البراهين على وجود الله
أول هذه الموضوعات، وأهمها، مسألة البراهين على وجود الله. ومحاولة
البرهان على وجود الله برهاناً عقلياً قديمة، بدأت في صورتها المنطقية المحكمة عند
أرسطو أي برهانه على المحرك الأول، ثم تعاقب الفلاسفة، خصوصاً في العصور الوسطى
الإسلامية والمسيحية على السواء، فأولوا هذه المسألة عناية بالغة. ولما كنا قد
عرضنا لهذه البراهين تفصيلاً وبحثنا في كتبنا المختلفة في تاريخ الفلسفة: «أرسطو»
(القاهرة، ط1 سنة 1943)، و«فلسفة العصور الوسطى» (القاهرة، ط1 سنة 1960)، و«تاريخ
الفلسفة في الإسلام» (بالفرنسية في جزئين، باريس سنة 1972) فإننا نقتصر هاهنا على
المعالم العامة لهذه البراهين، محيلين طالب المزيد في هذا الباب إلى هذه الكتب.
وأشهر هذه البراهين أو الحجج:
1- الحجة الوجودية.
2- الحجة الكونية.
3- الحجة الغائية.
4- الحجة الأخلاقية.
فلنأخذ في عرض كل واحدة منها بإيجاز:
1-
الحجة الوجودية Preuve ontologique
الواضع الأول لهذه الحجة في صورتها المنطقية المتصلة هو القديس أنسلم
(1033 - 1109). وعنه أخذها القديس بونا فنتورا (1221 - 1274)، ثم ديكارت (1596 -
1650) وليبنتس (1646 - 1716)، وهيجل (1770 - 1831).
وقد فندها في عصر أنسلم راهب يدعى جونيلون، كما فندها القديس توما
الأكويني (1225 - 1274)، ثم أمانويل كانت (1724 - 1804).
ولقد صرّح أنسلم بأنه لا يريد من ورائها إقناع غير المؤمن بوجود الله
بأن الله موجود، بل أراد أن يتعمق مضمون إيمانه:
«ذلك لأني لا أعقل لأؤمن، بل أؤمن لأعقل Credo ut intelligam».
ولهذا تستند حجته إلى أمرين:
1- عبارة وردت في سفر المزامير من الكتاب المقدس.
2- أن الوجود في العقل هو وجود حقاً وفعلاً.
أما عبارة «المزامير» (المزمور 13، عبارة 1) فتقول: «يقول الجاهل في
قلبه: لا إله». ويعلق أنسلم عليها قائلاً:
«لكن من المؤكد أن هذا الجاهل حين يسمع قولي:
«شيء لا يمكن تصور أعظم منه» يفهم ما يسمع - وما يفهمه موجود في عقله، حتى لو لم
يفهم أن هذا الشيء موجود. لكن الشيء الذي لا يمكن تصور أعظم منه، لا يمكن ألا يوجد
إلا في العقل فقط. لأنه إذا كان موجوداً في العقل فقط، فمن الممكن أن يتصور أنه
موجود في الواقع أيضاً، وهذا سيكون أعظم. وإذن فإذا كان «ما لا يمكن تصور أعظم منه
موجوداً في العقل فقط، فإن «ما لا يمكن تصور أعظم منه» سيكون شيئاً يمكن تصور أعظم
منه، - وهذا مستحيل طبعاً. فيوجد إذن، من غير شك، شيء لا يمكن تصور أعظم منه موجود
في العقل وفي الواقع معاً. وهو موجود حقاً بحيث لا يمكن تصور عدم وجوده».
وخلاصة هذه الحجة هي أن «ما لا يمكن تصور أكمل منه» لا بد أن يكون
موجوداً في الواقع، وليس في الذهن فحسب؛ وإلا لو كان موجوداً في الذهن فحسب، لأمكن
تصوره موجوداً في الواقع أيضاً، فلا يكون التصور الأول صحيحاً إذ هناك تصور أكمل
منه، بل سيكون تصوراً متناقضاً. وإذن فلا بد لـ «ما لا يمكن تصور أكمل منه» أن
يكون موجوداً في الواقع والذهن معاً.
وقد ردّ على هذه الحجة راهب يعاصر أنسلم يدعى جونيلون في كتابه Liber pro insipiente
(«دفاع عن الجاهل») فقال:
أ) إنه لم يثبت أنني أفهم مضمون العبارة:
«الكائن الذي لا يمكن تصور أعظم منه».
ب) وحتى لو فهمتها فإني لا أستطيع أن أستنتج
شيئاً منها يتعلق بحقيقة مدلولها في الواقع، ثم قضايا خاطئة عديدة أفهمها جيداً.
ج) وإذا كان كل ما هو كامل واقعياً، فيجب أن
أقرّ بوجود جزائر سعيدة توصف بل وأفهم مدلولها، لكني لا أستطيع مطلقاً أن أستنتج
من ذلك أنها موجودة بالضرورة.
وردّ أنسلم على اعتراضات جونيلون هذه، فقرر بأن هذه الحجة الثالثة
المتعلقة بالجزائر السعيدة حجة صحيحة، وهي سليمة في جميع الأحوال، إلا في حالة
واحدة هي حالة الله، لأن حالة الله حالة خاصة تماماً متميزة عن سائر الأحوال:
« فإذا زعم أحدٌ أن الله غير موجود، فإني أقول
إنه حين يظن ذلك فإنه إما أن يفكر فيمن لا يمكن تصور أعظم منه، أو هو لا يفكر فيه.
فإن كان لا يفكر فيه، فإنه لا يفكر في عدم وجود من لا يفكر فيه. وإن كان يفكر فيه،
فإنه يفكر في كائن لا يمكن أن يتصور غير موجود».
وكما ترى فإن رد أنسلم ضعيف، إذ المشكلة هي في الانتقال من التصور
الذهني إلى الوجود العيني. وأنسلم لم يوضح كيف يمكن هذا الانتقال. ولا يفيده في
شيء أن يكون الأمر متعلقاً بتصور من نوع فريد لا نظير له، هو تصور الله؛ فإن هذا
التصور هو في ذهن الإنسان، ولا يحمل في باطنه ضرورة وجوده، بل يظل دائماً يجول في
داخل الذهن، ولا ينقله إلى الخارج إلا برهان تجريبي.
ومع ذلك نجد ديكارت (1596 - 1650) يأخذ بهذه الحجة. فيقرر أن الله:
جوهر لا متناهٍ، سرمدي، ثابت، مستقل (قيوم)، كله علم، وكله قدرة، وخالق كل شيء.
ولما كان كذلك، وكانت هذه الصفات من العظمة والجلال بحيث لا يمكن أن أكون قد
استمدتها من نفسي، فلا بد أن نستنتج من ذلك بالضرورة أن الله موجود:
« ذلك لأنه على الرغم من كون فكرة الجوهر
موجودة في ذاتي بوصفي أنا جوهر، فإنه ما كان لي أن تكون لديّ فكرة جوهر لا متناهٍ،
أنا المتناهي، لو لم تكن قد وضعها في نفسي جوهر هو لا متناهٍ حقاً. وينبغي ألا
أتخيل أني لا أتصور اللامتناهي بفكرة حقيقية، بل بنفي ما هو متناهٍ، كما أفهم
الكون والظلام بنفي الحركة والنور: لأني - على العكس - أرى بوضوح أنه يوجد في
الجوهر اللامتناهي من الحقيقة الواقعية أكثر مما في الجوهر المتناهي، وتبعاً لذلك
فإن فكرة اللامتناهي توجد عندي قبل فكرة المتناهي، أي فكرة الله قبل فكرة ذاتي، إذ
كيف يتيسر أن أعرف أني أشك وأني أشتهي، أي ينقصني شيء ما وأني لست
"كاملاً" تماماً، إذا لم تكن عندي أية فكرة عن كائن أكمل مني، وبالقارنة
به أعرف نقائص طبيعتي ».
أي أن فكرة جوهر لا متناهٍ ما كان من الممكن أن توجد في عقل المتناهي
إلا بسبب وجود كائن لا متناهٍ هو الذي أودعها فيه، وبالقارنة به أدرك نقصي. ومن
هذا نرى أن ديكارت يعتقد أن المتناهي لا يوجد إلا بسلب اللامتناهي، لا العكس كما
هو الاعتقاد السائد الذي يقرر أن اللامتناهي مدرك بسلب المتناهي. فاللامتناهي إذن
تصور إيجابي تماماً، بينما المتناهي تصور سالب.
ثم يخلص ديكارت بعد ذلك إلى تقرير الحجة الوجودية لإثبات وجود الله
على الصورة التالية:
« من المؤكد أنني لا أجد في نفسي فكرة الله، أي
فكرة الموجود التام الكمال، كما أجد في نفسي فكرة شكل أو عدد أيًا كان؛ كما أني
أعرف بوضوح وتمايز أنه ينتسب إلى طبيعة الله وجوده فعلي actuel
وسرمدي كما أعرف أن كل ما أستطيع برهنته فيما يخص بشكل أو عدد ينتسب حقاً إلى
طبيعة هذا الشكل أو طبيعة هذا العدد؛ وتبعاً لذلك... فإن وجود الله يجب أن يعد
يقيناً عندي مثل يقين كل الحقائق الرياضية، التي لا تتعلق إلا بالأعداد والأشكال،
وإن كان هذا الأمر لا يبدو في الحقيقة واضحاً تماماً، بل عليه مسحة السفسطة. لأني
وقد تعودت في سائر الأشياء كلها أن أميز بين الوجود والماهية، فإني أقنع نفسي
بسهولة بأن الوجود يمكن أن ينفصل عن ماهية الله، وهكذا يمكن تصور الله على أنه غير
موجود بالفعل. لكني حين أفكر في الأمر بمزيد من الانتباه، فإني أجد بوضوح أن
الوجود لا يمكن أن ينفصل عن ماهية الله، تماماً كما أنه لا يمكن أن نفصل عن ماهية
المثلث المستقيم الخطوط كون مقدار زواياه يساوي قائمتين، ولا أن نفصل عن فكرة
الجبل فكرة الوادي - حتى إنه لا يمكن تصور الله (أعني الموجود التام الكمال) غير
موجود (أي ينقصه كمال ما) كما لا يمكن تصور جبل بدون واد ».
ولكن جاء إمانويل كانت (1724 - 1804) فنقد الحجة الوجودية نقداً
عميقاً، خصوصاً وقد صيغت هذه الحجة على شكل القياس التالي:
الله هو الموجود الكامل
والوجود كمال
.. الله موجود
وخلاصة نقد كانت يمكن أن تصاغ هكذا:
لا يمكن أن يستنبط من أي تصور إلا ما هو متضمن فيه من قبل. وفكرة
الموجود الحقيقي بدرجة لا نهائية لا تتضمن إلا فكرة الوجود لا الوجود في ذاته خارج
الفكر.
أي أن الوجود ليس "كمالاً" يثرى به مضمون الماهية؛ إنه يضع
الماهية فحسب، ولا يدخل في تقويمها. والماهية مجرد فكرة، وبالتالي لا تقدم لنا غير
إمكانية منطقية. لكن الممكن ليس هو الواقعي، والمظنون ليس هو الواقعي بالضرورة.
بدوي، عبد الرحمن. مدخل جديد إلى الفلسفة. بيروت: دار القلم. القسم الثالث: الإلهيات، الفصلان الأول والثاني، ص 211–232.
St.
Anselme: Proslogion, chap. II-III, tr. P. Rousseau, in Oeuvres Philosophiques
de Saint Anselme, p. 102. Paris, Aubier 1947
St.
Anselme: Liber apologeticus contra Gaunilonem, 3, in Oeuvres Philosophiques, p.
112-113
ديكارت:
« التأملات الميتافيزيقية » (سنة 1641)، ترجمة فرنسية سنة 1647، التأمل الثالث،
نشرة آدم وتانري ج 9 ص 35 - 36.
ديكارت:
« التأملات الميتافيزيقية »، التأمل الخامس، نشرة آدم وتانري ج 9 ص 52.