السبت، 8 أغسطس 2026

القراءات المتنوعة النصية: هل تؤثر على مصداقية نص العهد الجديد؟ (أمثلة من المخطوطات)

 



توم دالاس[1]

 

إذا سمع المرء أن هناك مئات الآلاف من القراءات المتنوعة النصية بين مخطوطات العهد الجديد، فقد يبدو الأمر مقلقًا. وفي الواقع، من الصحيح أن هناك ما يُقَدَّر بنحو 300,000–500,000 قراءة متنوعة عبر جميع مخطوطاتنا.

 

ولكن الأرقام المجرّدة وحدها مضللة – فنحن بحاجة إلى فهم ما هي هذه القراءات المتنوعة. القراءة المتنوعة النصية تعني ببساطة أي اختلاف في الصياغة بين مخطوطتين. ويمكن أن يكون هذا الاختلاف صغيرًا بحد حرف واحد، أو كبيرًا بقدر جملة محذوفة أو مضافة. ونظرًا لأن لدينا نحو 5,800 مخطوطة، وأن العهد الجديد يحتوي على أكثر من 138,000 كلمة، فليس من المستغرب أن تجد اختلافات كثيرة عندما تقارن كل تلك النسخ.

 

ومع ذلك، ليست كل القراءات المتنوعة متساوية. فالغالبية العظمى منها طفيفة للغاية – اختلافات في التهجئة، أو تغييرات في ترتيب الكلمات، أو وجود/غياب كلمة صغيرة مثل أدوات التعريف أو حرف "و".

ولإعطاء مثال كلاسيكي: كان بعض النساخ اليونانيين يضيفون أحيانًا حرف "ν" (نيو/nu) في نهاية كلمات معينة إذا كانت الكلمة التالية تبدأ بحرف متحرك (على نحو يشبه تمامًا استخدامنا لـ "an" قبل الصوت المتحرك في الإنجليزية). هذا "النيو المتنقل" (movable nu) يظهر في بعض المخطوطات دون غيرها، لكن ليس له أي تأثير على الترجمة أو المعنى. إنه يشبه الاختلاف بين كتابة "who" مقابل "whom" – وهي مسألة رسمية أو قواعدية لا تغير المحتوى الأساسي للجملة.

 

وبفارق كبير، تشكل هذه الأنواع من القراءات المتنوعة التافهة معظم الاختلافات. ويُقَدِّر العلماء أن نحو 99% من جميع القراءات المتنوعة النصية ليس لها تأثير معنوي على رسالة النص. وبعبارة أخرى، إذا قرأت مخطوطتين مختلفين لـ رسالة رومية مثلًا، فإن جميع الاختلافات التي ستلاحظها تقريبًا ستكون أمورًا مثل التهجئات البديلة أو ترتيب الكلمات - ولا شيء من شأنه أن يغير عقيدة أو حتى حقيقة تاريخية مهمة.

 

ماذا عن الـ 1% المتبقية من القراءات المتنوعة؟

هناك بالفعل بضعة مواضع تختلف فيها المخطوطات حول عبارة أو آية قد تحدث فارقًا ملحوظًا في المقطع. وهذه هي القراءات التي يركز عليها نقاد النص معظم اهتمامهم. وتشمل الأمثلة: الآيات الأخيرة من إنجيل مرقس (مرقس 16: 9–20، "النهاية الطويلة" الغائبة عن أقدم نسخنا، والتي دافعتُ عنها في تدوينتي "A Defence for the Longer Ending of Mark")، وقصة المرأة التي أُمسِكَت في زنا (يوحنا 7: 53–8: 11، وهي مفقودة بالمثل في أقدم المخطوطات)، أو بضع عبارات أقصر (مثل الإشارة الصريحة إلى الثالوث في 1 يوحنا 5: 7، والتي يبدو أنها إضافة متأخرة في المخطوطات اللاتينية). وكثيرًا ما يُسَلَّط الضوء على القراءات المتنوعة مثل هذه في الهوامش السفلى أو الحواشي لـ كتب مقدسة باللغات الحديثة، مع ملاحظات مثل "بعض المخطوطات المبكرة لا تحوي هذه الآية". هذه الشفافية تتيح للقراء معرفة أين يكون النص محل تساؤل.

 

والأهم من ذلك أنه لا توجد عقيدة جوهرية في المسيحية تعتمد على هذه النصوص المتنازع عليها. على سبيل المثال، في حين أن قصة المرأة الزانية هي مقطع محبوب، إلا أن كل تعليم تحويه يمكن دعمه من أسفار أخرى غير متنازع عليها. وعقيدة الثالوث لا تعتمد على السطر المتنازع عليه في 1 يوحنا 5: 7، بل على العديد من الآيات الواضحة الأخرى. وقيامة المسيح (وهي المحور الأساسي لـ إنجيل مرقس) مُؤكَّدة في جميع الأناجيل الأربعة ورسائل بولس، بغض النظر عن كيفية انتهاء إنجيل مرقس نفسه. وكما يقول كريج بلومبرج ساخرًا: "لا يوجد إيمان جوهري يُترك في حالة معلقة أو غير يقيني بشأن أساسه".

 

أمثلة وفئات:

 

يمكن تصنيف القراءات المتنوعة النصية في مخطوطات العهد الجديد بناءً على مدى شيوعها وأهميتها. فيما يلي قائمة مرتبة من الأكثر شيوعًا إلى الأقل شيوعًا، مصحوبة بالأمثلة.

 

1- الافتقار إلى الاتساق الهجائي (قراءات هجائية متنوعة) – الأكثر شيوعًا

 

تتضمن هذه القراءات اختلافات طفيفة في التهجئة، وغالبًا ما ترجع إلى اختلافات إقليمية أو عادات النساخ.

مثال:

يوحنا 7: 8

تقرأ بعض المخطوطات οὐκ (أوك Ouk، بمعنى "ليس").

وتقرأ أخرى οὔπω (أوبو Oupō، بمعنى "ليس بعد").

هذه قراءة متنوعة طفيفة لا تغير المعنى ولا العقيدة.

 

2- النيو المتنقل (Ν)

كما أُشير أعلاه، فإن النيو المتنقل (باليونانية: ν κινητόν ني كينيتون) هو حرف ν اختياري يُضاف إلى نهاية كلمات معينة عندما تبدأ الكلمة التالية بحرف متحرك، تمامًا مثل الفارق بين "a" و"an" في الإنجليزية.

 

مثال:

متى 5: 8

تحوي بعض المخطوطات καθαροι εισιν (كاثاروي إيسين Katharoi eisin، بمعنى "أنقياء").

وتحوي أخرى καθαροι εισι (كاثاروي إيسي Katharoi eisi، بمعنى "أنقياء").

لا يوجد أي تغيير في المعنى.

 

3- تغيير ترتيب الكلمات (التقديم والتأخير)

تسمح اللغة اليونانية بمرونة في ترتيب الكلمات، لذا يعيد النساخ أحيانًا ترتيب الكلمات دون التأثير على المعنى.

مثال:

1 تسالونيكي 2: 13

تقرأ بعض المخطوطات λόγον τοῦ θεοῦ (لوجون تو ثيو، بمعنى "كلمة الله").

وتقرأ أخرى τοῦ θεοῦ λόγον (تو ثيو لوجون، بمعنى "الله كلمة").

المعنى لم يتغير.

 

4- استبدال المرادفات

كانت تُستبدَل أحيانًا كلمات يونانية مختلفة لها نفس المعنى.

مثال:

مرقس 1: 4

تحوي بعض المخطوطات βάπτισμα μετανοίας (بابنيسما متانوياس، بمعنى "معمودية التوبة").

وتحوي أخرى βάπτισμα μετανοήσεως (بابتيصما متانويسيوس، بالمعنى نفسه ولكن بصيغة مختلفة).

لا يوجد أي تأثير.

 

5- المبادلة بين "يسوع المسيح" و"المسيح يسوع"

كان النساخ يغيرون أحيانًا ترتيب "يسوع المسيح" و"المسيح يسوع".

مثال:

رومية 3: 24

تقرأ بعض المخطوطات ἐν Χριστῷ Ἰησοῦ (إن خريستو إيسو، بمعنى "في المسيح يسوع").

وتقرأ أخرى ἐν Ἰησοῦ Χριστῷ (إن إيسو خريستو، بمعنى "في يسوع المسيح").

هذا يؤثر على الأسلوب ولكن ليس على العقيدة.

 

6- أدوات التعريف (إضافة أو حذف أداة التعريف)

غالباً ما تستخدم اليونانية أداة التعريف (ὁ, ἡ, τό) أو تحذفها بطرق لا تؤثر على المعنى.

مثال:

متى 1: 18

تقول بعض المخطوطات τοῦ Ἰησοῦ Χριστοῦ (تو إيسو خريستو، بمعنى "يسوع المسيح").

وتقول أخرى Ἰησοῦ Χριστοῦ (إيسو خريستو، بمعنى "يسوع المسيح").

تظل الترجمات كما هي دون تغيير.

 

7- التكرار الخاطئ (Dittography)

كتب النساخ بطريق الخطأ كلمة أو عبارة مرتين.

مثال:

لوقا 14: 5

تقرأ بعض المخطوطات ὑιὸς ἢ βοῦς (هيوس إي بوس، بمعنى "ابن أو ثور").

وتكرر بعضها كلمة "ثور" (ὑιὸς ἢ βοῦς ἢ βοῦς)، وهو خطأ ناسخ واضح.

 

8- السقط السهوي (Haplography)

أسقط النساخ بطريق الخطأ كلمة أو عبارة، وغالبًا ما يكون ذلك بسبب نهايات الكلمات المتشابهة.

مثال:

1 يوحنا 2: 23

تفتقر بعض المخطوطات إلى "ὁμολογῶν τὸν υἱὸν ἔχει καὶ τὸν πατέρα" (هومولوجون تون هيون إخي كاي تون باتيرا، بمعنى "مَنْ يَعْتَرِفُ بِٱلٱبْنِ فَلَهُ ٱلْآبُ أَيْضًا").

 

عادة ما تُسترد الإسقاطات مثل هذه عن طريق مقارنة مخطوطات متعددة. وفي بعض الأحيان تظهر في هوامش المخطوطات التي أُسقِط فيها النص، مما يوضح أن خطأ النسخ قد أُدرِك؛ ولأن الورق والرق كانا باهظي الثمن، فقد أُدرِج الخطأ ببساطة على الجانب.

 

9- المماثلة للنصوص الموازية

جعل النساخ أحيانًا المقطع يطابق مقطعًا مشابهًا من إنجيل آخر.

مثال:

متى 9: 13 مقارنة بـ مرقس 2: 17

تتضمن بعض نسخ متى 9: 13 عبارة "إلى التوبة" في النهاية، والتي أُستُعيرَت على الأرجح من لوقا 5: 32.

 

10- وضع جزء من آية في مكان آخر

تُنقَل عبارة إلى موضع مختلف في الآية.

مثال:

يوحنا 3: 16

تضع بعض المخطوطات عبارة "لا يهلك" قبل "بل تكون له الحياة الأبدية"، بينما تعكس أخرى الترتيب.

ويبقى المعنى غير متغير.

 

11- إضافة أو حذف عبارات كاملة

أضاف النساخ أحيانًا كلمات توضيحية أو حذفوا عبارات.

مثال:

لوقا 11: 2- 4 (الصلاة الربانية)

تتضمن بعض المخطوطات "لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض"، بينما تحذفها أخرى.

ويرجع هذا على الأرجح إلى التوفيق مع صيغة متى للصلاة الربانية.

 

12- إضافة أو حذف آيات كاملة

تضيف بضع مخطوطات متأخرة آيات كاملة أو تحذفها.

أمثلة:

مرقس 16: 9– 20 ("النهاية الطويلة لـ إنجيل مرقس") – غائبة في المخطوطات المبكرة.

يوحنا 7: 53– 8: 11 (المرأة التي أُمسِكَت في زنا) – لم تُوجد في أقدم النسخ.

يُشار إلى هذه المقاطع في الـكتب المقدسة الحديثة بالحواشي السفلى.

 

13- التوضيحات أو التفسيرات العقيدية

تعكس بعض التغييرات تأكيدًا لاهوتيًا.

مثال:

لوقا 2: 33

تقول بعض المخطوطات "أبوه وأمه" (مصطلح بيولوجي).

وتقول أخرى "يوسف وأمه"، على الأرجح للتأكيد على الولادة العذراوية.

 

لا تؤثر معظم القراءات النصية على المعنى أو العقيدة. فالبقية العظمى منها عبارة عن فروق هجائية، أو تغيّرات في ترتيب الكلمات، أو توضيحات طفيفة. وحتى التغييرات الأكبر (مثل آيات كاملة) لا تغيّر الإيمانيات المسيحية الجوهرية، حيث إن تلك العقائد مُؤَكَّدة في مواضع أخرى من النص.

 

إذن، هل تهم القراءات النصية؟

بالنسبة للعلماء، نعم – فكل قراءة متنوعة تُعد نافذة على تاريخ النص وتجب دراستها لاستعادة النص الأصلي. أما بالنسبة للقارئ العادي، فالنقطة المهمة هي أن العهد الجديد الذي تقرأه اليوم لا تنقصه بعض الآيات "المفقودة" السرية ولا يمتلئ بأخطاء غير معروفة. يمكننا أن نكون واثقين مما يقوله. وحتى بارت إيرمان، وهو أحد أعلى الأصوات التي تلفت الانتباه إلى القراءات المتنوعة، يتفق على أن الرسالة الجوهرية للعهد الجديد ظلت كما هي. فبعد دراسة مستفيضة للقراءات المتنوعة، يعترف قائلاً: "لو وُضِعتُ أنا و[أستاذي بروس متزجر] في غرفة وطُلِب منا التوصل إلى بيان إجماعي بشأن ما نعتقد أن النص الأصلي للعهد الجديد كان يبدو عليه على الأرجح، لكانت هناك نقاط خلاف قليلة جدًا – ربما بضع من المواضع من بين ألوف كثيرة".

 

تلك المواضع القليلة المكونة من بضع آيات مُشَار إليها في الحواشي السفلى لكتابك المقدس؛ ولا توجد واحدة منها تؤثر على بَند من بنود الإيمان أو أمر من أوامر المسيح. وخلاصة القول، توجد أخطاء نساخ طفيفة، لكن الجوهر الحقيقي للنص محفوظ بأمان.

 

مثال:

تخيل أن معلم التاريخ ألقى كلمة مهمة حول امتحان قادم. وقرر خمسة طلاب في الفصل كتابة ملاحظات، لكن كلاً منهم كتب الأشياء بطريقة مختلفة قليلاً.

كتبت إيما: "الاختبار يوم الجمعة، وسيتضمن 50 سؤالاً".

كتب جيك: "الاختبار يوم الجمعة، وسيتضمن 55 سؤالاً".

كتبت صوفيا: "الامتحان يوم الجمعة، وسيتضمن 50 سؤالاً من نوع الاختيار من متعدد".

كتب ليام: "الامتحان الجمعة، وسيشمل 50 سؤالاً".

كتب نوح: "الاختبار يوم الجمعة وله 50 سؤالاً".

لاحقًا، سأل شخص غاب عن الفصل عما قاله المعلم. ورغم أن ملاحظات الطلاب ليست متطابقة تمامًا، فمن السهل مقارنتها واكتشاف ما قيل في الأصل:

الاختبار يوم الجمعة (يتفق الخمسة جميعهم).

الاختبار يتضمن 50 سؤالاً (يتفق أربعة، ومن المرجح أن واحدًا ارتكب خطأً صغيرًا).

يُسمى الاختبار إما امتحانًا أو اختبارًا، لكن ذلك لا يغير المعنى.

 

لأن لدينا مصادر متعددة، يمكننا بثقة استعادة كلمات المعلم الأصلية. ولو كان لدينا ملاحظات شخص واحد فقط، لما عرفنا ما إذا كان هناك خطأ قد أُرتُكِب أم لا. ولكن مع وجود نسخ متعددة، يمكننا المراجعة والتحقق من الرسالة الأصلية.

 

وتعمل مخطوطات العهد الجديد بالطريقة نفسها. ورغم أن النساخ ارتكبوا أخطاء صغيرة على مر الزمان - مثل كلمة هُجِّئَت بشكل خاطئ أو عبارة إضافية - فإن العدد الهائل من المخطوطات يتيح للعلماء مقارنتها وتحديد ما قاله النص الأصلي في الواقع. وبدلاً من أن تكون مشكلة، فإن وجود آلاف النسخ ذات الاختلافات الصغيرة يمثل ميزة هائلة، لأنه يساعدنا على العودة إلى الصياغة الأصلية بدقة عالية.

 

وهناك ملاحظة أخرى مهمة وهي أن لدينا أيضًا كتابات الآباء الأوائل التي تقدم رؤية لا تُقدَّر بثمن حول كيفية فهم العهد الجديد وانتقاله. وإن اقتباساتهم الشاملة وإشاراتهم كثيرة جدًا لدرجة أنه، كما لاحظ بروس متزجر:

"لو كُتِب الدمار لكل المصادر الأخرى لمعرفتنا بنص العهد الجديد، لأمكن إعادة بناء العهد الجديد بأكمله تقريبًا من الاقتباسات التي أوردها الآباء الأوائل".

وتُعد هذه المراجع بمثابة تدقيق مضاعف لسلامة النص، مما يتيح للعلماء إجراء مقارنات مرجعية بينها وبين أدلة المخطوطات. بالإضافة إلى ذلك، فهي تكشف كيف فسر المسيحيون الأوائل الكتاب المقدس، وشكلوا العقيدة، وانخرطوا في المناقشات اللاهوتية، مما يوضح دور العهد الجديد التأسيسي في العبادة والإيمان منذ القرون الأولى. 



[1] Tom Dallis. “How Trustworthy Is the New Testament Text?” Tom’s Theology Blog, March 2, 2025. Accessed August 8, 2026. https://tomstheology.blog/2025/03/02/how-trustworthy-is-the-new-testament-text/


القراءات في مخطوطات العهد الجديد هل تعني التحريف؟!

 



إدوارد أندروز[1]

 

أنواع القراءات المتباينة

 

نظرًا لأن العهد الجديد قد نُسِخَ يدويًا عبر قرون عديدة، فقد كان وقوع الاختلافات بين المخطوطات أمرًا لا مفر منه. وتُسمى هذه الاختلافات بالقراءات المتباينة. وهي تنشأ عن مجموعة محدودة نسبيًا من الأسباب. فالعديد من القراءات هي مجرد اختلافات هجائية بسيطة أو صِيَغ تبادلية للكلمات، ولا سيما في لغة مثل اليونانية حيث تغيرت أعراف الهجاء عبر الزمن. وتُسمى هذه غالبًا بظاهرة الإيتاكيزم (itacisms - النطق الإيتي) وقلمّا تؤثر في المعنى.

كما تُعد القراءات في ترتيب الكلمات شائعة أيضًا، نظرًا لأن ترتيب الكلمات في اليونانية مرن، ويمكن للترتيبات المختلفة أن تُعبّر عن المعنى الأساسي نفسه.

وتستند القراءات الأخرى إلى السهو أو الإضافة غير المقصودة. فقد تقفز عين النسّاخ من ورود كلمة أو عبارة إلى ورود آخر مشابه لها في لاحق السطر أو في السطر التالي، فيسقط ما بينهما من مادة نصية. وتُعرف هذه الظاهرة بالهومويوتيليوتون (homoioteleuton – النهايات المتشابهة) أو الهومويواركتون (homoiarchton – البدايات المتشابهة)، اعتمادًا على ما إذا كانت المقاطع المتشابهة تقع في نهايات الأسطر أم في بداياتها. وتحدث أيضًا المشكلة العكسية؛ أي التكرار غير المقصود.

بينما تعكس بعض القراءات تغييرات متعمدة: إذ قد يحاول النسّاخ التوفيق بين الروايات المتوازية، أو إيضاح صعوبة ظاهرة بإضافة عبارة شارحة، أو تعديل الصياغة لتتوافق مع الاستخدام الليتورجي أو التفضيل العقيدي. والتغييرات المتعمدة أكثر ندرة ولكنها قد تكون أكثر أهمية.

وتصل تقديرات إجمالي القراءات عبر جميع المخطوطات إلى مئات الآلاف، ولكن هذه الأرقام يُساء فهمها بسهولة. فعندما يضع المرء في الاعتبار وجود ستة آلاف مخطوطة يونانية، إلى جانب آلاف الترجمات والاقتباسات الآبائية، فإن أي اختلاف صغير يتضاعف عدديًا عبر العديد من الشواهد. وتُعد الغالبية العظمى من القراءات المبدلة زهيدة ولا تؤثر في الترجمة أو العقيدة. ولا توجد إلا فئة فرعية صغيرة تستحق المناقشة الجادة، وفي معظم تلك الحالات، ترجح الأدلة الخارجية بقوة قراءة واحدة. وفي عدد ضئيل جدًا من المواضع، تظل الأدلة متوازنة بدقة، ولكن حتى هناك، لا تنشئ القراءات البديلة أي تعليم أساسي في العهد الجديد ولا تلغيه.

 

ما الضمان لعدم تغير العهد الجديد؟

 

إن مسألة الضمان ترتبط بكل من الحقائق التاريخية واليقين اللاهوتي.

فمن الناحية التاريخية، يستند الضمان إلى الكثرة الهائلة لشواهد النص، وجودتها، وانتشارها الجغرافي. فالعهد الجديد مدعوم بزهاء ستة آلاف مخطوطة يونانية، وآلاف أخر بالترجمات القديمة، وجسد ضخم من الاقتباسات لدى الكُتَّاب المسيحيين [الآباء]. ومن بين هذه الشواهد برديات مبكرة ترجع إلى مدى قرن من كتابة أخر أسفار العهد الجديد، وكودكسات رئيسية من القرن الرابع تقدم نصًا قريبًا جدًا بالفعل من الطبعات النقدية الحديثة. وتجعل هذه الثروة التوثيقية نص العهد الجديد أوفر الأعمال توثيقًا في العصور القديمة بفارق كبير.

ولأن المخطوطات متعددة ومتنوعة جغرافيًا، فإنها لا تقدم صورة للتطور غير المنضبط أو التلاعب العقيدي. وبدلاً من ذلك، فإنها تكشف عن نص جوهري ثابت مع وجود اختلافات في التفاصيل الزهيدة في الغالب. وعندما تُفهرَس القراءات وتُقَارَن، تُدرَك الغالبية العظمى منها فورًا على أنها زهيدة: اختلافات هجائية، وتغييرات في ترتيب الكلمات لا تؤثر في المعنى، وزلات القلم الظاهرة، أو الاختلافات الأسلوبية التي تترك العقيدة دون مساس. وحيث توجد قراءات أكثر أهمية، مثل الخاتمة المطولة لإنجيل مرقس أو قصة المرأة التي أُمسِكَت في زنى، تكون الأدلة واضحة بدرجة كافية تجعل الطبعات الحديثة قادرة على تمييزها كإضافات متأخرة، مما يتيح للقُرَّاء والمترجمين التعامل معها بمسؤولية.

ومن وجهة نظر لاهوتية، لا يعتمد الضمان على نظرية الحفظ المعجزي المرتبطة بطبعة مطبوعة متأخرة معينة. فالكتاب المقدس نفسه يعلّم أن يهوه ائتمن شعبه صاحب العهد على كلماته، والذين كانوا مسؤولين عن نسخها وقراءتها وطاعتها. ويثبت العهد الجديد أن "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ" (2 تيموثاوس 3: 16)، وأن الكتب المقدسة القادرة أن "تُمَكِّنَكَ لِلْخَلاَصِ، بِالإِيمَانِ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (2 تيموثاوس 3: 15). وإن العملية التي نُقِلَت بها هذه الكتابات تتوافق مع طريقة عمل يهوه العادية في التاريخ: من خلال العناية الإلهية بالوسائل العادية. ووجود القراءات لا يلغي الوحي؛ بل إن القدرة على تحديد القراءات الثانوية وتصحيحها تؤكد أن النص الأصلي الموحى به ما زال متاحًا.

وتعبر الطبعات النقدية الحديثة مثل NA28 وUBS5 عن هذا الضمان بصورة عملية. فهي تجسد عقودًا من العمل الدقيق من قبل علماء يحترمون الكتاب المقدس ويطبقون معايير صارمة على الأدلة. والنص الذي يطبعونه مدعوم بأغلبية ساحقة من أقدم المخطوطات وأفضلها. وفي تلك المواضع القليلة نسبيًّا حيث يظل الشك الفعلي قائمًا، تكون القراءات المحتملة معروفة وموثقة، ولا تُدخِل أي منها عقيدة مسيحية جوهرية ولا تلغيها. ولذلك، فإن المؤمن الذي يقرأ ترجمة موثوقة تعتمد على النص النقدي الحديث قد يثق بأنه يستمع إلى الرسالة الموحى بها نفسها التي أعطاها يهوه من خلال رسله ومبشريه في القرن الأول.

ولا يتطلب الضمان غياب جميع الأسئلة؛ بل يستند إلى الإدراك بأن الأسئلة محددة، ومحصورة، وممكنة المعالجة بأدوات نقد النص. إن التوافق الكثيف للشواهد المبكرة، والتوافق بين البرديات والكودكسات الرئيسية، والشهادة المؤكدة للترجمات القديمة والاقتباسات الآبائية، وانفتاح الطبعات الحديثة توفر معًا أساسًا عقلانيًا قويًا للثقة. إن يهوه، في حكمته، قد حفظ العهد الجديد ليس بحمايته من واقع النسخ العادي، بل بإعطاء شعبه وفرة من الأدلة التي يمكن من خلالها التعرف على النص الأصلي، واسترداده عند الضرورة، وإعلانه بأمانة.

 



[1] إدوارد د. أندروز (Edward D. Andrews) (حاصل على دبلوم المشارك في العدالة الجنائية، وبكالوريوس في الدين، وماجستير في الدراسات الكتابية، وماجستير في اللاهوت) هو الرئيس التنفيذي ورئيس "دار النشر المسيحية" (Christian Publishing House). وقد أَلَّفَ أكثر من 220 كتابًا. بالإضافة إلى ذلك، فإن أندروز هو المترجم الرئيسي لـ "الترجمة الأمريكية القياسية المُحَدَّثَة" Updated American Standard Version (UASV).

Edward Andrews. “Manuscripts of the Greek New Testament.” Updated American Standard Version, November 16, 2025. Accessed August 8, 2026. https://uasvbible.org/2025/11/16/manuscripts-of-the-greek-new-testament/


ما تفسير قول السيد المسيح: إلهي إلهي لماذا تركتني؟! (مت 27: 46؛ مر15: 34)




"وَفِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: «إِلُوِي، إِلُوِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» اَلَّذِي تَفْسِيرُهُ: إِلَهِي، إِلَهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" (مر 15: 34)

"وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: «إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» أَيْ: إِلَهِي، إِلَهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" (مت 27: 46)

"إِلَهِي، إِلَهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي، بَعِيدًا عَنْ خَلاَصِي، عَنْ كَلاَمِ زَفِيرِي؟" (داود النبي: مز 22: 1).

 

تذكير بالمزمور 22


كانت المزامير قديمًا في وقت السيد المسيح بدون أرقام، وكان يُعرف كل مزمور بأول جملة فيه، فمثلًا بدلًا من أن نقول نقرأ المزمور 22، كانوا يقولون نقرأ مزمور إلهي إلهي لما تركتني.

وهكذا في كل النصوص القديمة، فحتى يومنا هذا تُعرف عظات القديس شنودة رئيس المتوحدين بأول جملة فيها، مثل عظة: حدث في مثل هذا اليوم.. ولم تكن تعطى أرقام كما في أيامنا هذه.

فكان السيد في وقت صلبه يذكرهم بهذا المزمور الذي يتحدث بشكل تفصيلي نبوي من داود النبي عن صلب المسيا وموته وقيامته، وعمق آلام الصليب من ثقب اليدين والقدمين، وإحصاء العظام نتيجة التعلق على الصليب، والموت، الذي تبعه نصرة القيامة النهائية.

وهذا ما يؤكده القمص تادرس يعقوب:

فبهذه الصرخة يذكرهم بالمزمور الثاني والعشرين بكونها افتتاحيته، وقد جاء المزمور يصف أحداث الصلب. إنه بهذه الصرخة يقدم انذرًا أخيرًا لليهود كي يعيدوا النظر فيما يفعلون قبيل تسليم روحه، لعلهم يدركوا أنه المسيا محقق النبوات فيرجعون. [القمص تادرس يعقوب ملطي، سلسلة "من تفسير وتأملات الآباء الأولين"، مرقس 15]

ولعلّه بصرخته هذه أراد أن يوقظ الفكر اليهودي من نومه ليعود إلى المزمور الثاني والعشرين الذي بدأ بهذه الصرخة معلنًا في شيء من التفصيل أحداث الصلب. وكأنه أراد تأكيد أن ما يحدث هو بتدبيره الإلهي السماوي، سبق فأعلن عنه الأنبياء. [القمص تادرس يعقوب ملطي، سلسلة "من تفسير وتأملات الآباء الأولين"، متى 27]

ويقول القمص أنطونيوس فكري:

وإلهي إلهي لماذا تركتني هو الاسم العبري لـ(مزمور 22) الذي يتنبأ عن آلام المسيح ولو تذكر اليهود الذين يهزأون بالسيد كلمات هذا المزمور لوجدوها تنطبق عليه. [آلام المسيح والقيامة | دراسة في الأناجيل الأربعة - القمص أنطونيوس فكري، يوم الجمعة من أحداث أسبوع الآلام: 5- صلب يسوع المسيح]

وهذا ما يؤكده أيضًا كريج كينر:

إن صرخة يسوع هي اقتباس آرامي لـ (مزمور 22: 1)، والذي كان يُتلى أحياناً في هذا الوقت من اليوم في الصلاة، ولكنه يكتسب أهمية خاصة عندما يصلي به يسوع. إن السطر الأول من شأنه أن يستحضر هذا المزمور بأكمله الخاص بالبار المتألم—ورجائه في التدخل الإلهي. [Craig S. Keener and InterVarsity Press, The IVP Bible Background Commentary : New Testament (Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1993). Mk 15:34]

هنا يقتبس يسوع (مزمور 22: 1)، والذي ربما كان جزءاً من تلاوة النص الكتابي في هذا الوقت من اليوم. لا يتوقف معارضوه للتفكير في أن المزمور ينتهي بتبرئة المتألم وانتصاره (مزمور 22: 25-31). [Craig S. Keener and InterVarsity Press, The IVP Bible Background Commentary : New Testament (Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1993). Mt 27:46]

كما يُشير تفسير ESV إلى هذا المعنى أيضًا، مع التأكيد على أن الاقتباس الآرامي كان من الترجوم الآرامي لمزامير داود:

إيلي، إيلي، لما شبقتني؟ يقتبس يسوع (مزمور 22: 1). الكلمتان الأخيرتان باللغة الآرامية (اللغة اليومية التي يتحدث بها يسوع)، والكلمتان الأولى والثانية يمكن أن تكونا إما بالآرامية أو العبرية. إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟ في اقتباسه لـ (مزمور 22: 1)، من المحتمل أن يسوع يستحضر باقي المزمور أيضاً، والذي ينتقل إلى صرخة نصرة (مزمور 22: 21-31)؛ وهو يعبر عن الإيمان داعياً الله "إلهي". بالتأكيد إنه يعرف لماذا يموت، لأن هذا كان الهدف من مجيئه إلى الأرض (قارن متى 16: 21؛ 20: 18-19، 28). وبالتأكيد إن صرخته، التي نطق بها بصوت عظيم، لا تعبر عن حيرة من ظروفه، بل عن شهادة للحاضرين، ومن خلالهم للعالم، بأنه كان يختبر التخلي الإلهي [في شعوره بالآلام الحقيقية وليس ترك اللاهوت له] لا لأي شيء في نفسه بل لأجل خلاص الآخرين. بالتأكيد إن متى، بفهمه لهذا، يقتبس كلمات يسوع ليتحدى قرائه. [Crossway Bibles, The ESV Study Bible (Wheaton, IL: Crossway Bibles, 2008). 1886]

وهذا ما يُعيد تأكيده تمامًا تفسير زوندرفان:

لا يصيغ يسوع كلمات الصلاة بنفسه كما فعل في جثسيماني ("«يَا أَبَا»")؛ بل يستشهد بتعبير مأثور عن الضيق من (مزمور 22: 1). لا يمكن للمرء أن يتوقع من ضحية صلب أن يتلو مزموراً بأكمله، ولكن من الممكن أن الاستشهاد بالآية الأولى من المزمور يشير إلى المزمور بأكمله. وبدون إصحاحات وآيات لتحديد نصوص معينة، كان يتم الاستشهاد بالكلمات الأولى أو العبارات الرئيسية (انظر مرقس 12: 26). [Clinton E. Arnold, Zondervan Illustrated Bible Backgrounds Commentary Volume 1: Matthew, Mark , Luke. (Grand Rapids, MI: Zondervan, 2002). 302]

 

صيحة نصرة وليست شكوى


الكلمات تحمل المعنى في الماضي وليس في الحاضر، وعليه فإن السيد لم يكن يتحدث عن آلامه الحاضرة، بقدر ما كان -بروح النبوة- يتحدث عن النصرة الآتية حين يعبر هذه الآلام.

فهذه لم تكن صرخة هذيمة، بل صيحة إنتصار، قد تبعها قول المسيح: "قد أُكمِل"، أي أنه تمم النصرة الكاملة حيث استخدم الصليب كمعبر للقيامة والنصرة النهائية.

كما أن التعبير المميز: أسلم الروح، يوضح كيف أن هذا كان فعل إرادة، فالسيد أسلم روحه بإرادته كما سبق وقال: "لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا. هَذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي»." (يو 10: 18).

وكما يقول القمص تادرس يعقوب:

فالكلمات "إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟" لا تحمل لهجة اليأس كما قد يظن البعض فإن الابن لن ينفصل قط عن الآب، إنما أراد أن يبرز بشاعة الخطية التي حملها على كتفيه نيابة عنا، فجعلته كمن يسقط تحت الغضب وهو الابن المحبوب لديه. [القمص تادرس يعقوب ملطي، سلسلة "من تفسير وتأملات الآباء الأولين"، مرقس 15]

 ويقول ف ف بروس:

إلوي، إلوي، لما شبقتني: في حين أن الآرامية (مثل العبرية) غامضة، إذ يمكن ترجمتها "لماذا تركتني" [في الحاضر] أو "لماذا تركتني" [في الماضي]، فإن اليونانية لا يمكن أن تحمل شرعياً إلا معنى "لماذا تركتني؟" [في الماضي]. هذا الاقتران مع الصوت العظيم يرجح تركاً قد انتهى وهتاف المنتصر بدلاً من صرخة التخلي الحالي. وعلى أية حال، فإن صرخة المنتصر "«قَدْ أُكْمِلَ»" (يوحنا 19: 30) تظهر أن يسوع عرف أن النصرة قد تحققت قبل أن يسلم روحه. [F. F. Bruce, New International Bible Commentary (Grand Rapids, MI: Zondervan Publishing House, 1979). 1152]

 وجاء في تفسير زوندرفان:

إن يسوع يصلي بالكلمات الافتتاحية لمزمور المرثاة هذا، والذي عند قراءته حتى النهاية، لا يعبر فقط عن يأس مرير بل أيضاً عن ثقة فائقة. إن هذا التفسير لا ينكر الحسرة الحقيقية التي يختبرها يسوع، ولكنه يفهم صرخته كتعبير عن الثقة بأن الله سينهض ويبرئه في النهاية. [Clinton E. Arnold, Zondervan Illustrated Bible Backgrounds Commentary Volume 1: Matthew, Mark , Luke. (Grand Rapids, MI: Zondervan, 2002). 302]

 وفي تعليقات نيلسون:

لم تكن هذه صرخة هزيمة. كان المسيح يقتبس من (مزمور 22) وربما كان يشير إلى النصرة العظيمة التي يصفها المزمور. [Earl D. Radmacher, Ronald Barclay Allen and H. Wayne House, The Nelson Study Bible: New King James Version (Nashville: T. Nelson Publishers, 1997). Mt 27:46]

 

كيف لمن يشرف على الموت أن يصرخ بصوت عظيم!


من الغريب جدًا أن إنسانًا مرّ بكل آلام الجلد وحمل الصليب والسير به مسافة طويلة، والرفع على الصليب لست ساعات، أن يصرخ، وبصوت عظيم! هذا لا يدل إلا على أن هذه الصرخة ذاته هي بقدرة إلهية فائقة.

فالمصلوب مع الوقت لا يستطيع حتى أن يتنفس بشكل جيد، نتيجة وضع التعلق الذي يكون فيه، فمن الغريب أن بعد كل هذا الإنهاك والتعب الشديد والآلام أن يصرخ بصوت عظيم!

يقول القمص تادرس يعقوب:

بحسب الجسد كان السيد المسيح قد أُنهك تمامًا، ولم يكن ممكنًا في ذلك الوقت أن يصرخ هكذا، لكنه صرخ ليُعلن أنه ما يتم الآن بين أيديهم ليس عن ضعف، بل تحقيقًا لعمله الإلهي الذي سبق فأعلنه بأنبيائه. [القمص تادرس يعقوب ملطي، سلسلة "من تفسير وتأملات الآباء الأولين"، مرقس 15]

ويؤكد الأب أنطونيوس فكري:

صرخ يسوع بصوت عظيم= كان المسيح في النزع الأخير، ولو كان إنسانًا عاديًا ما استطاع أن يصرخ بصوت عظيم. فهذا يدل على لاهوته. وهو قال إلهي إلهي وهذا يدل على ناسوته. وبهذا دلَّ المسيح على أنه الإله المتأنس أو الله ظهر في الجسد. [آلام المسيح والقيامة | دراسة في الأناجيل الأربعة - القمص أنطونيوس فكري، يوم الجمعة من أحداث أسبوع الآلام: 5- صلب يسوع المسيح]

ومن ناحية أخرى فصراخه بصوت عظيم يدل على لاهوته فالمصلوب المتألّم لا يستطيع الصراخ بصوت عظيم، وقوله إلهي إلهي لماذا تركتني إشارة إلى أنه إنسان كامل تحت الآلام. فهذه الآية تشير للاهوته وناسوته. [آلام المسيح والقيامة | دراسة في الأناجيل الأربعة - القمص أنطونيوس فكري، يوم الجمعة من أحداث أسبوع الآلام: 5- صلب يسوع المسيح]

ويقول كارسون:

المصلوبون عادةً ما يغرقون تدريجياً في فقدان الوعي بعد ساعات كثيرة، بل وأيام، من العذاب. ومع ذلك، فإن موت يسوع يُوصَف وكأنه هو نفسه في سيطرة كاملة: أسلَمَ الرُّوحَ هو تعبير غير عادي، يرجح أنه فعل إرادة. [D. A. Carson, New Bible Commentary : 21st Century Edition, 4th ed. (Leicester, England;  Downers Grove, Ill., USA: Inter-Varsity Press, 1994). Mt 27:45]

 

كنائب وممثل للبشرية


إنه كممثّل للبشريّة التي سقطت تحت سلطان الظلمة يصرخ في أنين من ثقلها كمن هو في حالة ترك، قائلًا: "إلهي إلهي لماذا تركتني؟" فإذ أحنَى السيِّد رأسه ليحمل خطايا البشريّة كلها صار كمن قد حجب الآب وجهه عنه، حتى يحكم سلطان الخطيّة بدفع الثمن كاملًا، فيعود بنا إلى وجه الآب الذي كان محتجبًا عنّا. [القمص تادرس يعقوب ملطي، سلسلة "من تفسير وتأملات الآباء الأولين"، متى 27]

المسيح هنا كممثل للبشرية التي سقطت تحت سلطان الظلمة يصرخ في أنين من ثقلها كمن في حالة ترك، فإذ أحنى السيد رأسه ليحمل خطايا البشرية كلهما صار كمن قد حجب الآب وجهه عنه حتى يحطم سلطان الخطية بدفع الثمن كاملًا، فيعود بنا نحن البشر إلى وجه الآب الذي كان محتجبًا عنا. [آلام المسيح والقيامة | دراسة في الأناجيل الأربعة - القمص أنطونيوس فكري، يوم الجمعة من أحداث أسبوع الآلام: 5- صلب يسوع المسيح]