الأحد، 16 أغسطس 2026

ما معنى أن: المسيح صُلِب من ضعف! (2كو13: 4)

 


 

"لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ صُلِبَ مِنْ ضَعْفٍ، لكِنَّهُ حَيٌّ بِقُوَّةِ اللهِ. فَنَحْنُ أَيْضًا ضُعَفَاءُ فِيهِ، لكِنَّنَا سَنَحْيَا مَعَهُ بِقُوَّةِ اللهِ مِنْ جِهَتِكُمْ." (2 كو 13: 4).

 

كانت ممارسة الصلب الرومانية شكلًا شنيعًا ومؤلمًا من العقاب، ومخصصًا عادةً للعبيد وغير المواطنين. كانت المحنة تبدأ بجلد المحكوم عليه، الذي يُجبر بعد ذلك على حمل الخشبة المعترضة إلى مكان الإعدام. وكانت معاصم الضحية تُسمَّر أو تُربَط بالحبال على الخشبة المعترضة الأفقية، وتُربَط القدمان على النحو نفسه بالخشبة الرأسية.

وغالباً ما كان هناك بروز صغير مُثبَّت بالخشبة الرأسية لدعم الجسد جزئياً وإطالة أمد التعذيب. ولم يكن الضحية يموت من الجراح الناجمة عن الصلب، بل من الإنهاك أو الاختناق. وقد كشفت التنقيبات الأثرية الحديثة بالقرب من أورشليم عن قبر شخص يُدعى يوحانان، صُلب في وقت ما بين عامي 7 و66 ميلادية.[1] وخلال صلبه، تهشمت ساقا يوحانان بأداة ثقيلة، لِمَنْعِهِ على الأرجح من القدرة على رفع نفسه ليتنفس، مما يعجِّل بالموت. وكان المسمار الكبير المستخدم لتثبيت ساقَيْ يوحانان بالصليب لا يزال غارزاً في عظم العقب. وكصورة لـ«الضعف»، لا يمكن تقديم صورة أكثر قوة من هذا المشهد لضحية الصلب.[2]

 

 

يبدو ظاهريًا أن الصليب ضعف عند غير المؤمنين


هذا هو التقدير الخاطئ نفسه الذي وقَع فيه أعداء يسوع تجاهه. «لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ صُلِبَ مِنْ ضَعْفٍ، لَكِنَّهُ حَيٌّ بِقُوَّةِ اللهِ» (ع 4). وهذا على غرار تصريحه في 5: 16: «وَإِنْ كُنَّا قَدْ عَرَفْنَا الْمَسِيحَ حَسَبَ الْجَسَدِ».

إن بولس يقر بأن المسيح قد مات بالفعل في الضعف. والنص اليوناني حقيقةً هو «ἐξ ἀσθενείας» (إكس أثينياس)؛ ويمكن لحرف الجر «ἐξ» أن يحدد العِلة («بسبب الضعف»، Bauer, Arndt and Gingrich 1979:3f) أو القاعدة والأصل المسبب («بداعي الضعف»، Bauer, Arndt and Gingrich 1979:3i). وفي كلا الحالتين، الفحوى واحدة: إن الصلب أظهر مائتية المسيح الجوهرية. فبما أنه كان إنساناً ضعيفاً وبشرياً، عندما خضع للأذى الجسدي، مات كما نموت نحن.

وعلى عكسنا، لم يبقَ المسيح في الضعف. فقد سادت القوة الإلهية على الضعف البشري، وعاد إلى الحياة.

لم يَعُد المسيح إلى الحياة فحسب، بل الأهم من ذلك أنه الآن «حي بقوة الله» (ζῇ ἐκ δυνάμεως θεοῦ، ع 4). ويؤكد زمن المضارع استمرارية الحياة، فيمكننا ترجمتها: «هو يستمر حياً بقوة الله». وكما يلاحظ رالف مارتن (Ralph P. Martinفإن ضعف المسيح الذي ظهر في الصلب لم يكن نتيجة لنقص في القوة؛ فعندما اختار المسيح الصليب، اختاره لأنه كان يعمل وفقاً لإرادة الله وقوته.[3]

 

كلمتي "ضعيف" و"قوي". ذكر بولس بمفارقة القوة الخارجية من الضعف والتي شوهدت في حياة المخلص وتشاهد في حياة خدامه. لكون ربنا قد صُلِبَ من ضعف، ولكنه حيٌّ بقدرة الله.[4]

يتحدث بولس بخصوصية وقصدٍ محدد عن إخلاء المسيح واتضاعه، بغية الإشارة ضمنياً إلى أنه لم يُزدرَ فيه شيءٌ إلا ما كان عندهم استعدادٌ لازدرائه أيضاً في المسيح نفسه، من حيث إنه أخلى ذاته حتى الموت، موت الصليب (فيليبي 2: 8).

ولكنه يوضح في الوقت نفسه مدى سخافة ازدراء اتضاع الصليب في المسيح، من حيث إنه مقترن بالمجد الفائق لقيامته. «أفيقل قدر المسيح عندكم لأنه أظهر علامات الضعف في موته، وكأن حياته السماوية التي يحياها بعد قيامته ليست برهاناً جلياً على قوته الإلهية؟»؛ فكما أن لفظة «الجسد» تفيد هنا طبيعة المسيح البشرية، كذلك لفظة «الله» تُتخذ هنا للدلالة على لاهوته.

وهنا ينشأ سؤال: هل كان المسيح يئن تحت طائلة هذا الضعف بحيث خضع للضرورة على غير إرادته؟

لأن ما نعانيه بسبب الضعف إنما نعانيه قسراً لا عن اختيارنا. ولما كان الأريوسيون قديماً قد أساؤوا استخدام هذا التعلل لمقاومة لاهوت المسيح، فقد قدم الآباء الأرثوذكس هذا التفسير:

إن ذلك تم بالتدبير لأن المسيح شاء ذلك، وليس من باب خضوعه لأي ضرورة قاهرة. وهذا الجواب صحيح بشرط أن يُفهم على وجهه السليم. غير أن هناك من يتوسعون خطأً في مفهوم التدبير ليمتد إلى الإرادة البشرية للمسيح—وكأن هذا لم يكن حال طبيعته، بل سماحاً مجافياً لطبيعته. فيقولون مثلاً: «إن موته لم يحدث لأن بشريته كانت في حد ذاتها عرضة للموت، بل بالتدبير لأنه اختار أن يموت».

وأنا أقر بالقطع أنه مات لأنه اختار ذلك، ولكن من أين جاء هذا الاختيار إلا من كونه قد ألبس ذاته طوعاً طبيعة مائتة؟ فإذا جعلنا طبيعة المسيح البشرية مختلفة كل الاختلاف عن طبيعتنا، فإننا نهدم السند الأساسي لإيماننا. ولنَفهم الأمر إذن على هذا النحو: إن المسيح آلم بالتدبير لا القسر، لأنه إذ كان في صورة الله، كان بإمكانه أن يعفي نفسه من هذه الضرورة، ولكنه مع ذلك آلم بالضعف لأنه أخرى ذاته (فيليبي 2: 6).[5]

 

يقول ذهبي الفم:

يقدم القديس بولس تعبيرًا عن فهم غير المؤمنين، الذي يتطلع إلى الصليب كغباوةٍ وضعفٍ. لكن بولس لا يقول هذا لأن (المسيح) كان ضعيفًا حين كان مصلوبًا. فإنه كان في سلطانه ألا يُصلب، هذا ما أظهره... فلماذا يقول: "في ضعفٍ"؟ وإن كان قد صُلب محتملًا الخيانة والمصائب والإهانة (إذ حسب الظاهر تُدعى ضعفات)، إلا أنه لم يؤذه شيء من هذه. ولا نحن يصيبنا ضرر عندما نُضطهد ونُحارب.[6]

 

 

الضعف هو ضعف الجسد لإنه تأنس

 

«من ضعف»—باليونانية: (astheneiasأي إن اتخاذه لضعفنا كان هو المصدر، أو الشرط الضروري، الذي نبعت منه إمكانية صلبه (عب 2: 14، في 2: 7، 8).[7]

«لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ صُلِبَ مِنْ ضَعْفٍ، لكِنَّهُ حَيٌّ بِقُوَّةِ اللهِ». تؤكد هذه الجملة حقيقة تختص بيسوع كان غير المؤمنين يسخرون منها. فقد اعتبروا صلب يسوع دليلًا على الضعف، لأنهم توقعوا منه أن يبتعد عن الصليب ويكون معصومًا من سلطان الموت. وبدلاً من ذلك، سَمَحَ يسوع بهوان السَّمْرِ على صليبٍ مَاتَ عليه كفاعلِ شرٍّ (تثنية 21: 23).

يكتب بولس كلمة «ضعف»، ولكن ماذا يقصد بها؟

لقد اتخذ يسوع صورة عبدٍ إذ «وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ» في الهيئة البشرية (فيليبّي 2: 8؛ وانظر 2 كورنثوس 8: 9).[8] لقد اشترك في بشريتنا، وبذلك شارك في ضعفنا البشري.[9]

يكتب أغسطينوس:

إن ربنا ومخلصنا يسوع المسيح هو طبيب حياتنا الأبدية، ولهذا الهدف أخذ ضعف طبيعتنا حتى لا يدم ضعفنا إلى الأبد. لقد أخذ جسمًا قابلاً للموت، فيه يقتل الموت. وكما يقول الرسول: "وإن كان قد صُلب من ضعفٍ لكنه حيّ بقوة اللَّه".[10]

 

كان حيًا بلاهوته

 

ولو أن المسيح اتخذ صورة بشرية وصُلِبَ ومات في صورة ضعف، إلاّ أنه كان في منتهى القوة. كان حي بقوة لاهوته، بل حتى عندما كان في القبر كان لاهوته متحدًا بناسوته. هو حي بطبيعته فهو الله نفسه الظاهر في الجسد، بل هو مصدر الحياة. بل صار الصليب علامة قوة مرعبة للشياطين.[11]

عَزَّى يسوعُ مرثا الثكلى بقوله: «أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ» (يوحنا 11: 25؛ انظر 14: 6). فهو حيٌّ بقوة الله، بحيث تعالت قوته الإلهية على ضعفه البشري. وقام منتصرًا من القبر، وهو حيٌّ ويملك إلى الأبد في ظَفَرٍ. والذين يسخرون من المسيح سيلتقون بالديان في وقته ويواجهون قوته (قارن 1 بطرس 4: 17–18)[12].[13]

للتأكد، فإن المسيح قد صُلِبَ من ضعف، وقد يظن المشككون أن هذا هو كل ما يمكن أن يُقال عنه (قارن "١ كو ١: ٢٣")، لكن المؤمنين يعلمون أنه حيٌّ بقدرة الله المعلنة في قيامته (رو ١: ٤؛ ٦: ٤؛ ١ كو ٦: ١٤؛ ١٥: ٤٣)[14].[15]


المسيح صُلِب بإرادته

 

فمع كون قدرة الله تحت تصرفه (مت ٢٦: ٥٣)، سار المسيح مع ذلك في طريق الضعف إلى الصليب. وفي القيامة، أُعلِنَ مقدار تلك القدرة التي لم تُستغل (أف ١: ١٩-٢١).[16]

 

في موته أظهر القوة

 

قوة المسيح تجلت واستُعلنت في ما يبدو للبشرية غير المستنيرة كأنه ضعف يبعث على الشفقة. فببذل ذاته حتى الصليب، كان المسيح سلبياً كلياً، ومجرداً من كل قوة؛ إذ تخلى عنها متكلاً بالكامل على اللاهوت لكي يملأه بالقوة في قيامته من بين الأموات.[17]

كما ظهر المسيح ضعيفا في صلبه ولكن بالحقيقة هو الله القادر على كل شيء.[18] لقد صُلب المسيح، وبصلبه ظهر كضعيفٍ. لكنه لم يكن هكذا، فقد سلم حياته للموت بإرادته، ولم يكن ممكنا أخذها دون سماحٍ منه. ففي قدرته أن يرسل أكثر من اثني عشر جيشًا من الملائكة لمساندته ضد الجماهير التي قادها الكهنة ضده (مت 53:26). لكن كيف كان يُمكن أن تتم الكتب؟ بموته أظهر القوة الإلهية، قوة الدم والخلاص، وعمل النعمة التي جذبت العالم إلى السيد المسيح، وتحول الكثيرون إلى الإيمان به.[19]

 

تعليق ذهبي الفم على موت المسيح

 

ما معنى «وَإِنْ كَانَ قَدْ صُلِبَ مِنْ ضَعْفٍ»؟ يقول: «لأنه وإن اختار أن يحتمل أمراً يُظَنّ أنه يحمل في طياته شائبة ضعف، فإن هذا لا ينتقص ألبته من قوته؛ إذ تظل قوته لا تُقهر، وذاك الشيء الذي يبدو من الضعف لم يضرها في شيء، بل إن هذا الأمر بعينه يظهر قوته في أوجها، من حيث إنها احتملت مثل هذا الأمر دون أن تجبُن أو تُجذَع».

فلا يزعجنك إذن استخدام لفظة «الضعف»؛ لأنه يقول في موضع آخر أيضاً: "لأَنَّ جَهَالَةَ اللهِ أَحْكَمُ مِنَ النَّاسِ! وَضَعْفَ اللهِ أَقْوَى مِنَ النَّاسِ!" (1 كو 1: 25)، رغم أنه ليس في الله شيء جاهل أو ضعيف؛ وإنما سمى الصليب هكذا مستعرضاً تصور غير المؤمنين عنه. أستمع إليه على الأقل وهو يفسر كلامه بنفسه: «فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، وأما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله» (1 كورنثوس 1: 18). ويقول أيضاً: «ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوباً: لليهود عثرة، ولليونانيين جهالة. وأما للمدعوين من اليهود واليونانيين جميعاً، فبالمسيح قوة الله وحكمة الله» (1 كورنثوس 1: 23، 24). وأيضاً: «ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة» (1 كورنثوس 2: 14). لاحظ كيف يعبر في كل موضع عن تصور غير المؤمنين الذين ينظرون إلى الصليب كجهالة وضُعف.

وهكذا، في الحقيقة، لا يقصد هنا أيضاً «الضعف» بمعناه الحقيقي، بل ما يظنه غير المؤمنين كذلك. فهو لا يقول هذا كأن المسيح صُلب لأنه كان ضعيفاً—حاشا لهذا الفكر! لأنه أظهر في كل وقت أن له السلطان في ألا يُصلَب: فتارة يطرح الرجال أرضاً، وتارة يرد شعاع الشمس، وييبس شجرة التين، ويعمي أعين الذين قاموا عليه، وصنع آلاف الأمور الأخرى.

فما هذا الذي يقوله إذن: «من ضعف»؟

يقصد أنه حتى وإن صُلب بعد أن احتمل المخاطر والمكائد (لأننا أوضحنا أن المخاطر والمكائد تُسمى ضعفاً)، فإنه لم ينله أي أذى من جراء ذلك.

فيقول إن ‘ذاك أيضاً صُلب، ورُبط، واحتمل آلاف الآلام ولم يفتقد بالقصاص، بل استمر يحتمل أموراً تبدو كأنها تشهد بالضعف، مظهراً قوته بهذه الطريقة بعينها: في أنه رغم عدم معاقبته أو مجازاته، لم ينله أي ضرر ألبته. فعلى سبيل المثال، لم يقطع الصليب حياته ولم يعق قيامته، بل قام أيضاً وهو حي’. ومتى سمعت بالصليب والحياة، فتوقع أن تجد العقيدة المختصة بالتأنس والتجسد (التدبير الإلهي) ؛ لأن كل ما يُقال هنا إنما يشير إلى ذلك.

وإذا قال «بقوة الله»، فليس كأنه هو نفسه عادِم القوة لإحياء جسده، بل كان الأمر سيّين عنده أن يذكر الأب أو الابن؛ فعندما قال «قوة الله»، قصد قوته الذاتية (لإنها قوة اللاهوت ذاته الواحد في الآب والابن). ولكي تعلم أنه هو نفسه أقامه ويقيمه، اسعمه يقول: «انقضوا هذا الهيكل، وفي ثلاثة أيام أُقيمه» (يوحنا 2: 19). ولكن إن كان ما هو له ينسبه هنا للآب، فلا تتكدر؛ لأنه يقول: «كل ما للآب هو لي» (يوحنا 16: 15)، وأيضاً: «وكل ما هو لي فهو لك، وما هو لك فهو لي» (يوحنا 17: 10).[20]

  



[1] James H. Charlesworth, “Jesus and Jehohanan: An Archaeological Note on Crucifixion,” ExpTim 84/6 (February, 1973), 147–50

[2] Clinton E. Arnold, Zondervan Illustrated Bible Backgrounds Commentary Volume 3: Romans to Philemon. (Grand Rapids, MI: Zondervan, 2002). 256

[3] Linda L. Belleville, 2 Corinthians, The IVP New Testament commentary series (Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1996). 2 Co 12:19

[4] William MacDonald and Arthur Farstad, Believer's Bible Commentary: Old and New Testaments (Nashville: Thomas Nelson, 1997, c1995). 2 Co 13:4

[5] John Calvin, Calvin's Commentaries: 2 Corinthians, electronic ed., Logos Library System; Calvin's Commentaries (Albany, OR: Ages Software, 1998). 2 Co 13:4

[6] In 2Cor. hom 29. PG 61: 61:642

[7] Robert Jamieson, A. R. Fausset and David Brown, A Commentary, Critical and Explanatory, on the Old and New Testaments (Oak Harbor, WA: Logos Research Systems, Inc., 1997). 2 Co 13:4

[8] فيليبّي 2: 8: «وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ»

2 كورنثوس 8: 9: «فَإِنَّكُمْ تَعْرِفُونَ نِعْمَةَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ مِنْ أَجْلِكُمُ افتقر وَهُوَ غَنِيٌّ، لِكَيْ تَسْتَغْنُوا أَنْتُمْ بِفَقْرِهِ»

[9] Simon J. Kistemaker and William Hendriksen, New Testament Commentary: Exposition of the Second Epistle to the Corinthians, New Testament Commentary (Grand Rapids: Baker Book House, 1953-2001). 447.

[10] Sermons on New Testament Lessons, 38:1

[11] القمص أنطونيوس فكري، كورنثوس الثانية 13

[12] Simon J. Kistemaker and William Hendriksen, New Testament Commentary: Exposition of the Second Epistle to the Corinthians, New Testament Commentary (Grand Rapids: Baker Book House, 1953-2001). 447.

[13] 1 بطرس 4: 17–18: «لأَنَّهُ الْوَقْتُ لابْتِدَاءِ الْقَضَاءِ مِنْ بَيْتِ اللهِ. فَإِنْ كَانَ أَوَّلًا مِنَّا، فَمَا هِيَ نِهَايَةُ الَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ اللهِ؟ وَإِنْ كَانَ الْبَارُّ بِالْجَهْدِ يَخْلُصُ، فَالْفَاجِرُ وَالْخَاطِئُ أَيْنَ يَظْهَرَانِ؟»

[14] ١ كورنثوس ١: ٢٣: «وَنَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا، لِلْيَهُودِ عَثْرَةً وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً.» رومية ١: ٤: «الَّذِي تَعَيَّنَ ابْنَ اللهِ بِقُوَّةٍ، مِنْ جِهَةِ رُوحِ الْقَدَاسَةِ، بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ: يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا.» رومية ٦: ٤: «فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ بِمَجْدِ الآبِ، هكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ.» ١ كورنثوس ٦: ١٤: «وَاللَّهُ قَدْ أَقَامَ الرَّبَّ، وَسَيُقِيمُنَا نَحْنُ أَيْضًا بِقُوَّتِهِ.» ١ كورنثوس ١٥: ٤٣: «يُزْرَعُ فِي هَوَانٍ وَيُقَامُ فِي مَجْدٍ. يُزْرَعُ فِي ضَعْفٍ وَيُقَامُ فِي قُوَّةٍ.»

[15] F. F. Bruce, New International Bible Commentary (Grand Rapids, MI: Zondervan Publishing House, 1979). 1413

[16] John F. Walvoord, Roy B. Zuck and Dallas Theological Seminary, The Bible Knowledge Commentary: An Exposition of the Scriptures (Wheaton, IL: Victor Books, 1983-c1985). 2:584

[17] William R. Baker, 2 Corinthians, The College Press NIV commentary (Joplin, MO: College Press Pub., 1999). 458

[18] الموسوعة الكنسية لتفسير العهد الجديد: كنيسة مارمرقس بمصر الجديدة، شرح لكل آية، كورنثوس الثانية 13

[19] القمص تادرس يعقوب ملطي، سلسلة "من تفسير وتأملات الآباء الأولين"، كورنثوس الثانية 13

[20] John Chrysostom, "Homilies of St. John Chrysostom, Archbishop of Constantinople, on the Second Epistle of St. Paul the Apostle to the Corinthians", trans. J. Ashworth and Talbot B. Chambers, The Nicene and Post-Nicene Fathers, Vol. XII (Oak Harbor: Logos Research Systems, 1997). 413


السبت، 15 أغسطس 2026

الهرطقة الناصرية والأبيونية

 

 

الناصريين والآبيونيين، أصلهم وتعاليمهم[1]

 

بدعة الناصريين/النصارى

 

إن جزءًا من المسيحيين اليهود تمسكوا، حتى بعد خراب أورشليم، بالعوائد القومية لآبائهم، وتكاثروا في بعض كنائس سوريا حتى نهاية القرن الرابع، تحت اسم النصاريين؛ وهو اسم ربما أُطلق في الأصل بـاستخفاف من قِبَل اليهود على جميع المسيحيين بصفتهم أتباع يسوع الناصري.[2] وقد جمعوا بين حفظ الشريعة الطقسية الموسوية وبين إيمانهم بمسيانية يسوع ولاهوته، واستخدموا إنجيل متى بـالعبرية، وحزنوا بعمق على عدم إيمان إخوتهم، ورجوا رؤيتهم المستقبليّة كـجسد واحد وملكًا ألفيًا للمسيح على الأرض.

ولكنهم لم يكن لديهم أي نفور تجاه الرسول بولس، ولم يستذنبوا المسيحيين من الأمم والهراطقة لعدم حفظهم للشريعة. ولذلك، لم يكونوا هراطقة، بل مسيحيين منفصلين ضامري النمو؛ توقفوا عند الموقف المتقادم لمسيحية يهودية ضيقة وقلقة، وانكمشوا إلى فرقة لا أهمية لها. ويقول عنهم جيروم إنهم، إذ أرادوا أن يكونوا يهودًا ومسيحيين على حد سواء، لم يكونوا لا هؤلاء ولا أولئك.

 

الهرطقة الأبيونية

 

ومن هؤلاء الناصريين يجب أن نميز بدقة المسيحيين اليهود الهراطقة، أو الأبيونيين، الذين كانوا أكثر عددًا. واسمهم لا يأتي، كما ألمح ترتليان أولاً،[3] من مؤسس مفترض للفرقة، أبيون، الذي لا نعرف عنه شيئًا، بل من الكلمة العبرية، אֶבְיוֹן (إبيون)، أي فقير. وربما كان في الأصل، مثل "ناصري" و"جليلي"، تسمية مهينة لجميع المسيحيين، الذين عاش معظمهم في ظروف فقيرة؛[4] ولكنه اقتصر لاحقًا على هذه الفرقة؛ سواء بـاستخفاف، للإشارة إلى فقر عقيدتهم في المسيح والشريعة، لأن الأبيونيين اعتبروا أنفسهم الأتباع الحقيقيين للمسيح الفقير وتلاميذه الفقراء، وطبقوا على أنفسهم وحدهم التطويب على المساكين بالروح. وبحسب إبيفانيوس، نشر أبيون ضلاله أولاً في جماعة المسيحيين التي هربت إلى بيلا بعد خراب أورشليم؛ وبحسب هجيسبوس في يوسابيوس، أحدث شخص يدعى ثيبوتيس، بعد موت الأسقف سمعان أسقف أورشليم، حوالي عام 107، شقاقًا بين المسيحيين اليهود، وقاد الكثيرين منهم إلى الارتداد، لأنه هو نفسه لم يُنتخب للأسقفية.

ونجد فرقة الأبيونيين في فلسطين والمناطق المحيطة بها، وفي جزيرة قبرص، وفي آسيا الصغرى، وحتى في روما. ورغم أنها تكونت في معظمها من اليهود، إلا أن المسيحيين من الأمم انضموا إليها أحيانًا. واستمرت حتى القرن الرابع، ولكنها انقرضت تمامًا في زمن ثيودوريت. واستخدمت إنجيلاً عبريًا خاصًا بها، مفقودًا الآن، وكان ربما شبيهًا بإنجيل متى.

إن العلامات المميزة للأبيونية في جميع أشكالها هي:

انحطاط المسيحية إلى مستوى اليهودية؛

ومبدأ الصلاحية الشاملة والدائمة للشريعة الموسوية؛

والعداء للرسول بولس.

ولكن، كما كانت هناك فرق مختلفة في اليهودية نفسها، يجب علينا أيضًا أن نميز على الأقل فرعين من الأبيونية، يرتبطان ببعضهما البعض ارتباط الفريسية بـالأسينية، أو، بـاستخدام توضيح حديث، ارتباط العقلانية الربوبية الأقدم بـالعقلانية التأملية، أو المدرسة العملية بـالمدرسة التأملية في الموحدين (Unitarianism).

 

1. الأبيونيون العاديون، الذين كانوا الأكثر عددًا بفارق كبير، جسدوا الناموسية الفريسية، وكانوا الخلفاء الحقيقيين لليهود المعارضين في الرسالة إلى أهل غلاطية. ويمكن اختزال عقيدتهم في القضايا التالية:

 

(أ) يسوع هو بالفعل المسيح موعود، ابن داود، والمشرّع الأعلى، ولكنه مجرد إنسان، مثل موسى وداود، نشأ بـتناسل طبيعي من يوسف ومريم. والشعور بـدعوته المسكونية والمسيانية نشأ فيه لأول مرة عند معموديته من يوحنا، عندما انضم إليه روح أعلى. ومن ثم، قارن أوريجانوس هذه الفرقة بـالأعمى في الإنجيل، الذي صرخ إلى الرب دون أن يراه: «يَا ابْنَ دَاوُدَ ارْحَمْنِي» (مر 10: 47).

 

(ب) ختان وحفظ الشريعة الطقسية الموسوية بأكملها ضروريان لـخلاص جميع البشر.

 

(ج) المسيح سيعود قريبًا، ليدخل الملك الألفي الممتلئ مجدًا للمسيح، وتكون أورشليم الأرضية مقرًا له.

 

2. الفئة الثانية من الأبيونيين، بدءًا من المفاهيم الأسينية، أعطت يهوديتها طابعًا تأمليًا أو صوفيًا، مثل أصحاب الضلال في الرسالة إلى أهل كولوسي. وهم يشكلون حجر الزاوية للغنوصية. ومن بين هؤلاء ينتمي إلكسايت.[5] وقد ظهروا، بحسب إبيفانيوس، في حكم تراجان، في المناطق المحيطة بـالبحر الميت، حيث عاش الأسينيون. واسمهم مشتق من مؤسسهم المفترض، إلكساي، ويُفسر بـ: "القوة الخفية"، والتي (وفقًا لـاقتراح Gieseler) تعني الروح القدس.[6] ويبدو أن هذا كان في الأصل عنوان كتاب، ادعى، مثل كتاب مورمون، أنه أُعلن بواسطة ملاك، وكان يحظى بـأعلى تقدير لدى الفرقة. وهذه الكتابة السرية، وفقًا لـلشذرات في أوريجانوس، وفي "Philosophumena" لـهيبوليتوس، تحوي الأساس لـلنظام الكليمنتي الكاذب الملحوظ.[7] وهي بـوضوح ذات أصل يهودي، وتمثل أورشليم كـمركز لـلعالم الديني،

والمسيح كـمخلوق ورب للملائكة وكل المخلوقات الأخرى، والروح القدس كقوة مؤنثة،

وتفرض الختان وكذلك المعمودية، وترفض القديس بولس، وتبرر إنكار الإيمان في وقت الاضطهاد. وتدعي أنها تعود إلى السنة الثالثة من حكم تراجان (101).

 

3. وفرقة مماثلة هي الصابئة المندائيون، من Manda، أي معرفة (γνω̂σις - غنوسيس) وأيضًا الصابئة، أي المعمدانيون (من sâbi، أي يعمد، يغسل)، والمغتسلة، ولها المعنى نفسه. وبسبب إجلالهم الكبير لـيوحنا المعمدان، دُعوا "مسيحيي يوحنا".[8] وأصلهم غير مؤكد. ولا تزال بقية منهم قائمة، في فارس على الضفاف الشرقية لـنهر دجلة. ولغتهم المقدسة هي اللهجة الآرامية. وفي الوقت الحاضر يتحدثون العربية والفارسية. ونظامهم معقد جدًا مع غلبة العنصر الوثني، ويقترب كثيرًا من المانوية. 



[1] Philip Schaff, History of the Christian Church, Volume II - Ante-Nicene Christianity, A.D. 100-325 Christianus sum: Christiani nihil a me alienus puto. (Garland TX: Galaxie, c1916-23)

[2] أعداء المسيحية من الوثنيين، مثل يوليان الجاحد، دعوهم أحيانًا "جليليين". وكما فعل أيضًا Epictetus في النص الوحيد الذي ألمح فيه إلى المسيحيين.

[3] Praescr. Haeret. c. 13

[4] Minut. Felix, Octav. 36:

 وأما أن يُقال عنا إننا (معظمنا) فقراء، فذلك ليس عارًا علينا، بل فخر؛ فإن النفس كما تنحل بالترف، كذلك تقوى بالقناعة.

[5] Ἐλκεσσαι̂οι (إبيفانيوس)؛ لχασσαί (هيبوليتوس)؛ ̔Ελκεσαιταί (أوريجانوس). وأيضًا Σαμψαι̂οι، من שֶׁמֶשׁ (شمس).

[6] Δύναμις κεκαλλυμένη (ديناميس كيكاليوميني). قارن Clem. Homilies, XVII. 16. اشتقاقات أخرى: من Elkesi، قرية في الجليل (Delitzsch)؛ من אַלְכֶּחָשִׁים = مرتدون.

[7] انظر الشذرات المجمعة في Hilgenfeld, Nov. Test. extra Canonem receptum, III. 153-167

[8] Johanneschristen, Chrétiens de Saint Jean