كم عدد أسفار العهد القديم؟
قد يبدو هذا السؤال للوهلة الأولى وكأنه مجرد سؤال بسيط في مسابقات
المعلومات العامة الكنسية. لكن في الحقيقة، يمكن أن تختلف الإجابة اعتمادًا على
نسخة الكتاب المقدس التي تقرأها. فالعهد القديم العبري يضم 22 أو 24 سفرًا،
بينما يحتوي العهد القديم في كتابك المقدس في الغالب على 39 سفرًا، وتضم الكنائس
الكاثوليكية الرومانية 46 سفرًا، في حين تحوي كتب الكنائس الأرثوذكسية الشرقية
والروسية عددًا أكبر من ذلك. وأجد أن هذا التباين غالبًا ما يُثار في الحوارات
مع الملحدين والمسلمين حول موثوقية العهد القديم.
لماذا هذا الاختلاف؟ إذا كنت تصدق القنوات التشكيكية على يوتيوب،
فالأمر برمته يعود إلى صفقات سرية خفية، مثل مجمع جامنيا اليهودي في عام 90
ميلادية، أو الدورة الرابعة لمجمع ترنت الكاثوليكي (أبريل 1546). حيث قرر المنفذون
ما يُدرج وما يُستبعد بناءً على السياسة -كما نفترض-.
إنهم يصورون الأمر وكأنه مؤامرة كبرى. ولكن هل الكتاب المقدس خاضع
للأهواء بالفعل كما يبدو من هذا الطرح؟ سأدعك تتخذ قرارك بنفسك في هذا الشأن، وقبل
أن تفعل، دعنا نتمهل ونلقي نظرة عن كثب على قصة كيفية وصولنا إلى الأسفار
القانونية للعهد القديم.
القانون
الكلمة المفتاحية هنا هي "قانوني". وتأتي كلمة قانون (Canon)
من أصل عبري يعني "قصبة" (ومنها جاءت الكلمة الإنجليزية cane).
كان الناس يستخدمون القصب كعصي قياس في ذلك الوقت، وهذه هي الفكرة وراء القانون:
إنه معيار، وقائمة مرجعية رسمية تضم جميع أسفار الكتاب المقدس، لتحفظ كنائسنا في
الطريق القويم.
قبل اختراع الكتب المجلدة بالجلد، كان كل جزء من العهد القديم يدون
على درج/لفافة (Scroll) منفصل. فكيف تتأكد
حينئذ من أنك قرأت جميع الأسفار الإلهية؟ بدأ الناس في وضع قوائم: التكوين،
الخروج، اللاويين، العدد، التثنية، وهلم جرا. وبحلول القرن الرابع الميلادي، أُطلق
على هذه القوائم اسم "القانون": وهو خطة قراءة للأسفار ذات السلطان
الإلهي لتراجعها سفرًا سفرًا.
لكن هُنا يُطرح السؤال الكبير نفسه: هل الأشخاص الذين وضعوا هذه
القوائم هم من قرروا أي الأسفار تُعد أسفارًا إلهية، أم أنهم كانوا مجرد معترفين
بالأسفار التي كانت تُعتبر بالفعل أسفارًا ذات سلطان إلهي؟
فكر في الأمر على طريقة روايات هاري بوتر. لنفترض أنني أردت تحديث
صفحة ويكيبيديا التي تسرد جميع روايات هاري بوتر الرسمية لـ ج. ك. رولينج. تضم
الصفحة حاليًا سبعة كتب، من "حجر الفيلسوف" إلى "مقدسات
الموت". أُنشئت النسخة الأولى من الصفحة في 8 أكتوبر 2001 بواسطة مستخدم على
ويكيبيديا يُدعى "Belltower". فهل اختار "Belltower"
الأسفار التي تستحق أن تُدرج في قائمة قانون هاري بوتر الرسمي؟
بالطبع لا. فلم تصبح روايات هاري بوتر روايات لهاري بوتر فجأة عندما
وضع "Belltower" القائمة. بل إن
مكانتها وسلطانها ينبعان من كونها كُتبت بواسطة ج. ك. رولينج، وكون قصتها جزءًا من
عالم هاري بوتر.
بالتأكيد هناك بعض الفروق بين الأسفار الإلهية وروايات هاري بوتر،
ولكن هذا يوضح أمرًا مهمًا حول كيفية عمل القوائم القانونية. سفر ارميا، على
سبيل المثال، لم يكتسب سلطانه الإلهي عندما وضعه أحد المجامع في القائمة. بل كان
ذو سلطان إلهي منذ البداية، لأن الله دعا ارميا وأقامه نبيًا للشعوب:
"قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ، وَقَبْلَمَا خَرَجْتَ مِنَ
الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ. جَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلشُّعُوبِ" (ارميا 1: 5).
أما مسألة إدراكنا لهذا السلطان من عدمه فهذا أمر يعود إلينا. (وكما حدث، قرر
الملك يهوياقيم أنه لا يحب ما كان لدى ارميا ليقوله وأحرق النسخة الأصلية من السفر
-لكن ذلك لم يمنع تحذير ارميا من سقوط أورشليم من أن يتحقق!)
إن المجتمعين في مجمع جامنيا لم يظنوا قط أنهم
يجعلون الكتب أسفارًا إلهية. بل كان النقاش يدور حول ما إذا كان ينبغي الاعتراف
بسفرين، وهما الجامعة وسفر نشيد الأنشاد، كقانونيين بنفس طريقة سفر التكوين أو
سفر ارميا. وحقيقة أنهم كانوا يناقشون هذا السؤال تؤكد أنهم كانوا يعترفون بالفعل
بمجموعة محددة من الأسفار الإلهية، والتي ميزوها عن المواد التعبدية الأخرى.
الشريعة والأنبياء والكتب
ما هي الأسفار التي اعتبرها يهود القرن الأول، بمن فيهم يسوع،
أسفارًا إلهية؟ لدينا أدلة جيدة من نهاية القرن الأول على وجود قانون يتكون من
22 سفرًا. يتحدث المؤرخ اليهودي يوسيفوس عن 22 سفرًا، ويذكر أنها كانت استقرت منذ
عصر عزرا (Against Apion، حوالي عام 100
ميلادية). وهو يفترض أن الجميع يعرفون الأسفار التي يقصدها، وللأسف بالنسبة لنا،
فهو لا يذكر أسماءها. بل يكتفي بذكر أنها تتكون من:
خمسة أسفار لموسى،
وثلاثة عشر سفرًا للأنبياء،
وأربعة أسفار "تضم
تسابيح لله وإرشادات لسلوك الحياة البشرية".
وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن هذه المجموعات الثلاث من الأسفار
-الشريعة والأنبياء والكتب- تستمر في الظهور بشكليها المتنوعين، بالعودة إلى زمن
مبكر يعود لعام 132 قبل الميلاد في مقدمة لترجمة سفر يشوع بن سيراخ.
ويسوع نفسه يشير إلى المجموعات الثلاث من الأسفار في لوقا 24: 44
باسم الشريعة والأنبياء والمزامير ("المزامير" تشير هنا على الأرجح إلى
مجموعة "الكتب" ككل). لذلك عندما يتحدث كُتَّاب العهد الجديد عن
"الأسفار" فهم يعنون مجموعة ذات سلطان إلهي من الكتب، مقسمة إلى شريعة
موسى، والأنبياء، والكتب، وكانت هذه الأسفار مقبولة ومستقرة بالفعل.
كيف نعرف أن هذه الأسفار هي نفسها الأسفار الموجودة في عهدنا القديم؟
الموجه الجيد هو النظر في الأسفار المقتبسة في العهد الجديد. سفر التكوين؟ نعم.
سفر الخروج؟ بكل تأكيد. سفر اللاويين؟ بكثرة. علاوة على ذلك، نحن لا نتحدث هنا عن
اقتباسات من نوعية "إليك فكرة لطيفة"، بل نتحدث عن "هذا النص من
الأسفار الإلهية فافعل ما يقوله". يقول يسوع: "اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ!
لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ
تَعْبُدُ" (متى 4: 10)، مقتبسًا من سفر التثنية. وبصرف النظر عن حفنة من
الأسفار التي لم تُقتبس بهذه الطريقة (بما في ذلك عزرا، ونحميا، ونشيد الأنشاد،
وأستير، والجامعة)، يمكننا أن نكون على ثقة تامة بأن الغالبية العظمى من أسفار
العهد القديم كانت مقبولة كـأسفار إلهية من قِبل يسوع وكُتَّاب العهد الجديد. في
المقابل، فإن النصوص اليهودية المعاصرة الأخرى لم تُقتبس قط بهذه الطريقة
(باستثناء ربما سفر أخنوخ الأول وصعود موسى اللذين يظهران بشكل عابر في رسالة
يهوذا، لكنهما لا يُقتبسان باعتبارهما أسفارًا ذات سلطان إلهي).
القوائم المختلفة
لماذا إذن تحتوي كتبنا المقدسة المختلفة على أعداد مختلفة من
الأسفار؟
يرجع جزء من ذلك إلى طريقة الترقيم فحسب. ففي اللغة الإنجليزية تُحسب أسفار
الأنبياء الصغار كمجموعة من اثني عشر سفرًا منفصلاً، بينما تُحسب في الكتاب
المقدس العبري كسفر واحد مقسم إلى اثني عشر جزءًا. وبالمثل، فإن سفري
الملوك الأول والثاني، وعزرا-نحميا، وسفري أخبار الأيام الأول والثاني هي أسفار
فردية في العبرية ولكنها مقسمة إلى سفرين في النسخ الإنجليزية. بالإضافة إلى
ذلك، يضم سفر راعوث أحيانًا إلى سفر القضاة، وتلحق المراثي بنهاية سفر ارميا.
كل هذا يرفع المجموع في الكتاب المقدس الإنجليزي من 22 إلى 39: فهي نفس الأسفار،
ولكن تم عدها بطريقة مختلفة.
أما الكتاب المقدس الكاثوليكي فأمره أكثر تعقيدًا قليلًا. فهو
يتضمن اثني عشر سفرًا إضافيًا ليست موجودة في الكتاب المقدس العبري أو الإنجليزي.
وهذه النصوص هي نصوص يونانية تُسمى "الأسفار القانونية الثانية" (Deuterocanonical)
أو "أبوكريفا العهد القديم" (Old Testament
Apocrypha). وهي تأتي من فترة أحدث من العهد
القديم، ولذلك كُتبت باليونانية، وليس بالعبرية أو الآرامية مثل أسفار العهد
القديم الأصلية (وهو سبب واضح لعدم وجودها في الكتاب المقدس العبري).
وعلى عكس أسفار العهد الجديد الأبوكريفية (والتي هي في الأساس كتابات
خيالية ذات جودة مشكوك فيها)، فإن بعض هذه النصوص الإضافية للعهد القديم مفيدة
ومثيرة للاهتمام حقًا. لكن اليهود لم يعتبروها قط أسفارًا إلهية، ولم يتعامل معها
كُتَّاب العهد الجديد قط كـأسفار إلهية.
ماذا يوجد فيها؟ قلة منها هي أعمال تاريخية تغطي الأحداث التي تلت
نهاية العهد القديم، مثل سفري المكابيين الأول والثاني. وهي مصادر مفيدة لفهم ما
حدث بين زمن نحميا وزمن يسوع. وهناك أعمال أخرى مثل سفر يهوديت وقصة بيل والتنين
وهي تشبه إلى حد ما ما قد تجده في قسم أدب الشباب في مكتبة Koorong
-أعمال خيالية صُممت للإلهام ولتعليم القيم الصالحة. ثم هناك بعض النبوءات والنصوص
الحكمية الجانبية المضافة للتدعيم.
وفي حين أن هذه النصوص اليونانية لم تكن تُعتبر
أسفارًا إلهية في زمن يسوع، إلا أنها كُتبت أحيانًا في الملحق الخلفي لنسخ الترجمة
السبعينية (الترجمة اليونانية للعهد القديم). وعندما ترجم المسيحيون في الغرب
الترجمة السبعينية إلى اللاتينية، أدرجوا بعضًا من هذه النصوص التعبدية، ومع ذلك،
فإن جيروم، الذي ترجم الكتاب المقدس إلى اللاتينية للكنيسة الكاثوليكية، كان يعلم
أنها ليست أسفارًا إلهية وميزها بوضوح باعتبارها مثيرة للاهتمام ولكنها ليست ذات
سلطان إلهي. ورغم ذلك، اعتاد الناس على رؤيتها هناك، وتطورت الأمور شيئًا
فشيئًا حتى أُدرجت بحلول مجمع ترنت في القائمة الرسمية للأسفار الإلهية لدى
الكنيسة الكاثوليكية.
خلاصة القول: القصة أكثر تعقيدًا مما تصوره مقاطع الفيديو
التشكيكية على يوتيوب. بالتأكيد، كانت المجامع البشرية مشاركة تمامًا في وضع
القوائم الرسمية، وتختلف هذه القوائم بالفعل بطرق لافتة بين المجتمعات اليهودية،
والبروتستانتية، والكاثوليكية، والأرثوذكسية. ومع ذلك، يمكننا أيضًا أن نكون
على ثقة عالية بأننا نعرف ما كان يعنيه يسوع وأتباعه عندما تحدثوا عن
"الأسفار". وما اعترفوا به كـأسفار ذات سلطان إلهي هو نفس كلمة الله
الحية والفاعلة التي تواجهنا في كتابنا المقدس اليوم.
Andrew
Judd, “Why Do Different Bibles Include Different Books in the Old Testament?”,
The Gospel Coalition Australia, April 29, 2020.
Available at:
https://au.thegospelcoalition.org/article/why-do-different-bibles-include-different-books-in-the-old-testament