافقة إجماعية تقريباً في وقت مبكر، إلا أن تأكيد الكتب الأخرى استغرق وقتاً أطول. تلك الاختبارات الثلاثة —الرسولية، والأرثوذكسية، والجامعية— وجهت الكنيسة الأولى في اعترافها بالكتب القانونية.

أقدم قائمة للأعمال القانونية هي "القانون الموراتوري" (Muratorian Canon) (حوالي 200م). وبحلول نهاية القرن الرابع، أكدت ما لا يقل عن سبع قوائم من آباء كنيسة مختلفين الحدود الحالية للـ 27 سفراً.

قام أثناسيوس بتأليف قائمة كاملة بجميع أسفار العهد الجديد في عام 367م. يوضح John D. Meade و Peter J. Gurry:

"لم يعتقد أثناسيوس أنه ينشئ قانون العهد الجديد. هو لم (يختر) الأناجيل الأربعة، وأعمال الرسل، ورسائل بولس الأربع عشرة... بل قام، ولأول مرة، بجمع هذه المجموعات الفرعية لقانون العهد الجديد معاً".[16]

 

تلك الكتب الأخرى (الأسفار القانونية الثانية)

كانت كتب الأبوكريفا (Apocrypha - أبوكريفا) في العهد القديم أعمالاً تاريخية وحكمية يهودية كُتبت في الغالب خلال فترة ما بين العهدين.

أولاً، لم يقبل اليهود أبداً الأبوكريفا على قدم المساواة مع بقية الأسفار المقدسة. قال المؤرخ اليهودي يوسيفوس من القرن الأول إن الأنبياء كتبوا من موسى إلى أرتحشستا (ملاخي).[17]

ثانياً، لم يقتبس يسوع والرسل أبداً من الأبوكريفا، رغم اقتباسهم مئات المرات من كل أجزاء العهد القديم.[18]

ثالثاً، لم يكن هناك أبداً إجماع مسيحي على كتب الأبوكريفا. وبينما قبلها الكثيرون كـ "أسفار مقدسة" —مثل أغسطس وإيريناوس— فإن شخصيات ثقيلة أخرى مثل أثناسيوس، وأوريجانوس، وجيروم لم يفعلوا ذلك.[19]

لم يتم تقنين الأبوكريفا رسمياً من قِبَل مجمع مسكوني حتى الإصلاح، عندما قامت روما بتأكيدها رسمياً في مجمع ترنت عام 1546م.

الحقيقة الرئيسية هي: لقد كان هناك دائماً انقسام في القرار بشأن الأبوكريفا. ومكانها في القانون كان دائماً موضع تساؤل، والكتب المتنازع عليها تفشل في اختبار الجامعية.

يلخص Meade و Gurry الوضع جيداً:

"إن التفسيرات التي تختزل قصة القانون في ديناميكيات القوة، أو المؤامرات، أو الحكومة الكنسية المركزية، أو مجرد عملية اختيار من جانب (منتصري التاريخ) لا تفسر بشكل كافٍ القانون الذي لدينا اليوم.... لم ينشئ مجمع نيقية ولا أي مجمع عام واحد آخر القانون الكتابي. إن التاريخ الطويل لتطور القانون ليس مفاجئاً بسبب الخلافات حول الكتب، بل بسبب الاتفاق الواسع الملحوظ على الكثير مما يشكل الكتاب المقدس".[20]

جرى اعتراف الكنيسة بالقانون عبر مراحل بمرور الوقت تحت إرشاد الله السيادي. والنتيجة هي نفسها —كلمة الله قد حُفظت، كما وعد إشعياء:

"يَبِسَ الْعُشْبُ، ذَبُلَ الزَّهْرُ. وَأَمَّا كَلِمَةُ إِلهِنَا فَتَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ" (إشعياء 40: 8).



[1] كانت سكيلا (Scylla) وتشارييديس (Charybdis) وحوشاً أسطورية يونانية تقع على جانبي مضيق ميسينا، مهددة البحارة —مثل أوديسيوس بطل هوميروس— الذين كانوا يحاولون العبور من خلال الممرات الضيقة

[2] Dan Brown, The Da Vinci Code (New York, NY: Anchor Books, 2003), 231–234.

[3] Philip Schaff, History of the Christian Church, vol. II (Grand Rapids: Eerdmans, 1910). Schaff drew from the primary source accounts of Eusebius and Athanasius.

[4] "لم تحسم نيقية القانون، كما قد يتوقع المرء، ولكن الأسفار المقدسة كان ينظر إليها (بدون نزاع) كأساس يقيني وغير متزعزع للإيمان الأرثوذكسي"، Schaff, vol. II, 523.

[5] الأب كريس آلار، "لماذا يُعد الكتاب المقدس في الواقع كتاباً كاثوليكياً"، (فيديو يوتيوب)، Ascension Presents، 30 سبتمبر 2021، https://www.youtube.com/watch?v=khg8VSD6jF8. أدرك أن الأب آلار لا يقول فعلياً الكاثوليكية "الرومانية"، ولكن هذا هو مقصوده الواضح؛ فكلمة "جامعة" بمعنى "مسكونية شاملة" لا تستقيم في هذا السياق؛ إذ يتحدث آلار عن منظمة ذات سلطة، وليس عن مجموع جسد المسيحيين الموجودين.

[6] سمعتُ هذا التمييز أولاً من دانيل والاس (Daniel Wallace)، وهو باحث في النقد النصي للعهد الجديد.

[7] أعني بكلمة "جامعة" (catholic) هنا معناها المسكوني الشامل.

[8] Andreas J. Köstenberger and Michael J. Kruger, The Heresy of Orthodoxy (Downers Grove, IL; Crossway, 2010), 121.

[9] إذن، لا يوجد فرق بين "الأسفار الموحى بها" و"القانون" بالطريقة التي أستخدم بها هذه المصطلحات.

[10] غالباً ما يطبق المسيحيون هذا الوعد على أنفسهم، لكن لم يكن هذا قصد يسوع. فلو كان يسوع يقصد وعد جميع المؤمنين بأن الروح سيرشدهم جميعاً حتماً إلى جميع الحق، لكان وعده قد فشل بوضوح بما أن المسيحيين يختلفون في القضايا العقيدية طوال الوقت. بل كان هذا الوعد لأولئك الرسل الذين كانوا مع يسوع من البداية (يوحنا 15: 27)، بأن الروح القدس سيذكرهم بكل ما علّمهم إياه أثناء فترة وجوده معهم على الأرض (يوحنا 14: 26).

[11] بما أن السلطة الرسولية كانت حاسمة لأي سفر لكي يتم اعتباره ضمن قائمة العهد الجديد، فإن قانون الأسفار التي كانت سلطوية بطبيعتها (القانون "الجوهري" أو "الوجودي" - Ontological canon) قد أُغلق عندما توفي آخر الشهود الرسل في مكان ما قُرب نهاية القرن الأول، على الرغم من أن الكنيسة لم تصل إلى إجماع رسمي على القائمة الكاملة (الرؤية "الحصرية" للقانون - Exclusive view) حتى نهاية القرن الرابع.

[12] William D. Mounce, Why I Trust the Bible (Grand Rapids, MI; Zondervan, 2021), 103. Full agreement on 2 Peter, 2 and 3 John, Jude, James, and the book of Hebrews came later (see also footnote 22).

[13] Thomas does not show up in a single canonical list, nor is it found in any collection of New Testament manuscripts. See Köstenberger and Kruger, Heresy, 166.

[14] F.F. Bruce, The Canon of Scripture (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1988), 260.

[15] إنجيل توما، لكونه نصاً غنوصياً (Gnostic - غنوصي)، لا يستوفي أيضاً معيار الأرثوذكسية (Orthodoxy - أرثوذكسية).

[16] John D. Meade and Peter J. Gurry, Scribes & Scripture (Wheaton, IL; Crossway, 2022), 149.

[17] Josephus, Against Apion 1.38–41, as cited in F.F. Bruce, 33.

[18] يذكر يهوذا أخنوخ (يهوذا 14-15)، لكن ليس بصفته قانوناً سلطوياً. أيضاً، سفر أخنوخ ليس ضمن الأبوكريفا الكاثوليكية.

[19] See discussion in Meade and Gurry, 133–141.

[20] John D. Meade and Peter J. Gurry, Scribes & Scripture (Wheaton, IL; Crossway, 2022), 165.