الخميس، 12 مارس 2026

الثالوث القدوس ويدي الله


يمكنك تحميله مباشرة من هُنا:

الثالوث القدوس ويدي الله

ويتحدث القديس إيرينيئوس عن الابن والروح القدس كيَدَيّ الله الآب، وهذه الصورة المفضلة لدى القديس مستوحاة من قول المرتل في المزمور ”يَدَاكَ صَنَعَتَانِي وَأَنْشَأَتَانِي. فَهِّمْنِي فَأَتَعَلَّمَ وَصَايَاكَ.“ (مز 119: 73).[1] فنجده يكتب:

لقد خلق الله الإنسان على صورته بواسطة يديه: الابن والروح القدس قائلًا لهما نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا (تك1:26)“.[2]

وبالرغم من أن القديس ايرينيئوس قد اشتهر بهذا التعبير (الروح والابن يدي الآب)، إلَّا إنه ليس الوحيد من الآباء الذي استخدم هذا المُصطلح.

فالقديس أثناسيوس يستخدمه في كتابه ضد الآريوسيّين:

”لأنه هذا الذي يدعوه يوحنا بالابن، يدعوه داود يد الله في المزمور قائلًا: ”لماذا ترد يدك ويمينك من وسط حضنك ؟“ (مز11:73س). لهذا إن كانت ”اليد“ في الحضن، والابن في الحضن، فإنّ الابن سيكون هو اليد، واليد ستكون هى الابن، الذي به خلق الآب كلّ شئ: ”يدك صنعت كلّ شئ“ (إش2:66)، ” أخرج (الرّب) الشعب بيده (من مصر)“ (انظر تث8:7)، أي بواسطة الابن. وإن كانت عبارة: ”هذا هو تغيير يمين العلى“ (مز11:76س) وأيضًا: ”حتى النهاية، بخصوص الأمور التى سوف تتغير، ترنيمة لحبيبى“ (مز1:44س) فإنّ الحبيب لابد أن يكون هو اليد التى غيّرت. الذي يقول عنه الصوت الإلهى أيضًا: ”هذا هو ابنى الحبيب“ (مت17:3) إذن فعبارة ”هذه يدى“ تساوى ”هذا ابنى“.[3]

ويتكرّر أكثر من مرة ذات التعبير عند القديس كيرلس السكندريّ:

”الذراع يشير رمزيًّا إلى الكلمة الذي وُلدَّ من العذراء“.[4]

في موضع آخر يقول:

اليد -يد الله الآب- في االأسفار الإلهيّة هيَ الابن، لأنّ النص يُشير إليه: ”أنا ويدي اسّست السموات“ (إشعياء 48: 13)، وداود الإلهيّ ينشد قائلًا: ”بكلمة الرّبّ تأسّست السموات“(مزمور 33: 6)“.[5]

وليس الآباء السكندريّين فقط من استخدموا هذا المُصطلح للتعبير عن الثالوث، بل أيضًا أحد أبرز رموز الآباء اللاتين، القديس أمبرسيوس، يكتب:

”وإذا تصوَّر البعض أن الله مُكوَّن من شكل ماديّ جسداني عندما يقرأون في الكتاب المُقدّس عن يديه وأصابعه فَهُمْ لا يفهمون أن هذه الأمور لم تُكتَب لأنّ الله له جسد، لأنّه لا توجد أعضاء في اللاهوت وأجزاء، وإنما هيَ تعبيرات إنسانيّة عن وحدة جوهر اللاهوت، وحتّى نؤمن بأنه من المستحيل أن ينفصل الابن أو الروح القدس عن الله الآب، لأنّ ملء اللاهوت هو واحد في الثالوث مثل وحدة الجسد الواحد. لذلك قيل إنّ الابن هو اليد اليمنى للآب حسبما نقرأ ”يمين الرّبّ صنعت أعمالًا عجيبة. يمين الرّبّ رفعتني “ (مز118: 16)“.[6]

نفس هذا التعبير استخدمه القديس غريغوريوس النيصي، فيقول القديس غريغوريوس النيصي:[7]

فإن النبي يقول على لسان الآب: "يدي صنعت كل هذه الأشياء"، قاصدًا بـ "اليد"، في قوله الغامض، قوة الابن الوحيد. والآن يقول الرسول إن كل الأشياء هي من الآب، وأن كل الأشياء هي بالابن «وَلَنَا إِلَهٌ وَاحِدٌ: الآبُ الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ لَهُ. وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بِهِ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ بِهِ» (١ كورنثوس ٨: ٦)، والروح النبوي يتفق بطريقة ما مع التعليم الرسولي، الذي هو نفسه أيضًا يُعطى من خلال الروح. ففي المقطع الأول، النبي، عندما يقول إن كل الأشياء هي عمل يد ذاك الذي هو فوق الكل، يعرض طبيعة تلك الأشياء التي وُجدت في علاقتها بذاك الذي صنعها، بينما ذاك الذي صنعها هو الله فوق الكل، الذي له اليد، وبها يصنع كل الأشياء.

 

وهكذا نرى تأثير القديس إيرينيئوس على اللاهوت اللاحق له، السكندريّ واللاتينيّ على السواء. فهُناك شموع قوية في التاريخ المسيحيّ أضاءت بتعاليمها وحياتها العالم بأسره، والقديس إيرينيئوس أحد أبرز تلك العلامات أو الشموع المُضاءة في بانوراما تاريخ اللاهوت المسيحيّ.

 



[1] Boris Bobrinskoy, The mystery of the Trinity Trinitarian Experience and vision in the biblical and Patristic Tradition, Translated by Anthony Gythiel (Crestwood, NY: ST Vladimir’s Seminary Press 1999), 207.

[2] Adv. Haer., 4: 4.

[3] ضد الآريوسيّين. 4: 26.

 [4]القديس كيرلس السكندريّ، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة نصحي عبد الشهيد (القاهرة: مؤسّسة القديس أنطونيوس، 2007)، 26.

[5] تجسّد الابن الوحيد 16.

[6] On the Holy spirit, Book II, chap VII, 69.

[7] Gregory of Nyssa: Against Eunomius, Book VII. Translated by William Moore and Henry Austin Wilson. From Nicene and Post-Nicene Fathers, Second Series, Vol. 5. Edited by Philip Schaff and Henry Wace. Buffalo, NY: Christian Literature Publishing Co., 1893. Revised and edited for New Advent by Kevin Knight.

https://www.newadvent.org/fathers/290107.htm


ليست هناك تعليقات: