توم دالاس[1]
إذا سمع المرء أن هناك مئات الآلاف من القراءات المتنوعة النصية بين
مخطوطات العهد الجديد، فقد يبدو الأمر مقلقًا. وفي الواقع، من الصحيح أن هناك ما
يُقَدَّر بنحو 300,000–500,000 قراءة متنوعة عبر جميع مخطوطاتنا.
ولكن الأرقام المجرّدة وحدها مضللة – فنحن بحاجة إلى فهم ما هي هذه
القراءات المتنوعة. القراءة المتنوعة النصية تعني ببساطة أي اختلاف في الصياغة بين
مخطوطتين. ويمكن أن يكون هذا الاختلاف صغيرًا بحد حرف واحد، أو كبيرًا بقدر جملة
محذوفة أو مضافة. ونظرًا لأن لدينا نحو 5,800 مخطوطة، وأن العهد الجديد يحتوي على
أكثر من 138,000 كلمة، فليس من المستغرب أن تجد اختلافات كثيرة عندما تقارن كل تلك
النسخ.
ومع ذلك، ليست كل القراءات المتنوعة متساوية.
فالغالبية العظمى منها طفيفة للغاية – اختلافات في التهجئة، أو تغييرات في ترتيب
الكلمات، أو وجود/غياب كلمة صغيرة مثل أدوات التعريف أو حرف "و".
ولإعطاء مثال كلاسيكي: كان بعض النساخ اليونانيين يضيفون أحيانًا حرف
"ν"
(نيو/nu)
في نهاية كلمات معينة إذا كانت الكلمة التالية تبدأ بحرف متحرك (على نحو يشبه
تمامًا استخدامنا لـ "an" قبل الصوت المتحرك
في الإنجليزية). هذا "النيو المتنقل" (movable nu)
يظهر في بعض المخطوطات دون غيرها، لكن ليس له أي تأثير على الترجمة أو المعنى.
إنه يشبه الاختلاف بين كتابة "who" مقابل "whom"
– وهي مسألة رسمية أو قواعدية لا تغير المحتوى الأساسي للجملة.
وبفارق كبير، تشكل هذه الأنواع من القراءات
المتنوعة التافهة معظم الاختلافات. ويُقَدِّر العلماء أن نحو 99% من جميع القراءات
المتنوعة النصية ليس لها تأثير معنوي على رسالة النص. وبعبارة أخرى، إذا قرأت مخطوطتين
مختلفين لـ رسالة رومية مثلًا، فإن جميع الاختلافات التي ستلاحظها تقريبًا ستكون
أمورًا مثل التهجئات البديلة أو ترتيب الكلمات - ولا شيء من شأنه أن يغير عقيدة أو
حتى حقيقة تاريخية مهمة.
ماذا عن الـ 1% المتبقية من القراءات المتنوعة؟
هناك بالفعل بضعة مواضع تختلف فيها المخطوطات حول عبارة أو آية قد
تحدث فارقًا ملحوظًا في المقطع. وهذه هي القراءات التي يركز عليها نقاد النص معظم
اهتمامهم. وتشمل الأمثلة: الآيات الأخيرة من إنجيل مرقس (مرقس 16: 9–20،
"النهاية الطويلة" الغائبة عن أقدم نسخنا، والتي دافعتُ عنها في تدوينتي
"A Defence for the Longer Ending of Mark")،
وقصة المرأة التي أُمسِكَت في زنا (يوحنا 7: 53–8: 11، وهي مفقودة بالمثل في أقدم
المخطوطات)، أو بضع عبارات أقصر (مثل الإشارة الصريحة إلى الثالوث في 1 يوحنا 5:
7، والتي يبدو أنها إضافة متأخرة في المخطوطات اللاتينية). وكثيرًا ما يُسَلَّط
الضوء على القراءات المتنوعة مثل هذه في الهوامش السفلى أو الحواشي لـ كتب مقدسة
باللغات الحديثة، مع ملاحظات مثل "بعض المخطوطات المبكرة لا تحوي هذه الآية".
هذه الشفافية تتيح للقراء معرفة أين يكون النص محل تساؤل.
والأهم من ذلك أنه لا توجد عقيدة جوهرية في
المسيحية تعتمد على هذه النصوص المتنازع عليها. على سبيل المثال، في حين أن قصة
المرأة الزانية هي مقطع محبوب، إلا أن كل تعليم تحويه يمكن دعمه من أسفار أخرى غير
متنازع عليها. وعقيدة الثالوث لا تعتمد على السطر المتنازع عليه في 1 يوحنا 5: 7،
بل على العديد من الآيات الواضحة الأخرى. وقيامة المسيح (وهي المحور الأساسي لـ
إنجيل مرقس) مُؤكَّدة في جميع الأناجيل الأربعة ورسائل بولس، بغض النظر عن كيفية
انتهاء إنجيل مرقس نفسه. وكما يقول كريج بلومبرج ساخرًا: "لا يوجد إيمان
جوهري يُترك في حالة معلقة أو غير يقيني بشأن أساسه".
أمثلة وفئات:
يمكن تصنيف القراءات المتنوعة النصية في مخطوطات العهد الجديد بناءً
على مدى شيوعها وأهميتها. فيما يلي قائمة مرتبة من الأكثر شيوعًا إلى الأقل
شيوعًا، مصحوبة بالأمثلة.
1- الافتقار إلى الاتساق الهجائي (قراءات هجائية متنوعة) – الأكثر
شيوعًا
تتضمن هذه القراءات اختلافات طفيفة في التهجئة، وغالبًا ما ترجع إلى
اختلافات إقليمية أو عادات النساخ.
مثال:
يوحنا 7: 8
تقرأ بعض المخطوطات οὐκ (أوك Ouk،
بمعنى "ليس").
وتقرأ أخرى οὔπω (أوبو Oupō،
بمعنى "ليس بعد").
هذه قراءة متنوعة طفيفة لا تغير المعنى ولا العقيدة.
2- النيو المتنقل (Ν)
كما أُشير أعلاه، فإن النيو المتنقل (باليونانية: ν κινητόν
ني كينيتون) هو حرف ν اختياري يُضاف إلى نهاية
كلمات معينة عندما تبدأ الكلمة التالية بحرف متحرك، تمامًا مثل الفارق بين "a"
و"an"
في الإنجليزية.
مثال:
متى 5: 8
تحوي بعض المخطوطات καθαροι εισιν
(كاثاروي إيسين Katharoi eisin، بمعنى
"أنقياء").
وتحوي أخرى καθαροι εισι (كاثاروي إيسي Katharoi eisi،
بمعنى "أنقياء").
لا يوجد أي تغيير في المعنى.
3- تغيير ترتيب الكلمات (التقديم والتأخير)
تسمح اللغة اليونانية بمرونة في ترتيب الكلمات، لذا يعيد النساخ
أحيانًا ترتيب الكلمات دون التأثير على المعنى.
مثال:
1 تسالونيكي 2: 13
تقرأ بعض المخطوطات λόγον τοῦ θεοῦ
(لوجون تو ثيو، بمعنى "كلمة الله").
وتقرأ أخرى τοῦ θεοῦ λόγον
(تو ثيو لوجون، بمعنى "الله كلمة").
المعنى لم يتغير.
4- استبدال المرادفات
كانت تُستبدَل أحيانًا كلمات يونانية مختلفة لها نفس المعنى.
مثال:
مرقس 1: 4
تحوي بعض المخطوطات βάπτισμα μετανοίας
(بابنيسما متانوياس، بمعنى "معمودية التوبة").
وتحوي أخرى βάπτισμα μετανοήσεως
(بابتيصما متانويسيوس، بالمعنى نفسه ولكن بصيغة مختلفة).
لا يوجد أي تأثير.
5- المبادلة بين "يسوع المسيح" و"المسيح يسوع"
كان النساخ يغيرون أحيانًا ترتيب "يسوع المسيح"
و"المسيح يسوع".
مثال:
رومية 3: 24
تقرأ بعض المخطوطات ἐν Χριστῷ Ἰησοῦ
(إن خريستو إيسو، بمعنى "في المسيح يسوع").
وتقرأ أخرى ἐν Ἰησοῦ Χριστῷ
(إن إيسو خريستو، بمعنى "في يسوع المسيح").
هذا يؤثر على الأسلوب ولكن ليس على العقيدة.
6- أدوات التعريف (إضافة أو حذف أداة التعريف)
غالباً ما تستخدم اليونانية أداة التعريف (ὁ, ἡ,
τό)
أو تحذفها بطرق لا تؤثر على المعنى.
مثال:
متى 1: 18
تقول بعض المخطوطات τοῦ Ἰησοῦ Χριστοῦ
(تو إيسو خريستو، بمعنى "يسوع المسيح").
وتقول أخرى Ἰησοῦ Χριστοῦ (إيسو خريستو، بمعنى
"يسوع المسيح").
تظل الترجمات كما هي دون تغيير.
7- التكرار الخاطئ (Dittography)
كتب النساخ بطريق الخطأ كلمة أو عبارة مرتين.
مثال:
لوقا 14: 5
تقرأ بعض المخطوطات ὑιὸς ἢ βοῦς
(هيوس إي بوس، بمعنى "ابن أو ثور").
وتكرر بعضها كلمة "ثور" (ὑιὸς ἢ βοῦς
ἢ βοῦς)،
وهو خطأ ناسخ واضح.
8- السقط السهوي (Haplography)
أسقط النساخ بطريق الخطأ كلمة أو عبارة، وغالبًا ما يكون ذلك بسبب
نهايات الكلمات المتشابهة.
مثال:
1 يوحنا 2: 23
تفتقر بعض المخطوطات إلى "ὁμολογῶν τὸν υἱὸν
ἔχει καὶ τὸν πατέρα"
(هومولوجون تون هيون إخي كاي تون باتيرا، بمعنى "مَنْ يَعْتَرِفُ بِٱلٱبْنِ
فَلَهُ ٱلْآبُ أَيْضًا").
عادة ما تُسترد الإسقاطات مثل هذه عن طريق مقارنة مخطوطات متعددة.
وفي بعض الأحيان تظهر في هوامش المخطوطات التي أُسقِط فيها النص، مما يوضح أن خطأ
النسخ قد أُدرِك؛ ولأن الورق والرق كانا باهظي الثمن، فقد أُدرِج الخطأ ببساطة على
الجانب.
9- المماثلة للنصوص الموازية
جعل النساخ أحيانًا المقطع يطابق مقطعًا مشابهًا من إنجيل آخر.
مثال:
متى 9: 13 مقارنة بـ مرقس 2: 17
تتضمن بعض نسخ متى 9: 13 عبارة "إلى التوبة" في النهاية،
والتي أُستُعيرَت على الأرجح من لوقا 5: 32.
10- وضع جزء من آية في مكان آخر
تُنقَل عبارة إلى موضع مختلف في الآية.
مثال:
يوحنا 3: 16
تضع بعض المخطوطات عبارة "لا يهلك" قبل "بل تكون له
الحياة الأبدية"، بينما تعكس أخرى الترتيب.
ويبقى المعنى غير متغير.
11- إضافة أو حذف عبارات كاملة
أضاف النساخ أحيانًا كلمات توضيحية أو حذفوا عبارات.
مثال:
لوقا 11: 2- 4 (الصلاة الربانية)
تتضمن بعض المخطوطات "لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على
الأرض"، بينما تحذفها أخرى.
ويرجع هذا على الأرجح إلى التوفيق مع صيغة متى للصلاة الربانية.
12- إضافة أو حذف آيات كاملة
تضيف بضع مخطوطات متأخرة آيات كاملة أو تحذفها.
أمثلة:
مرقس 16: 9– 20 ("النهاية الطويلة لـ إنجيل مرقس") – غائبة
في المخطوطات المبكرة.
يوحنا 7: 53– 8: 11 (المرأة التي أُمسِكَت في زنا) – لم تُوجد في
أقدم النسخ.
يُشار إلى هذه المقاطع في الـكتب المقدسة الحديثة بالحواشي السفلى.
13- التوضيحات أو التفسيرات العقيدية
تعكس بعض التغييرات تأكيدًا لاهوتيًا.
مثال:
لوقا 2: 33
تقول بعض المخطوطات "أبوه وأمه" (مصطلح بيولوجي).
وتقول أخرى "يوسف وأمه"، على الأرجح للتأكيد على الولادة
العذراوية.
لا تؤثر معظم القراءات النصية على المعنى أو العقيدة. فالبقية العظمى
منها عبارة عن فروق هجائية، أو تغيّرات في ترتيب الكلمات، أو توضيحات طفيفة. وحتى
التغييرات الأكبر (مثل آيات كاملة) لا تغيّر الإيمانيات المسيحية الجوهرية، حيث إن
تلك العقائد مُؤَكَّدة في مواضع أخرى من النص.
إذن، هل تهم القراءات النصية؟
بالنسبة للعلماء، نعم – فكل قراءة متنوعة تُعد نافذة على تاريخ النص
وتجب دراستها لاستعادة النص الأصلي. أما بالنسبة للقارئ العادي، فالنقطة المهمة
هي أن العهد الجديد الذي تقرأه اليوم لا تنقصه بعض الآيات "المفقودة"
السرية ولا يمتلئ بأخطاء غير معروفة. يمكننا أن نكون واثقين مما يقوله. وحتى
بارت إيرمان، وهو أحد أعلى الأصوات التي تلفت الانتباه إلى القراءات المتنوعة،
يتفق على أن الرسالة الجوهرية للعهد الجديد ظلت كما هي. فبعد دراسة مستفيضة
للقراءات المتنوعة، يعترف قائلاً: "لو وُضِعتُ أنا و[أستاذي بروس متزجر]
في غرفة وطُلِب منا التوصل إلى بيان إجماعي بشأن ما نعتقد أن النص الأصلي للعهد
الجديد كان يبدو عليه على الأرجح، لكانت هناك نقاط خلاف قليلة جدًا – ربما بضع من
المواضع من بين ألوف كثيرة".
تلك المواضع القليلة المكونة من بضع آيات
مُشَار إليها في الحواشي السفلى لكتابك المقدس؛ ولا توجد واحدة منها تؤثر على بَند
من بنود الإيمان أو أمر من أوامر المسيح. وخلاصة القول، توجد أخطاء نساخ
طفيفة، لكن الجوهر الحقيقي للنص محفوظ بأمان.
مثال:
تخيل أن معلم التاريخ ألقى كلمة مهمة حول امتحان قادم. وقرر خمسة
طلاب في الفصل كتابة ملاحظات، لكن كلاً منهم كتب الأشياء بطريقة مختلفة قليلاً.
كتبت إيما: "الاختبار يوم الجمعة، وسيتضمن 50 سؤالاً".
كتب جيك: "الاختبار يوم الجمعة، وسيتضمن 55 سؤالاً".
كتبت صوفيا: "الامتحان يوم الجمعة، وسيتضمن 50 سؤالاً من نوع
الاختيار من متعدد".
كتب ليام: "الامتحان الجمعة، وسيشمل 50 سؤالاً".
كتب نوح: "الاختبار يوم الجمعة وله 50 سؤالاً".
لاحقًا، سأل شخص غاب عن الفصل عما قاله المعلم. ورغم أن ملاحظات
الطلاب ليست متطابقة تمامًا، فمن السهل مقارنتها واكتشاف ما قيل في الأصل:
الاختبار يوم الجمعة (يتفق الخمسة جميعهم).
الاختبار يتضمن 50 سؤالاً (يتفق أربعة، ومن المرجح أن واحدًا ارتكب
خطأً صغيرًا).
يُسمى الاختبار إما امتحانًا أو اختبارًا، لكن ذلك لا يغير المعنى.
لأن لدينا مصادر متعددة، يمكننا بثقة استعادة
كلمات المعلم الأصلية. ولو كان لدينا ملاحظات شخص واحد فقط، لما عرفنا ما إذا كان
هناك خطأ قد أُرتُكِب أم لا. ولكن مع وجود نسخ متعددة، يمكننا المراجعة
والتحقق من الرسالة الأصلية.
وتعمل مخطوطات العهد الجديد بالطريقة نفسها. ورغم أن النساخ ارتكبوا
أخطاء صغيرة على مر الزمان - مثل كلمة هُجِّئَت بشكل خاطئ أو عبارة إضافية - فإن
العدد الهائل من المخطوطات يتيح للعلماء مقارنتها وتحديد ما قاله النص الأصلي في
الواقع. وبدلاً من أن تكون مشكلة، فإن وجود آلاف النسخ ذات الاختلافات الصغيرة
يمثل ميزة هائلة، لأنه يساعدنا على العودة إلى الصياغة الأصلية بدقة عالية.
وهناك ملاحظة أخرى مهمة وهي أن لدينا أيضًا كتابات الآباء الأوائل
التي تقدم رؤية لا تُقدَّر بثمن حول كيفية فهم العهد الجديد وانتقاله. وإن
اقتباساتهم الشاملة وإشاراتهم كثيرة جدًا لدرجة أنه، كما لاحظ بروس متزجر:
"لو كُتِب الدمار لكل المصادر الأخرى لمعرفتنا بنص العهد
الجديد، لأمكن إعادة بناء العهد الجديد بأكمله تقريبًا من الاقتباسات التي أوردها
الآباء الأوائل".
وتُعد هذه المراجع بمثابة تدقيق مضاعف لسلامة النص، مما يتيح للعلماء إجراء مقارنات مرجعية بينها وبين أدلة المخطوطات. بالإضافة إلى ذلك، فهي تكشف كيف فسر المسيحيون الأوائل الكتاب المقدس، وشكلوا العقيدة، وانخرطوا في المناقشات اللاهوتية، مما يوضح دور العهد الجديد التأسيسي في العبادة والإيمان منذ القرون الأولى.
[1] Tom
Dallis. “How Trustworthy Is the New Testament Text?” Tom’s Theology Blog, March
2, 2025. Accessed August 8, 2026.
https://tomstheology.blog/2025/03/02/how-trustworthy-is-the-new-testament-text/


