لتحميل الدراسة كاملة
https://drive.google.com/file/d/1s4OrcVNGBRrkV-VIsOdHyEo_R2Rpf5o1/view?usp=sharing
المقابلة الثانية: بروس م. متزجر، دكتوراه فلسفة.
وجدت بروس متزجر، 84 عاماً، بعد ظهر يوم السبت في مكانه المفضل
والمعتاد، مكتبة كلية اللاهوت برينستون، حيث قابلني بابتسامة "أنا أحب أن
أنفض الغبار عن هذه الكتب".
في الواقع، لقد كتب بعض أفضل هذه الكتب، خصوصاً إذا كان الموضوع عن
نصوص العهد الجديد. إجمالاً، لقد ألف أو حرر خمسون كتاباً، من بينها: العهد
الجديد: خلفيته، ونموه، ومحتواه The New Testament: Its
Background, Growth, and Content؛
نصوص العهد الجديد The Text of the New Testament؛
قانون العهد الجديد The Canon of the New Testament؛
مخطوطات الكتاب المقدس اليونانية Manuscripts of the Greek
Bible؛
التعليق على نصوص العهد الجديد اليوناني Textual Commentary
on the Greek New Testament؛
المقدمة للأبوكريفا Introduction to the Apocrypha؛
دليل أكسفورد للإنجيل The Oxford Companion to the Bible.
والعديد منها تُرجم إلى لغات أخرى: الكورية واليابانية والصينية والألمانية. كما
اشترك أيضاً في تحرير "إنجيل أكسفورد الجديد ذو الحواشي مع أسفار
الأبوكريفا" The New Oxford Annotated Bible with the
Apocrypha،
والمحرر العام لأكثر من ٢٥ مجلد في سلسلة "أدوات ودراسات العهد الجديد" New Testament Tools and Studies.
يتضمن تعليم متزجر درجة الماجستير من كلية برينستون اللاهوتية،
ودرجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة برينستون. كما منح درجات دكتوراه فخرية من
خمس كليات وجامعات، من بينها جامعة سانت أندرو في اسكتلندا، وجامعة مونستر في
ألمانيا، وجامعة بوتشيفستروم في جنوب أفريقيا.
وفي سنة ١٩٦٤ عمل كأستاذ مقيم في تندال هاوس، بجامعة كامبردج، بإنجلترا.
وعمل كزميل زائر في كلير هول، بجامعة كامبردج، في سنة ١٩٧٤، وفي كلية ولفسون،
بأكسفورد، في سنة ١٩٧٩. وهو حالياً أستاذ فخري في كلية برينستون اللاهوتية بعدما
أمضى ٤٦ عاماً في تدريس العهد الجديد.
ومتزجر هو رئيس لجنة الكتاب المقدس، النسخة القياسية، المراجعة
الجديدة، وزميل أمانة للأكاديمية البريطانية، ويعمل في كيورا أوريام في معهد فيتوس
لاتينا في دير بيرون بألمانيا. وهو رئيس سابق لجمعية الأدب الكتابي، والجمعية
الدولية لدراسات العهد الجديد، وجمعية باتريستيك الأمريكية الشمالية.
إذا تفحصت حواشي أي كتاب موثوق به على نصوص العهد الجديد، فهناك
إحتمالات أن ترى بأنه قد استشهد بمتزجر مراراً وتكراراً. وكلمه واضحة القراءة في
الجامعات والمعاهد اللاهوتية حول العالم. ويأخذ بأعلى إعتبار لدى مجموعة واسعة من
علماء العديد من المذاهب اللاهوتية.
من عدة نواحي، فإن متزجر، ولد سنة ١٩١٤، يعتبر من نسل جيل أقدم.
وعندما ينزل من سيارته البويك الرمادية التي يسميها (عربة تسوقي البنزينية). وهو
يرتدي بدلة رمادي داكنة ورباط عنق أزرق من نسيج صوفي مزركش بالرسوم، التي تعتبر
غير رسمية لتلك التي يرتديها عند زياراته للمكتبة، حتى في العطلة الأسبوعية. وشعره
الأبيض ممشط بعناية، وعيناه لامعتان بنظارة بلا إطار. ويمشي أيضاً مما تعود عليه،
لكن ليس بصعوبة، فهو يتسلق السلم بشكل منهجي إلى الطابق الثاني حيث يجري أبحاثه في
مكتب غامض قاتم وصارم.
إلا أنه لم يفقد روح المرح. فقد أراني علبة صغيرة من الصفيح ورثها
كرئيس للجنة الترجمة الموحدة والمراجعة للكتاب المقدس، وفتح الغطاء ليكشف عن رماد
كتاب مقدس أحرق في سنة ١٩٥٢ أثناء إحتجاج من قبل واعظ أصولي من مذهب البصمة
الحرفية.
"يبدو أنه لم تعجبه تغيير اللجنة لكلمة "زَمَلاء" في
نسخة الملك جيمس بكلمة "رفاق" الواردة في رسالة العبرانيين ١: ٩"،
ووضح متزجر بضحكة مكتومة بأن الواعظ الأصولي "اتهمهم بالشيوعيون!".
ومع أن حديث متزجر متردد أحياناً فإنه يميل إلى الإجابة بعبارات
جذابة مثل "تماماً"، ويستمر في البقاء عند حافة منحة لدراسة العهد
الجديد. وعندما طلبت بعض الإحصائيات، لم يعتمد على الأرقام التي في كتابه سنة ١٩٩٢
عن العهد الجديد؛ بل أجرى بحثاً جديداً ليحصل على أحدث الأرقام. وسرعة بديهته لا
تجد مشكلة في تذكر تفاصيل عن الناس والأماكن، وهو ألم بكل المحادثات والمناظرات
الحالية بين خبراء العهد الجديد. في الحقيقة، فإنهم يواصلون اللجوء إليه لبصيرته
وحكمته.
ومكتبه بحجم زنزانة سجن، بلا نوافذ ومطلي بلون رمادي مؤسساتي. به
كرسيان خشبيان؛ وقد أصر على أن آخذ الكرسي الأكثر راحة. وكان هذا جزء من سحر
شخصيته. وقد كان طيباً جداً، معتدل ومتواضع للغاية، وله روح لطيفة جعلتني أود
عندما أكبر في السن أن أتحلى بنفس هذا النوع الناضج من النعمة.
لقد تعرفنا على بعضنا لفترة قصيرة، ثم اتجهت إلى الناحية الأولى التي
أردت الكلام فيها: كيف يمكننا أن نتأكد بأن سيرة حياة يسوع قد سلمت إلينا على نحو
موثوق؟
نسخ من نسخ من نسخ
قلت لمتزجر "سأكون أميناً معك. عندما اكتشفت لأول مرة عدم وجود
أصول باقية على قيد الحياة للعهد الجديد، تشككت جداً. وفكرت، إذا كان كل ما لدينا
هو نسخ من نسخ من نسخ، فكيف يكون لدينا أي ثقة بالعهد الجديد الذي بين أيدينا
اليوم بأنه يحمل أي تشابه مع الكتب الأصلية؟ فما ردك على ذلك؟
فأجاب "هذه ليست قضية قاصرة على الكتاب المقدس؛ بل إنها سؤال
يمكننا أن نسأله عن الوثائق الأخرى التي وصلت إلينا من عصور قديمة. بيد أن الإجابة
على هذا السؤال تسير في صالح العهد الجديد، خاصة إذا ما قورن بالكتابات القديمة
الأخرى، حيث عدد النسخ التي بقيت حتى الآن لم يسبق له مثيل".
فسألته: "لماذا ذلك مهم؟".
فأجاب "حسناً، كلما كان لديك نسخ كثيرة ... خاصة إذا ظهرت من
مناطق جغرافية مختلفة، والأكثر من ذلك بأنها تمكنك التحقق وإدراك كيف كان شكل
الوثيقة الأصلية. والطريق الوحيدة التي تتوافق فيها هي انحدارها التسلسلي في
شجرة العائلة التي تمثل سلالة المخطوطات".
فقلت له: "حسناً، أستطيع أن أفهم أن وجود عدد كبير من النسخ من
أماكن مختلفة يمكن أن يساعد. ولكن ماذا عن عمر الوثائق؟ بالتأكيد أن ذلك مهم
أيضاً، أليس كذلك؟".
فأجاب "تماماً لذا، وهذا شيء أخر يُميز العهد الجديد. فلدينا
نسخ تبدأ خلال جيلين من كتابة النسخ الأصلية، بينما في حالة النصوص القديمة
الأخرى، نجد أنه ربما قد انقضت خمسة، أو ثمانية، أو عشر قرون بين النسخ الأصلية
وأقدم نسخة بقيت سليمة".
"وفضلاً عن المخطوطات اليونانية، فلدينا أيضاً ترجمات
للإنجيل في لغات أخرى كالقبطية والسريانية واللاتينية، والتي ترجع إلى زمن أقدم
نسبياً. علاوة على ذلك لدينا ما يمكن تسميته بالترجمات الثانوية التي تلتها
بقليل، مثل الأرمنية والقوطية. والكثير غيرها، كالجيورجية والأثيوبية وهي
تشكيلة هائلة".
فسألته "كيف تساعدنا هذه الترجمات؟"
فأجابني "لأنه حتى لو لم يكن لدينا اليوم مخطوطات يونانية،
فإننا بتجميع المعلومات من هذه الترجمات من تواريخ قديمة نسبياً، يمكننا أن نعيد
إنتاج محتويات العهد الجديد حقاً. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه حتى لو فقدنا كل
المخطوطات اليونانية والترجمات المبكرة، فما زال باستطاعتنا أن نعيد إنتاج محتويات
العهد الجديد من الأعداد الهائلة من الاقتباسات في التعليقات، والعظات، والرسائل،
وغيرها من أباء الكنيسة الأوائل".
فيما بدا ذلك رائعاً، إلا أنه كان من الصعب الحكم على هذه الأدلة
منفصلة، فقد إحتجت إلى بعض السياق لتقدير العهد الجديد ككتاب فذ فريد من نوعه بشكل
أفضل. وتساءلت، كيف يقارن بالأعمال المشهورة الأخرى من العصور القديمة؟.
جبل المخطوطات
فقُلت له "عندما تتحدث عن عدد هائل من المخطوطات، كيف يتعارض
ذلك مع كتب قديمة أخرى والتي قبلها العلماء بطريقة روتينية عادية على أنها موثوق
بها؟ فمثلاً حدثني عن كتابات لمؤلفين من نفس عصر يسوع تقريباً".
ولما كان متزجر قد توقع هذا السؤال فقد أشار إلى بعض المذكرات
المكتوبة بخط اليد والتي أحضرها.
وبدأ حديثه قائلاً "تأمل تاسيتوس، المؤرخ الروماني الذي كتب
حوليات روما الإمبراطورية في غضون ١١٦م تقريباً؛ فكتبه الستة الأولى موجودة الآن
في مخطوط واحد فقط، وقد نسخ سنة ٨٥٠م تقريباً. والكتب من ١١ - ١٦ في مخطوط أخر
بتاريخ يعود إلى القرن الحادي عشر. أما الكتب من ٧ - ١٠ فهي مفقودة. وهكذا فهناك
فجوة كبيرة بين الزمن الذي بحث فيه تاسيتوس معلوماته وكتبها والنسخ الحالية
الوحيدة.
"أما فيما يتعلق بمؤرخ القرن الأول يوسيفوس، لدينا تسع مخطوطات
يونانية من كتابه "الحرب اليهودية"، وهذه النسخ تمت كتابتها في القرون
العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر. وهناك ترجمة لاتينية من القرن الرابع ومواد
روسية من العصور الوسطى من القرن الحادي عشر والثاني عشر".
لقد كانت تلك الأرقام مفاجئة لي. فلا يوجد إلا أقل عدد من المخطوطات
التي تربط هذه الأحداث القديمة بالعالم الحديث. فسألته "بالمقارنة بتلك
الأعداد، كم عدد المخطوطات اليونانية للعهد الجديد الموجودة حالياً؟".
إتسعت عينا متزجر وقال "أكثر من خمسة ألاف مخطوطة عمل لها
بيان وفهرس" قال ذلك بحماس رفعة صوته ١٠ درجات. لقد كان ذلك بمثابة جبل من
المخطوطات مقارنة بكثبان الرمل من أعمال تاسيتوس ويوسيفوس!
فسألته "أليس ذلك غير معتاد في العالم القديم؟ من هو
الثاني؟"
فقال: "كمية مادة العهد الجديد تُحرج أي مقارنة بالكتب الأخرى
من العصور القديمة. فبجانب العهد الجديد، الكمية الأكثر لشهادة المخطوطات هو
إلياذة هوميروس، التي كانت بمثابة إنجيل اليونانيين القدماء. ويوجد منها اليوم أقل
من ٦٥٠ مخطوط يوناني، وبعضها متجزأ إلى أجزاء. وقد وصلت إلينا من القرن الثاني
والثالث الميلادي، وما بعده. وعندما تتأمل أن هوميروس قد خط ملحمته حوالي سنة ٨٠٠
ق. م يمكنك أن ترى فجوة كبيرة جداً".
كلمة "كبيرة جداً" تعتبر أقل من الحقيقة! فالفجوة كانت
١٠٠٠ (ألف سنة) ففي الواقع لم يوجد أي وجه للمقارنة فإن أدلة المخطوطات للعهد
الجديد أدلة ساطعة عندما توضع أمام المؤلفات المحترمة التي من العصور القديمة وهي
أعمال لا يجد العلماء المحدثين أي اعتراض على اعتبارها أصلية. وبما أن فضولي
وحب استطلاعي عن مخطوطات العهد الجديد قد تمت إثارته فقد سألت متزجر أن يصف لي بعض
هذه المخطوطات.
فقال لي: "أقدم المخطوطات كانت أجزاء من البردي، الذي كان من
لوازم الكتابة وكان مصنوع من نبات البردي الذي كان ينمو في أراضي دلتا النيل في
مصر... ويوجد الآن ٩٩ قطعة متجزأة من ورق البردي تحتوي على فقرة أو أكثر أو كتب من
العهد الجديد.
وأهم هذه البرديات التي ظهرت للنور هي برديات تشستر بيتي والتي
اكتشفت سنة ١٩٣٠. ومن هذه البرديات نجد أن الأولى تحتوي على أجزاء من الأناجيل
الأربعة وسفر أعمال الرسل، ويرجع تاريخها إلى القرن الثالث. والبردية الثانية
تحتوي على أجزاء كبيرة لثمانية من رسائل بولس، بالإضافة إلى أجزاء من الرسالة إلى
العبرانيين، ويعود تاريخها إلى سنة ٢٠٠م. والبردية الثالثة تحتوي على جزء كبير من
سفر الرؤيا ويرجع تاريخها إلى القرن الثالث.
"وهناك مجموعة أخرى من مخطوطات البردي الهامة إشتراها سويسري
ولع بجمع الكتب وهو م. مارتن بودمر. وأقدم هذه البرديات يرجع تاريخه إلى سنة
٢٠٠م، يحتوي على ثلثي إنجيل يوحنا. وبردية أخرى، تحتوي على أجزاء من أراجيل لوقا
ويوحنا، ويرجع تاريخها إلى القرن الثالث".
وعند هذه النقطة، كانت الفجوة بين كتابة سيرة حياة يسوع وبين أقدم
البرديات، كانت ضئيلة جداً. ولكن ما هو أقدم مخطوط نملكه؟ إلى أي
قرب مدة يمكننا التوصل إلى المخطوطات الأصلية التي يسميها الخبراء
"أوتوجراف" أي كتبت بفيض يد المؤلف نفسه؟
قصاصة الورق التي غيرت مجرى التاريخ
فقلت له "ما هو أقدم جزء من العهد الجديد كله نملكه
اليوم؟".
متزجر لم يكن مضطراً لأن يفكر في الإجابة فقال "أقدم جزء هو عبارة
عن جزء من إنجيل يوحنا، يحتوي على نصوص من الأصحاح الثامن عشر وهي خمسة آيات،
ثلاثة على أحد الوجهين، واثنان على الوجه الأخر، وتبلغ مساحته 2 ونصف * 3 ونصف بوصة".
فقلت له: "كيف تم اكتشافه؟".
فقال: "تم شراءة في مصر حوالي سنة ١٩٢٠، لكنه ظل بعيداً عن
الأنظار عدة سنوات مع أجزاء أخرى مشابهة من البردي. ثم في سنة ١٩٣٤ فيما كان سي.
إتش. روبرتس من كلية القديس يوحنا، بجامعة أكسفورد، يُدقق في البرديات بمكتبة جون
ريلاندز في مانشستر، بإنجلترا. تعرف في الحال على هذه البردية بأنها احتفظ بجزء من
إنجيل يوحنا. واستطاع أن يحدد تاريخها من أسلوب كتابتها".
فسألته: "وماذا كان استنتاجه؟ وإلى أي زمن يعود تاريخها؟
فأجاب "استنتج بأن أصلها يرجع إلى ١٠٠- ١٥٠م، وكثير من علماء
البليوجرافيا المهمين مثل السير فريدريك كينيفون، والسير هارولد بيل، وأدولف
ديسمان، و دبليو. إتش. بي. هاتش، وأواريك ويلكين وآخرون، اتفقوا على تقييمه. وكان
ديسمان مقتنعاً بأنها تعود على الأقل إلى عهد الإمبراطور هادريان، الذي كان من سنة
١١٧-١٣٨م أو حتى الإمبراطور تراجان، وكان عهده من سنة ٩٨-١١٧م".
لقد كان هذا الاكتشاف مذهل. والسبب أن علماء اللاهوت الألمان
المتشككين في القرن الماضي جادلوا بشدة بأن الإنجيل الرابع لم يكن قد دُوّن حتى
سنة ١٦٠م. على الأقل، وهو تاريخ بعيد جداً عن أحداث حياة يسوع مما يُضيع هذا
التقرير، بحسبهم، القيمة التاريخية. وقد استطاعوا التأثير على أجيال من العلماء
الذين سخروا من موثوقية هذا الإنجيل".
فقلت معلقاً "هذا بالتأكيد يقضي تماماً على صحة هذا
الرأي".
فقال "نعم، بالتأكيد، فلدينا هذا في تاريخ قديم جداً، جزء من
نسخة من إنجيل يوحنا من مسافة بعيدة في جماعة عاشت على نهر النيل في مصر بعيداً عن
أفسس في آسيا الصغرى، حيث من المرجح أن يكون قد كتب الأصل هناك.
تمت كتابة أراء مشهورة في التاريخ إذ أرجع كتابة إنجيل يوحنا إلى زمن
أقرب إلى أيام كان المسيح يمشي على الأرض. فكانت مذكرة للتذكير بمراجعة عالم آثار.
عما إذا كانت هناك اكتشافات أخرى دعمت الثقة بالإنجيل الرابع.
كومة كبيرة من الأدلة
فيما تمثل مخطوطات البردي أقدم نسخ العهد الجديد، هناك أيضاً نسخ
قيمة مكتوبة على ورق البارشمان، الذي كان يصنع من جلود الماشية، والخراف، والمعاز،
والظبي.
ثم أوضح متزجر قائلاً: "عندنا ما يُسمى بالمخطوطات البوصية، وهي
مكتوبة بالحروف اليونانية الكبيرة. فعندنا اليوم ٣٠٦ من هذه المخطوطات، والعديد
منها يرجع تاريخه إلى القرن الثالث. وأهمها المخطوطة السينائية، وهي النسخة
الكاملة الوحيدة للعهد الجديد بحروف الأنشوال، والمخطوطة الفاتيكانية، التي ليست
كاملة تماماً، وكلاهما يرجع تاريخهما إلى سنة ٣٥٠م.
"وهناك أسلوب جديد في الكتابة، حروفها متصلة، ظهرت سنة ٨٠٠ م
تقريباً. وتسمى minuscule أي مكتوبة بحروف صغيرة،
ولدينا ٢٨٥٦ من هذه المخطوطات. وهناك أيضاً كتب الفصول التي تحتوي على العهد
الجديد من الكتاب المقدس مرتبة بترتيب معين لكي تُقرأ في الكنائس الأولى في أوقات
مناسبة من السنة. وهناك ٢٤٠٣ من هذه الكتب قد تم إعداد قائمة بها وفهرستها. وبذا
يبلغ مجموع المخطوطات اليونانية ٥٦٦٤ مخطوط.
ثم قال: "بالإضافة إلى الوثائق اليونانية، هناك آلاف من
المخطوطات القديمة للعهد الجديد بلغات أخرى. فهناك من ٨٠٠٠ إلى ١٠٠٠٠ مخطوط لاتيني
(فولجاتا (معترف به))، بالإضافة إلى ٨٠٠٠ باللغة الأثيوبية، والسلافية،
والأرمينية. إجمالي هذه المخطوطات يبلغ حوالي ٢٤٠٠٠ مخطوط موجودة حالياً.
فسألته، وأنا أريد تأكيد واضح لما إعتقدت بأنني سمعته يقوله
"إذن، ما هو رأيك؟ بالنسبة لتعدد المخطوطات والفجوة الزمنية بين أصولها
ونسخها الأولى، كيف يصمد العهد الجديد أمام الأعمال الأخرى المشهورة من الأزمنة
القديمة؟".
فأجاب "بطريقة جيدة جداً، ويمكننا أن نثق ثقة عظيمة في الإخلاص
الذي وصلت به هذه النصوص إلينا، خاصة لو قورنت بأي أعمال أدبية قديمة أخرى".
يشاركنا في هذا الاستنتاج علماء بارزين من كل أنحاء العالم. وقد قال
المرحوم ف. ف. بروس، الأستاذ البارز الفذ في جامعة مانشستر، إنجلترا، ومؤلف كتاب
"وثائق العهد الجديد: هل يمكن الوثوق بها؟" The
New Testament Documents: Are They
Reliable؟
"ليس هناك أي نص من أداب العالم القديم
يتمتع بمثل هذه الثروة الهائلة من أدلة الشهادات النصية الجيدة كالعهد
الجديد".
ذكر متزجر إسم السير فريدريك كينيفون، المدير السابق للمتحف
البريطاني ومؤلف كتاب "الكتابات القديمة في البرديات اليونانية The Palaeography of Greek Papyri". وقد قال كينيفون
أنه
"لم يحدث في أي حالة أخرى أن الفترة
الزمنية بين تأليف الكتاب وبين تاريخ أقدم مخطوطاته كانت قصيرة كما في العهد
الجديد".
وكان استنتاجه:
"أخر أساس لأي شك أن الكتاب المقدس قد وصل
إلينا جوهرياً كما كُتب، هذا الشك قد زال الآن".
ومع ذلك، ماذا تقول عن التناقضات بين المخطوطات المختلفة؟
في الأيام التي مضت قبل ماكينات التصوير السريعة ببرهة البرق، كانت
المخطوطات تُنسخ يدوياً بشكل مرهق من قبل نُساخ، حرفاً حرفاً وكلمة كلمة، وسطر
سطر، بطريقة ملائمة لتسبب حدوث أخطاء. وأريد أن أعتقد بالضبط ما إذا كانت هذه
الأخطاء عند النسخ كتابة قد جعلت أناجيلنا الحديثة مشوهة بلا أمل في عدم الثقة.
فحص الأخطاء
فقلت له: "مع التشابه في طريقة كتابة الحروف اليونانية وبالظروف
البدائية التي كان يشتغل بها النُساخ، يبدو أنه من الحتمي تسلل أخطاء النسخ إلى
النص".
فقال متزجر مسلماً "هذا صحيح تماماً".
فقلت له: "وفي الحقيقة أليس هناك، حرفياً، عشرات الآلاف من
الاختلافات بين المخطوطات القديمة التي عندنا؟".
فقال لي: "هذا صحيح تماماً".
فسألته: "ألا يعني هذا إذن أننا لا نستطيع الوثوق بها؟".
وكان سؤالي هذا يبدو سؤالاً إتهامياً أكثر منه إستفزازياً.
فأجاب متزجر بحزم "كلا ياسيدي، لايعني ذلك. دعني أولاً أقول
التالي: لم تُخترع النظارات حتى سنة ١٣٢٤م في فينيسيا، وأنا متأكد بأن إنحراف
البصر كان موجوداً بين النُساخ القدماء. وقد تضاعف هذا الأمر بحقيقة أنه كان من
الصعب تحت أية ظروف قراءة مخطوطات باهتة قد تقشرت وزال عنها بعض الحبر الذي كُتبت
به. كما كانت هناك مخاطر أخرى، سواء كان ذلك بسبب السهو، مع أنهم كانوا حذرين بشكل
شكاك، إلا أن ذلك لا يمنع من تسلل بعض الأخطاء".
ثم أضاف ملوحاً "لكن هناك عوامل تُبطل هذه الحجة، فعلى سبيل
المثال، أحياناً ذاكرة الكاتب تخدعه. وبين الحين والآخر فهو يعود في النظر إلى
النص، فيقلب الكلمات، فإن ترتيب الكلمات قد يهتز. فقد يكتب الكلمات الصحيحة لكن
بالتسلسل الخاطئ. ولكن هذا الأمر لا يدعو للقلق لأن اللغة اليونانية تتميز
بالتعريفات على خلاف اللغة الإنجليزية.
فسألته فوراً "بمعنى...".
فقال لي "لأن هناك فرق كبير في اللغة الإنجليزية إذا قلت
"الكلب يعض الإنسان" أو "الإنسان يعض الكلب"، فتسلسل الكلمات
مهم في اللغة الإنجليزية. لكن في اليونانية ليس الأمر مهماً. فالكلمة تؤدي وظيفتها
كموضوع للجملة بغض النظر عن موقعها في السلسلة، بالتالي، فإن معنى الجملة لا ينحرف
إذا كانت الكلمات لم تكتب بالترتيب الذي نعتبره الترتيب الصحيح. لذلك، نعم هناك
بعض الاختلافات بين المخطوطات، لكنها عموماً ليست بـأختلافات هامة. ومثال أخر
لذلك، الاختلاف في تهجئة الكلمات".
ومع ذلك فما زال العدد كبير "المغايرات" أو الاختلافات بين
المخطوطات، وهو مزعج. فقد رأيت تقديرات وصلت إلى ٢٠٠ ألف حالة!
ومع ذلك فقد قال متزجر من قيمة هذا الرقم.
فقال "الرقم يبدو كبيراً، لكنه مُضلل نوعاً ما بسبب الطريقة التي
تُحسب بها هذه الاختلافات. وشرح ذلك بأنه لو أن هناك خطأ هجائي في كلمة واحدة في
ألفين مخطوط، فإن هذا يحسب كأنه ألفين من الأخطاء.
ثم أثرت أهم مسألة: "كم عدد تعاليم وعقائد الكنيسة المعرضة
للخطر بسبب هذه الاختلافات؟".
فأجاب بثقة "أنا لا أعرف أي عقيدة معرضة للخطر".
فقلت له "ولا واحدة؟".
فكر قائلاً "ولا واحدة. إن شهود يهوه يأتون إلينا قائلين
"إن إنجيلكم به خطأ في ترجمة الملك جيمس في رسالة يوحنا الأولى ٥: ٧- ٨، حيث
تتحدث عن "الآب، وَالْكَلِمَةُ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ: وَهؤُلاَهِ
الثَّلاَثَةُ هُمْ وَاحِدٌ". ثم يقولوا "هذا الكلام غير موجود في
المخطوطات الأولى".
"وهذا فعلاً صحيح. وأظن بأن هذه الكلمات موجودة في سبع أو ثمان
نسخ فقط وكلها من القرن الخامس عشر أو السادس عشر. وإني أعترف أن هذا ليس جزءاً
مما أوحي إلى يوحنا الأول بكتابته.
"لكن هذا لا يلغي الدليل الذي شوهد بحزم في الإنجيل بالنسبة
لعقيدة الثالوث الأقدس. فبعد معمودية يسوع يتحدث الآب، وابنه المحبوب يُعمد،
والروح القدس يحل عليه. وفي نهاية رسالة كورنثوس الثانية يقول بولس "نِعْمَةُ
رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ اللهِ، وَشَرِكَةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ
مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمِينَ". وهناك العديد من المواضع حيث يذكر فيها الثالوث
الأقدس".
"وبذا فإن الاختلافات، التي يتحدثون عنها، تعتبر أقل من أن تكون
جوهرية؟".
"نعم، نعم، هذا صحيح، والعلماء يعملون بعناية شديدة لمحاولة
تبديدها بالرجوع إلى المعنى الأصلي. فأهم هذه التغييرات لا تُسقط أي عقيدة من
عقائد الكنيسة. وأي نسخة جيدة للكتاب المقدس بها مذكرات في الحاشية لتنبه القارئ
إلى القراءات المختلفة لأي نتيجة. ولكن مرة أخرى، هذه الحالات نادرة".
وهي نادرة لدرجة أن العلماء مثل نورمان جيسلر، يستنتج:
"إن العهد الجديد، قد ظل موجوداً في
مخطوطات أكثر من أي كتاب من العصور القديمة، وليس هذا فقط بل أنه ظل نقياً وسليماً
في صورة أكثر نقاء من أي كتاب آخر عظيم، وفي صورة نقية بدرجة ٩٩,٩%".
ومع ذلك، فحتى لو كان صحيحاً أن نص العهد الجديد عبر التاريخ لم يسبق
له مثيل في أي كتاب آخر في موثوقيته، فكيف نعرف أن ما لدينا هو الصورة الكاملة؟
وماذا عن الإدعاءات أن المجامع الكنسية قد ألغت وأبادت وثائق أخرى،
لأن صورة يسوع بها لم تعجبها؟ كيف نعرف أن الـ ٢٧ سفراً التي هي أسفار العهد
الجديد تمثل لنا أفضل والأكثر معلومات يعتمد عليها؟ ولماذا تحتوي أناجيلنا على
أناجيل متى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا، ولكن هناك عدة أناجيل أخرى وكثيرة كإنجيل فيلبس،
وإنجيل المصريين، وإنجيل الحق، وإنجيل ميلاد مريم، لماذا استُبعدت هذه الأناجيل؟
لقد حان الوقت أن نرجع إلى مسألة "قانونية" أي القانون
الكنسي، وهي اصطلاح مأخوذ من كلمة يونانية معناها "القاعدة" أو
"المبدأ" أو "المعيار"، وهو الذي يصف الكتب التي أصبحت مقبولة
رسمياً في الكنيسة ومتضمنة في العهد الجديد.
ويعتبر متزجر مرجعاً أساسياً في هذا المجال.
F.
F. Bruce, The Books and the Parchments (Old Tappan, N.J.: Revell, 1963), 178,
cited in Josh McDowell, Evidence That Demands a Verdict (1972; reprint, San
Bernardino, Calif.: Here's Life, 1986), 42
Frederic
Kenyon, Handbook to the Textual Criticism of the New Testament (New York:
Macmillan, 1912), 5, cited in Ross Clifford, The Case for the Empty Tomb
(Claremont, Calif.: Albatross, 1991), 33
Frederic
Kenyon, The Bible and Archaeology (New York: Harper, 1940), 288
Norman
L. Geisler and William E. Nix, A General
Introduction to the Bible (1968; reprint, Chicago: Moody Press, 1980),
361
Patzia,
The Making of the New Testament, 158