الخميس، 26 مارس 2026

الهرطقة المونتانية

 


الهرطقة المونتانية

 

مذهب المونتانية (Μοντανισμός)، وهي حركة دينية هرطوقية (αρεσις) نشأت في القرن الثاني في فريجية.[1] أمَّا مونتانوس (Μοντανός) مؤسسها، فقد جمع إلى جانب تقشف (σκησις) مبالغ فيه، صوفية زائفة. فالمونتانية حذت حذو الصوفية. وإلى جانب ذلك، فإنها كانت—تماثل ما كانت عليه الصوفية الزائفة في كل وقت—ثورة تنوير خاصة ضد السلطة الكنسية.

لقد ادعى مونتانوس (Montanus) ومساعدتاه بريسكلا (Priscilla) ومكسيميللا (Maximilla) أنهم منحوا موهبة النبوة التي كان يتمتع بها كثيرون من المسيحيين في العصر الرسولي. وكانوا يقولون إن الملهم الإلهي "البارقليط" (ὁ Παράκλητος) يعاملهم بعنف، ويتحدث على شفاههم. وهذه الموهبة التي يدعي البعض أنها أعطيت لهم تظهر نفسها بطرق غريبة. فالأنبياء لا ينطقون بنبواتهم إلا في حالة تشبه الانجذاب الصوفي والهذيان غير المفهوم الأمر الذي يحرمهم من المصداقية، فضلاً عن تدمير شخصيته (أو شخصيتهما). وبعد أن اعتنق ترتليانوس المونتانية، لم يكن يعرف أي نوع من الانجذاب الصوفي إلا ما رآه في المونتانية. وقد شبهه بالخبل العقلي (madness).[2] وهو يقول إنه فوران عنيف للروح القدس في داخل النبي، وهو حالة لا بد منها لممارسة موهبة النبوة.[3] ولا ريب أن ترتليانوس أوضح سمات الانجذاب الصوفي المونتاني هذه في رسالته المفقودة "في الوجد" (De Ecstasi). وسمات المونتانية الغريبة هذه المبالغ فيها تذكرنا بحالات التلبس الشيطاني والتشنجات التي كانت تصاحبها والتي كانت تحدث في القرن الثامن عشر عند القسيس اليانساني باريس.وتمثل هذه المبالغات وبالتكشف التي كانت شيعته تتبعه نهج مونتانوس في فرض نفسه على الجماهير. وهكذا تظاهر بأنه يفتتح حكم البارقليط، الذي كان يعلن نفسه للبشرية بناء على النبوات المذكورة في إنجيل القديس يوحنا. فقد اقتربت نهاية العالم، وكذلك اقترب المجيء الثاني للمسيح. وسرعان ما سترى أورشليم السماوية وهي نازلة من السماء إلى الأرض. وكان من شأن كثرة الأنبياء الكذبة أن جعل مسيحيي فريجية وآسيا الصغرى إلى الشعور بحالة انجذاب مبالغ فيها. وكان من نتيجة ذلك أن تزعزعت الكنائس، واضطر الأساقفة للتدخل وبالنسبة للحالة اللاهوتية الخاصة بالأنبياء الجدد فقد عارضوا الفكرة التقليدية الخاصة بالنبوة. ذلك أن أنبياء العهدين القديم والجديد لم يكونوا في حالة انجذاب صوفي عندما كانوا يتكلمون بل إنهم احتفظوا بنطقتهم واستخدموا شخصيتهم عندما كانوا يتنبأون. ولم تكن تتملكهم نوبات هذيان كتلك التي كانت تنتاب الرؤساء المونتانيين.[4] وفضلاً عن ذلك، فإنه بالنسبة للرؤى النبوية أو الإعلانات الإلهية التي أنعم بها على الشهداء الكاثوليك، كما في حالة القديسة بربتوا (St. Perpetua) والقرطاجية،[5] وكذلك شهداء ليون، لم تكن هناك هجمات وهذيان كتلك التي اتسم بها المونتانيون. ولقد انتهى الأمر بصدور حرمان كنسي ضد أتباع مونتانوس، وفي مستهل القرن الثالث اضطر مونتانوس إلى الانفصال عن الكنيسة ليصبح مونتانيًا.

وفي حرمان المونتانية ولعنها، وبخت الكنيسة الصوفية الزائفة، كما أنها بإدانتها للإنكراتية (Ἐγκρατῖται) تكون قد رفضت التنسك المبالغ فيه. وكان هذا موقفها الذي لا يتغير تجاه كافة الحركات النسكية أو الصوفية التي تميل إلى المبالغة المفرطة، الجامحة التي تتنافر مع التوجيهات التقليدية لرئاستها. وهي تعاملها على أنها الصيغة الزائفة للروحانية الصحيحة.



[1] انتشرت المونتانية من فريجيا (Φρυγία) إلى المناطق الأخرى ولا سيما أفريقيا حيث اعتنقها ترتليانوس. كما كان لها أتباعها في ليون.

[2] Ecstasin dicimus excessum sensus et amentiae instar (De An. 45).

[3] Encase... Sancti Spiritus vis, operatrix prophetiae (id., 11).

[4] See Eusebius, Hist. Eccl. IV, 27; V, 16, 19.

[5] Acts S. Perpetuae, 4 ff; Ruinart, p. 87.


الثلاثاء، 24 مارس 2026

قراءة يهودية لسر الإفخارستيا

 


العشاء الرباني – مائدة مسيانية، ريستو سانتالا

 

في مساء يوم الخميس القائم، من ذلك الأسبوع المقدس، حوالي الساعة التاسعة مساءً، تجمعت مجموعة من التلاميذ حول معلمهم في غرفة عليا. وفي الخارج يسطع القمر كاملاً كالبدر، كعادته في الفصح من كل عام، وتابع القمر بتوهجه الباهت أحداث هذه الليلة المصيرية والطويلة. لقد بدأ حفل وداع المسيا، وأخذ كل شخص من الحاضرين مكانه حول مفرش من القماش موضوع على الأرض، وأتكأوا على جانبهم الأيسر وأرجلهم إلى خارج الدائرة، ثم بدأ يسوع في تلاوة صلاة قصيرة:

"مبارك أنت يارب إلهنا، خالق ثمر الكرمة، فلنسبحك يا من حفظتنا في حياتنا، وحميتنا ومكنتنا من بلوغ موسم الحصاد".

يبين لنا إنجيل لوقا كيف أضاف يسوع إلى هذه الافتتاحية التقليدية كلمات أخرى "وقال لهم شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم. لأني أقول لكم إني لا آكل منه بعد حتى يكمل في ملكوت الله" ( لو ٢٢ : ١٥-١٦).

جاءت فكرة الأبدية بوقعها الخطير على التلاميذ.

وحسب قواعد seder التقليدية (haggada) أنه بعد الكأس الأول يغسل كبير المجلس يديه، إلا أن يوحنا عند تناوله لهذه اللحظة، أخبرنا كيف أخذ يسوع المنشفة التي قدمت إليه وفاجأ التلاميذ جميعاً بغسل أرجلهم، وحتى يومنا هذا نجد اليهود التقليديين في أوروبا الشرقية ملتزمون بهذه العادة إذ تقوم أصغر الفتيات الخادمات في الأسرة بتقديم فعل محبة.

أما يسوع فلعب هو دور الخادم في تلك الليلة، وعندما أبى بطرس أن يغسل سيده أقدامه، قال له يسوع كلماته الخالدة "فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض. لأني أعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضاً" ( يو ١٣ : ١٤-١٥).

بعد ذلك تأتي الأعشاب المرة التي تغمس بالماء المالح كذكرى أطفال شعب إسرائيل في مصر، وبعد مباركة يسوع أخذ الرغيف الذي في منتصف الثلاث أرغفة الموضوعين فوق بعضهم البعض وقسمه لنصفين، في أيامنا هذه يطلق على هذا الخبز aphikoman وهي كلمة يونانية مشتقة من "aphikneomai" أي "يأتي أو يحضر" ويعتقد المسيحيون اليهود أن صورة الثلاثة أرغفة ما هي إلا إشارة إلى طبيعة الرب ذات الأقانيم الثلاثة، وأن نصف الرغيف aphikoman حسب التقليد مختبئ تماماً مثلما سيحدث مع المسيا الذي سيخبأ في أحضان الأرض حتى يقوم... وفي يوم ما "سيأتي" في مجده، وحتى وإن كان التقليد في تلك الأيام عجز عن توضيح ذلك فإنه بكل تأكيد قد بارك يسوع الخبز الذي قسمه بهذه الطريقة التقليدية، وكما قال موسى لشعب إسرائيل عندما جاعوا في البرية:

"هذا هو الشيء الذي أمر به الرب. ملء العمر منه يكون للحفظ في أجيالكم. لكي يروا الخبز الذي أطعمتكم في البرية حين أخرجتكم من أرض مصر".

أي أن هذا هو خبز آباءنا الذين أُطعموا به في البرية، هيا ندعو جميع الجوعى ليأتوا ويأكلوا، وكل المحتاجين ليحتفلوا بالفصح.

إن الفصح منذ قديم الأزل مرتبط بالتوقع المسياني، وحتى اليوم نجد Haggada يشير لكلمات السامري بن حزقيال، الذي عاصر بدايات القرن الثاني المسيحي وهو يقول:

"علينا أن نتذكر الخروج من مصر كل أيام حياتنا، وأيام حياتنا تعني هذه الأيام، أما كل أيام حياتنا فبالإضافة، ويقول حكماؤنا أن "أيام حياتنا" تعني هذا العالم، و"كل أيام حياتنا" إلى قيام المسيح".

الآن على المتواجدين أن يتناولوا الكأس الثاني، ويصر التلمود على تناول أكثر الناس فقرًا الأربعة كؤوس، وإذا عجزوا عن شراءها جميعاً فليبيعوا ملابسهم أو يرهنوها، كما أعلن أن الخمر يجب أن يكون أحمرًا؛ ثلث خمر وثلثين ماء، بينما نعلم أن الكنيسة الأولى كانت تلتزم بهذه العادة التقليدية في التناول، وعلى سبيل المثال نجد نفس التعاليم قائمة على "كأس الخلاص" المذكور في (مز ١١٦)، والذي يخدم قرارات مقدسة من الرب.

وعند هذه النقطة يتقدم أصغر أفراد الأسرة بسؤال "Mah nish-tanah" أي لماذا تختلف هذه الليلة عن الليالي الأخرى؟ قد يفتح مثل هذا السؤال باب مناقشة روحية بين أفراد العائلة، تنتهي بقراءة المزامير.

عند هذه النقطة تبدأ الوليمة الفعلية، حيث توضع الصلصة haroseth والأعشاب الأخرى بين شريحتين من الخبز، وقد تكون قطعة الخبز التي قسمها يسوع وأعطاها ليهوذا هي شريحة الخبز، وكما ظهر لنا أنه صرفه من المجلس قبل الكأس الثاني - (كأس البركة)، وأما بالنسبة للكأس الرابع فإننا نجد أن بولس أشار إليه في (١ كو ١٠ : ١٦) عندما سأل "كأس البركة التي نباركها أليست هي شركة دم المسيح، الخبز الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح".

وللمرة الثانية تتوهج فكرة المسيانية عندما ينفتح الباب في هذه اللحظة بعد تناول كأس البركة ويدخل إيليا المتنبيء بالمسيا.

ربما تكون كلمات الرب التي بها قدس هذا العشاء، في هذا المكان، وعليه نجد متى يخبرنا التالي:

"وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى التلاميذ وقال خذوا كلوا. هذا هو جسدي، وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً اشربوا منها كلكم. لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا. وأقول لكم إني من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديداً في ملكوت أبي" (قارن بين مت ٢٦ : ٢٦-٢٩، ولو ٢٢ : ١٤-٢٠، والكلمات المسجلة لبولس في ١ كو ١١ : ٢٣-٢٥).

نلمس من خلال هذا الجزء الكتابي ثلاثة عناصر هي: جسد المسيح ودمه ومفهوم الأبدية، ركز لوقا على الوجبة الثالثة عندما قال عن الفصح "حتى يأتي ملكوت الله" ( لو ٢٢ : ١٨.).

هنا يجب على أي مؤمن أن يسأل نفسه عندما يتناول العشاء "Mah nish-tanah" — ما هو الاختلاف بين هذه العشاء والولائم الأخرى؟، وهنا يرد علينا بولس الرسول: علينا أن نفحص أنفسنا لكي يمتحن الإنسان نفسه وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكأس، لأن الذي يأكل ويشرب بدون استحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه غير مميز جسد الرب (١ كو ١١ : ٢٨-٢٩).

ماذا يعني "الجسد" و "الدم" و "الحياة الأبدية"؟

يتكلم بولس عن الصورة العتيقة التي يجب التخلص منها، فمثلاً "لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا" (١ كو ٥ : ٧). ويستخدم حكماء اليهود القدامى عبارة "جسد الفصح" (gouph shel pesah) أو "ذبيحة الفصح" (Mishnah P. 10).

بالفعل كان يسوع هو ذبيحة الله التي حملت عن العالم خطاياه، وفي الوقت نفسه يجب الإشارة إلى أن الكلمة العبرية gouph "الجسد" التي ترمز إلى جوهر الشيء أو كينونته، ومادته كما ترمز أيضاً لمكونات أو عناصر الفصح.

وبالمثل فإن كلمة دم لها مفاهيمها وأصولها.

وعليه يمكن القول إن عشاء العهد الجديد له جذوره في العهد القديم.

في سفر الخروج (٢٤ : ٥-١١): "وأرسل موسى فتيان بني إسرائيل فصعدوا ذبائح سلامة للرب... وأخذ موسى نصف الدم ووضعه في الطاسات... وأخذ موسى الدم ورشّ على الشعب وقال هوذا دم العهد الذي قطعه الرب معكم على جميع هذه الأقوال... ثم صعد موسى وهارون وناذاب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل... ورأوا إله إسرائيل وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق كذات السماء في النقاء. ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بني إسرائيل فرأوا الله وأكلوا وشربوا".

أي أنه بواسطة رش الدم يتطهر الناس، هذا هو دم العهد الذي صنعه الرب معك حسب هذه الكلمات الكتابية، وبالتالي في عشاء العهد الذي يتبع العهد رأى الشعب الله وأكلوا وشربوا معه، وفي سفر زكريا الإصحاح (٩) نجد وصفاً لملك صهيون الوديع الذي يأتي راكباً على حمار، وعندئذ يقول "وأنت أيضاً فإني بدم عهدك قد أطلقت أسراك من الجب الذي ليس فيه ماء" (زك ٩ : ١١).

ويقول بطرس إننا لم نفدى بذهب أو فضة كما في هذه الآية "عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح" (١ بط ١ : ١٨-١٩).

يوجد مثل آرامي يقول "Damimm tartei mashma " أي "للدم معنيين" هما "إراقة دماء وسداد دين"، هذا المعنى الغني يلقي الضوء على أهمية الدم وأنه بالفعل كافي ليخلصنا من الخطايا.

هناك تجربة من أعظم التجارب التي مررت بها على مستوى دراسة الكتاب وذلك عند دراسة المدراش الخاص بسفر راعوث، والذي يرجع إلى أطوار مدراشية أكثر قدمًا، فقد لاحظت من خلال قراءتي للكتاب المقدس باللغة الفنلدنية، وهي لغتي الأصلية أن سفر راعوت (2: 14) يتضمن عناصر العشاء الرباني، إذ أن راعوت جدة الملك داود كانت قد تلقت دعوة من بوعز لتأتي إليه "فقال لها بوضع عند وقت الأكل تقدمي الى ههنا وكلي من الخبز واغمسي لقمتك في الخل، فجلست بجانب الحصادين فناولها فريكا فأكلت وشبعت وفضل عنها".

ولذا قمت بشراء المدراش وقرأت حتى وصلت لهذه المحادثة بشرح المدراش أن هناك ست طرق مختلفة لألم المسيا، كما تشير الآية السابقة مراراً وتكراراً إلى أن هذه المرأة (راعوث) ذات الأصل الكريم قريبة من ملكوت السماء، وفي أربعة مرات تقول عن "الخبر" هو "خبز ملكي" وأربعة مرات تقول "من يأكل الطعام المسياوي في هذا العالم يأكل في العالم الآتي" وفي ثلاثة مرات يشير الخل إلى "الآلام" تحدث بعض الأحبار اليهود في الروح فقالوا أن "الخل هو أحد الآلام المكتوبة، وأنه سيشفي عن إساءاتنا".

كذلك كان بقية الوصف رائعاً، إذ نجد مقارنة بين المخلص السابق (موسى) ومخلص المستقبل (المسيا)، والنص الذي يقول "إن مخلص المستقبل سوف يظهر ويعود ثم يختص مرة ثانية، وبالمثل فإن سوف يسقط المن عليهم". (مدراش راعوث – Parashah. 5)

وفيما بعد ظهرت نظريتان حول المسيا الملك "الحبة التي ستأتي من مكان آخر"، وفي نفس الموضوع لاحظنا تلميحاً في (أش 9 : 7) لنمو رياسته وللسلام لا نهاية .... le-Marbeh ha-Misrah ....

هناك مسألة حول هذه الـ (m) والأولى التي تعرف بالـ (النهائية أو المغلقة) والتي كان عليها أن تظهر هكذا في نهاية الكلمة، وهنا تبدو الآية متماشية مع نبوءة حزقيال عن الطفل وأمير السلام، إن المسيا سوف ".... يحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب" (أش 11 : 1-2)

كان الرب يرغب في أن يجعل حزقيال هو المسيا ولكن المسألة تأخرت، ولذا فإن (m) كانت مغلقة.

ويرى تقليد الزوهار إشارة مخفية إلى أن المسيا المتنبأ به على لسان أشعياء سوف يأتي من رحم مغلق. (Ibid. 7; paras 8)

لم ينتج التقليد اليهودي أكثر من هذه الصورة الموسعة والشاملة والموحدة عن رجاء المسيا، ففيه نقرأ العشاء المسياني من منظوره الأبدي، ومكونات هذا العشاء، الخبز والخل، كما أن هذا المسيا سيمد شعبه فيما بعد بالمن اليومي، كما أن هناك إشارة واضحة لجرحه من أجلنا، ومن أجل خطايانا، وأنه الحبة التي ستأتي من مكان آخر، وبعد مجيئه سيختفي ثانية حتى الوقت الذي يؤكل فيه العشاء المسياني في العالم الآخر، كل هذا هو جزء من التقليد الحبري الأكثر قدماً.

عند قراءة هذا البحث نجد تأكيداً قوياً على أن الرب سوف يلبس رداء ذبيحة العهد. مازالت هنا إشارات إلى المسيا "المختفي" تُحضر لأذهاننا الكلمات المسجلة في إنجيل يوحنا:

"... بعد قليل لا تبصرونني، ثم بعد قليل أيضاً ترونني لأني ذاهب إلى الآب ... بعد قليل لا يراني العالم أيضاً وأما أنتم فترونني. إني أنا حيّ فأنتم ستحيون... سمعتم أني قلت لكم أنا أذهب ثم آتي إليكم. لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون لأني قلت أمضي إلى الآب. لأن أبي أعظم مني" (يو16: 16؛ 14: 19، 28).

ويوجد وصف ثاني في أدب الأحبار عن عشاء المسيا نلمسه في (مز 22 : 26) "يأكل الودعاء ويشبعون. يسبح الرب طالبوه. تحيا قلوبكم إلى الأبد".

ويعلق أكثر المعلمين شهرة في اليهودية RaSHI حيث يقول أن هذه الآية تشير إلى أن "وقت الخلاص هو أيام المسيا".

أيضاً توجد إشارة ثالثة، يجدر بنا ذكرها وهي ما قيل في مدراش Shemoth Rabbah أن الخمر والخبز قد وجدا في منظور أبدي، كما يعلق المدارش على (مز 23) وهو مزمور الراعي فيقول:

"ترتب قدامي مائدة تجاه مضايقيّ. مسحت بالدهن رأسي. كأسي ريا. إنما خير ورحمة يتبعانني كل أيام حياتي وأسكن في بيت الرب إلى مدى الأيام"، إن إعداد المائدة هو المن، ومسح الرأس هو الحرية والرعاية، والكأس الذي فاض يشير إلى عين الماء، أي تعد المائدة لهذا الشخص القادم (المسيا) وأنهم سيأكلون ويشربون في جنة عدن. (Shemoth Rabbah, parashah)

وهنا يشير الأحبار اليهود إلى أن المكان الحسن في القبر يشبه الفردوس أو بمعنى أخر جنة عدن.

وهناك إشارة رابعة ترتبط بالعشاء المسياني، فعند ذكره علينا أن نشير إلى الوجبة الرابعة لظهر السبت، والتي يُطلق عليها بين الناس "وجبة المسيا".

ويشار إلى هذه الوجبة أيضاً بـ "melave malkah" والتي تعني "مرافقة الملكة" أي بتناول هذه الوجبة فإن ملكة السبت ستبدأ أسبوع عمل جديد.

قام شاعر القرن السادس الميلادي الشهير ألعازرها كلير بتأليف صلاة تبدأ بكلمات "سأبتهج وأصنع فرح في قلبي"، حيث نجد في هذه الصلاة خمسة إشارات واضحة للمسيا. أحدها هي:"أعرض قضيتي وآتي بالمخلص إلى صهيون، لنجعل الفرع ينمو، إيليا والمسيا الملك ... النبي إيليا والمسيا الملك".

ثم يقدم بعد ذلك إلتماسين "أطعمنا يا الله" و "أعطني لحمي وخبزي اليومي في الوقت المناسب". (Zemiroth lemotsaei Shabbath Sidur)

كانت صلاة ظهيرة يوم السبت أيضاً تتضمن على "يومين للمسيا"، (Minha leshabbath and also Shaharith lehol) إذ علينا جميعاً أن نتذكر دائماً أن عشاء الرب هو عشاء المسيا، وفي أثناءه يمدنا الله به.

يعتبر الرابي غمالائيل معروف لدينا من سفر الأعمال، قال: أن هناك ثلاثة أشياء يجب أن تجهز في عشاء الرب "الفصح، وفطيرة الفصح، والعشب المر"، وحسب ما كتب في Haggada، ذكر مشدداً أن "على كل جيل أن ينظر لنفسه على أنه خرج للتو من مصر".يوجد بين الترانيم كلمات أخرى تتردد كالتالي:"عبيداً.. كنا في أرض مصر، وأخرجنا الرب منها بيده القوية ... كان أبي آرامياً هائماً .... ورغم أننا جميعاً لدينا حكمتنا وفهمنا الكامل ومخضرمين في التوراة إلا أنه مازال مطلوباً منا أن نحكي قصة تحررنا من مصر".

وبعد منتصف الليل يأتي دور الكأس الرابع والأخير، حيث يرغم الجزء الأخير من Hallel (مز 115 - 118)، وينتهي المساء بالمزمور (136) التي تقول بعض كلماته "إلى الأبد رحمته" ويتم تكرارها 26 مرة، وهنا يخبرنا إنجيل متى حول نهاية الفصح، "ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون". لقد انتهى الجزء الخاص بيسوع في ذبيحة الفصح العظيم وأن "Via Dolorosa" أي آلامه على وشك البدء.

 

عن كتاب: المسيح في العهد الجديد، ريستو سانتالا، ص 245 وما بعدها


هل ممكن ننسب الأفعال البشرية للجسد والأفعال الإلهية لله بعد الاتحاد؟!

 


كنت كتبت سؤال من فترة، إن بعض المعترضين بيقدموا نصوص بتتكلم عن إن المسيح إنسان، زي تعب وتألم وارتفع في المجد وأبي أعظم مني.. وغيرها..

 

ولما بتوضح زي ما قال القديس أثناسيوس إن النصوص دي هي بحسب التدبير، يعني بسبب إن الكلمة أخلى نفسه واتخذ صورة عبد، وإنه إنسان وإله، يعني في إيماننا المسيح إنسان وابن إنسان ونبي ورسول ودا لا يتعارض مع كونه إله كامل، إن الله كان حالل فيه ومتحد بيه اتحاد حقيقي وكامل من بدء التجسد.

 

فيبدأ يقول لك لأ، المسيح مينفعش نقول عنه طبيعتين بعد الاتحاد، ودا كلام القديس كيرلس السكندري والأنبا بيشوي.. إلخ..

 

لكن هنا بيخلط المعترض بين أمرين:

1- بين إن القديس كيرلس بينفي إن الطبيعتين منفصلتين أو متجاورتين بعد الاتحاد بحسب تعبيرات النسطوريين، وإنها طبيعة واحدة بعد الاتحاد غير منفصلة لانه اتحاد حقيقي وكامل.

 

2- وبين تكملة قول القديس كيرلس نفسه اللي بيوضح إن دول طبيعتين، مش مجرد طبيعة واحدة مفردة، لكن نميز بينهم من جهة الفكر مش من جهة العدد، يعني منفصلهمش لكن لكل طبيعة خصائصها، ودا بيظهر بالخصوص في تعبيرين واضحين جدًا:

أ- قول القديس كيرلس الشهير: (طبيعة واحدة لله "الكلمة" "المتجسد") فهو بالصيغة العبقرية دي بيميز بين الطبيعتين، ودا بيقودنا للنقطة ب

ب- بلا امتزاج ولا اختلاط ولا تغيير، فلكل طبيعة خصائصها وصفاتها اللي لم تفقدها بعد الاتحاد، لإن الاتحاد منتجش عنه تغير في الطبيعة نفسها، فكل طبيعة حافظت على خصائصها.


ودا بيوضح بنصوص صريحة عند الآباء، لكن هاخد هنا مثالين فقط من الآباء، هما القديس أثناسيوس، والقديس كيرلس:


القديس أثناسيوس عن طبيعتي المسيح:


"لهذا فإن الله "الكلمة" هو نفسه المسيح الذى من العذراء مريم، إله قد صار إنسانًا، وليس مسيحًا آخر بل هو ذاته، فهو الذى من الآب منذ الأزل، وهو نفسه الذى جاء من العذراء فى أواخر الدهور، والذى كان غير منظور قبلاً حتى للقوات المقدسة بالسماء، وقد صار منظورًا الآن بسبب اتحاده مع الإنسان المنظور. أقول منظورًا، ليس فى لاهوته غير المنظور، بل بفعل اللاهوت خلال الجسد البشرى والإنسان كله، الذى جدده باتخاذه إياه لنفسه".

ضد الاريوسيين 4. 36

 

هنا القديس أثناسيوس بيوضح إن المسيح إله تجسد وصار منظور، بالرغم إنه في لاهوته غير منظور، لكنه صار مرئي من خلال الجسد اللي استخدمه كأداة لخلاص البشر. فهنا هو إله، وإنسان، منظور، وغير منظور في نفس الوقت وبعد التجسد طبعًا.

 

وبيقول كمان:

هكذا يتحدث الله "الكلمة"، مشيرًا إلى جنبه  ويديه بالذات، وعن نفسه بالكامل كإنسان وإله معًا. معطيًا أولاً للتلاميذ القديسين أن يدركوا "الكلمة" بواسطة الجسد بدخوله والأبواب مُغلّقة (أنظر يو19:20)، ثم اقترابه منهم بجسده يوفر لهم اليقين الكامل. كل هذه نقولها لتثبيت المؤمنين، وتصحيح أخطاء الذين لا يؤمنون.

ضد الاريوسيين 4. 35.

 

فالمسيح بنص واضح هو إله وإنسان معًا، فهو الكلمة الله لإنه دخل والأبواب مغلقة، بينما هو إنسان لإنه آراهم جسده وجراحاته.

 

 

القديس كيرلس السكندري:

 

ونحن نرى أن الابن واحد من اثنين، إذ فيه التقت الطبيعتان الإلهية والإنسانية واتحدتا في واحد بشكل غير موصوف ولا يُعَّبر عنه. وبكل تأكيد نحن لا نعنى أن كلمة الله قد تحّول إلى الطبيعة الجسدّية الأرضّية ولا الجسد تحّول إلى طبيعة الله الكلمة. والذي يتبنّى أحد هذين الموقفين المتطرّفين لابد أن يكون مختل العقل. فكل من الطبيعتين تبقى في خصوصيتها ولكنهما تُعدّان في وحدة تامة لا تنفصل، وهذه الوحدة يكشفها تعبير "المسيرة الواحدة"، فهو نفسه إنسان وإله. وحينما نقول الله فنحن لا نلغى الإنسانية بعد الاتحاد وحينما نقول إنسان فنحن لا ننفى صفات اللاهوت، وهذا واضح للذي يريد أن يفكر في الأمر بطريقة مستقيمة.

حوار حول الثالوث، الحوار الأول، ج1. ص 46، 47.

 

الفقرة دي بتعبر باختصار عن التعليم الخريستولوجي عند القديس كيرلس عن الطبيعتين المتحدتين في المسيح، دون انفصال يعني مش طبيعتين منفصلتين ودا اللي بيقصده لما بيقول طبيعة واحدة بعد الاتحاد، ودون امتزاج يعني الاتنين مبقوش طبيعة واحدة لكن لكل طبيعة خواصها.

ومن الجدير بالذكر أن الكنيسة تضع هذه الصيغة المختصرة للإيمان في نص الاعتراف الأخير في القداس الإلهي الذي يردده الكاهن بقوله: آمين آمين آمين... ألخ.