قد حرص آباء نيقية على الإجابة عن مثل هذه
التساؤلات عندما قاموا بصياغة اعتراف الإيمان:
"وبربٍ واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب (من جوهر الآب)، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، له ذات الجوهر الواحد مع الآب (ὁμοούσιος τῷ Πατρί - هوموأووسيوس تو باتري)، الذي به كان كل شيء".
وعلاوة على ذلك ألحق الآباء بإعتراف الإيمان،
قانونًا مؤداه أن الكنيسة الجامعة تحرم:
"كل مَن يقول إن ’هناك وقت لم يكن فيه الابن كائنًا‘، أو إنه ’لم يكن كائنًا قبل أن يُولد‘، أو إنه ’أتى إلى الوجود من العدم‘، أو يزعم أن ابن الله له جوهر مختلف (عن الآب)، أو أنه مخلوق، أو قابل للتغير والتبدل".
وكان مجمع نيقية قد أخضع جميع العبارات التي
وضعها للفحص الدقيق، حتى يمكنه مواجهة النقد المتواصل خلال القرن الرابع. وقد ساعد
ذلك على تأكيد وتعميق إيمان وعقيدة الكنيسة، حتى أن مجمع القسطنطينية اللاحق قد
أقرَّ تمامًا هذا الإيمان وأعطاه الشكل النهائي كالآتي:
"وبربٍ واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، له ذات الجوهر الواحد مع الآب، الذي به كان كل شيء".
وإذ بدأ آباء نيقية المقطع الثاني من قانون
الإيمان بعبارة: "وبربٍ واحد يسوع المسيح"، فقد أظهروا بذلك العلاقة
المباشرة للرب يسوع المسيح بـ "الله الآب ضابط الكل …"، الذي بدأوا به
في المقطع الأول، وبالتالي بيَّنوا أنهم سواء بالنسبة ليسوع المسيح أو بالنسبة لله
الآب، فإنما كانوا يشيرون إلى نفس الجوهر الواحد.
وهكذا عبَّر الآباء عن المحتوى الحقيقي للعهد
الجديد فيما يخص المسيح، هذا المحتوى الذي فيه الإيمان بالمسيح يتطابق تمامًا مع
الإيمان بالله الآب. فأن تؤمن ’برب واحد يسوع المسيح‘ هو أن تؤمن ’بإله واحد الله
الآب‘ وتعترف به إلهًا متطابقًا وفي الآب.
وقد عبَّر قانون الإيمان عن هذه العلاقة
الفريدة التي للمسيح مع الآب داخل وحدانية الله بهذه العبارات:
"ابن الله الوحيد، المولود من أبيه قبل كل الدهور .. مولود غير مخلوق".
وكان مصطلحا ’ابن‘ و ’آب‘ إنما يشيران إلى
التمايز داخل جوهر الله الواحد، لأن الابن هو ’ابن‘ وليس ’آب‘، والآب هو ’آب‘ وليس
’ابن‘.[1]
ولكن بما أن هناك إله واحد، فبالتالي يكون هناك فقط ابن واحد لله، الذي هو أزليًّا
ابن الآب كما أن الآب هو أزليًّا أبو الابن لأنه لا يوجد فارق زمني أو من أي نوع
بينهما. وقد تم تجميع مفاد كل هذه العبارات معًا في مصطلحٍ مُركزٍ واحدٍ هو
’هوموأووسيوس‘ (ὁμοούσιος)[2]
مع الآب أو ’له ذات الجوهر الواحد مع الآب‘[3]
وذلك للتعبير عن وحدانية الجوهر بين الابن المتجسد والله الآب، وجاءت عبارة: "الذي
به كان كل شيء .." للتأكيد على ارتباط الابن مع الخالق.[4]
إذًا، الابن هو إله من إله لأنه بالتحديد هو
منذ الأزل ابن الآب. وهناك تبـادلية أزلية مطلقـة بين الآب والابن دون أي فـارق أو
فاصـل في الوجـود أو الزمن أو المعــرفة بينهمـا.[5]
وقد عبَّــــر ق. غريغـوريوس النـزينـزي عن ذلـك بقـوله:
إن ولادة الابن من الآب هـي ولادة ’غير زمنيــة‘، و’غير سببيــة‘، و’غير مبتـدأة‘ (ἄχρονος، ἀναιτίως، ἀνάρχως - آكرونوس، أنايتيوس، أنارخوس).[6]
أما بالنسبة للقديس أثناسيوس وآباء نيقية، فقد
كانت ولادة الابن من الآب أمر يتخطى ويفوق إدراك البشر.[7]
ولا يجب أن يتصوَّر أحد أنها (أي ولادة الابن) قد حدثت في ’لحظة ما‘ أو بواسطة
’فعل إرادة‘ من قِبَل الله ـ كما تصوَّر ذلك بالفعل كل من أريوس ويوسابيوس.[8]
بل هي علاقة لا يُنطق بها بين الآب والابن، كائنة منذ الأزل في الله، ولذلك يقول
ق. أثناسيوس: "والله هو على الدوام آب للابن".[9]
ويضيف ق. أثناسيوس أن الآبــاء استطاعوا
(باستخدام هذا المثال). وعلى أســـــــاس إنجيلي:
"أن يتحــــــدثوا بثقة عن المسيـــح: بكــونه ابن الآب الحقيـقي والطبيـعي، وبكــونه خــــاص بجـوهر الآب (ἴδιος τῆς οὐσίας αὐτοῦ - إيديوس تيس أوسياس أوتو)، وأنه هو نفسه إله حقيقي وله ذات الجوهر الواحد (ὁμοούσιος - هوموأووسيوس) مع الآب الحقيقي، لأنه ’هو رسم أقنوم (ὑπόστασις - هيبوستاسيس) الآب‘،[10] وهو نور من نور، وهو صورة كيان الآب الحقيقية وقوته".[11]
ومن هذا المنطلق، أدخل آباء نيقية في قانون
الإيمان هذه العبارة على وجه التحديد: “إله من إله، نور من نور، إله حق من إله
حق”، وذلك لكي يوضِّحوا ويحددوا طبيعة العلاقة الفريدة التي بين الابن المتجسد
والآب.[12]
ويخبرنا ق. أثناسوس في العديد من أعماله،[13]
أن مجمع نيقية قد جاهد جهادًا عنيفًا من أجل التوصل إلى الصياغة النهائية للفقرات
الحاسمة في قانون الإيمان، وقد تم ذلك على مراحل متتالية. ففي أول الأمر، عندما
وافق الأريوسيون على صيغة أن الابن هو ’من الله‘ أو ’من عند الله‘ كما جاء في ’نور
من نور‘، أصرَّ آباء نيقية على تعريف ’من الله‘ أو ’من عند الله‘ على أنها تعني
’من جوهر الآب‘ (ἐκ τῆς οὐσίας τοῦ Πατρός
- إيك تيس أوسياس تو باتروس)، وذلك لتوضيح وتحديد العلاقات في داخل الله. وكان هذا
يعني أن الابن خاص بصميم جوهر الله، وأنه ’من الله‘ الآب ـ وهو الأمر الذي لا ينطبق
على المخلوقات ـ وأنه هو إله من إله.
إن ما نــراه جليًّا تمامـًا في المجمـع
الكبير، هـو أن الآبـاء بنيقيـة، كما عبَّر ق. أثناسيوس، قد تنفَّسوا روح الكتب
المقدسة.[14]
فمن ناحية، اهتم الآباء بتحديد المعنى الأساسي
الذي تضمَّنته الكتب المقدسة، في العديد من نصوصها، فيما يخص علاقة الرب يسوع
المسيح بالآب، وقد حققوا ذلك من خلال التعمُّق في الجوهر الداخلي للإنجيل.
ولكن من ناحية أخرى، كان اهتمام الآباء أيضًا
أن يقدموا صياغة دقيقة ومحددة للإيمان بيسوع المسيح بكونه ابن الله المتجسد، وذلك
من خلال استجلاء طبيعة علاقته الحقيقية بالله الآب. وفي هذا الصدد لم يكن أمام
الآباء -ومن خلال الإعلان الإنجيلي- إلاّ أن يشهدوا بإيمانهم بألوهية المسيح
الكاملة، بكونه إله من إله، له ذات الجوهر الواحد مع الآب.
ومن هُنا توصَّل آباء نيقية -ومن خلال جهودهم
التفسيرية واللاهوتية- إلى الصيغة الفائقة الأهمية: ’هوموأووسيوس‘ (ὁμοούσιος) والذي يعني أن (الابن) ’له ذات الجوهر
الواحد مع الآب‘.
وترجع أهمية هذه الصيغة إلى أنها قدَّمت في
تعبير محدد، العلاقة الكيانية بين الابن المتجسد والآب والتي بُنيَت عليها رسالة
العهد الجديد، وفي ضوئها تُفسَّر (وتُربَط) نصوصه المختلفة.
[1]
كان هذا التمييز يتضمن رفضًا لبدعة سابليوس:
Athanasius, De syn.,
16; cf. De sent. Dion., 5ff; Con. Ar., 3.4, 36; 4.1ff; Ad Ant., 3-6, 11; Con.
Ar., 4.2.
[2] مصطلح ’هوموأووسيوس‘ هو صفة من
مقطعين: ’هوموس ο̉μος‘ ويعني ذات الشيء الواحد (one and the same) ، و’أوسيا ούσια‘ والذي يعني الجوهر، فيكون المعنى الكامل
لمصطلح ’هوموأووسيوس مع الآب‘: له ذات
الجوهر الواحد مع الآب أو واحد مع الآب في ذات الجوهر (of one and the same being with the father). (المترجم)
[3] Archbishop
Methodios, ‘The Homoousion’, The Incarnation. Ecumenical Studies in the
Nicene-Constantinopolitan Creed, 1981, p.6 (ed. By T. F. Torrance)
[4] Athanasius,
De decr., 7, 18f; De syn., 12, 35; Con. Ar., 1.9ff; Ad Afr., 4-9; Ad Ser.,
2.2-5.
[5] Athanasius,
Con. Ar., 1.1-29, 34; 2.22ff, 33; 3.1ff; 65f; 4.1ff; De syn., 41-54; De decr.,
24, 27; Basil, Ep., 52.2; Hilary, De syn., 25
[6] Gregory
Naz., Or., 30.11&19; cf. 29.3f; 31.14.
[7]
يقول ق. باسيليوس: "إن طريقة الولادة الإلهية (للابن)، هي أمر لا ينطق به
ويفوق كل تخيلات الفكر البشري" (Ep., 52.3).
انظر كذلك:
Basil, Con. Eun.,
2.16 & 24; Gregory Naz., Or., 29.8
[8] Cf.
C. Stead, Divine Substance, 1977, pp. 26 & 229.
[9] Athanasius,
De decr., 12; cf. 20. Also Ad Episc., 2;
إن هذا الفهم للأبوة والبنوة بكونها علاقات
أزلية كائنة في الله، هو ما قد أيده بشده ق. غريغوريوس النزينزي ـ ونفس الوضع
ينطبق بالطبع على الروح القدس ـ حيث نراه يشرح ذلك بوضوح في ’عظاته اللاهوتية‘،
كما يمكننا أيضًا أن نجد نفس المعنى تقريبًا عند بقية الآباء الكبادوك:
Gregory Naz., Or., 29.16 & 20; 31.9. Cf. Basil, (or his brother)
Ep., 38.4; and Gregory Nyss., Con. Eun., 1.33; 8.5; 9.2; Or. Cat., 1.
[10] الَّذِي،
وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ
بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَمَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا،
جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي (عبرانيين 1: 3)
ὃς ὢν ἀπαύγασμα τῆς δόξης καὶ χαρακτὴρ τῆς ὑποστάσεως αὐτοῦ, φέρων τε τὰ
πάντα τῷ ῥήματι τῆς δυνάμεως αὐτοῦ, καθαρισμὸν τῶν ἁμαρτιῶν ποιησάμενος ἐκάθισεν
ἐν δεξιᾷ τῆς μεγαλωσύνης ἐν ὑψηλοῖς
(τῆς ὑποστάσεως αὐτοῦ تيس هيبوستاسيوس أوتو) وكما نعلم أن
كلمة هيبوستاسيس تعني بالأكثر الأقنوم وليس الجوهر الذي هو أوسيا، لذا من الأفضل
قراءة هذه الآية: "الذي هو بهاء مجده، ورسم أقنومه..".
[11] Athanasius,
Con. Ar., 1.9, with reference to Hebrews 1.3.
[12] Jaroslav
Pelikan, The Light of the World. A Basic Image in Early Christian Thought,
1962, pp.55ff
[13] Athanasius,
De syn., 33ff, 46; De decr., 19ff; Ad Afr., 5f.
[14] Athanasius,
Ad Afr., 4.


