الاثنين، 2 مارس 2026

شرح العقيدة الثالوثية النيقية، ناثان جيكوبس، ترجمة أمجد بشارة

 


يمكنك تحميل الدراسة كاملة، بصيغة PDF من هُنا:

كتاب: شرح العقيدة الثالوثية النيقية، لناثان جيكوبس، ترجمة: أمجد بشارة، للتحميل المجاني


ملخص

صاغ آباء الكنيسة عقيدة الثالوث فِي مجمعي نيقية (325 م) والقسطنطينية (381 م)، وهما المجمعان اللذان وضعا قانون الإيمان النيقي. سنرى أن الثالوثية النيقية تًعًلّم أن الثالوث هو ثلاث هيبوستاسات (hypostases) وأوسيا (ousia) واحدة، وهي مصطلحات تُترجم غالبًا إلى ثلاثة أقانيم وجوهر أو ماهية أو كيان واحد. تشير هذه المصطلحات، فِي سياقها اليوناني القديم، إلى أن الثالوث هو ثلاثة أشخاص (subjects) يشتركون فِي طبيعة واحدة. ومع ذلك، فإن هذه الصياغة تثير بطبيعة الحال تساؤلًا عما إذا كانت الثالوثية النيقية توحيدية. وتأكيدًا على توحيد نيقية، سنرى أن جميع الاستخدامات الثلاثة لكلمة "الله" فِي اللاهوت المسيحي تأتي بصيغة المفرد، على الرغم مِن التعدد الثالوثي للأشخاص. ومن ثم، فإن الثالوثية النيقية تُصنف بحق على أنها توحيدية، وإن كانت نوعًا فريدًا مِن التوحيد. سننظر بعد ذلك فِي ثلاثة اختلافات مهمة بين الله والخلائق يجب وضعها فِي الاعتبار لفهم صحيح للثالوثية النيقية، وهي:

(1) الأشخاص الإلهيون ليسوا منفصلين مكانيًا أو ماديًا بالطريقة التي تنفصل بها الأفراد المخلوقة؛

(2) الأشخاص الإلهيون، على عكس الأفراد المخلوقة، يتميزون بعلاقاتهم ببعضهم البعض وليس بالعوارض المادية مثل الحجم أو اللون أو الموقع؛

(3) ولأن الأشخاص الإلهيين يتمايزون بعلاقاتهم، فليس لهم، على عكس الأفراد المخلوقة، وجود مستقل بعيدًا عن بعضهم البعض.

قبل عام 1054 م، كانت الكنيسة المسيحية واحدة. ورغم انقسامها إقليميًا ولغويًا، كان لها رب واحد، وإيمان واحد، ومعمودية واحدة. خلال هذه الألفية الأولى، كانت عقيدتا الثالوث والكريستولوجي (Christology) هما مركز اللاهوت المسيحي. ورغم وفرة المناقشات حول مواضيع أخرى، إلا أن تلك المناقشات، إذا فُهمت بشكل صحيح، كانت امتدادًا للتعليم الثالوثي والـ (كريستولوجي) للمسيحية. ومن المؤسف أن هذه العقائد هِيَ مِن أقل العقائد فهمًا اليوم، حيث يروج العديد مِن الكتاب المعاصرين، بعلم أو بدون علم، لهرطقات قديمة.[1] أريد أن أساعد فِي علاج هذا الوضع مِن خلال تقديم نظرة عامة على الثالوثية كما صيغت فِي مجمعي نيقية والقسطنطينية، اللذين وضعا قانون الإيمان النيقي.

كلما قمت بالتعليم عن الثالوثية، أبدأ بالسؤال عن التفسيرات التي سمعها الناس عن الثالوث. تقع التشبيهات فِي ثلاث مجموعات:

المجموعة الأولى تستخدم تفسيرات "الأجزاء والكل"؛ فعلى سبيل المثال، الثالوث مثل البيضة التي تتكون مِن قشرة وزلال وصفار.

المجموعة الثانية تطبق عدة أسماء على شخص واحد؛ فعلى سبيل المثال، يمكن للرجل الواحد أن يكون زوجًا وأبًا وابنًا.

المجموعة الثالثة تحدد مادة واحدة يمكن أن تتخذ حالات مختلفة؛ فعلى سبيل المثال، الماء (H2O) هو مركب واحد يمكن أن يكون صلبًا أو سائلًا أو غازًا.


تكمن الصعوبة فِي هذه المجموعات مِن التشبيهات فِي أن كلّ منها يمثل هرطقة قديمة. فتشبيه الماء يوحي بأن الطبيعة الإلهية تشبه ركيزة أساسية تنتج عدة أقانيم، وهذا الطريقة فِي التفكير وصفها باسيليوس القيصري (مدافع مِن القرن الرابع عن الثالوثية النيقية) بأنها غير تقوية وتجديفية.[2] أما مجموعة التشبيهات التي تستخدم ثلاثة أسماء متميزة لشخص واحد فهي الأقرب إلى الهرطقة المعروفة باسم السابلية (Sabellianism)؛ حيث علَّم سابليوس أن الله يشبه ممثلًا يرتدي أقنعة متعددة - الآب والابن والروح القدس - ولكن خلف هذه الوجوه لا يوجد سوى أقنوم واحد فقط.[3] أما تشبيهات "الأجزاء والكل"، فهي الأقرب إلى الهرطقة المعروفة بـ "تعدد الآلهة" (Tritheitism)، والتي عُرفت أيضًا بـ "هذيان" يوحنا فيلوبونوس، الذي جادل بأن الطبيعة الإلهية منقسمة إلى ثلاثة أجزاء، تشبيهًا بقطعة مِن الصلصال قُسمت إلى ثلاث.[4]

أحد الردود على إدراك أنّ التشبيهات الشائعة للثالوث هِيَ هرطقات هو أن جميع التشبيهات معيبة، لذا فإن العيوب ليست أمرًا جسيمًا. المشكلة فِي هذا الرد هِيَ أنه يفترض أن جميع التشبيهات باطلة لمجرد كونها تشبيهات. ومع ذلك، فقد تمسك اللاهوت المسيحي دائمًا بأن كلّ حديثنا عن الله هو حديث تشبيهي (analogical). فعندما نقول إن الله حكيم، فنحن لا نعني نفس الشيء الذي نعنيه عندما نقول إن سليمان حكيم. وعندما نقول إن الله قدير، فنحن لا نعني نفس الشيء الذي نعنيه عندما نقول إن الرئيس قدير. ومع ذلك، فإن ما نقوله تشبيهيًا يخضع للحقيقة أو البطلان.[5] فمن قبيل التشبيه أن نقول: «اَلرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ» (مزمور 23: 1). ومن قبيل التشبيه أيضًا أن نقول (حاشا لله) إن الله مخادع؛ فالعبارة الأولى حق، بينما الثانية باطلة وتجديفية. قانون الإيمان النيقي أيضًا يقول شيئًا تشبيهيًا عن الثالوث، وما يقوله هو فِي تضاد مع الأباطيل التشبيهية عن الثالوث. ليست كلّ التشبيهات متساوية، والتشبيهات الشائعة المذكورة أعلاه تقول شيئًا مخالفًا لـ: «ٱلإِيمَانِ ٱلْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ» (يهوذا 1: 3).

 

الثالوثية النيقية

إذن ما هِيَ الثالوثية النيقية؟ الإقرار الأساسي باليونانية هو أوسيا (ousia) واحدة وثلاث هيبوستاسات (hypostases). غالبًا ما تترجم هذه الكلمات إلى الإنجليزية مِن مقابلاتها اللاتينية كـ "ثلاثة أقانيم" و"جوهر" أو "كيان" أو "ماهية" واحدة. ومع ذلك، يمكن أن تكون هذه الترجمات مضللة نظرًا لغموض هذه المصطلحات الإنجليزية، لكن المصطلحات اليونانية الأصلية لم تكن غامضة على الإطلاق بين آباء الكنيسة.

لنبدأ بالمصطلح اليوناني أوسيا (ousia)؛ تشير الأوسيا إلى طبيعة الشيء أو ماهيته. على سبيل المثال، لنفترض أن أمامي ثلاثة أفراد بأسمائهم: جان، وإريك، وستيف؛ الأوسيا لهؤلاء الثلاثة هِيَ "إنسان" (human)، وهذه هِيَ الطبيعة التي يشترك فيها هؤلاء الأفراد. وبالمثل، إذا كان أمامي لاسي، وروفر، وروفوس، فإن الأوسيا لهؤلاء الثلاثة ستكون "كلب".

أما فيما يتعلق بمصطلح هيبوستاسيس (hypostasis)، فإن هذه الكلمة تشير إلى فرد أو شخص (subject) محدد.[6] باستخدام نفس الأمثلة، يمكنني القول إن جان وإريك وستيف هم ثلاث هيبوستاسات أو أشخاص، وبالمثل لاسي وروفر وروفوس هم ثلاث هيبوستاسات أو أشخاص.

بالمعنى الأكثر أساسية إذن، تؤكد الثالوثية النيقية أن الآب والابن والروح القدس هم ثلاثة أشخاص أو أقانيم متميزون يشتركون فِي طبيعة واحدة مشتركة، وهي طبيعة "الله". هذا هو معنى الاعتراف بأن الثالوث القدوس هو ثلاث هيبوستاسات (hypostases) مِن أوسيا (ousia) واحدة. إن هذا الجمع بين الواحد والثلاثة ليس متناقضًا ولا غريبًا، بل فِي الواقع مِن الشائع أن نجد فِي عالمنا عدة هيبوستاسات تشترك فِي أوسيا واحدة. فِي كلّ مِن الأمثلة المذكورة أعلاه، نجد نفس الشيء الذي أُقر عن الثالوث القدوس. ولكيلا يظن أحد أن هذا هو حلي المبتكر لمشكلة "الثلاثة والواحد"، اسمحوا لي أن أقتبس مِن رسالة باسيليوس القيصري حول المصطلحات النيقية:

"الفرق بين الأوسيا (ousia) والهيبوستاسيس (hypostasis) هو نفس الفرق بين العام والخاص؛ كما هو الحال، على سبيل المثال، بين الطبيعة البشرية فِي مجملها والرجل المحدد".[7]

هذه هِيَ نقطة انطلاقنا. الإقرار النيقي هو أن هناك طبيعة إلهية واحدة فقط، وثلاثة أشخاص فقط يمتلكونها: الآب، والابن، والروح القدس. وبالطبع، يجب إضافة تحفظات حول الاختلافات بين الأشخاص المخلوقة والأشخاص الإلهية، ولكن هذا هو الحال دائمًا. كما لوحظ أعلاه، عندما نقول إن الله حكيم وسليمان حكيم، فنحن لا نعني نفس الشيء؛ التشبيه صحيح، لكنه يتطلب توضيحات. وهكذا هو الحال فِي إقرارنا بثلاثة أشخاص إلهيين مِن طبيعة واحدة؛ فالعبارة حق، وهي ما يقر به الإيمان النيقي، لكنها تتطلب هِيَ الأخرى توضيحات.

 

الاستخدامات الثلاثة لكلمة "الله"

قبل ذكر هذه التحفظات، أظن أن بعض القراء قد يتساءلون: هل تقر المسيحية بثلاثة آلهة؟ قد يشعر البعض بعدم الارتياح تجاه هذا الإقرار لأنه، فِي ظاهره، يبدو كأنه تعدد آلهة. وكما لاحظ ترتليان ذات مرة، فإن البعض فِي زمانه ممن تحولوا مِن تعدد الآلهة إلى المسيحية فوجئوا عندما علموا أن لله ابنًا.[8] هل المسيحيون حقًا موحدون؟ إحدى الطرق لمعالجة هذا السؤال هِيَ النظر فِي الاستخدامات الثلاثة لكلمة "الله" فِي اللاهوت المسيحي.

المرجع الأول والأكثر شيوعًا لكلمة "الله" هو الآب. وهذا أمر شائع فِي العهد الجديد، ويتردد صداه فِي قانون الإيمان النيقي: "نؤمن بإله واحد، الآب [إلخ]". هذا الاستخدام هو بالتأكيد مفرد، إذ لا يوجد سوى آب واحد.

الاستخدام الثاني هو بالإشارة إلى الطبيعة الإلهية التي يشترك فيها الآب والابن والروح القدس. يظهر هذا الاستخدام فِي مقدمة إنجيل يوحنا: «وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ» (يوحنا 1: 1). لا يقول يوحنا إن الكلمة كان هو الآب، ولا يقول إن الكلمة كان هو الثالوث. إنه يستخدم كلمة الله (theos) ثيوس فِي موضع الخبر، ليحدد نوع الكيان الذي هو عليه الكلمة؛ تمامًا كما أقول: "بوب إنسان". وفي رسالة إلى أبلابيوس، يشرح غريغوريوس النيصي وحدانية هذا الاستخدام لكلمة "الله". سأل أبلابيوس غريغوريوس عما إذا كان المسيحيون يقرون بثلاثة آلهة، بما أن بطرس ويعقوب ويوحنا هم ثلاث هيبوستاسات (hypostases) مِن أوسيا (ousia) واحدة، ونحن نسميهم ثلاثة بشر. فأجاب غريغوريوس بتحديد طريقة الكلام هذه (أي "ثلاثة بشر") كإساءة شائعة لاستخدام اللغة؛ لأن "إنسان" هو مصطلح يشير إلى النوع، وبطرس ويعقوب ويوحنا ليسوا ثلاثة أنواع. وإذا كنا دقيقين، فسنقول إنهم ثلاثة أشخاص (subjects) بشر (بصيغة المفرد). لأن طبيعتهم واحدة، أما عدد الأفراد فمتعدد. وهكذا هو الحال مع الآب والابن والروح القدس. نحن لا نقر بثلاثة آلهة، لأن "الله" تشير إلى الألوهة التي يشترك فيها الثلاثة. إن المسيحية تقر بألوهة واحدة فقط، رغم أن ثلاثة يمتلكونها.[9] كانت هذه النقطة حاسمة لآباء الكنيسة، لأنها كانت جوهرية فِي تمييز الثالوثية عن تعدد الآلهة؛ فالمشركون آمنوا بأنواع كثيرة مِن الآلهة (أي ألوهات متعددة)، بينما أقرت المسيحية بطبيعة إلهية واحدة فقط.[10]

الاستخدام الثالث لكلمة "الله" هو بالإشارة إلى الثالوث بأكمله. يجب أن أنبه إلى أن هذا الاستخدام الثالث غريب عن الأدبيات اليونانية فِي الألفية الأولى.[11] ولكن لأن هذا الاستخدام شائع فِي الأدبيات الغربية، فسوف أضمنه. ربما يكون هذا الاستخدام هو الأكثر إثارة للشك فِي وحدانيته، ولكنه يجتاز اختبار التوحيد. فعند السؤال: "كم ثالوثًا قدوسًا يوجد؟" تكون الإجابة "واحد". وكون الثالوث هو ثلاثة أقانيم لا يبطل هذه النقطة. فإذا سألت: "كم درسًا عن الثالوث يُقدم فِي معهد كالفن؟" ستكون الإجابة "واحد". وكون العديد مِن الطلاب فِي الدرس هو أمر غير ذي صلة؛ فالسؤال يتعلق بالدرس، وليس بالحاضرين.

لذلك، سواء استخدمنا كلمة "الله" بالإشارة إلى الآب، أو الطبيعة الإلهية، أو الثالوث، فإن استخدامنا هو للمفرد. وهكذا يُدعى المسيحيون بحق موحدين. لأننا نؤمن بإله واحد، سواء قصدنا أبًا واحدًا، أو ألوهة واحدة، أو ثالوثًا واحدًا.

ومع قولنا لهذا، لا ينبغي أن نتظاهر بأن التوحيد المسيحي لا يختلف عن توحيد الإسلام أو اليهودية. يتفق التوحيد المسيحي مع هذه الأديان فِي وجود طبيعة إلهية واحدة فقط، وأن تعدد الآلهة يخطئ فِي إقراره بألوهات متعددة. لكن التوحيد غير الثالوثي ينكر أن عدة أقانيم يمتلكون الطبيعة الإلهية. إنهم ينكرون أن الله آب ولد ابنًا وبثق روحًا. لا يمكن للمسيحية أن توافق على ذلك. وكما حذر غريغوريوس النيصي، يجب علينا "منع حجتنا فِي صراعنا مع اليونانيين [أي المشركين] مِن الهبوط إلى مستوى اليهودية".[12] قد يكون هذا التصريح صادمًا، لأن العديد مِن المسيحيين يبذلون جهدًا كبيرًا لتسوية الخلافات بين اليهودية والمسيحية. ومع ذلك، يجب أن يكون واضحًا أن أولئك الذين يثبتون الثالوث يختلفون مع أولئك الذين ينكرونه. إذا كان فهمك لله لا يختلف عن فهم شخص يرفض الثالوث، فأنت لست ثالوثيًا. المسيحيون موحدون، ولكن بشكل أساسي، المسيحيون ثالوثيون. هذا التوحيد فريد مِن نوعه.

 

الحديث التشبيهي

ذكرت أعلاه أننا عندما نتحدث عن الله، فإننا نتحدث بالتشبيه. إن القول بأن الله ندم: «فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ، وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ» (تكوين 6: 6)؛ «فَنَدِمَ الرَّبُّ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي قَالَ إِنَّهُ يَفْعَلُهُ بِشَعْبِهِ» (خروج 32: 14) يمكن أن يستحضر إلى الذهن نقائص لا تليق بالله. هناك شيء صحيح (تشبيهيًا) فِي القول بأن الله ندم، ولكن يجب أن نتذكر أن الله يندم دون أي مِن نقائص الندم البشري. وهكذا هو الحال مع الإقرار بثلاثة أقانيم مِن طبيعة واحدة. الإقرار حق، ولكن يجب ألا يؤدي إلى نسبة النقائص المخلوقة إلى الله. فما هِيَ التحفظات التي يجب وضعها فِي الاعتبار عند التحدث عن ثلاثة أقانيم إلهية؟[13]

 

(1) لا يوجد انقسام مادي:

الخطوة الأولى الخاطئة التي يجب تجنبها تتعلق بالانقسام المادي. عندما نفكر فِي ثلاثة أفراد مخلوقين، نفكر فِي أجساد تفصل بينها مسافات مكانية. لهذا السبب، قد نُجرب بالتفكير فِي الآب والابن والروح القدس كثلاثة أجساد منفصلة. لكن هذا سيكون خطأ. الله غير مادي. فِي الواقع، يحدد آباء الكنيسة هذا كفرق جوهري بين الله والخلائق: فكل الخلائق محدودة ومادية، بينما الله وحده غير مادي وغير محدود.[14] لذلك، يجب ألا نعتبر التمايز بين الآب والابن والروح القدس إشارة إلى انفصال مكاني. الآب والابن والروح القدس هم ثلاثة أشخاص (subjects) متمايزون (distinct)، وليسوا ثلاثة أجساد منفصلة (separate)؛ فالتمايز والانفصال ليسا شيئًا واحدًا.

ومع ذلك، فإن هذا الخطأ ذو حدين. نعم، سيكون مِن الخطأ التفكير فِي ثلاثة أجساد منفصلة، لكن الوجه الآخر لهذا الخطأ هو التفكير فِي الثالوث ككتلة متصلة ماديًا. يهتم الكثيرون بإقرار إله واحد لدرجة أنهم يقعون فِي خطأ دمج الثلاثة فِي كتلة واحدة، كما يحدث فِي تشبيهات "الأجزاء والكل" على سبيل المثال. ومع ذلك، فإن التفكير فِي الثالوث بهذه الطريقة هو وقوع فِي نفس الخطأ. لأنه سواء فكرنا فِي الأقانيم كمنفصلة ماديًا أو متصلة ماديًا، فنحن نفكر فِي المادة. المفتاح فِي التفكير النيقي هو التخلي عن المادية تمامًا. الآب والابن والروح القدس ليسوا مادة.

 

(2) التمايز مِن خلال العلاقة ببعضهم البعض:

الفرق الثاني بين الله والخلائق يتعلق بكيفية التمايز بين الآب والابن والروح القدس. لماذا نستطيع تمييز الأفراد البشر عن بعضهم البعض؟ الإجابة هِيَ ما تصفه الأدبيات اليونانية القديمة بـ "العوارض" (accidents).[15] العارض هو خاصية يمكن أن تتغير دون تغيير ماهية الشيء. على سبيل المثال، يمكن أن يتغير لون الدائرة وتظل دائرة. ما لا يمكن أن يتغير هو محيطها الانسيابي. لونها عارض؛ محيطها جوهري. كذلك مع الأشخاص البشر، يمكننا تمييز جان وإريك وستيف لأنهم بأحجام وألوان مختلفة، وهم فِي مواقع مختلفة، وهكذا.

هل يمكن قول الشيء نفسه عن الثالوث؟ هل يتمايز الآب عن الابن باللون أو الحجم أو الموقع؟ بالتأكيد لا. تمامًا مثل المادية، ليس للعوارض مكان فِي مفهومنا عن الله. ولكن إذا كان الله ليس له عوارض، فكيف يتمايز الآب والابن والروح القدس؟

الخيط الموصل للإجابة الأرثوذكسية هو الأسماء: الآب، والابن، والروح. ما يجعل الآب آبًا هو أنه يلد الابن. وما يجعل الابن ابنًا هو أنه مولود مِن الآب. اسم الروح القدس غامض فِي اللغة الإنجليزية، لكن كلمة "روح" فِي كلّ مِن اليونانية والعبرية تعني أيضًا "ريح" أو "نسمة". لذا قد نفكر فِي الروح على أنه "المبثوق". بعبارة أخرى، يتميز الثلاثة بعلاقتهم ببعضهم البعض.[16]

هذا يسلط الضوء على ميزة غالبًا ما تُهمل فِي الثالوثية. انطباعي هو أن العديد مِن المسيحيين اليوم يفكرون فِي الآب والابن والروح القدس كمجرد كائنات توجد جنبًا إلى جنب، وكل منها له وجود فِي ذاته. فِي حين أنه مِن الصحيح أن الثالوث القدوس وجد دائمًا، إلا أن الكتاب المقدس وقانون الإيمان لا يتحدثان عن الابن والروح القدس كمجرد كائنات توجد مِن لا أحد. بدلًا مِن ذلك، يعلم الكتاب المقدس وآباء الكنيسة وقانون الإيمان أن الآب له الألوهة مِن لا أحد (هو غير مولود)، لكن الابن والروح القدس يتلقيان ألوهتهما مِن الآب. هذا هو معنى لغة الولادة والانبثاق. تمامًا كما تلقى ابني الوحيد، ديفيد، إنسانيته مني، كذلك يتلقى الابن ألوهته مِن الآب. وهكذا يتلقى الروح القدس ألوهته بالبثق مِن الآب.[17]

مولود أو مبثوق، وليس مخلوقًا. بلا شك، إذا لم تكن قد سمعت أبدًا أن الآب يعطي الألوهة للابن والروح، فقد تتساءل عما إذا كان الابن والروح مخلوقين. بعبارة أخرى، هل كان هناك وقت لم يكن فيه الله بعد آبًا، ثُمَّ خلق الابن والروح فيما بعد؟ إذا خطر هذا السؤال ببالك، فكن على يقين أنك لست أول مِن يسأل هذا فِي تاريخ الكنيسة. يجب وضع نقطتين فِي الاعتبار:

أولًا، يتحدث قانون الإيمان النيقي عن الابن بأنه "مولود مِن الآب قبل كلّ الدهور". استنادًا إلى اللغة الكتابية (مثل أمثال 8: 23؛ يوحنا 17: 5؛ كولوسي 1: 15)،[18] يتحدث آباء الكنيسة عن ولادة الابن كولادة أزلية. ما يعنيه هذا هو أن ولادة الابن لم تبدأ أبدًا. الآب يلد الابن ويبثق الروح دومًا منذ الأزل. قد نفكر فِي الأمر مثل العلاقة بين الشمس وأشعتها وحرارتها. إذا كانت الشمس أزلية، فستكون أشعتها وحرارتها أزلية أيضًا. لكن الأشعة والحرارة سيظلان صادرين عن الشمس: سيكونان متولدين أزليًا. وهكذا، فإن الآب يلد الابن ويبثق الروح أزليًا. لم يبدأ أبدًا فِي فعل ذلك.[19]

ثانيًا، أصرت المسيحية دائمًا على أنه بسبب أن الآب يلد الابن ويبثق الروح، فهما إلهيان.[20] يسهل إثبات ذلك فِي حالة الابن. لو أعلنتُ أن زوجتي حامل وأجاب أحدهم: "ما هو هذا الكائن؟"، فسيكونون فِي حيرة مِن أمرهم إذا أجبت: "آمل أن يكون حصانًا". حتّى الأطفال يفهمون أن الكلب يلد كلبًا، والإنسان يلد إنسانًا، وهكذا الله يلد إلهًا.[21]

 

(3) ليسوا مستقلين فرديًا:

هذا يقودنا إلى فرق ثالث بين الله والخلائق. فِي عالم الخليقة، نفكر فِي الأفراد ليس فقط كمنفصلين ولكن كمنفصلين أيضًا فِي استقلاليتهم (autonomous). على الرغم مِن أن لي ابنًا، إلا أنه كان بإمكاني الوجود بدونه، كما فعلت لسنوات قبل ولادته. ومع ذلك، تصر الثالوثية النيقية على أنه لا يمكن عزل الأقانيم الإلهية بهذه الطريقة. إن هوية ابن الله ذاتها متجذرة فِي حقيقة أنه الابن. وتعريفه بـ "الابن" يستدعي السؤال: "ابن مَن؟". وبالمثل، فإن هوية الروح القدس ذاتها هِيَ أنه الروح. وتعريفه بـ "المبثوق" يستدعي السؤال: "مبثوق مَن؟". وهوية الآب ذاتها هِيَ أنه الآب. وتعريفه بـ "الآب" يستدعي السؤال: "آب مَن؟". بعبارة أخرى، على عكس أفراد البشر أو المخلوقات، لا يمكننا التفكير فِي الآب دون التفكير أيضًا فِي الابن الذي يلده والروح الذي يبثقه. ولا يمكننا التفكير فِي الابن أو الروح دون الآب الذي يلد ويبثق.

 

هذا هو أحد أهم الاختلافات بين المسيحية والديانات التوحيدية الأخرى. فبينما قد تدعي اليهودية والإسلام عبادة إله إبراهيم الذي خلق الكون، فإن المسيحية وحدها تقر بأن لله ابنًا، نور مِن نور، إله حق مِن إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ لأبيه فِي الجوهر. والمسيحية وحدها تقر بأن الروح القدس هو أيضًا أقنوم إلهي، يُسجد له ويُمجد مع الآب والابن. ولكن معرفة الله كآب هِيَ التي أُعلنت لنا فِي هذه الأيام الأخيرة بابنه (عبرانيين 1: 2)، والتي دُعينا للمشاركة فيها بروح التبني (رومية 8: 5).



[1] لقد حاول البعض إحياء هرطقة الأبولينارية (Apollinarianism)، التي بموجبها لا يمتلك المسيح روحًا بشرية See J. P. Moreland and William Lane Craig, Philosophical Foundations for a Christian Worldview (InterVarsity Press, 2003), Part IV, chap. 30. وينكر آخرون الإقرار النيقي بأن المسيح مولود أزليًا E.g., John Feinberg, No One Like Him (Crossway Books, 2001), 492; Robert Reymond, A New Systematic Theology of the Christian Faith, 2nd ed. (Nelson, 1998), 324–30; Wayne Grudem, Systematic Theology (Zondervan, 1994), Appendix 6, 1233–34. بينما يتبنى آخرون هرطقة السابلية (Sabellianism) See David Bernard, Oneness of God (Word Aflame Press, 1983). وبالإضافة إلى ذلك، نجد صياغات ثالوثية – وإن كانت غير مقصودة فِي انحرافها - إلا أنها لا تقل إشكالية. على سبيل المثال: "يوجد إله واحد، كائن أزليًا ويعلن عن نفسه لنا فِي ثلاثة أقانيم - الآب والابن والروح القدس" (بيان إيمان جامعة بيولا). وبالمصطلحات النيقية، فإن كلمة (الله) يمكن أن تشير إما إلى الله الآب أو إلى الطبيعة الإلهية. إن الصيغة المذكورة أعلاه غير مفهومة بالمعايير النيقية، إذ أن الطبيعة الإلهية ليست "هو" (شخصًا). وإذا قُرئ البيان بدقة، فإنه يبدو سابليًا - أي يوجد إله واحد يكشف عن نفسه مِن خلال الأقانيم.

[2] Basil of Caesarea, Epistle, 1.

[3] Tertullian, Against Praxeas, 1; Gregory of Nyssa, Against Eunomius, 1.34.

[4] John of Damascus, On Heresies,

[5] Nathan A. Jacobs, “The Begotten-Not-Made Distinction in the Eastern Pro-Nicenes,” Religious Studies (2018): 9–12.

[6] لقد استخدمتُ فِي كافة المواضع كلمتي "أفراد" (individuals)  أو "أشخاص/أقانيم" (subjects) بدلًا مِن كلمة "أشخاص" (persons)؛ لأن المصطلح اللاتيني (personae) هو المعادل للمصطلح اليوناني بروسوبا (prosopa) (أي وجوه)، وهو الموقف الذي تبناه سابليوس (Sabellius). لذا، فإن كلمة "فرد" أو "أقنوم/شخص" (individual or subject) هِيَ ترجمة أكثر دقة.

[7] Basil of Caesarea, Epistle, See also Gregory of Nazianzus, Orations, 29.13 and Gregory of Nyssa, To Ablabius, passim.

[8] Tertullian, Against Praxeas, 2.

[9] Gregory of Nyssa, To Ablabius, PG 45.117c–25b.

[10] Basil, On the Holy Spirit, 45; Athanasius, Letter to Serapion, 1.28.

[11] John Behr, “Response to Ayres,” Harvard Theological Review 100:2 (2007), 147f.

[12] John Behr, “Response to Ayres,” Harvard Theological Review 100:2 (2007), 147f.

Gregory of Nyssa, The Great Catechism, 1.

[13] I expound these points in “On ‘Not Three Gods’ — Again,” Modern Theology 24, 3 (2008), 342–44.

[14] ناثان أ. جاكوبس، "في ميتافيزيقا الله والخلائق عند آباء الشرق المؤيدين لنيقية،" Philosophy and Theology 28, 1 (2016): §§II–III. حينما يُميز الآباء الشرقيون بين "الأجسام المادية" و"الأجسام غير المادية"، كما هو الحال عند التمييز بين الجسد والنفس، فإن هذا يُعد تقريرًا عن مادية نسبية: فبالمقارنة مع الجسد، الذي له كثافة وكتلة، تُعتبر النفس غير مادية. فالأول هو ما يطلقون عليه "المادة الكثيفة" (باخو هيليكون pachu hylikon)، بينما الثانية أثيرية و"غير مادية" (أولوس aulos) على سبيل المقارنة. ومع ذلك، فحتى الخلائق "غير المادية" ليست غير مادية حقًا بالمعنى الذي يفيد خلوها مِن أي مادية على الإطلاق. لأن هذه أيضًا محدودة ومتحيزة مكانيًا. فكل الخلائق، كما يجادل هؤلاء الآباء، لها مادة بموجب ضرورة ميتافيزيقية.

[15] John of Damascus, The Fount of Knowledge,

[16] I develop this point further in “The Begotten-Not-Made Distinction,” 17–19.

[17] Basil of Caesarea, Epistle, 2; Gregory of Nazianzus, Orations, 29.9.

[18] (أمثال 8: 23): "مُنْذُ الأَزَلِ نُصِبْتُ، مُنْذُ الْبَدْءِ، مُنْذُ أَوَائِلِ الأَرْضِ."

(يوحنا 17: 5): "وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ."

(كولوسي 1: 15): "الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كلّ خَلِيقَةٍ."

[19] This analogy is taken from the church fathers: Gregory of Nyssa, Against Eunomius, 2.9; John of Damascus, On the Orthodox Faith, 1.8.

[20] Basil of Caesarea, Epistle, 2; Gregory of Nyssa, Against Eunomius, 1.18.

[21] I offer a complete defense of the begotten-not-made distinction in “The Begotten-Not-Made Distinction,” 1–33.