الثلاثاء، 24 مارس 2026

قراءة يهودية لسر الإفخارستيا

 


العشاء الرباني – مائدة مسيانية، ريستو سانتالا

 

في مساء يوم الخميس القائم، من ذلك الأسبوع المقدس، حوالي الساعة التاسعة مساءً، تجمعت مجموعة من التلاميذ حول معلمهم في غرفة عليا. وفي الخارج يسطع القمر كاملاً كالبدر، كعادته في الفصح من كل عام، وتابع القمر بتوهجه الباهت أحداث هذه الليلة المصيرية والطويلة. لقد بدأ حفل وداع المسيا، وأخذ كل شخص من الحاضرين مكانه حول مفرش من القماش موضوع على الأرض، وأتكأوا على جانبهم الأيسر وأرجلهم إلى خارج الدائرة، ثم بدأ يسوع في تلاوة صلاة قصيرة:

"مبارك أنت يارب إلهنا، خالق ثمر الكرمة، فلنسبحك يا من حفظتنا في حياتنا، وحميتنا ومكنتنا من بلوغ موسم الحصاد".

يبين لنا إنجيل لوقا كيف أضاف يسوع إلى هذه الافتتاحية التقليدية كلمات أخرى "وقال لهم شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم. لأني أقول لكم إني لا آكل منه بعد حتى يكمل في ملكوت الله" ( لو ٢٢ : ١٥-١٦).

جاءت فكرة الأبدية بوقعها الخطير على التلاميذ.

وحسب قواعد seder التقليدية (haggada) أنه بعد الكأس الأول يغسل كبير المجلس يديه، إلا أن يوحنا عند تناوله لهذه اللحظة، أخبرنا كيف أخذ يسوع المنشفة التي قدمت إليه وفاجأ التلاميذ جميعاً بغسل أرجلهم، وحتى يومنا هذا نجد اليهود التقليديين في أوروبا الشرقية ملتزمون بهذه العادة إذ تقوم أصغر الفتيات الخادمات في الأسرة بتقديم فعل محبة.

أما يسوع فلعب هو دور الخادم في تلك الليلة، وعندما أبى بطرس أن يغسل سيده أقدامه، قال له يسوع كلماته الخالدة "فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض. لأني أعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضاً" ( يو ١٣ : ١٤-١٥).

بعد ذلك تأتي الأعشاب المرة التي تغمس بالماء المالح كذكرى أطفال شعب إسرائيل في مصر، وبعد مباركة يسوع أخذ الرغيف الذي في منتصف الثلاث أرغفة الموضوعين فوق بعضهم البعض وقسمه لنصفين، في أيامنا هذه يطلق على هذا الخبز aphikoman وهي كلمة يونانية مشتقة من "aphikneomai" أي "يأتي أو يحضر" ويعتقد المسيحيون اليهود أن صورة الثلاثة أرغفة ما هي إلا إشارة إلى طبيعة الرب ذات الأقانيم الثلاثة، وأن نصف الرغيف aphikoman حسب التقليد مختبئ تماماً مثلما سيحدث مع المسيا الذي سيخبأ في أحضان الأرض حتى يقوم... وفي يوم ما "سيأتي" في مجده، وحتى وإن كان التقليد في تلك الأيام عجز عن توضيح ذلك فإنه بكل تأكيد قد بارك يسوع الخبز الذي قسمه بهذه الطريقة التقليدية، وكما قال موسى لشعب إسرائيل عندما جاعوا في البرية:

"هذا هو الشيء الذي أمر به الرب. ملء العمر منه يكون للحفظ في أجيالكم. لكي يروا الخبز الذي أطعمتكم في البرية حين أخرجتكم من أرض مصر".

أي أن هذا هو خبز آباءنا الذين أُطعموا به في البرية، هيا ندعو جميع الجوعى ليأتوا ويأكلوا، وكل المحتاجين ليحتفلوا بالفصح.

إن الفصح منذ قديم الأزل مرتبط بالتوقع المسياني، وحتى اليوم نجد Haggada يشير لكلمات السامري بن حزقيال، الذي عاصر بدايات القرن الثاني المسيحي وهو يقول:

"علينا أن نتذكر الخروج من مصر كل أيام حياتنا، وأيام حياتنا تعني هذه الأيام، أما كل أيام حياتنا فبالإضافة، ويقول حكماؤنا أن "أيام حياتنا" تعني هذا العالم، و"كل أيام حياتنا" إلى قيام المسيح".

الآن على المتواجدين أن يتناولوا الكأس الثاني، ويصر التلمود على تناول أكثر الناس فقرًا الأربعة كؤوس، وإذا عجزوا عن شراءها جميعاً فليبيعوا ملابسهم أو يرهنوها، كما أعلن أن الخمر يجب أن يكون أحمرًا؛ ثلث خمر وثلثين ماء، بينما نعلم أن الكنيسة الأولى كانت تلتزم بهذه العادة التقليدية في التناول، وعلى سبيل المثال نجد نفس التعاليم قائمة على "كأس الخلاص" المذكور في (مز ١١٦)، والذي يخدم قرارات مقدسة من الرب.

وعند هذه النقطة يتقدم أصغر أفراد الأسرة بسؤال "Mah nish-tanah" أي لماذا تختلف هذه الليلة عن الليالي الأخرى؟ قد يفتح مثل هذا السؤال باب مناقشة روحية بين أفراد العائلة، تنتهي بقراءة المزامير.

عند هذه النقطة تبدأ الوليمة الفعلية، حيث توضع الصلصة haroseth والأعشاب الأخرى بين شريحتين من الخبز، وقد تكون قطعة الخبز التي قسمها يسوع وأعطاها ليهوذا هي شريحة الخبز، وكما ظهر لنا أنه صرفه من المجلس قبل الكأس الثاني - (كأس البركة)، وأما بالنسبة للكأس الرابع فإننا نجد أن بولس أشار إليه في (١ كو ١٠ : ١٦) عندما سأل "كأس البركة التي نباركها أليست هي شركة دم المسيح، الخبز الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح".

وللمرة الثانية تتوهج فكرة المسيانية عندما ينفتح الباب في هذه اللحظة بعد تناول كأس البركة ويدخل إيليا المتنبيء بالمسيا.

ربما تكون كلمات الرب التي بها قدس هذا العشاء، في هذا المكان، وعليه نجد متى يخبرنا التالي:

"وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى التلاميذ وقال خذوا كلوا. هذا هو جسدي، وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً اشربوا منها كلكم. لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا. وأقول لكم إني من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديداً في ملكوت أبي" (قارن بين مت ٢٦ : ٢٦-٢٩، ولو ٢٢ : ١٤-٢٠، والكلمات المسجلة لبولس في ١ كو ١١ : ٢٣-٢٥).

نلمس من خلال هذا الجزء الكتابي ثلاثة عناصر هي: جسد المسيح ودمه ومفهوم الأبدية، ركز لوقا على الوجبة الثالثة عندما قال عن الفصح "حتى يأتي ملكوت الله" ( لو ٢٢ : ١٨.).

هنا يجب على أي مؤمن أن يسأل نفسه عندما يتناول العشاء "Mah nish-tanah" — ما هو الاختلاف بين هذه العشاء والولائم الأخرى؟، وهنا يرد علينا بولس الرسول: علينا أن نفحص أنفسنا لكي يمتحن الإنسان نفسه وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكأس، لأن الذي يأكل ويشرب بدون استحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه غير مميز جسد الرب (١ كو ١١ : ٢٨-٢٩).

ماذا يعني "الجسد" و "الدم" و "الحياة الأبدية"؟

يتكلم بولس عن الصورة العتيقة التي يجب التخلص منها، فمثلاً "لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا" (١ كو ٥ : ٧). ويستخدم حكماء اليهود القدامى عبارة "جسد الفصح" (gouph shel pesah) أو "ذبيحة الفصح" (Mishnah P. 10).

بالفعل كان يسوع هو ذبيحة الله التي حملت عن العالم خطاياه، وفي الوقت نفسه يجب الإشارة إلى أن الكلمة العبرية gouph "الجسد" التي ترمز إلى جوهر الشيء أو كينونته، ومادته كما ترمز أيضاً لمكونات أو عناصر الفصح.

وبالمثل فإن كلمة دم لها مفاهيمها وأصولها.

وعليه يمكن القول إن عشاء العهد الجديد له جذوره في العهد القديم.

في سفر الخروج (٢٤ : ٥-١١): "وأرسل موسى فتيان بني إسرائيل فصعدوا ذبائح سلامة للرب... وأخذ موسى نصف الدم ووضعه في الطاسات... وأخذ موسى الدم ورشّ على الشعب وقال هوذا دم العهد الذي قطعه الرب معكم على جميع هذه الأقوال... ثم صعد موسى وهارون وناذاب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل... ورأوا إله إسرائيل وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق كذات السماء في النقاء. ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بني إسرائيل فرأوا الله وأكلوا وشربوا".

أي أنه بواسطة رش الدم يتطهر الناس، هذا هو دم العهد الذي صنعه الرب معك حسب هذه الكلمات الكتابية، وبالتالي في عشاء العهد الذي يتبع العهد رأى الشعب الله وأكلوا وشربوا معه، وفي سفر زكريا الإصحاح (٩) نجد وصفاً لملك صهيون الوديع الذي يأتي راكباً على حمار، وعندئذ يقول "وأنت أيضاً فإني بدم عهدك قد أطلقت أسراك من الجب الذي ليس فيه ماء" (زك ٩ : ١١).

ويقول بطرس إننا لم نفدى بذهب أو فضة كما في هذه الآية "عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح" (١ بط ١ : ١٨-١٩).

يوجد مثل آرامي يقول "Damimm tartei mashma " أي "للدم معنيين" هما "إراقة دماء وسداد دين"، هذا المعنى الغني يلقي الضوء على أهمية الدم وأنه بالفعل كافي ليخلصنا من الخطايا.

هناك تجربة من أعظم التجارب التي مررت بها على مستوى دراسة الكتاب وذلك عند دراسة المدراش الخاص بسفر راعوث، والذي يرجع إلى أطوار مدراشية أكثر قدمًا، فقد لاحظت من خلال قراءتي للكتاب المقدس باللغة الفنلدنية، وهي لغتي الأصلية أن سفر راعوت (2: 14) يتضمن عناصر العشاء الرباني، إذ أن راعوت جدة الملك داود كانت قد تلقت دعوة من بوعز لتأتي إليه "فقال لها بوضع عند وقت الأكل تقدمي الى ههنا وكلي من الخبز واغمسي لقمتك في الخل، فجلست بجانب الحصادين فناولها فريكا فأكلت وشبعت وفضل عنها".

ولذا قمت بشراء المدراش وقرأت حتى وصلت لهذه المحادثة بشرح المدراش أن هناك ست طرق مختلفة لألم المسيا، كما تشير الآية السابقة مراراً وتكراراً إلى أن هذه المرأة (راعوث) ذات الأصل الكريم قريبة من ملكوت السماء، وفي أربعة مرات تقول عن "الخبر" هو "خبز ملكي" وأربعة مرات تقول "من يأكل الطعام المسياوي في هذا العالم يأكل في العالم الآتي" وفي ثلاثة مرات يشير الخل إلى "الآلام" تحدث بعض الأحبار اليهود في الروح فقالوا أن "الخل هو أحد الآلام المكتوبة، وأنه سيشفي عن إساءاتنا".

كذلك كان بقية الوصف رائعاً، إذ نجد مقارنة بين المخلص السابق (موسى) ومخلص المستقبل (المسيا)، والنص الذي يقول "إن مخلص المستقبل سوف يظهر ويعود ثم يختص مرة ثانية، وبالمثل فإن سوف يسقط المن عليهم". (مدراش راعوث – Parashah. 5)

وفيما بعد ظهرت نظريتان حول المسيا الملك "الحبة التي ستأتي من مكان آخر"، وفي نفس الموضوع لاحظنا تلميحاً في (أش 9 : 7) لنمو رياسته وللسلام لا نهاية .... le-Marbeh ha-Misrah ....

هناك مسألة حول هذه الـ (m) والأولى التي تعرف بالـ (النهائية أو المغلقة) والتي كان عليها أن تظهر هكذا في نهاية الكلمة، وهنا تبدو الآية متماشية مع نبوءة حزقيال عن الطفل وأمير السلام، إن المسيا سوف ".... يحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب" (أش 11 : 1-2)

كان الرب يرغب في أن يجعل حزقيال هو المسيا ولكن المسألة تأخرت، ولذا فإن (m) كانت مغلقة.

ويرى تقليد الزوهار إشارة مخفية إلى أن المسيا المتنبأ به على لسان أشعياء سوف يأتي من رحم مغلق. (Ibid. 7; paras 8)

لم ينتج التقليد اليهودي أكثر من هذه الصورة الموسعة والشاملة والموحدة عن رجاء المسيا، ففيه نقرأ العشاء المسياني من منظوره الأبدي، ومكونات هذا العشاء، الخبز والخل، كما أن هذا المسيا سيمد شعبه فيما بعد بالمن اليومي، كما أن هناك إشارة واضحة لجرحه من أجلنا، ومن أجل خطايانا، وأنه الحبة التي ستأتي من مكان آخر، وبعد مجيئه سيختفي ثانية حتى الوقت الذي يؤكل فيه العشاء المسياني في العالم الآخر، كل هذا هو جزء من التقليد الحبري الأكثر قدماً.

عند قراءة هذا البحث نجد تأكيداً قوياً على أن الرب سوف يلبس رداء ذبيحة العهد. مازالت هنا إشارات إلى المسيا "المختفي" تُحضر لأذهاننا الكلمات المسجلة في إنجيل يوحنا:

"... بعد قليل لا تبصرونني، ثم بعد قليل أيضاً ترونني لأني ذاهب إلى الآب ... بعد قليل لا يراني العالم أيضاً وأما أنتم فترونني. إني أنا حيّ فأنتم ستحيون... سمعتم أني قلت لكم أنا أذهب ثم آتي إليكم. لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون لأني قلت أمضي إلى الآب. لأن أبي أعظم مني" (يو16: 16؛ 14: 19، 28).

ويوجد وصف ثاني في أدب الأحبار عن عشاء المسيا نلمسه في (مز 22 : 26) "يأكل الودعاء ويشبعون. يسبح الرب طالبوه. تحيا قلوبكم إلى الأبد".

ويعلق أكثر المعلمين شهرة في اليهودية RaSHI حيث يقول أن هذه الآية تشير إلى أن "وقت الخلاص هو أيام المسيا".

أيضاً توجد إشارة ثالثة، يجدر بنا ذكرها وهي ما قيل في مدراش Shemoth Rabbah أن الخمر والخبز قد وجدا في منظور أبدي، كما يعلق المدارش على (مز 23) وهو مزمور الراعي فيقول:

"ترتب قدامي مائدة تجاه مضايقيّ. مسحت بالدهن رأسي. كأسي ريا. إنما خير ورحمة يتبعانني كل أيام حياتي وأسكن في بيت الرب إلى مدى الأيام"، إن إعداد المائدة هو المن، ومسح الرأس هو الحرية والرعاية، والكأس الذي فاض يشير إلى عين الماء، أي تعد المائدة لهذا الشخص القادم (المسيا) وأنهم سيأكلون ويشربون في جنة عدن. (Shemoth Rabbah, parashah)

وهنا يشير الأحبار اليهود إلى أن المكان الحسن في القبر يشبه الفردوس أو بمعنى أخر جنة عدن.

وهناك إشارة رابعة ترتبط بالعشاء المسياني، فعند ذكره علينا أن نشير إلى الوجبة الرابعة لظهر السبت، والتي يُطلق عليها بين الناس "وجبة المسيا".

ويشار إلى هذه الوجبة أيضاً بـ "melave malkah" والتي تعني "مرافقة الملكة" أي بتناول هذه الوجبة فإن ملكة السبت ستبدأ أسبوع عمل جديد.

قام شاعر القرن السادس الميلادي الشهير ألعازرها كلير بتأليف صلاة تبدأ بكلمات "سأبتهج وأصنع فرح في قلبي"، حيث نجد في هذه الصلاة خمسة إشارات واضحة للمسيا. أحدها هي:"أعرض قضيتي وآتي بالمخلص إلى صهيون، لنجعل الفرع ينمو، إيليا والمسيا الملك ... النبي إيليا والمسيا الملك".

ثم يقدم بعد ذلك إلتماسين "أطعمنا يا الله" و "أعطني لحمي وخبزي اليومي في الوقت المناسب". (Zemiroth lemotsaei Shabbath Sidur)

كانت صلاة ظهيرة يوم السبت أيضاً تتضمن على "يومين للمسيا"، (Minha leshabbath and also Shaharith lehol) إذ علينا جميعاً أن نتذكر دائماً أن عشاء الرب هو عشاء المسيا، وفي أثناءه يمدنا الله به.

يعتبر الرابي غمالائيل معروف لدينا من سفر الأعمال، قال: أن هناك ثلاثة أشياء يجب أن تجهز في عشاء الرب "الفصح، وفطيرة الفصح، والعشب المر"، وحسب ما كتب في Haggada، ذكر مشدداً أن "على كل جيل أن ينظر لنفسه على أنه خرج للتو من مصر".يوجد بين الترانيم كلمات أخرى تتردد كالتالي:"عبيداً.. كنا في أرض مصر، وأخرجنا الرب منها بيده القوية ... كان أبي آرامياً هائماً .... ورغم أننا جميعاً لدينا حكمتنا وفهمنا الكامل ومخضرمين في التوراة إلا أنه مازال مطلوباً منا أن نحكي قصة تحررنا من مصر".

وبعد منتصف الليل يأتي دور الكأس الرابع والأخير، حيث يرغم الجزء الأخير من Hallel (مز 115 - 118)، وينتهي المساء بالمزمور (136) التي تقول بعض كلماته "إلى الأبد رحمته" ويتم تكرارها 26 مرة، وهنا يخبرنا إنجيل متى حول نهاية الفصح، "ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون". لقد انتهى الجزء الخاص بيسوع في ذبيحة الفصح العظيم وأن "Via Dolorosa" أي آلامه على وشك البدء.

 

عن كتاب: المسيح في العهد الجديد، ريستو سانتالا، ص 245 وما بعدها


هل ممكن ننسب الأفعال البشرية للجسد والأفعال الإلهية لله بعد الاتحاد؟!

 


كنت كتبت سؤال من فترة، إن بعض المعترضين بيقدموا نصوص بتتكلم عن إن المسيح إنسان، زي تعب وتألم وارتفع في المجد وأبي أعظم مني.. وغيرها..

 

ولما بتوضح زي ما قال القديس أثناسيوس إن النصوص دي هي بحسب التدبير، يعني بسبب إن الكلمة أخلى نفسه واتخذ صورة عبد، وإنه إنسان وإله، يعني في إيماننا المسيح إنسان وابن إنسان ونبي ورسول ودا لا يتعارض مع كونه إله كامل، إن الله كان حالل فيه ومتحد بيه اتحاد حقيقي وكامل من بدء التجسد.

 

فيبدأ يقول لك لأ، المسيح مينفعش نقول عنه طبيعتين بعد الاتحاد، ودا كلام القديس كيرلس السكندري والأنبا بيشوي.. إلخ..

 

لكن هنا بيخلط المعترض بين أمرين:

1- بين إن القديس كيرلس بينفي إن الطبيعتين منفصلتين أو متجاورتين بعد الاتحاد بحسب تعبيرات النسطوريين، وإنها طبيعة واحدة بعد الاتحاد غير منفصلة لانه اتحاد حقيقي وكامل.

 

2- وبين تكملة قول القديس كيرلس نفسه اللي بيوضح إن دول طبيعتين، مش مجرد طبيعة واحدة مفردة، لكن نميز بينهم من جهة الفكر مش من جهة العدد، يعني منفصلهمش لكن لكل طبيعة خصائصها، ودا بيظهر بالخصوص في تعبيرين واضحين جدًا:

أ- قول القديس كيرلس الشهير: (طبيعة واحدة لله "الكلمة" "المتجسد") فهو بالصيغة العبقرية دي بيميز بين الطبيعتين، ودا بيقودنا للنقطة ب

ب- بلا امتزاج ولا اختلاط ولا تغيير، فلكل طبيعة خصائصها وصفاتها اللي لم تفقدها بعد الاتحاد، لإن الاتحاد منتجش عنه تغير في الطبيعة نفسها، فكل طبيعة حافظت على خصائصها.


ودا بيوضح بنصوص صريحة عند الآباء، لكن هاخد هنا مثالين فقط من الآباء، هما القديس أثناسيوس، والقديس كيرلس:


القديس أثناسيوس عن طبيعتي المسيح:


"لهذا فإن الله "الكلمة" هو نفسه المسيح الذى من العذراء مريم، إله قد صار إنسانًا، وليس مسيحًا آخر بل هو ذاته، فهو الذى من الآب منذ الأزل، وهو نفسه الذى جاء من العذراء فى أواخر الدهور، والذى كان غير منظور قبلاً حتى للقوات المقدسة بالسماء، وقد صار منظورًا الآن بسبب اتحاده مع الإنسان المنظور. أقول منظورًا، ليس فى لاهوته غير المنظور، بل بفعل اللاهوت خلال الجسد البشرى والإنسان كله، الذى جدده باتخاذه إياه لنفسه".

ضد الاريوسيين 4. 36

 

هنا القديس أثناسيوس بيوضح إن المسيح إله تجسد وصار منظور، بالرغم إنه في لاهوته غير منظور، لكنه صار مرئي من خلال الجسد اللي استخدمه كأداة لخلاص البشر. فهنا هو إله، وإنسان، منظور، وغير منظور في نفس الوقت وبعد التجسد طبعًا.

 

وبيقول كمان:

هكذا يتحدث الله "الكلمة"، مشيرًا إلى جنبه  ويديه بالذات، وعن نفسه بالكامل كإنسان وإله معًا. معطيًا أولاً للتلاميذ القديسين أن يدركوا "الكلمة" بواسطة الجسد بدخوله والأبواب مُغلّقة (أنظر يو19:20)، ثم اقترابه منهم بجسده يوفر لهم اليقين الكامل. كل هذه نقولها لتثبيت المؤمنين، وتصحيح أخطاء الذين لا يؤمنون.

ضد الاريوسيين 4. 35.

 

فالمسيح بنص واضح هو إله وإنسان معًا، فهو الكلمة الله لإنه دخل والأبواب مغلقة، بينما هو إنسان لإنه آراهم جسده وجراحاته.

 

 

القديس كيرلس السكندري:

 

ونحن نرى أن الابن واحد من اثنين، إذ فيه التقت الطبيعتان الإلهية والإنسانية واتحدتا في واحد بشكل غير موصوف ولا يُعَّبر عنه. وبكل تأكيد نحن لا نعنى أن كلمة الله قد تحّول إلى الطبيعة الجسدّية الأرضّية ولا الجسد تحّول إلى طبيعة الله الكلمة. والذي يتبنّى أحد هذين الموقفين المتطرّفين لابد أن يكون مختل العقل. فكل من الطبيعتين تبقى في خصوصيتها ولكنهما تُعدّان في وحدة تامة لا تنفصل، وهذه الوحدة يكشفها تعبير "المسيرة الواحدة"، فهو نفسه إنسان وإله. وحينما نقول الله فنحن لا نلغى الإنسانية بعد الاتحاد وحينما نقول إنسان فنحن لا ننفى صفات اللاهوت، وهذا واضح للذي يريد أن يفكر في الأمر بطريقة مستقيمة.

حوار حول الثالوث، الحوار الأول، ج1. ص 46، 47.

 

الفقرة دي بتعبر باختصار عن التعليم الخريستولوجي عند القديس كيرلس عن الطبيعتين المتحدتين في المسيح، دون انفصال يعني مش طبيعتين منفصلتين ودا اللي بيقصده لما بيقول طبيعة واحدة بعد الاتحاد، ودون امتزاج يعني الاتنين مبقوش طبيعة واحدة لكن لكل طبيعة خواصها.

ومن الجدير بالذكر أن الكنيسة تضع هذه الصيغة المختصرة للإيمان في نص الاعتراف الأخير في القداس الإلهي الذي يردده الكاهن بقوله: آمين آمين آمين... ألخ.


كيف أضافت المسيحية للقيمة الإنسانية

 


خذ نفساً عميقاً. هذا هو الهواء الذي تتنفسه. أنت لا تفكر في الأمر، لكنك تعتمد على الأكسجين في كل لحظة من حياتك. تفترض أنه موجود دائماً، ولا يمكنك العيش بدونه.


وفقاً للكاتب Glen Scrivener:

"المسيحية هي الهواء الذي نتنفسه. إنها غلافنا الجوي. إنها بيئتنا، غير المرئية والكلية الانتشار".

إن العديد من المؤسسات والقيم التي يعتز بها مجتمعنا موجودة لأن المسيحية قد غيرت عالمنا. ولكن لأننا نعتقد أنها كانت موجودة دائماً، فإن الكثيرين يعتبرونها أمراً مفروغاً منه.

 

إن أحد أهم الأحداث التي دشنت تغيير الله لعالمنا موصوف في الفصل الأول من إنجيل يوحنا: "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ.... وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا" (يوحنا 1: 1، 14). هذه هي قصة يسوع —الكلمة (Logos). لقد ترك مجاله السماوي واخترق غلاف عالمنا. وبقيامه بذلك، غير واقعنا إلى الأبد.

 

ولكن ماذا لو لم يأتِ يسوع أبداً؟ كيف سيكون شكل عالمنا؟

في عام 1898، اكتشف الباحثون رسالة رومانية قديمة في مصر. كُتبت في عام 1 ق.م بواسطة جندي روماني يدعى Hilarion، كان يكتب إلى زوجته الحامل Alis، أثناء عمله في الإسكندرية، على بعد حوالي 100 ميل منها. وإدراكاً منه أنها قد تلد وهو لا يزال بعيداً، يقول لها:

"إذا —وليكن حظكِ سعيداً— وضعتِ مولوداً؛ إذا كان صبياً، فاستبقي عليه؛ وإذا كانت بنتاً، فاطرحيها خارجاً".


ماذا؟ يطرحها خارجاً؟ يطرح طفلتهما الصغيرة الغالية لتموت؟ نعم، هذا بالضبط ما قاله. في ذلك العصر، كانت الفتيات الصغيرات يُلقين أحياناً في الخارج ويُتركن ليمتن بسبب العوامل الجوية أو لتأكلهن الحيوانات البرية. كن يُعتبرن أقل قيمة من الصبية لأنهن اعتُبرن أقل قدرة.


أراهن أنك تفكر: "لا يمكنني أبداً التفكير بهذه الطريقة. لا يمكنني أبداً قتل طفلة!". هذا صحيح، وإليك السبب. خذ نفساً عميقاً.... هذا هو السبب. لا يمكنك تصور امتلاك مثل هذه الحالة الذهنية لأن الهواء الذي تتنفسه يأتي من ثقافة تستمد قيمها من الرؤية المسيحية للعالم. لقد تبنت الحضارة الغربية الرؤية التي تقول إن كل كائن بشري يستحق العيش وأن يُعامل بكرامة واحترام. ولكن من أين أتت هذه الرؤية؟


لقد تأثرت بحدث فريد —عندما صار الكلمة جسداً وحل بيننا. لقد أحدث يسوع والرؤية المسيحية للعالم ثورة في تفكير مجتمعنا لدرجة أننا لا نستطيع حتى البدء في تخيل التفكير مثل Hilarion وAlis. كان أحد أهم التغييرات التي أحدثتها المسيحية هو التغيير في الطريقة التي نقدر بها الحياة البشرية.


قبل مجيء المسيحية، كانت معظم الثقافات تنظر إلى البشر على أنهم يمتلكون "قيمة أداتية" (Instrumental value). يعامل نظام القيم هذا الكائنات البشرية كوسيلة لغاية. بعبارة أخرى، البشر ليسوا ذوي قيمة في حد ذاتهم ولذاتهم. بل هم ذوو قيمة فقط لما يمكنهم فعله: العمل في وظيفة، تربية الأطفال، إبداع الفن، والمساهمة في المجتمع. بناءً على هذه الرؤية، ترتبط القيمة البشرية بالقدرة البشرية. فكلما زادت قدرتك على الفعل، زادت قيمتك. وكلما قلت قدرتك، قلت قيمتك.


يؤدي نظام القيمة الأداتية إلى نتيجة قاتمة: اللحظة التي يفقد فيها الشخص قدراته هي اللحظة التي يفقد فيها قيمته بالضبط. حينها يمكن التخلص منه. في عالم Hilarion وAlis، كان يُنظر إلى البنات الصغيرات على أنهن يمتلكن قدرات أقل من الصبية. لذلك، كانت البنات أقل قيمة ويمكن التخلص منهن. في نظام القيمة الأداتية، يسود القوي ويُنبذ الضعيف.


اليوم، توجد أجزاء من العالم لم تتأثر بالرؤية المسيحية للعالم وقيمها. في ريف الهند، على سبيل المثال، لا تزال مشكلة قتل الإناث قائمة. تُجوع الفتيات الصغيرات، أو يُخنقن، أو يُسممن، أو أحياناً يُخنقن بحبالهن السُريَّة. لماذا؟ لا تزال الأديان الشرقية وقيمها هي السائدة. تعمل الهند وفق نظام قيمة أداتية. الأطفال وسيلة لغاية، وتعتبر البنات أقل قيمة.


مع صعود المسيحية، أصبح المجتمع الغربي مبنياً على نظام مختلف جوهرياً، وهو نظام قائم على "القيمة الجوهرية" (Intrinsic value). بناءً على هذه الرؤية، يكون للشيء قيمة إذا كانت له قيمة في ذاته. وبالتالي، فإن قيمة الشخص متأصلة في وجوده ذاته. ولأن القيمة الجوهرية لا تعتمد على قدرات الفرد، فإن قيمة الشخص لا تتغير أبداً.


وفقاً لهذه الرؤية، يمتلك البشر قيمة لأنهم خُلقوا على صورة الله: "فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ" (تكوين 1: 27). قيمتنا لا تقوم على ما يمكننا فعله، أو ما يظنه الناس بنا، أو مقدار مساهمتنا في المجتمع. بل تقوم قيمتنا على من نكون —حاملين لصورة الله (Imago Dei).


علاوة على ذلك، لا تنقص قيمتنا إذا فقدنا قدراتنا الجسدية، أو قدراتنا العقلية، أو صداقاتنا، أو وظيفتنا. لا شيء يمكنه تغيير قيمتنا لأنها متأصلة فينا وغير معتمدة على أي قدرة أو عامل خارجي.


لقد أصبح نظام القيمة الجوهرية مبدأً أساسياً في الحضارة الغربية. في الواقع، تم بناؤه في الوثائق التأسيسية للولايات المتحدة. تنص وثيقة Declaration of Independence:

"نحن نعتبر هذه الحقائق بديهية، وهي أن جميع الناس خُلقوا متساوين، وأن خالقهم قد وهبهم حقوقاً معينة غير قابلة للتصرف".


لاحظ، نحن ذوو قيمة لأننا —كما يخبرنا الكتاب المقدس— جُبلنا من قِبَل خالقنا وقد وهبنا القيمة. لاحظ أيضاً أننا لسنا مجرد ذوي قيمة، بل كل شخص له قيمة مساوية للآخرين. وذلك لأن كوننا خُلقنا على صورة الله ليس خاصية تتفاوت بالدرجات. لا يمكنك أن تملك قدراً أكبر من صورة الله أو قدراً أقل من صورة الله. فأنت إما مخلوق على صورة الله أو لست كذلك. أنت إما ذو قيمة أو لست كذلك.


من المثير للاهتمام ملاحظة صياغة الإعلان بأن هذه الحقائق "بديهية". بالنسبة لشخص منغمس في الرؤية المسيحية للعالم، من الواضح أن البشر ذوو قيمة جوهرية. هذه الحقيقة هي جزء من الهواء الذي نتنفسه.


بالفعل، إن نظام القيمة الجوهرية هو واحد من أعظم الهدايا التي قدمتها الرؤية المسيحية للعالم لثقافتنا. عندما تطبق نظام القيم هذا باستمرار، لا يمكنك تبرير فظائع التاريخ. لا يمكنك تبرير ألعاب المصارعة في روما، لأن الناس ليسوا مجرد وسيلة ترفيه. لا يمكنك تبرير العبودية، لأن البشر لا يمكن امتلاكهم. ولا يمكنك تبرير طرح البنات الصغيرات للموت، لأنه بغض النظر عن إمكاناتهن الاقتصادية المحدودة، فهن ذوات قيمة جوهرية وحاملات لصورة الله الغاليات.


كل هذه الفظائع لا يمكن تصورها لأن الرؤية المسيحية للعالم قد تغلغلت في مؤسسات مجتمعنا. إنها في الهواء الذي نتنفسه. نحن لا ندرك ذلك حتى، ولكن كل شيء من حولنا قد تغير بالكلمة، الذي صار جسداً، وحل بيننا، وغير واقعنا.

 

West, Kristen. "Unseen Roots: How Christianity Grounds Human Value." Stand to Reason, January 1, 2025. https://www.str.org/w/unseen-roots-how-christianity-grounds-human-value