الأربعاء، 19 أغسطس 2026

المُرسِل والمُرسَل متساويان. لماذا يُقال إن الابن مُرسَل من الآب. للقديس أغسطينوس

 



المُرسِل والمُرسَل متساويان. لماذا يُقال إن الابن مُرسَل من الآب.[1]

 

27. ولكن إن قيل إن الابن قد أُرسِل من الآب لهذا السبب، وهو أن أحدهما هو الآب، والآخر هو الابن، فهذا لا يمنعنا بأي حال من الأحوال من أن نؤمن بأن الابن واحد، ومساوٍ في الجوهر، ومشارك في الأزلية للآب، ومع ذلك قد أُرسِل كـ ابن من الآب. ليس لأن أحدهما أعظم، والآخر أصغر؛ بل لأن أحدهما هو الآب، والآخر هو الابن؛ أحدهما هو الوالد، والآخر هو المولود؛ أحدهما هو ذاك الذي منه مَن أُرسِل؛ والآخر هو ذاك الذي من ذاك الذي يُرسِل. لأن الابن هو من الآب، ليس الآب من الابن. ووفقاً لهذه الطريقة يمكننا الآن أن نفهم أن الابن لا يُقال إنه قد أُرسِل فقط لأن "الكلمة صار جسداً"،[2] بل أُرسِل لكي يصير الكلمة جسداً، ولكي يتمم من خلال حضوره الجسدي تلك الأمور التي كُتِبَت؛ أي إنه ليس فقط يُفهم أنه أُرسِل كـ إنسان، وهو ما صار إليه الكلمة، بل إن الكلمة أيضاً قد أُرسِل لكي يصير إنساناً؛ لأنه لم يُرسَل من جهة عدم مساواة في القدرة، أو الجوهر، أو أي شيء لم يكن فيه مساوياً للآب؛ بل من جهة هذا، وهو أن الابن هو من الآب، ليس الآب من الابن؛ لأن الابن هو كلمة الآب، الذي يُدعى أيضاً حكمته. فأي عجب إذن إذا كان قد أُرسِل، ليس لأنه غير مساوٍ للآب، بل لأنه "بُخَارُ قُوَّةِ اللهِ، وَصُدُورُ مجْدِ القدِيرِ الخَالِصُ"؟ لأنه هناك، ذاك الذي يصدر، وذاك الذي يصدر منه، هما من جوهر واحد بعينه. لأنه لا يصدر كما يصدر الماء من منفذ في الأرض أو الحجر، بل كما يصدر النور من النور. فعبارة "لأَنَّهَ ضِيَاءُ النُّورِ الأَبَدِيِّ"، ما هي إلا: إنه نور من نور أبدي؟ إذ ما هو ضياء النور إلا النور نفسه؟ وهكذا فهو واحد في الأزلية مع النور الذي منه النور. ولكن يُفضَّل أن يُقال "ضياء النور" على أن يُقال "نور النور"؛ لئلا يُظَن أن ما يصدر هو أكثر ظلمة من ذاك الذي يصدر منه. فعندما يسمع المرء عن ضياء النور باعتباره النور نفسه، فمن الأسهل أن يؤمن بأن الأول يضيء بواسطة الثاني، من أن يؤمن بأن الثاني أقل إضاءة. ولكن لأنه لم تكن هناك حاجة إلى تحذير الناس لئلا يظنوا أن النور الذي ولد الآخر هو أقل (إذ لم يجرؤ أي مبتدع قط على قول هذا، ولا يُظَن أن أحداً سيجرؤ على فعل ذلك)، فإن الكتاب المقدس يواجه ذلك الفكر الآخر، الذي قد يبدو فيه النور الصادر أكثر ظلمة من ذاك الذي يصدر منه؛ وقد أزال هذا الظن بقوله: "إِنَّهَ ضِيَاءُ ذلِكَ النُّورِ"، أي النور الأبدي، وبذلك يظهره مساوياً. لأنه لو كان أقل، لكان ظلمته لا ضياءه؛ ولو كان أعظم، لما أمكنه أن يصدر منه، إذ لا يمكنه أن يتجاوز ذاك الذي صَدَرَ منه. لذلك، ولأنه يصدر منه، فهو ليس أعظم مما هو عليه؛ ولأنه ليس ظلمته بل ضياؤه، فهو ليس أقل مما هو عليه: لذلك فهو مساوٍ. ولا ينبغي لهذا أن يزعجنا، من أنه يُدعى صدوراً خالصاً صائراً من مجد القدير، وكأنه هو نفسه ليس قديرًا، بل صدور من القدير؛ لأنه سرعان ما يُقال عنه بعد ذلك: "وَبِمَا أَنَّهَا وَاحِدَةٌ تَقْدِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ".[3] ومن هو قدير إلا ذاك الذي يقدر على كل شيء؟ وهو يُرسَل إذن من ذاك الذي يصدر منه؛ إذ هكذا تُطلب من قبل ذاك الذي أحبها واشتهاها. يقول: "أَرْسِلْهَا مِنَ السَّمَاوَاتِ الْمُقَدَّسَةِ، وَٱبْعَثْهَا مِنْ عَرْشِ مَجْدِكَ، لِكَيْ تَكُونَ مَعِي وَتَعْمَلَ مَعِي"؛[4] أي تعلمني أن أعمل [بجد] لكي لا أعمل [بمشقة]. لأن أتعابها هي فضائل. ولكنها تُرسَل بطريقة واحدة لكي تكون مع الإنسان؛ وقُد أُرسِلَت بطريقة أخرى لكي تصير هي نفسها إنساناً. لأنها "فِي كُلِّ جِيلٍ تَنْتَقِلُ إِلَى النُّفُوسِ الْقِدِّيسَةِ، فَتُنشِئُ أُصْدِقَاءَ لِلَّهِ وَأَنْبِيَاءَ"؛[5] وهكذا هي أيضاً تملأ الملائكة القديسين، وتعمل كل الأمور اللائقة بفيوضات الخدمة هذه بواسطتهم.[6] ولكن لما جاء ملء الزمان، أُرسِلَت،[7] لا لتملأ ملائكة، ولا لتكون ملاكاً، إلا بقدر ما أعلنت مشورة الآب، التي كانت مشورتها هي أيضاً؛ ولا لتكون مجدداً مع البشر أو في البشر، لأن هذا أيضاً قد حدث من قبل، سواء في الآباء أو في الأنبياء؛ بل لكي يصير الكلمة نفسه جسداً، أي يصير إنساناً. وفي هذا السر المستقبلي، حين يُعلَن، كان خلاص أولئك الرجال الحكماء والقديسين أيضاً، الذين وُلِدُوا من نساء قبل أن يُولَد هو من العذراء؛ وفيه، حين تُكُمِّل وأُعلِن، خلاص جميع الذين يؤمنون، ويرجون، ويحبون. لأن هذا هو "عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: ... ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ (أي السر/الكلمة)، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ".[8]

28. لذلك فإن كلمة الله يُرسَل من ذاك الذي هو كلمته؛ يُرسَل من ذاك الذي منه وُلِد (genitum - جينيتوم)؛ يُرسِل مَن وَلَد، ويُرسَل ما وُلِد. وهو يُرسَل حينئذ إلى كل واحد، حين يُدرَك ويُحَس به من كل واحد، بقدر ما يمكن أن يُدرَك ويُحَس به، بنسبة استيعاب النفس العاقلة، إما متقدمة نحو الله، أو كاملة بالفعل في الله.

فالابن إذن لا يُقال بالمعنى الدقيق إنه قد أُرسِل من حيث إنه مولود من الآب؛ بل إما من حيث إن الكلمة المتجسد ظهر للعالم، ومن هنا يقول: "خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ، وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ"؛[9] أو من حيث إنه من وقت إلى آخر يُدرَك بالذهن من قِبَل كل واحد، بحسب القول: "أَرْسِلْهَا لِكَيْ تَكُونَ مَعِي وَتَعْمَلَ مَعِي".[10] فما وُلِد (natum - ناتوم) من الأزل هو أزلي، "لأَنَّهَا ضِيَاءُ النُّورِ الأَبَدِيِّ"؛ أما ما يُرسَل من وقت إلى آخر، فهو ما يُدرَك من قِبَل كل واحد. ولكن لما أُظهِر ابن الله في الجسد، أُرسِل إلى هذا العالم في ملء الزمان، مولوداً من امرأة. "لأَنَّهُ إِذْ كَانَ الْعَالَمُ فِي حِكْمَةِ اللهِ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ بِالْحِكْمَةِ" (إذ "النُّورُ يُضِيءُ فِي الظُلْمَةِ، وَالظُلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ")، "اسْتَحْسَنَ اللهُ أَنْ يُخَلِّصَ الْمُؤْمِنِينَ بِجَهَالَةِ الْكِرَازَةِ"،[11] وأن يصير الكلمة جسداً، ويحل بيننا.[12]

لكن، عندما يخرج من وقت إلى آخر ويُدرَك بالذهن من قِبَل كل واحد، يُقال عنه بالفعل إنه أُرسِل، ولكن ليس إلى هذا العالم؛ لأنه لا يظهر حسياً، أي إنه لا يقدم نفسه للحواس الجسدية. لأننا نحن أنفسنا لسنا في هذا العالم، من جهة إدراكنا بالذهن بقدر ما نستطيع لما هو أزلي؛ وأرواح جميع الأبرار ليست في هذا العالم، حتى أولئك الذين يحيون بعدُ في الجسد، بقدر ما لديهم من تمييز في الأمور الإلهية. أما الآب فلا يُقال إنه يُرسَل، عندما يُدرَك من وقت إلى آخر من قبل أي أحد، لأنه ليس لديه مَن يكون منه، أو مَن يصدر منه؛ إذ تقول الحكمة: "أَنَا خَرَجْتُ مِنْ فَمِ الْعَلِيِّ"،[13] ويُقال عن الروح القدس: "الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ"،[14] أما الآب فليس من أحد.

29. وكما أن الآب وَلَد، والابن وُلِد؛ هكذا الآب أَرْسَل، والابن أُرْسِل. ولكن بطريقة مماثلة للذي وَلَد والذي وُلِد، هكذا فإن كلاً من الذي أَرْسَل والذي أُرْسِل هما واحد، إذ إن الآب والابن هما واحد.[15] وهكذا أيضاً الروح القدس هو واحد معهما، إذ إن هؤلاء الثلاثة هم واحد. لأنه كما أن ولادة الابن تقتضي أن يكون من الآب؛ هكذا إرسال الابن يعني أن يُعرَف أنه من الآب. وكما أن كون الروح القدس عطية الله يعني أنه ينبثق من الآب؛ هكذا إرساله يعني أن يُعرَف أنه ينبثق من الآب. ولا يمكننا أن نقول إن الروح القدس لا ينبثق أيضاً من الابن، إذ إن الروح نفسه لا يُقال بغير سبب إنه روح الآب والابن معاً. ولا أرى ما الذي قصد أن يشير إليه أيضاً، عندما نفخ في وجه التلاميذ، وقال: "اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ".[16] لأن تلك النفخة الجسدية، الصادرة من الجسد مع الشعور باللمس الجسدي، لم تكن جوهر الروح القدس، بل إعلاناً بعلامة لائقة، أن الروح القدس ينبثق ليس فقط من الآب، بل أيضاً من الابن. لأن أكثر المجانين جنوناً لن يقول إن الروح الذي أعطاه عندما نفخ فيهم كان روحاً، والروح الذي أرسله بعد صعوده كان روحاً آخر.[17] لأن روح الله واحد، روح الآب والابن، الروح القدس، الذي يعمل الكل في الكل.[18] ولكن إعطاءه مرتين كان بالتأكيد تدبيراً ذا دلالة، وسوف نناقشه في موضعه، بقدر ما يمنح الرب. إذن إن ما يقوله الرب: "الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ"،[19] يظهر الروح أنه من الآب والابن معاً؛ لأنه أيضاً، عندما قال: "الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ"، أضاف أيضاً: "بِاسْمِي".[20] ومع ذلك لم يقل: الذي سيرسله الآب مني، كما قال: "الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ"، مظهراً بذلك أن الآب هو المبدأ (principium - برينكيبويوم) لكل اللاهوت، أو إن كان يُعَبَّر عنها بأفضل من ذلك، الألوهة.[21] فهو إذن، الذي ينبثق من الآب ومن الابن، يُرَد إلى ذاك الذي منه وُلِد الابن (natus - ناتوس). وما يقوله البشير: "لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ، لأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ تُمُجِّدَ بَعْدُ"؛[22] كيف يُفهَم هذا، إلا لأن الإعطاء أو الإرسال الخاص للروح القدس بعد تمجيد المسيح كان ليكون بنحو لم يكن مثله قط من قبل؟ لأنه لم يكن قبل ذلك غير موجود مطلقاً، بل لم يكن بمثل هذا النحو. لأنه لو لم يكن الروح القدس قد أُعطي من قبل، فبماذا أُمتُلئ الأنبياء الذين تكلموا؟ بينما صريح الكتاب المقدس يظهر في مواضع كثيرة أنهم تكلموا بالروح القدس. بينما يُقال أيضاً عن يوحنا المعمدان: "وَمِنَ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ". وأبوه زكريا وُجِد أنه امتلأ من الروح القدس حتى قال مثل هذه الأمور عنه. ومريم أيضاً امتلأت من الروح القدس، حتى تنبأت بمثل هذه الأمور عن الرب الذي كانت تحمله في بطنها.[23] وسمعان وحنة امتلآ من الروح القدس، حتى اعترفا بعظمة الطفل الصغير المسيح.[24] كيف إذن "لَمْ يَكُنِ الرُّوحُ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ، لأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ تُمُجِّدَ بَعْدُ"، إلا لأن ذلك الإعطاء، أو المنح، أو إرسالية الروح القدس كانت لتكون لها خصوصية معينة في مجيئها ذاته، لم تكن قط من قبل؟ لأننا لا نقرأ في أي مكان أن الناس تكلموا بألسنة لم يكونوا يعرفونها، بواسطة حلول الروح القدس عليهم؛ كما حدث حينئذ، عندما كان من الضروري أن يصير مجيئه واضحاً بعلامات منظورة، لإظهار أن العالم كله، وجميع الأمم المقامة بألسنة مختلفة، ينبغي أن تؤمن بالمسيح من خلال عطية الروح القدس، لتتميم ما يُنْشَد في المزمور: "لاَ قَوْلَ وَلاَ كَلاَمَ. لاَ يُسْمَعُ صَوْتُهُمْ. فِي كُلِّ الأَرْضِ خَرَجَ مَنْطِقُهُمْ، وَإِلَى أَقْصَى الْمَسْكُونَةِ كَلِمَاتُهُمْ".[25]

 



[1] عن الثالوث القدوس — القديس أوغسطينوس. https://biblehub.com/library/augustine/on_the_holy_trinity/chapter_20_the_sender_and_the.htm

[2] يوحنا 1: 3، 18، 14

[3] حكمة سليمان 7: 25-27

[4] حكمة سليمان 9: 10

[5] حكمة سليمان 7: 27

[6] [الإشارة هي إلى الحكمة في سفر الأمثال، وفي سفر الحكمة]

[7] غلاطية 4: 4

[8] 1 تيموثاوس 3: 16

[9] يوحنا 16: 28

[10] حكمة سليمان 9: 10

[11] 1 كورنثوس 1: 21

[12] يوحنا 1: 5، 14

[13] يشوع بن سيراخ 24: 3

[14] يوحنا 15: 26

[15] يوحنا 10: 30

[16] يوحنا 20: 22

[17] أعمال الرسل 2: 1-4

[18] 1 كورنثوس 12: 6

[19] يوحنا 15: 26

[20] يوحنا 14: 26

[21] المصطلح "مبدأ" يُستخدم "على سبيل الإضافة، وليس بحسب الجوهر"، كما يقول أغسطينوس. فالآب هو "مبدأ كل اللاهوت"، بالإشارة إلى التمايزات الأقنومية للآب والابن والروح القدس--إذ إن الابن من الآب، والروح القدس من الآب والابن. والعلاقات الثالوثية أو أوجه الجوهر "تبدأ" مع الأقنوم الأول، وليس الثاني أو الثالث. وعبارة "كل اللاهوت"، في التصريح أعلاه، وُضِعَت بدلاً من "الثالوث"، وليس بدلاً من "الجوهر". وأغسطينوس لا يقول إن الآب هو "مبدأ" (principium) الجوهر الإلهي مقسوماً تجريدياً، بل فقط للجوهر من حيث هو مثلث الأقانيم. وبهذا المعنى، يُسمي كتاب الثالوث: الآب "fons trinitatis" (ينبوع الثالوث)، وأحياناً "fons deitatis" (ينبوع اللاهوت). وتوريتين يستخدم هذه الصيغة الأخيرة (iii. xxx. i. 8)؛ وكذلك أُوين (Communion with Trinity, Ch. iii)؛ وهُوكِر (Polity, v. liv). ولكن في هذه الحالة، يجب إضافة الجملة الاحترازية لتوريتين: "fons deitatis, si modus subsistendi spectatur" (ينبوع اللاهوت، إذا ما نُظِر إلى طريقة القوام). وعبارة "fons trinitatis" أو "principium trinitatis" هي أقل عرضة لسوء الفهم، وأكثر دقة من "fons deitatis" أو "principium deitatis".--W.G.T.S.

[22] يوحنا 7: 39

[23] لوقا 1: 15، 41-79

[24] لوقا 2: 25-38

[25] المزامير 19: 3، 4


الأقنوم/الشخص وفقًا لأغسطينوس

 

الأقنوم/الشخص وفقًا لأغسطينوس[1]

 

ثمة معنيان رئيسيان ومترابطان إرتباطًا وثيقًا لمفهوم «الأقنوم». المعنى الأولي هو المعنى اللاهوتي، والمتعلق بأقانيم الثالوث الثلاثة في طبيعة واحدة. أما المعنى المشتق فهو ذلك الذي يشير إلى كل كائن بشري فرد بوصفه شخصًا. وإن المعنى الذي نندرِج تحته لـ«الشخص» يمكن أن ينقسم إلى قسمين: ما يميز الأشخاص البشر عن سائر الأشياء الأخرى، وما يجعل كل شخص فردًا فريدًا ومختلفًا عن جميع الآخرين من الجنس نفسه.

إن كلمة «Person» تتطابق مع اللاتينية persona، وربما تكون مشتقة من اليونانية prosopon (وجه/شخص). المعنى الأولي لكلمة persona هو «قناع، يُصنع عادة من الطين»؛ ومن ثم يُعتقد أن كلمة persona مرتبطة بالفعل persono، الذي يعني «أن يصوت من خلال» أو «أن يرن/يدوي». أما المعاني الأكثر مجازية لكلمة persona فهي «دور، أو جزء، أو شخصية»، أو بشكل أعم «دور أو شخصية يُضطلع بها سواء في العالم أو في كتاب». وتُستخدم كلمة persona في أعمال شيشرون لتفيد معنى الفرد أو الشخصية.

يقارن أغسطينوس بين صيغته اللاتينية لعقيدة الثالوث—والتي مفادها أن الله جوهر واحد أو كائن واحد، بالإضافة إلى ثالوث يتألف من ثلاثة أقانيم (Trin. 5.9.10; 7.4.7; 15.22.42)—وبين الصياغة اليونانية، حيث الله جوهر واحد، والآب والابن والروح القدس هم ثلاثة أقانيم (hypostases أو substances بحسب ترجمته اللاتينية). ويؤكد أنه لا يوجد فرق بين الـousia (الجوهر/الكيان)، والـhypostasis (الجوهر/القوام/الأقنوم) (5.8.9–10). ولا يقدم أغسطينوس أبدًا التعريف التحليلي لمفهوم «الأقنوم» الذي قد نطمح إليه؛ بل يقول إننا نقول «ثلاثة أقانيم» لكي نوضح ما نعنيه بـ«الثالوث» ولكي نتمكن من قول شيء ما (7.6.11). وليس المطلوب منا أن نقول أكثر من: «في الواقع، ليس شيء أن تكون إلهًا وشيء آخر أن تكون أقنومًا، بل هما أمر واحد وعين الشيء تمامًا» (7.6.11). فالآب والابن والروح القدس يشتركون في ما يعنيه مفهوم الأقنوم (7.4.7). وبناء عليه، ففي حالة الله، لا تنفصل الأقنومية عن الجوهر أو الوجود. «ومع ذلك، فإننا نقول ثلاثة أقانيم من الجوهر نفسه، أو ثلاثة أقانيم لجوهر واحد: بيد أننا لا نقول ثلاثة أقانيم ناتجة من الجوهر نفسه، وكأن الجوهر شيء والأقنوم شيء آخر» (7.6.11). ولكن بما أن للمصطلحات معان مختلفة، فلابد من بيان المزيد.

من المهم أن نضع في الاعتبار أن المعنى الذي ينطبق على أقانيم الثالوث هو المعنى الأساسي؛ ومن ثم، ينبغي تحليله بمعزل عن الأفكار المتعلقة بما يشكل الشخص البشري.

علاوة على ذلك، فإن معايير تشخص/تفريد الأقانيم في الثالوث تختلف عن تلك التي تنطبق على الكائنات البشرية. فلا يمكن تسمية ثالوث من الكائنات البشرية شخصًا واحدًا، ولكن الثالوث الإلهي للأقانيم يُدعى وهو بالفعل إله واحد.

وفي الله، وبشكل مفارقي ومحيّر، تكون الأقانيم أفرادًا وغير منفصلين في الوقت نفسه؛ فهم جوهرًا إلهيًا واحدًا وفي جوهر واحد (5.3.4)، بينما يظل تمايز الأقانيم الثلاثة قائمًا (7.2.3). فالآب والابن والروح القدس ليسوا ثلاثة أنواع من جوهر واحد، ولا تشبه علاقتهم نوعًا ينقسم إلى أفراد. والأقانيم الثلاثة متساوون دائمًا (15.23.43). وإن غياب التنوع في طبيعة في الله المثلث الأقانيم يجعل «الأقنوم» الاسم النوعي أو الجنسي للثلاثة؛ فهم من حيث الجنس ثلاثة أقانيم، ومع ذلك، ليسوا ثلاثة آلهة لأن الكتاب المقدس يسمح بالأولى ولا يسمح بالثانية (7.4.8–9).

ويتضح وضع الأقانيم الإلهية أكثر من خلال الطريقة التي يُقال بها إن المحمولات تنطبق على الثالوث كإله واحد وكثلاثة أقانيم. ويتضمن هذا البحث نظرية في الحمل والكليات تُوثق—إن لم يكن التطابق التام مع مقولات أرسطو الذي تفاخر به في الاعترافات (4.16.28)—فعلى الأقل دراية كبيرة بالمشكلات المطروحة هناك. فالعلاقات بين الأقانيم في الثالوث ليست جوهرية ولا عرضية، بل هي من نوع خاص فريد (sui generis). وبما أنه لا يوجد سوى جوهر إلهي واحد، فلا يوجد اختلاف جوهري بين أقانيم الثالوث، وليس للواحد منهم جوهر فردي منفصل. وما ينطبق على جوهر الآب ينطبق أيضًا على جوهر الابن، إذ هما جوهر واحد بسيط للغاية (summe simplex essentia) (Trin. 7.1.2؛ أيضًا 6.3.5؛ 6.5.7).

و«الأقنوم» ينطبق أيضًا على جوهر الثالوث (7.6.11؛ 8). فأقنوم الآب هو ببساطة جوهر الآب. ومع ذلك، فإن المحمولات التي تُطبق على الآب وحده تشير دائمًا إلى العلاقة مع الابن. وبما أنه لا يوجد أعراض في الله، فإن هذه المصطلحات الإضافية/العلاقية التي تشير إلى أقانيم الثالوث ليست عرضية أيضًا. فكل أقنوم في الثالوث هو إذن غير عرضي (5.11.12؛ 5.13.14؛ 7.1.2). والمحمولات الأخرى التي تُطبق على الأقانيم في الثالوث هي أيضًا إضافية دائمًا، وإن لم تكن عرضية (5.11.12؛ 6.2.3). ويجمع موقف أغسطينوس بين الإملاءات الكتابية والمنطق الأرسطي وقدر كبير من الأفلاطونية؛ ومن ثم فليس من الواضح ما إذا كان هذا الموقف مرضيًا من الناحية الفلسفية (Lloyd 1972).

وفي محاولة لبسط كيفية كون الأشخاص البشر على صورة ثالوث الأقانيم الإلهية بمزيد من الدقة، يجد أغسطينوس أنواعًا متعددة من الثالوث داخل النفس (Trin. 9–15). وتوجد خلاصة لصور الثالوث في الشخص في كتاب عن الثالوث (14.7.10). وأهمها هو الذاكرة، والفهم، والإرادة أو المحبة، وهو ثالوث يخص الإنسان الباطن (Trin. 15.7.11). وهذا الثالوث وحده، الذي يستطيع الذهن بواسطته أن يعرف الله، هو الذي يكون بحق على صورة الله (14.8.11). «لأن "الأقنوم/الشخص" اسم جنس، لدرجة أنه حتى البشر يمكن أن يُدعوا بهذا الاسم، على الرغم من الفجوة العظيمة بين الكائنات البشرية والله» (7.4.7؛ انظر أيضًا 15.7.11). فالأشخاص البشر مصنوعون على صورة الثالوث ككل، وليس على صورة أي أقنوم معين منه (12.6.7). ووجود ثالوث في الذهن لا ينقص من كونه ذهنًا واحدًا؛ والأفضل وصف ذلك بأن للذهن وظائف متعددة (10.11.18؛ 12.4.4). وتتضح هذه النقطة أكثر من خلال حقيقة أنه على الرغم من أن الذاكرة والفهم والإرادة تبدو لنا ثلاثة أشياء مختلفة، فإنها في الله جميعًا واحد. وكل أقنوم من أقانيم الثالوث يمتلك هذه الجوانب الثلاثة في طبيعته الخاصة (15.17.28).

وكون الأشخاص الأفراد مسكنًا لله يجعلهم متميزين ومتفوقين على بقية الخليقة. وباقتران ذلك بكون الأشخاص البشر مخمورين/مخلوقين على الصورة الإلهية، وبالمفهوم التجسدي القائل بأن الله اختار أن يصير شخصًا بشريًا، يُمُنح الأشخاص البشر أعلى مكانة بين جميع الخلائق على الأرض.



[1] Sheri Katz, "Person", Augustine Through the Ages: An Encyclopedia, ed. Allan D. Fitzgerald (Grand Rapids, MI; Cambridge, U.K.: William B. Eerdmans Publishing Company, 1999). 649