الجمعة، 24 يوليو 2026

إيضاح حول كيفية عمل نقاد النص

 


إيضاح حول كيفية عمل نقاد النص[1]

بقلم: لوك أ. بيرنز

 

من أولى المفاهيم التي يُرجح أن تصادفها عند التعمق في عالم النقد النصي الكتابي هو مفهوم "الأصل" (autograph). ولكن ما هو "الأصل الكتابي" تحديدًا، وكيف يرتبط بالنقد النصي؟

 

التعريف

 

"الأصل" هو المخطوطة الأصلية كما دونها الكاتب/الكتبة بأنفسهم في المرة الأولى. بعبارة أخرى، هو النص "الأصلي"، وليس نسخة منه. وتعود الكلمة في أصلها إلى كلمتين يونانيتين: autós (αὐτός) "أوتوس" وتعني "ذات/نفس"، و graphō (γράφω) "جرافو" وتعني "يكتب". ومن ثم، فإن كلمة autographon وبنطقها "أوتوجرافون" تعني حرفيًا "شيء كُتب بخط اليد". ولا يعني المصطلح أن النص موقّع أو معتمد، بل إنه كُتب بِيَد الكاتب نفسه.

 

 المشكلة

 

تكمن المشكلة الرئيسية، بطبيعة الحال، في أننا لم نعد نملك الأصول الأصلية للكتاب المقدس. ولا يقتصر هذا الأمر على الكتاب المقدس فحسب، بل ينطبق على غالبية النصوص القديمة مثل مؤلفات هوميروس، وأفلاطون، وتاسيتوس (على سبيل المثال لا الحصر). قد يبدو هذا نبأً غير سار بالنسبة لنا، ولكن لولا هذه الحقيقة لما كان للنقد النصي وجود من الأساس، بالنظر إلى أن الغاية بأكملها من النقد النصي هي محاولة إعادة بناء ما قد تكون الأصول قد نصت عليه.

 

 لماذا لا نملك الأصول؟

 

يطرح علينا هذا مشكلة ثانية: لماذا لا نملك الأصول؟ وأين ذهبت؟ إن حقيقة الأمر هي أننا لا نعلم على وجه التحديد ما حدث لها. ولكن لحسن الحظ، يمكننا وضع بعض الأفكار القائمة على أدلة.

 

التفسير الأول هو أن الأصول الأولى لم تكن مخصصة أصلًا للحفظ للأجيال القادمة، ولذلك لم تُحفظ. ويبدو لي أن المسيحيين الأوائل كانوا يعتقدون أن النهاية وشيكة. ليس بمعنى الوشوك اللاهوتي أو الروحي، بل الوشوك المادي الفعلي. فقد ظن كُتَّاب مثل بولس، ومرقس، ومتى أن النهاية قريبة جدًا، فما الذي يدعوهم إذن للاهتمام ببقاء كتاباتهم؟ لقد كانت المعلومات الواردة داخل نصوصهم هي الأهم، وليس النص المادي في حد ذاته.

 

وثمة رؤية أخرى تتمثل في أن الكتابات كانت تحظى بشعبية واسعة وتُتداول بدرجة عالية من التكرار، بحيث تآكلت ببساطة جراء الاستعمال العادي. ومرة أخرى، لم يكن النص المادي بحد ذاته هو ما يثمنه المسيحيون الأوائل؛ بل المعلومات التي ينقلها. ومن ثم، قام النساخ ببساطة بنسخ الأصول لنقلها إلى الجيل التالي من المؤمنين. وربما رُؤيت الأصول الأولى، عند هذه النقطة، على أنها قديمة وهشة، ولما كانت النسخ الجديدة متداولة ومستخدمة في الحياة اليومية، فقد تُخُلِّص من الأصول القديمة بلا مبالاة وفُقدت إلى الأبد. ليس بدافع الإهمال، بل لمجرد عدم الحاجة إليها داخل الجماعة.

وأخيرًا، هناك رؤية آخر، وهو أن الأصول الأولى كانت ذات أهمية وحُفظت بواسطة المسيحيين الأوائل، غير أن الحرب، والطبيعة، والتلف قد أدت إلى اندثارها. ويبدو لي هذا السيناريو الأكثر استبعادًا، بالنظر إلى أنه ليس لدينا من آباء الكنيسة الأوائل من يلمح ولو من بعيد إلى أن الأصول الأولى كانت تُرى كشيء ذي قيمة هائلة. إذ كان امتلاك نسخة من نص كتابي يُعد بمثابة أهمية امتلاك الأصل تمامًا. لذا، ورغم أن هذا التفسير ممكن من الناحية النظرية، إلا أنه يبدو غير مبرر تمامًا. فلو كانت الكنائس الأولى تكتنز الأصول الكتابية كنوع من الذخائر المقدسة، لتوقعنا أن نرى ذلك ينعكس في الأدبيات المبكرة للكنيسة. ومع ذلك، وعلى حد علمي، لا نرى هذا في أي مكان.

 

ولكن هذا يستدعي التساؤل: إذا كنا لا نملك الأصول الأولى بالفعل، فكيف يمضي نقاد النصوص في إعادة بنائها، وإلى أي مدى يمكننا أن نثق في أن النص قد أُعيد بناؤه بدقة؟ وهل يمكن للأصول الأولى للكتاب المقدس أن تكون مختلفة تمامًا عن الكتاب المقدس الذي نعرفه اليوم؟ حسنا، دعونا نلقي نظرة أقرب.

 

 إعادة بناء الأصول

 

قبل كل شيء، إن إعادة بناء الأصول القديمة عمل بالغ التعقيد يستعين بمجموعة واسعة من العلماء، والأدوات، والاستراتيجيات من تخصصات متعددة للوصول إلى إجماع عام. ويعتمد أعظم نقاد النصوص في العالم على فرق متخصصة لمساعدتهم في إعادة بناء النص.

 

بعبارة أخرى، لا يكفي مجرد معرفة كيفية قراءة اللغات القديمة والبدء في مقارنة النصوص. إن ذلك بلا شك جزء من المعادلة، ولكن يجب على المرء أيضًا مراعاة علم البرديات (papyrology)، والإملاء (orthography)، وعلم الخطوط القديمة (paleography)، وعلم المخطوطات (codicology)، وعلم اللغة (philology)، وعادات النساخ، والتاريخ، والآثار، والمصدر (provenance)، والتأريخ بالكربون-14، والأدب المقارن. وهذا أمر يتجاوز بمراحل قدرات أي شخص بمفرده، لذا فمن الأفضل النظر إلى النقد النصي على أنه "مشروع جماعي" يتكون من كوكبة من العلماء يتخصص كل منهم في مجال معين.

 

وعندما تتاح الفرصة لجميع هؤلاء العلماء المتخصصين لتحليل نص معين أو عائلة نصوص معينة، حينئذٍ (وحينئذٍ فقط) يمكن إجراء محاولة لإعادة بناء النص. ولا يمكنني التشديد على هذه النقطة بما فيه الكفاية؛ فنقاد النصوص يعملون جنبًا إلى جنب مع مجموعة واسعة من المتخصصين قبل محاولة إجراء إعادة البناء. نعم، إن الأمر على هذا القدر من التعقيد بحق عندما يُنجز بصورة صحيحة.

 

وأنا أفرط في التأكيد على هذه النقطة لأن هناك مفهومًا خاطئًا شائعًا مفاده أن نقاد النصوص المشهورين مثل بارت إيرمان أو دان والاس يفعلون كل شيء بأنفسهم ويعتمدون فقط على فهمهم الخاص. وهذا تعميم مجحف. فهم بالفعل علماء متخصصون يقدمون أبحاثًا جليلة في مجال النقد النصي، ولكن حتى أفضل العلماء مدينون للمجتمع الأكاديمي الأوسع، الذي لا يشكلون فيه سوى جزء صغير.

 

ومع كل ما قيل، إليك بعض الطرق العملية التي يعتمد عليها العلماء لإعادة بناء "أصل" مفقود:

 

- المقارنة بين المخطوطات المنفردة والعائلات النصية.

- مقارنة اقتباسات الآباء بمخطوطات العائلات النصية الموجودة بين أيدينا.

- تصنيف المخطوطات وتجميعها بناءً على أقدم شواهدها (وهو علم قائم بذاته).

- مقارنة المخطوطات اليونانية بالترجمات القديمة الأخرى، كالترجمات اللاتينية، والقبطية، والأرمنية، والسلافية الكنسية القديمة.

- دراسة اتجاهات وعادات النساخ والفحص القائم على النقد الداخلي.

- التأريخ بالكربون المشع (الكربون-14)، وتحليل الأحبار، والتصوير متعدد الأطياف.

- الاتساق الداخلي والترابط اللاهوتي.

 

إن القائمة المذكورة أعلاه ليست حصرية بأي حال من الأحوال، بل هي مجرد نماذج قليلة من أساليب متعددة تُستخدم لإعادة بناء الأصل. وتستعين المناهج السبعة الموضحة أعلاه بالعديد من التخصصات الفرعية لتحقيق غاياتها. وغالبًا ما يحظى المؤرخون بالتقدير باعتبارهم نقادًا نصيين، ولكن لولا العمل الشاق للمتخصصين في المجالات ذات الصلة، لكان النقد النصي أمرًا مستحيلًا.



[1] https://lukeaburns.com/the-lost-originals-biblical-autographs-explained/


الخميس، 23 يوليو 2026

حوار مع العالم الكتابي بروس ميتزجر، حول النقد النصي ومصداقية العهد الجديد - ج2

 


لتحميل الدراسة كاملة

https://drive.google.com/file/d/1s4OrcVNGBRrkV-VIsOdHyEo_R2Rpf5o1/view?usp=sharing


درجة عالية من الإجماع

 

فسألته: "كيف قرر قادة الكنيسة الأوائل، أي الكتب تعتبر موثوق بها، وأخرى لاتؤخذ؟ ما المعايير التي استخدموها ليقرروا أي الوثائق سيتضمنها العهد الجديد؟

 

فقال "بصفة أساسية، كان لدى الكنيسة الأولى ثلاثة معايير:

 

"أولاً، يجب أن يكون لدى الكتب سلطة رسولية، بمعنى أن يكون قد كتبها إما الرسل أنفسهم، أو من كانوا شهود عيان لما كتبوا عنه، أو من قِبَل أتباع الرسل. لذا ففي حالة مرقس ولوقا، مع أنهما لم يكونا من بين التلاميذ الأثنى عشر، فبحسب التقليد أن مرقس كان مساعداً لبطرس، وكان لوقا مرافقاً لبولس.

 

"ثانياً، كان هناك معيار الالتزام الذي دُعي قانون الإيمان. بمعنى هل كانت الوثيقة مطابقة للمعتقدات المسيحية الأساسية التي تعترف بها الكنيسة كمعيارية؟

 

وثالثاً، كان هناك معيار قبول الوثيقة، وهل استخدمتها الكنيسة بشكل مستمر وعام.

 

فسألته "هل طبقوا تلك المعايير فقط وتركوا الأجزاء التافهة تسقط وتتلاشى حيثما كانت؟".

 

فأجاب: "حسناً، لن يكون من الدقة القول بأن هذه المعايير طُبقت ببساطة بأسلوب آلي، لقد كانت هناك أراء مختلفة جداً حول أي من المعايير يجب أن تُعطى أهمية أكبر".

"لكن من الجدير بالملاحظة أنه مع أن حواشي المعيار ظلت غير مقررة لفترة، إلا أنه كانت هناك درجة عالية من الإجماع فيما يتعلق بالجزء الأعظم من العهد الجديد خلال القرنين الأولين. وكان هذا صحيحاً بين الكنائس المختلفة والمنتشرة في أماكن كثيرة على نطاق واسع".

 

فقلت له: "إذن، فإن الأربعة أناجيل التي عندنا في العهد الجديد اليوم قيست بهذه المعايير، بينما الأناجيل الأخرى لم تطبق عليها هذه المعايير؟".

 

فقال لي: "نعم لقد كانت، لو جاز لي أن أعبر عنها بهذه الطريقة، إنها كانت مسألة "البقاء للأصلح". وعند الحديث عن قانونية الأسفار، إعتاد آرثر داربي نوك أن يقول لطلابه في هارفارد "إن الطريق الأكثر إستخداماً للسفر في أوربا هي أحسن الطرق، ولهذا السبب تُستخدم للسفر بكثرة" وهذا تشبيه جيد. فالمنقذ البريطاني وليم باركلي قالها بهذه الطريقة: "إن الحقيقة المجردة تقول أن أسفار العهد الجديد أصبحت قانونية لأن أحداً لم يستطع أن يمنع ذلك".

"يمكننا أن نثق أنه لا توجد أي كتب قديمة أخرى يمكن مقارنتها بالعهد الجديد من ناحية الأهمية التاريخية أو العقيدة المسيحية. وعندما يدرس أحد التاريخ القديم لقانونية الأسفار، سيخرج مقتنعاً بأن العهد الجديد يحتوي على أفضل المصادر لتاريخ حياة يسوع. وأولئك الذين أدركوا حدود القانون لديهم وجهة نظر واضحة وموازنة عن إنجيل المسيح".

"فقط اقرأ هذه الوثائق الأخرى بنفسك. فقد كتبت في وقت متأخر عن الأناجيل الأربعة، في القرن الثاني، والثالث، والرابع، والخامس، وحتى السادس، بعد يسوع بفترة طويلة، وتعتبر عامية وتافهة جداً وتصنع أسماء مثل: إنجيل بطرس، وإنجيل مريم، إلا أنها غير ذات علاقة بمؤلفيها الحقيقيين. ومن ناحية أخرى، فالأربع أناجيل في العهد الجديد قد حازت القبول بسهولة وبإجماع ملحوظ لكونها موثوق بها في القصة التي أخبروا".

 

ومع ذلك، عرفت بأن بعض العلماء المتحررين، وبشكل خاص أعضاء حلقة يسوع الدراسية المنتشرة بشكل جيد، يعتقدون بأن إنجيل توما يجب أن يُرفع إلى منزلة رفيعة مساوية للأناجيل الأربعة التقليدية. فهل يقع هذا الإنجيل الغامض ضحية الحروب السياسية داخل الكنيسة، وفي النهاية يُستثنى بسبب تعاليمه غير مقبولة شعبياً؟ فقررت بأنني من الأفضل أن أتقصى مع متزجر حول هذه النقطة.

 


كلمات يسوع "السرية"

 

فسألته: "دكتور متزجر، إنجيل توما، الذي كان بين وثائق نجع حمادي التي وجدت في مصر سنة ١٩٤٥، يدعى بأنها تحتوي على "الكلمات السرية التي قالها يسوع وهو حي وكتبها ديداموس يهوذا توما. لماذا استبعدتها الكنيسة؟".

 

وإذ كان متزجر له معرفة تامة بالكتاب، فقال: "إنجيل توما ظهر إلى النور في نسخة باللغة القبطية في القرن الخامس الميلادي، وقد تُرجم إلى اللغة الإنجليزية. وهو يحتوي على ١١٤ مثلاً منسوبة إلى يسوع ولكن لا يشتمل على أي قصة لما عمله يسوع، ويبدو أنه قد كتب في سوريا باللغة اليونانية سنة ١٤٠م. وفي بعض الحالات أظن أن هذا الإنجيل يذكر بطريقة صحيحة ما قاله يسوع مع تعديلات طفيفة".

 

كان هذا تصريح مثير بالتأكيد، فقلت له: "من فضلك توسع في الشرح".

 

"على سبيل المثال، في إنجيل توما يقول يسوع "مدينة مبنية على تل عالٍ لا يمكن أن تُخفى". فهنا أضيفت الصفة "عالٍ" ولكن باقي العبارة تقرأ كما ذكرت في إنجيل متى. أو يقول يسوع "أعطوا لقيصر الأشياء التي لقيصر، وأعطوا لله الأشياء التي لله، وأعطوني الأشياء التي لي" ففي هذه الحالة أضيفت العبارة الأخيرة.

"ومع ذلك، في إنجيل توما هناك بعض الأشياء المخالفة كلياً للأناجيل القانونية. فيقول يسوع "شقوا الخشب؛ سأكون هناك. ارفعوا حجراً، ستجدوني هناك" تلك هي عقيدة وحدة الوجود، الفكرة بأن يسوع متحد بمادة هذا العالم، وذلك على نقيض أي شيء في الأناجيل القانونية.

"ويختتم إنجيل توما بقول ملاحظة: "دعوا مريم تبتعد عنا، لأن النساء لسن مستحقات الحياة". ويحكي عن يسوع أنه قال "أنظروا، سأقودها لكي أحولها إلى ذكر، لكي تصبح هي أيضاً روحاً حية، تشبهكم أيها الذكور. لأن كل إمرأة تصبح رجلاً ستدخل ملكوت السموات".

 

إرتفعت حواجب متزجر حدّة كأنه مكسور لما قاله توّاً. ثم قال مؤكداً "هذا ليس يسوع الذي نعرفه من الأناجيل القانونية الأربعة!"

 

فسألته: "ماذا عن التهمة بأن توما استبعد عمداً بواسطة مجامع الكنيسة بناء على نوع من المؤامرة لإسكاته؟".

 

فأجاب متزجر قائلاً: "هذا كلام غير دقيق من الناحية التاريخية، إذ أن المجامع والمجالس الكنسية عقدت في القرن الخامس وما بعده وكانت تُصدّق على ما سبق وقبله المسيحيون كبيرهم وصغيرهم على حد سواء. وليس من الحق أن نقول أن إنجيل توما قد استُبعد بأمر من مجمع؛ فالطريقة الصحيحة للتعبير عن ذلك أن نقول إن إنجيل توما استُبعد نفسه! إذ إنه لم يتوافق مع الشهادات الأخرى عن يسوع التي قبلها المسيحيون الأوائل واعتبروها جديرة بالثقة".

 

فسألته: "أفَكُلّما أنت تختلف مع أي شخص يحاول رفع إنجيل توما إلى نفس تلك المنزلة التي للأناجيل الأربعة؟".

 

فأجاب: "نعم، أختلف كثيراً جداً. وأعتقد أن الكنيسة الأولى قد مارست فعل متخلّ بذكاء. ويبدو لي أننا باهتمامنا به الآن نكون قد قبلنا شيئاً أقل صحة من الأناجيل الأخرى. والآن لا تفهمني بشكل خاطئ: فأنا أعتقد بأن إنجيل توما وثيقة مثيرة، لكنه مخترع بمذهب وحدة الوجود وبيانات معادية للإيمان بالمسواة بين الجنسين وهو ما يستحق بالتأكيد أن نقدم القدم اليمنى لتفكيكه، إذا ما كنت تعرف ما أعني.

"يجب أن تفهم بأن القانون الكنسي لم يكن نتيجة سلسلة من المجادلات المتعلقة بسياسات الكنيسة. فالقانون الكنسي هو بالأحرى الافتراق الذي حدث بسبب البصيرة الحدسية للمؤمنين المسيحيين. فقد استطاعوا أن يسمعوا صوت الراعي الصالح في إنجيل يوحنا؛ وبإمكانهم أن يسمعوه بالكاد بطريقة مكتومة ومشوهة في إنجيل توما، مختلطاً بأشياء أخرى كثيرة.

عندما صدر القرار بالقانون الكنسي، فإنه صدّق فقط على الإحساس العام الذي سبق أن قررته الكنيسة. فعليك أن تدرك أن القانون الكنسي هو عبارة عن قائمة بالكتب الرسمية الموثوق بها أكثر من كونه قائمة رسمية بالكتب. فهذه الوثائق لم تستمد سلطتها من أنها قد اختيرت؛ فكل منها له سلطة رسمية قبل تجميعها مع بعضها. فالكنيسة الأولى إستمعت فقط وأحست بأنها جديرة بالثقة.

"فالآن، لو قال شخص بأن القانون الكنسي ظهر فقط بعدما أصدرت مجالس ومجامع الكنيسة هذه البيانات، فإن ذلك سيكون كالقول "هيا نأتِ بالعديد من أکاديميات موسيقية لتصدر تصريحاً بأن موسيقى باخ وبيتهوفن رائعة"، سأقول "شكراً لكم على لاشيء! فقد عرفنا ذلك قبل تصريحكم. ونحن نعرفها بسبب الحساسية التي لدينا لما هو موسيقى جيدة وما هو غير ذلك. وهو نفس الشيء مع القانون الكنسي".

رغم ذلك، فقد أشرت بأن بعض أسفار العهد الجديد، خاصة يعقوب، والعبرانيين، والرؤيا، أخذت ببطء أكثر في القانون الكنسي من الأسفار الأخرى. فسألته: "من ثم، هل يجب أن نشك فيها لهذا السبب؟".

 

فأجاب: "في رأيي، أن هذا يرينا إلى أي حد كانت الكنيسة الأولى حذرة. فلم يكونوا متسرعين بإدخال كل وثيقة تصادف أن بها أي شئ عن يسوع. وهذا يرينا التروي والتأمل والتحليل الدقيق.

"بالطبع، حتى يومنا هذا. هناك من الكنيسة السورية ترفض قبول سفر الرؤيا ومع ذلك فأناس الذين ينتمون إلى هذه الكنيسة مسيحيين مؤمنين. ومن وجهة نظري، إنني أقبل سفر الرؤيا كجزء رائع من الكتاب المقدس".

ثم هز رأسه قائلاً: "أظن أنهم يفقدون أنفسهم بعدم قبوله".

 


العهد الجديد "لا نظير له"

 

لقد كان متزجر مقتنع. فلم تبق عندي أي شكوك تتعلق بسواء نص العهد الجديد إن كان قد حفظ بشكل موثوق حتى وصل إلينا عبر القرون. أحد أسلاف متزجر البارزين في معهد برينستون اللاهوتي، بنيامين وارفيلد، الحائز على أربعة دكتوراة وقدم بتدريس علم اللاهوت النظامي حتى وفاته سنة ١٩٢١، عبر عن فكرة العهد الجديد الذي لا نظير له بقوله:

"لو قارنا الحالة الحالية لنص العهد الجديد بتلك التي لأي كتب قديمة أخرى، فلابد أن... نعلن بأنه صحيح بشكل رائع. فالرعاية التي نُسخ بها العهد الجديد كانت عناية فائقة، والتي بلا شك ناتجة عن الوقار الحقيقي لكلماته المقدسة... فالعهد الجديد لا نظير له بين الكتب القديمة في نقاوة نصوصه كما نقلت فعلاً ونقلت مستخدمة".[1]

من ناحية الوثائق التي قبلت في العهد الجديد، فعلى العموم لم يكن هناك أي خلاف جدي حول الطبيعة الموثوقة لعشرون من السبع والعشرون سفراً للعهد الجديد من متى إلى فيلمون بالإضافة إلى رسالة بطرس الأولى ورسالة يوحنا الأولى. وهذا طبعاً يشمل الأناجيل الأربعة التي تعالج سيرة حياة يسوع.[2] والسبعة أسفار الباقية، ولو أنها كانت موضع شك من قبل بعض قادة الكنيسة الأوائل، "تم إعتراف الكنيسة بها أخيراً بصورتها الكاملة على العموم" بحسب قول جيسلر ونيكس.[3]

أما من ناحية "الأسفار المزيفة pseudepigraphia" وتكاثر الأناجيل، والرسائل، وأسفار الرؤى في القرون القليلة الأولى بعد يسوع، وتشتمل أناجيل نيقوديموس، وبرنابا، وبرثولماوس، وتدواوس، ورسالة بولس إلى اللاودكيين، ورسالة اسطفانوس وغيرها... كلها "خيالية وضلالية ... غير أصلية وغير ذات قيمة ككل" وفي الواقع "لا يوجد أب أرثوذكسي أو قانون كنسي أو مجمع" إعتبرها رسمية وجديرة بالقبول أو تستحق الإدراج في العهد الجديد.

في الحقيقة، لقد قبلت تحدي متزجر بقراءة العديد منها بنفسي. فبمقارنتها بتلك التي نالت عناية التدقيق، والاعتدال، وشهود العيان التي نجدها في إنجيل متى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا، فإن هاء الأسفار تستحق فعلاً الوصف الذي وصفها به يوسابيوس، مؤرخ الكنيسة الأول: "بأنها سخيفة كلياً، وعذيمة التقوى".[4] فهي بعيدة جداً عن رسالة يسوع ولا تساهم بأي شئ ذو معنى في عملية البحث والتحقيق التي أقوم بها، لكونها كُتبت في وقت متأخر في القرن الخامس، والسادس، وخصائصها غالباً أسطورية مما يؤهلها لتكون غير موثوقة من الناحية التاريخية.

 

فلما أوشكنا، شكرت الدكتور متزجر لوقته وخبرته وسعة إطلاعه. ابتسم بطفاء وعرض علي توصيلي إلى الطابق السفلي. لم أرد أن أستهلك المزيد من وقته بعد ظهر يوم السبت، لكن فضولي لم يدعني أُغادر برينستون بدون إرضاء نفسي حول مسألة واحدة باقية.

 

"كل عقود السنين هذه من الثقافة، والدراسة، وتأليف الكتب الدراسية، والتنقيب في التفاصيل الدقيقة لنصوص العهد الجديد— ماذا كان تأثير كل هذا على إيمانك الشخصي؟"

 

فقال وقد بدا سعيداً بمناقشة هذا الموضوع "آه، لقد زاد أساس إيماني الشخصي أن أرى العزم الذي أوصل هذه الكتب إلينا، بأعداد وفيرة من النسخ، التي بعضها تعتبر قديمة جداً، جداً".

 

فبدأت أقول له "وهكذا فإن العلم لم يُضعف إيمانك...".

 

فهب واقفاً قبل أن أتمكن من إكمال جملتي وقال مؤكداً "بالعكس، لقد قمت فقد كنت طوال حياتي أسأل أسئلة، وقمت بالحفر والتنقيب في نصوص الإنجيل، ودرستها بدقة وعناية، والآن أعرف بثقة أن إيماني بيسوع قد وضع في المكان الصحيح".

 

وهنا توقف عن الكلام فيما كانت عيناه تفحص وجهي، ثم أضاف للتأكيد "وضع جيداً في المكان الصحيح".

 

لمزيد من الأدلة

مصادر أخرى حول هذا الموضوع

 

Bruce, F. F. The Canon of Scripture. Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1988.

Geisler, Norman L., and William E. Nix. A General Introduction to the Bible. 1968; reprint, Chicago: Moody Press, 1980.

Metzger, Bruce M. The Canon of the New Testament. Oxford: Clarendon Press, 1987.

_______. The Text of the New Testament. New York: Oxford Univ. Press, 1992.

Patzia, Arthur G. The Making of the New Testament. Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1995.

 



[1] Benjamin B. Warfield, Introduction to Textual Criticism of the New Testament (London: Hodder & Stoughton, 1907), 12—13

[2] Geisler and Nix, A General Introduction to the Bible, 195. They note that some include Philemon, 1 Peter, and 1 John among the disputed books, but «it is probably better to refer to these as omitted rather than disputed books

[3] Ibid., 199. This does not include the Apocrypha, which were accepted by particular churches for a particular period of time and today are considered valuable though not canonical. Examples: Shepherd of Hermas, Epistle to the Corinthians, Epistle of Pseudo-Barnabas, Didache, Apocalypse of Peter, The Acts of Paul and Thecla, and Ancient Homily or the Second Epistle of Clement

[4] Ibid


حوار مع العالم الكتابي بروس ميتزجر، حول النقد النصي ومصداقية العهد الجديد - ج1

 


لتحميل الدراسة كاملة

https://drive.google.com/file/d/1s4OrcVNGBRrkV-VIsOdHyEo_R2Rpf5o1/view?usp=sharing


المقابلة الثانية: بروس م. متزجر، دكتوراه فلسفة.

 

وجدت بروس متزجر، 84 عاماً، بعد ظهر يوم السبت في مكانه المفضل والمعتاد، مكتبة كلية اللاهوت برينستون، حيث قابلني بابتسامة "أنا أحب أن أنفض الغبار عن هذه الكتب".

في الواقع، لقد كتب بعض أفضل هذه الكتب، خصوصاً إذا كان الموضوع عن نصوص العهد الجديد. إجمالاً، لقد ألف أو حرر خمسون كتاباً، من بينها: العهد الجديد: خلفيته، ونموه، ومحتواه The New Testament: Its Background, Growth, and Content؛ نصوص العهد الجديد The Text of the New Testament؛ قانون العهد الجديد The Canon of the New Testament؛ مخطوطات الكتاب المقدس اليونانية Manuscripts of the Greek Bible؛ التعليق على نصوص العهد الجديد اليوناني Textual Commentary on the Greek New Testament؛ المقدمة للأبوكريفا Introduction to the Apocrypha؛ دليل أكسفورد للإنجيل The Oxford Companion to the Bible. والعديد منها تُرجم إلى لغات أخرى: الكورية واليابانية والصينية والألمانية. كما اشترك أيضاً في تحرير "إنجيل أكسفورد الجديد ذو الحواشي مع أسفار الأبوكريفا" The New Oxford Annotated Bible with the Apocrypha، والمحرر العام لأكثر من ٢٥ مجلد في سلسلة "أدوات ودراسات العهد الجديد" New Testament Tools and Studies.

يتضمن تعليم متزجر درجة الماجستير من كلية برينستون اللاهوتية، ودرجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة برينستون. كما منح درجات دكتوراه فخرية من خمس كليات وجامعات، من بينها جامعة سانت أندرو في اسكتلندا، وجامعة مونستر في ألمانيا، وجامعة بوتشيفستروم في جنوب أفريقيا.

وفي سنة ١٩٦٤ عمل كأستاذ مقيم في تندال هاوس، بجامعة كامبردج، بإنجلترا. وعمل كزميل زائر في كلير هول، بجامعة كامبردج، في سنة ١٩٧٤، وفي كلية ولفسون، بأكسفورد، في سنة ١٩٧٩. وهو حالياً أستاذ فخري في كلية برينستون اللاهوتية بعدما أمضى ٤٦ عاماً في تدريس العهد الجديد.

ومتزجر هو رئيس لجنة الكتاب المقدس، النسخة القياسية، المراجعة الجديدة، وزميل أمانة للأكاديمية البريطانية، ويعمل في كيورا أوريام في معهد فيتوس لاتينا في دير بيرون بألمانيا. وهو رئيس سابق لجمعية الأدب الكتابي، والجمعية الدولية لدراسات العهد الجديد، وجمعية باتريستيك الأمريكية الشمالية.

إذا تفحصت حواشي أي كتاب موثوق به على نصوص العهد الجديد، فهناك إحتمالات أن ترى بأنه قد استشهد بمتزجر مراراً وتكراراً. وكلمه واضحة القراءة في الجامعات والمعاهد اللاهوتية حول العالم. ويأخذ بأعلى إعتبار لدى مجموعة واسعة من علماء العديد من المذاهب اللاهوتية.

من عدة نواحي، فإن متزجر، ولد سنة ١٩١٤، يعتبر من نسل جيل أقدم. وعندما ينزل من سيارته البويك الرمادية التي يسميها (عربة تسوقي البنزينية). وهو يرتدي بدلة رمادي داكنة ورباط عنق أزرق من نسيج صوفي مزركش بالرسوم، التي تعتبر غير رسمية لتلك التي يرتديها عند زياراته للمكتبة، حتى في العطلة الأسبوعية. وشعره الأبيض ممشط بعناية، وعيناه لامعتان بنظارة بلا إطار. ويمشي أيضاً مما تعود عليه، لكن ليس بصعوبة، فهو يتسلق السلم بشكل منهجي إلى الطابق الثاني حيث يجري أبحاثه في مكتب غامض قاتم وصارم.

إلا أنه لم يفقد روح المرح. فقد أراني علبة صغيرة من الصفيح ورثها كرئيس للجنة الترجمة الموحدة والمراجعة للكتاب المقدس، وفتح الغطاء ليكشف عن رماد كتاب مقدس أحرق في سنة ١٩٥٢ أثناء إحتجاج من قبل واعظ أصولي من مذهب البصمة الحرفية.

"يبدو أنه لم تعجبه تغيير اللجنة لكلمة "زَمَلاء" في نسخة الملك جيمس بكلمة "رفاق" الواردة في رسالة العبرانيين ١: ٩"، ووضح متزجر بضحكة مكتومة بأن الواعظ الأصولي "اتهمهم بالشيوعيون!".

ومع أن حديث متزجر متردد أحياناً فإنه يميل إلى الإجابة بعبارات جذابة مثل "تماماً"، ويستمر في البقاء عند حافة منحة لدراسة العهد الجديد. وعندما طلبت بعض الإحصائيات، لم يعتمد على الأرقام التي في كتابه سنة ١٩٩٢ عن العهد الجديد؛ بل أجرى بحثاً جديداً ليحصل على أحدث الأرقام. وسرعة بديهته لا تجد مشكلة في تذكر تفاصيل عن الناس والأماكن، وهو ألم بكل المحادثات والمناظرات الحالية بين خبراء العهد الجديد. في الحقيقة، فإنهم يواصلون اللجوء إليه لبصيرته وحكمته.

ومكتبه بحجم زنزانة سجن، بلا نوافذ ومطلي بلون رمادي مؤسساتي. به كرسيان خشبيان؛ وقد أصر على أن آخذ الكرسي الأكثر راحة. وكان هذا جزء من سحر شخصيته. وقد كان طيباً جداً، معتدل ومتواضع للغاية، وله روح لطيفة جعلتني أود عندما أكبر في السن أن أتحلى بنفس هذا النوع الناضج من النعمة.

لقد تعرفنا على بعضنا لفترة قصيرة، ثم اتجهت إلى الناحية الأولى التي أردت الكلام فيها: كيف يمكننا أن نتأكد بأن سيرة حياة يسوع قد سلمت إلينا على نحو موثوق؟

 

نسخ من نسخ من نسخ

 

قلت لمتزجر "سأكون أميناً معك. عندما اكتشفت لأول مرة عدم وجود أصول باقية على قيد الحياة للعهد الجديد، تشككت جداً. وفكرت، إذا كان كل ما لدينا هو نسخ من نسخ من نسخ، فكيف يكون لدينا أي ثقة بالعهد الجديد الذي بين أيدينا اليوم بأنه يحمل أي تشابه مع الكتب الأصلية؟ فما ردك على ذلك؟

 

فأجاب "هذه ليست قضية قاصرة على الكتاب المقدس؛ بل إنها سؤال يمكننا أن نسأله عن الوثائق الأخرى التي وصلت إلينا من عصور قديمة. بيد أن الإجابة على هذا السؤال تسير في صالح العهد الجديد، خاصة إذا ما قورن بالكتابات القديمة الأخرى، حيث عدد النسخ التي بقيت حتى الآن لم يسبق له مثيل".

 

فسألته: "لماذا ذلك مهم؟".

 

فأجاب "حسناً، كلما كان لديك نسخ كثيرة ... خاصة إذا ظهرت من مناطق جغرافية مختلفة، والأكثر من ذلك بأنها تمكنك التحقق وإدراك كيف كان شكل الوثيقة الأصلية. والطريق الوحيدة التي تتوافق فيها هي انحدارها التسلسلي في شجرة العائلة التي تمثل سلالة المخطوطات".

 

فقلت له: "حسناً، أستطيع أن أفهم أن وجود عدد كبير من النسخ من أماكن مختلفة يمكن أن يساعد. ولكن ماذا عن عمر الوثائق؟ بالتأكيد أن ذلك مهم أيضاً، أليس كذلك؟".

 

فأجاب "تماماً لذا، وهذا شيء أخر يُميز العهد الجديد. فلدينا نسخ تبدأ خلال جيلين من كتابة النسخ الأصلية، بينما في حالة النصوص القديمة الأخرى، نجد أنه ربما قد انقضت خمسة، أو ثمانية، أو عشر قرون بين النسخ الأصلية وأقدم نسخة بقيت سليمة".

 

"وفضلاً عن المخطوطات اليونانية، فلدينا أيضاً ترجمات للإنجيل في لغات أخرى كالقبطية والسريانية واللاتينية، والتي ترجع إلى زمن أقدم نسبياً. علاوة على ذلك لدينا ما يمكن تسميته بالترجمات الثانوية التي تلتها بقليل، مثل الأرمنية والقوطية. والكثير غيرها، كالجيورجية والأثيوبية وهي تشكيلة هائلة".

 

فسألته "كيف تساعدنا هذه الترجمات؟"

 

فأجابني "لأنه حتى لو لم يكن لدينا اليوم مخطوطات يونانية، فإننا بتجميع المعلومات من هذه الترجمات من تواريخ قديمة نسبياً، يمكننا أن نعيد إنتاج محتويات العهد الجديد حقاً. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه حتى لو فقدنا كل المخطوطات اليونانية والترجمات المبكرة، فما زال باستطاعتنا أن نعيد إنتاج محتويات العهد الجديد من الأعداد الهائلة من الاقتباسات في التعليقات، والعظات، والرسائل، وغيرها من أباء الكنيسة الأوائل".

 

فيما بدا ذلك رائعاً، إلا أنه كان من الصعب الحكم على هذه الأدلة منفصلة، فقد إحتجت إلى بعض السياق لتقدير العهد الجديد ككتاب فذ فريد من نوعه بشكل أفضل. وتساءلت، كيف يقارن بالأعمال المشهورة الأخرى من العصور القديمة؟.

 


جبل المخطوطات

 

فقُلت له "عندما تتحدث عن عدد هائل من المخطوطات، كيف يتعارض ذلك مع كتب قديمة أخرى والتي قبلها العلماء بطريقة روتينية عادية على أنها موثوق بها؟ فمثلاً حدثني عن كتابات لمؤلفين من نفس عصر يسوع تقريباً".

 

ولما كان متزجر قد توقع هذا السؤال فقد أشار إلى بعض المذكرات المكتوبة بخط اليد والتي أحضرها.

 

وبدأ حديثه قائلاً "تأمل تاسيتوس، المؤرخ الروماني الذي كتب حوليات روما الإمبراطورية في غضون ١١٦م تقريباً؛ فكتبه الستة الأولى موجودة الآن في مخطوط واحد فقط، وقد نسخ سنة ٨٥٠م تقريباً. والكتب من ١١ - ١٦ في مخطوط أخر بتاريخ يعود إلى القرن الحادي عشر. أما الكتب من ٧ - ١٠ فهي مفقودة. وهكذا فهناك فجوة كبيرة بين الزمن الذي بحث فيه تاسيتوس معلوماته وكتبها والنسخ الحالية الوحيدة.

"أما فيما يتعلق بمؤرخ القرن الأول يوسيفوس، لدينا تسع مخطوطات يونانية من كتابه "الحرب اليهودية"، وهذه النسخ تمت كتابتها في القرون العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر. وهناك ترجمة لاتينية من القرن الرابع ومواد روسية من العصور الوسطى من القرن الحادي عشر والثاني عشر".

لقد كانت تلك الأرقام مفاجئة لي. فلا يوجد إلا أقل عدد من المخطوطات التي تربط هذه الأحداث القديمة بالعالم الحديث. فسألته "بالمقارنة بتلك الأعداد، كم عدد المخطوطات اليونانية للعهد الجديد الموجودة حالياً؟".

إتسعت عينا متزجر وقال "أكثر من خمسة ألاف مخطوطة عمل لها بيان وفهرس" قال ذلك بحماس رفعة صوته ١٠ درجات. لقد كان ذلك بمثابة جبل من المخطوطات مقارنة بكثبان الرمل من أعمال تاسيتوس ويوسيفوس!

 

فسألته "أليس ذلك غير معتاد في العالم القديم؟ من هو الثاني؟"

 

فقال: "كمية مادة العهد الجديد تُحرج أي مقارنة بالكتب الأخرى من العصور القديمة. فبجانب العهد الجديد، الكمية الأكثر لشهادة المخطوطات هو إلياذة هوميروس، التي كانت بمثابة إنجيل اليونانيين القدماء. ويوجد منها اليوم أقل من ٦٥٠ مخطوط يوناني، وبعضها متجزأ إلى أجزاء. وقد وصلت إلينا من القرن الثاني والثالث الميلادي، وما بعده. وعندما تتأمل أن هوميروس قد خط ملحمته حوالي سنة ٨٠٠ ق. م يمكنك أن ترى فجوة كبيرة جداً".

 

كلمة "كبيرة جداً" تعتبر أقل من الحقيقة! فالفجوة كانت ١٠٠٠ (ألف سنة) ففي الواقع لم يوجد أي وجه للمقارنة فإن أدلة المخطوطات للعهد الجديد أدلة ساطعة عندما توضع أمام المؤلفات المحترمة التي من العصور القديمة وهي أعمال لا يجد العلماء المحدثين أي اعتراض على اعتبارها أصلية. وبما أن فضولي وحب استطلاعي عن مخطوطات العهد الجديد قد تمت إثارته فقد سألت متزجر أن يصف لي بعض هذه المخطوطات.

 

فقال لي: "أقدم المخطوطات كانت أجزاء من البردي، الذي كان من لوازم الكتابة وكان مصنوع من نبات البردي الذي كان ينمو في أراضي دلتا النيل في مصر... ويوجد الآن ٩٩ قطعة متجزأة من ورق البردي تحتوي على فقرة أو أكثر أو كتب من العهد الجديد.

 

وأهم هذه البرديات التي ظهرت للنور هي برديات تشستر بيتي والتي اكتشفت سنة ١٩٣٠. ومن هذه البرديات نجد أن الأولى تحتوي على أجزاء من الأناجيل الأربعة وسفر أعمال الرسل، ويرجع تاريخها إلى القرن الثالث. والبردية الثانية تحتوي على أجزاء كبيرة لثمانية من رسائل بولس، بالإضافة إلى أجزاء من الرسالة إلى العبرانيين، ويعود تاريخها إلى سنة ٢٠٠م. والبردية الثالثة تحتوي على جزء كبير من سفر الرؤيا ويرجع تاريخها إلى القرن الثالث.

 

"وهناك مجموعة أخرى من مخطوطات البردي الهامة إشتراها سويسري ولع بجمع الكتب وهو م. مارتن بودمر. وأقدم هذه البرديات يرجع تاريخه إلى سنة ٢٠٠م، يحتوي على ثلثي إنجيل يوحنا. وبردية أخرى، تحتوي على أجزاء من أراجيل لوقا ويوحنا، ويرجع تاريخها إلى القرن الثالث".

 

وعند هذه النقطة، كانت الفجوة بين كتابة سيرة حياة يسوع وبين أقدم البرديات، كانت ضئيلة جداً. ولكن ما هو أقدم مخطوط نملكه؟ إلى أي قرب مدة يمكننا التوصل إلى المخطوطات الأصلية التي يسميها الخبراء "أوتوجراف" أي كتبت بفيض يد المؤلف نفسه؟

 


قصاصة الورق التي غيرت مجرى التاريخ

 

فقلت له "ما هو أقدم جزء من العهد الجديد كله نملكه اليوم؟".

 

متزجر لم يكن مضطراً لأن يفكر في الإجابة فقال "أقدم جزء هو عبارة عن جزء من إنجيل يوحنا، يحتوي على نصوص من الأصحاح الثامن عشر وهي خمسة آيات، ثلاثة على أحد الوجهين، واثنان على الوجه الأخر، وتبلغ مساحته 2 ونصف * 3 ونصف بوصة".

 

فقلت له: "كيف تم اكتشافه؟".

 

فقال: "تم شراءة في مصر حوالي سنة ١٩٢٠، لكنه ظل بعيداً عن الأنظار عدة سنوات مع أجزاء أخرى مشابهة من البردي. ثم في سنة ١٩٣٤ فيما كان سي. إتش. روبرتس من كلية القديس يوحنا، بجامعة أكسفورد، يُدقق في البرديات بمكتبة جون ريلاندز في مانشستر، بإنجلترا. تعرف في الحال على هذه البردية بأنها احتفظ بجزء من إنجيل يوحنا. واستطاع أن يحدد تاريخها من أسلوب كتابتها".

 

 

فسألته: "وماذا كان استنتاجه؟ وإلى أي زمن يعود تاريخها؟

 

فأجاب "استنتج بأن أصلها يرجع إلى ١٠٠- ١٥٠م، وكثير من علماء البليوجرافيا المهمين مثل السير فريدريك كينيفون، والسير هارولد بيل، وأدولف ديسمان، و دبليو. إتش. بي. هاتش، وأواريك ويلكين وآخرون، اتفقوا على تقييمه. وكان ديسمان مقتنعاً بأنها تعود على الأقل إلى عهد الإمبراطور هادريان، الذي كان من سنة ١١٧-١٣٨م أو حتى الإمبراطور تراجان، وكان عهده من سنة ٩٨-١١٧م".

 

لقد كان هذا الاكتشاف مذهل. والسبب أن علماء اللاهوت الألمان المتشككين في القرن الماضي جادلوا بشدة بأن الإنجيل الرابع لم يكن قد دُوّن حتى سنة ١٦٠م. على الأقل، وهو تاريخ بعيد جداً عن أحداث حياة يسوع مما يُضيع هذا التقرير، بحسبهم، القيمة التاريخية. وقد استطاعوا التأثير على أجيال من العلماء الذين سخروا من موثوقية هذا الإنجيل".

 

فقلت معلقاً "هذا بالتأكيد يقضي تماماً على صحة هذا الرأي".

 

فقال "نعم، بالتأكيد، فلدينا هذا في تاريخ قديم جداً، جزء من نسخة من إنجيل يوحنا من مسافة بعيدة في جماعة عاشت على نهر النيل في مصر بعيداً عن أفسس في آسيا الصغرى، حيث من المرجح أن يكون قد كتب الأصل هناك.

 

تمت كتابة أراء مشهورة في التاريخ إذ أرجع كتابة إنجيل يوحنا إلى زمن أقرب إلى أيام كان المسيح يمشي على الأرض. فكانت مذكرة للتذكير بمراجعة عالم آثار. عما إذا كانت هناك اكتشافات أخرى دعمت الثقة بالإنجيل الرابع.

 

كومة كبيرة من الأدلة

 

فيما تمثل مخطوطات البردي أقدم نسخ العهد الجديد، هناك أيضاً نسخ قيمة مكتوبة على ورق البارشمان، الذي كان يصنع من جلود الماشية، والخراف، والمعاز، والظبي.

 

ثم أوضح متزجر قائلاً: "عندنا ما يُسمى بالمخطوطات البوصية، وهي مكتوبة بالحروف اليونانية الكبيرة. فعندنا اليوم ٣٠٦ من هذه المخطوطات، والعديد منها يرجع تاريخه إلى القرن الثالث. وأهمها المخطوطة السينائية، وهي النسخة الكاملة الوحيدة للعهد الجديد بحروف الأنشوال، والمخطوطة الفاتيكانية، التي ليست كاملة تماماً، وكلاهما يرجع تاريخهما إلى سنة ٣٥٠م.

 

"وهناك أسلوب جديد في الكتابة، حروفها متصلة، ظهرت سنة ٨٠٠ م تقريباً. وتسمى minuscule أي مكتوبة بحروف صغيرة، ولدينا ٢٨٥٦ من هذه المخطوطات. وهناك أيضاً كتب الفصول التي تحتوي على العهد الجديد من الكتاب المقدس مرتبة بترتيب معين لكي تُقرأ في الكنائس الأولى في أوقات مناسبة من السنة. وهناك ٢٤٠٣ من هذه الكتب قد تم إعداد قائمة بها وفهرستها. وبذا يبلغ مجموع المخطوطات اليونانية ٥٦٦٤ مخطوط.

 

ثم قال: "بالإضافة إلى الوثائق اليونانية، هناك آلاف من المخطوطات القديمة للعهد الجديد بلغات أخرى. فهناك من ٨٠٠٠ إلى ١٠٠٠٠ مخطوط لاتيني (فولجاتا (معترف به))، بالإضافة إلى ٨٠٠٠ باللغة الأثيوبية، والسلافية، والأرمينية. إجمالي هذه المخطوطات يبلغ حوالي ٢٤٠٠٠ مخطوط موجودة حالياً.

 

فسألته، وأنا أريد تأكيد واضح لما إعتقدت بأنني سمعته يقوله "إذن، ما هو رأيك؟ بالنسبة لتعدد المخطوطات والفجوة الزمنية بين أصولها ونسخها الأولى، كيف يصمد العهد الجديد أمام الأعمال الأخرى المشهورة من الأزمنة القديمة؟".

 

فأجاب "بطريقة جيدة جداً، ويمكننا أن نثق ثقة عظيمة في الإخلاص الذي وصلت به هذه النصوص إلينا، خاصة لو قورنت بأي أعمال أدبية قديمة أخرى".

 

يشاركنا في هذا الاستنتاج علماء بارزين من كل أنحاء العالم. وقد قال المرحوم ف. ف. بروس، الأستاذ البارز الفذ في جامعة مانشستر، إنجلترا، ومؤلف كتاب "وثائق العهد الجديد: هل يمكن الوثوق بها؟" The New Testament Documents: Are They Reliable؟

"ليس هناك أي نص من أداب العالم القديم يتمتع بمثل هذه الثروة الهائلة من أدلة الشهادات النصية الجيدة كالعهد الجديد".[1]

ذكر متزجر إسم السير فريدريك كينيفون، المدير السابق للمتحف البريطاني ومؤلف كتاب "الكتابات القديمة في البرديات اليونانية The Palaeography of Greek Papyri". وقد قال كينيفون أنه

"لم يحدث في أي حالة أخرى أن الفترة الزمنية بين تأليف الكتاب وبين تاريخ أقدم مخطوطاته كانت قصيرة كما في العهد الجديد".[2]

وكان استنتاجه:

"أخر أساس لأي شك أن الكتاب المقدس قد وصل إلينا جوهرياً كما كُتب، هذا الشك قد زال الآن".[3]

 

ومع ذلك، ماذا تقول عن التناقضات بين المخطوطات المختلفة؟

في الأيام التي مضت قبل ماكينات التصوير السريعة ببرهة البرق، كانت المخطوطات تُنسخ يدوياً بشكل مرهق من قبل نُساخ، حرفاً حرفاً وكلمة كلمة، وسطر سطر، بطريقة ملائمة لتسبب حدوث أخطاء. وأريد أن أعتقد بالضبط ما إذا كانت هذه الأخطاء عند النسخ كتابة قد جعلت أناجيلنا الحديثة مشوهة بلا أمل في عدم الثقة.

 


فحص الأخطاء

 

فقلت له: "مع التشابه في طريقة كتابة الحروف اليونانية وبالظروف البدائية التي كان يشتغل بها النُساخ، يبدو أنه من الحتمي تسلل أخطاء النسخ إلى النص".

 

فقال متزجر مسلماً "هذا صحيح تماماً".

 

فقلت له: "وفي الحقيقة أليس هناك، حرفياً، عشرات الآلاف من الاختلافات بين المخطوطات القديمة التي عندنا؟".

 

فقال لي: "هذا صحيح تماماً".

 

فسألته: "ألا يعني هذا إذن أننا لا نستطيع الوثوق بها؟".

 

وكان سؤالي هذا يبدو سؤالاً إتهامياً أكثر منه إستفزازياً.

 

فأجاب متزجر بحزم "كلا ياسيدي، لايعني ذلك. دعني أولاً أقول التالي: لم تُخترع النظارات حتى سنة ١٣٢٤م في فينيسيا، وأنا متأكد بأن إنحراف البصر كان موجوداً بين النُساخ القدماء. وقد تضاعف هذا الأمر بحقيقة أنه كان من الصعب تحت أية ظروف قراءة مخطوطات باهتة قد تقشرت وزال عنها بعض الحبر الذي كُتبت به. كما كانت هناك مخاطر أخرى، سواء كان ذلك بسبب السهو، مع أنهم كانوا حذرين بشكل شكاك، إلا أن ذلك لا يمنع من تسلل بعض الأخطاء".

 

ثم أضاف ملوحاً "لكن هناك عوامل تُبطل هذه الحجة، فعلى سبيل المثال، أحياناً ذاكرة الكاتب تخدعه. وبين الحين والآخر فهو يعود في النظر إلى النص، فيقلب الكلمات، فإن ترتيب الكلمات قد يهتز. فقد يكتب الكلمات الصحيحة لكن بالتسلسل الخاطئ. ولكن هذا الأمر لا يدعو للقلق لأن اللغة اليونانية تتميز بالتعريفات على خلاف اللغة الإنجليزية.

 

فسألته فوراً "بمعنى...".

 

فقال لي "لأن هناك فرق كبير في اللغة الإنجليزية إذا قلت "الكلب يعض الإنسان" أو "الإنسان يعض الكلب"، فتسلسل الكلمات مهم في اللغة الإنجليزية. لكن في اليونانية ليس الأمر مهماً. فالكلمة تؤدي وظيفتها كموضوع للجملة بغض النظر عن موقعها في السلسلة، بالتالي، فإن معنى الجملة لا ينحرف إذا كانت الكلمات لم تكتب بالترتيب الذي نعتبره الترتيب الصحيح. لذلك، نعم هناك بعض الاختلافات بين المخطوطات، لكنها عموماً ليست بـأختلافات هامة. ومثال أخر لذلك، الاختلاف في تهجئة الكلمات".

 

ومع ذلك فما زال العدد كبير "المغايرات" أو الاختلافات بين المخطوطات، وهو مزعج. فقد رأيت تقديرات وصلت إلى ٢٠٠ ألف حالة![4] ومع ذلك فقد قال متزجر من قيمة هذا الرقم.

 

فقال "الرقم يبدو كبيراً، لكنه مُضلل نوعاً ما بسبب الطريقة التي تُحسب بها هذه الاختلافات. وشرح ذلك بأنه لو أن هناك خطأ هجائي في كلمة واحدة في ألفين مخطوط، فإن هذا يحسب كأنه ألفين من الأخطاء.

 

ثم أثرت أهم مسألة: "كم عدد تعاليم وعقائد الكنيسة المعرضة للخطر بسبب هذه الاختلافات؟".

 

فأجاب بثقة "أنا لا أعرف أي عقيدة معرضة للخطر".

 

فقلت له "ولا واحدة؟".

 

فكر قائلاً "ولا واحدة. إن شهود يهوه يأتون إلينا قائلين "إن إنجيلكم به خطأ في ترجمة الملك جيمس في رسالة يوحنا الأولى ٥: ٧- ٨، حيث تتحدث عن "الآب، وَالْكَلِمَةُ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ: وَهؤُلاَهِ الثَّلاَثَةُ هُمْ وَاحِدٌ". ثم يقولوا "هذا الكلام غير موجود في المخطوطات الأولى".

 

"وهذا فعلاً صحيح. وأظن بأن هذه الكلمات موجودة في سبع أو ثمان نسخ فقط وكلها من القرن الخامس عشر أو السادس عشر. وإني أعترف أن هذا ليس جزءاً مما أوحي إلى يوحنا الأول بكتابته.

 

"لكن هذا لا يلغي الدليل الذي شوهد بحزم في الإنجيل بالنسبة لعقيدة الثالوث الأقدس. فبعد معمودية يسوع يتحدث الآب، وابنه المحبوب يُعمد، والروح القدس يحل عليه. وفي نهاية رسالة كورنثوس الثانية يقول بولس "نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ اللهِ، وَشَرِكَةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمِينَ". وهناك العديد من المواضع حيث يذكر فيها الثالوث الأقدس".

 

"وبذا فإن الاختلافات، التي يتحدثون عنها، تعتبر أقل من أن تكون جوهرية؟".

 

"نعم، نعم، هذا صحيح، والعلماء يعملون بعناية شديدة لمحاولة تبديدها بالرجوع إلى المعنى الأصلي. فأهم هذه التغييرات لا تُسقط أي عقيدة من عقائد الكنيسة. وأي نسخة جيدة للكتاب المقدس بها مذكرات في الحاشية لتنبه القارئ إلى القراءات المختلفة لأي نتيجة. ولكن مرة أخرى، هذه الحالات نادرة".

 

وهي نادرة لدرجة أن العلماء مثل نورمان جيسلر، يستنتج:

"إن العهد الجديد، قد ظل موجوداً في مخطوطات أكثر من أي كتاب من العصور القديمة، وليس هذا فقط بل أنه ظل نقياً وسليماً في صورة أكثر نقاء من أي كتاب آخر عظيم، وفي صورة نقية بدرجة ٩٩,٩%".[5]

 

ومع ذلك، فحتى لو كان صحيحاً أن نص العهد الجديد عبر التاريخ لم يسبق له مثيل في أي كتاب آخر في موثوقيته، فكيف نعرف أن ما لدينا هو الصورة الكاملة؟

وماذا عن الإدعاءات أن المجامع الكنسية قد ألغت وأبادت وثائق أخرى، لأن صورة يسوع بها لم تعجبها؟ كيف نعرف أن الـ ٢٧ سفراً التي هي أسفار العهد الجديد تمثل لنا أفضل والأكثر معلومات يعتمد عليها؟ ولماذا تحتوي أناجيلنا على أناجيل متى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا، ولكن هناك عدة أناجيل أخرى وكثيرة كإنجيل فيلبس، وإنجيل المصريين، وإنجيل الحق، وإنجيل ميلاد مريم، لماذا استُبعدت هذه الأناجيل؟

 

لقد حان الوقت أن نرجع إلى مسألة "قانونية" أي القانون الكنسي، وهي اصطلاح مأخوذ من كلمة يونانية معناها "القاعدة" أو "المبدأ" أو "المعيار"، وهو الذي يصف الكتب التي أصبحت مقبولة رسمياً في الكنيسة ومتضمنة في العهد الجديد.[6] ويعتبر متزجر مرجعاً أساسياً في هذا المجال.

 



[1] F. F. Bruce, The Books and the Parchments (Old Tappan, N.J.: Revell, 1963), 178, cited in Josh McDowell, Evidence That Demands a Verdict (1972; reprint, San Bernardino, Calif.: Here's Life, 1986), 42

[2] Frederic Kenyon, Handbook to the Textual Criticism of the New Testament (New York: Macmillan, 1912), 5, cited in Ross Clifford, The Case for the Empty Tomb (Claremont, Calif.: Albatross, 1991), 33

[3] Frederic Kenyon, The Bible and Archaeology (New York: Harper, 1940), 288

[4] Norman L. Geisler and William E. Nix, A General Introduction to the Bible (1968; reprint, Chicago: Moody Press, 1980), 361

[5] Ibid., 367

[6] Patzia, The Making of the New Testament, 158