الأقانيم رغم تمايزهم، لكنّهم مُتداخلون في العمل والإرادة، لأنّهم واحد
في الجوهر والطبيعة، فنحن لا نفصل الأقانيم ولا يوجد عمل يعمله أقنوم بمفرده منفصلًا
عن الأقنومين الآخرين، فالوحي هو عمل الله الثالوث، والفداء هو عمل الله الثالوث. لكنّ
التمايز فقط يأتي من الدور الفعَّال بشكل واضح لاحد الإقانيم دون إنفصال عن الأقنومين
الآخرين.
رُبّما يتضح هذا عند شرح هيبوليتس الرومانيّ (وهو أيضًا ممن يُتهمون بهذه
البدعة) حينما يقول:
”إنّ الأنبياء يظهرون دائمًا مؤيدين بروح النبوة ومكرمين من جهة الابن الكلمة ذاته، وإن إلهامهم ينبع من قوة الآب“.[1]
فواضح من كلماته أن الثالوث يشترك في كلّ عمل، والوحي الإلهيّ هو من عمل
الثالوث، لذلك، يمكن ان يُذكر أي من الأقانيم على أنهُ هو العامل والفاعل، وفي ذات
الوقت، لا ينفصل عنه الأقنومين الآخرين في العمل، حتّى وإن لم يكتب ذلك في كلّ فقرة
من كتاباته.
في ذلك يقول القديس أمبرسيوس:
”من يذكر اسم أحد الأقانيم فقد ذكر الثالوث، فإذا ذكرت اسم المسيح فأنت ضمنًا تُشير إلى الله الآب الذي به الابن قد مُسح، والابن نفسه الذي مُسح، والروح القدس الذي تمت به المسحة... وإذا تكلمت عن الروح فأنت تذكر الآب الذي منه ينبثق الروح، وتذكر أيضًا الابن لأنّه روح الابن“.[2]
ويقول القديس كيرلس
عمود الدين:
”إنّ التجديد في الحقيقة هو من عمل الثالوث القدوس، حتّى وإن أظهرنا أننا ننسب لكل أقنوم على حدى عملًا مما يحدث لنا أو للخليقه، لكنّ علينا أن نؤمن أن كلّ شيء هو من الآب خلال الابن في الروح القدس“.[3]
مثالٌ على أنّ
تعاليم هؤلاء الآباء مبنية ومؤسّسة على الكتاب المُقدّس، وليست مُجرّد اختراعات أو
اجتهادات بشريّة، فنجد مثلًا على ذلك في المفهوم الكتابيّ عن ”القدّاسة“؛ بحسب
الكتاب من هو الأقنوم المُختص بتقديسنا؟ والإجابة هيَ أن التقديس هو من عمل
الثالوث القدوس، وإن كان يُنسب على وجه الخصوص للروح القدس؛ فالروح القدس هو روح
القدّاسة وواهبها، والابن هو الذي يُرسل المُقدّس، والآب هو الذي يُريد تقديسنا
مُرسِلًا ابنه الحبيب إلينا بغية هذا الهدف. لهذا ينسب الكتاب عمل التقديس للآب
كقول السيد المسيح نفسه: ”قدّسهم في حقّك، كلامك هو حقّ“ (يو7: 17)، كما يُنسَب للابن
كقول الرسول: ”ومنه أنتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبرًا وقدّاسة
وفداء“ (1كو1: 30 )، ويُنسب أيضًا للروح القدس: ”وأمّا نحن فينبغي لنا أن نشكر
الله كلّ حين لأجلكم أيها الاخوة المحبوبون من الرّبّ أن الله اختاركم من البدء
للخلاص بتقديس الروح وتصديق الحقّ (2تس2: 13).
أحد الأمثلة
الهامة، من سفر الرؤيا، ووسط الرسائل السبع التي كان يُرسلها السيد المسيح إلى أساقفة
الكنائس السبع، بيد يوحنا الرسول، نجد مكتوب في إحدى هذه الرسائل: ”مَا يَقُولُهُ
الرُّوحُ لِلكنائس“ (رؤ2: 7). فبينما المسيح هو المُتكلم، يُنسب الكتاب الكلام
للروح القدس! وهذا ليس بالأمر المُستغرب، لأنّ وحدة الإلوهة، والعمل المُشترك
لأقانيم الثالوث، يسمحان لنا بنسب أي من أعمال الثالوث إلى أي أقنوم إلهيّ، فهناك
وحدة في الإلوهة.[4]
هذا وإن كلّ عمل من
الأعمال الإلهيّة –كما يقول أثناسيوس الرسوليّ- قد أُعطيَّ بالآب، وأُرسل بواسطة
الابن، عن طريق الروح القدس.
فكل ما يقوله الروح
القدس هو للآب وللمسيح، وكلّ ما يقوله الابن هو للروح القدس وللآب. وبتعبير آخر،
فإنّ قول المسيح وكلمته، هما قول الروح وكلمته.[5]
لأنّ هذا لا يتكلم من نفسه، بل يتكلم مما للابن، وكلّ ما للآب هو للابن، وهكذا
تتجلى الوحدة الإلهيّة والعمل المُشترك بين الأقانيم (يو16: 15).
من هذا المبدأ تحدث
الآباء، خاصة في حقبة ما قبل نيقية، بحرية كبيرة في وصف العمل المُشترك بين
الأقانيم، والذي فُهمّ عن طريق الخطأ، والقراءة السطحية، وعدم ربط الأفكار اللاهوتيّة
والكتابيّة بتعاليم هؤلاء الآباء، فقد فُهِم أنه خلط بين الأقانيم.
إن الأقانيم الثلاثة التي للثالوث القدوس لها إرادة واحدة من حيث النوع،
وثلاث إرادات من حيث العدّد،؛ بمعنى أن كلّ أقنوم له إرادة ويحب الأقنوميّن
الآخريْن لأن نوع الإرادة واحد، ويجمعهم جوهر واحد وطبيعة إلهيّة واحدة، فما يقرّره
الآب، يقرّره الابن، ويقرّره الروح القدس بالطبيعة.
ويتحدث القديس إيرينيؤس عن الابن والروح القدس كيَدَيّ الله الآب،
وهذه الصورة المفضلة لدى القديس مستوحاه من قول المرتل في المزمور ”يَدَاكَ صَنَعَتَانِي
وَأَنْشَأَتَانِي. فَهِّمْنِي فَأَتَعَلَّمَ وَصَايَاكَ.“ (مز 119: 73).[6]
”لقد خلق الله الإنسان على صورته بواسطة يديه: الابن والروح القدس قائلًا لهما ” نَعْمَلُ الإنسان عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا “ (تك1:26)“.[7]
”هناك تقديس واحد يصير من الآب بالابن في الروح القدس“.[8]
”كما أن الابن الكلمة الحي واحد، هكذا فإن القوة الحية والهبة التي بها يقدّس وينير، ينبغي أن تكون واحدة كاملة تامة، وهي نفسها التي قيل أنها منبثقة من الآب لأنها تشرق بواسطة الكلمة المعترف بأنه من الآب. وهي المرسلة والمعطاة منه“.[9]
”عمل الثالوث واحد، وما يُوهب فهو يُوهب في الثالوث لأن الكلّ هو من الله الواحد.
لا يوجد شيء لم يُخلق ولم يُصنع بالابن في الروح القدس.التبرير هو ”باسم ربنا يسوع المسيح وروح إلهنا“ (1كو11:6) لأن الروح غير مفترق عن الكلمة.
عندما يقول ”سنأتي أنا والآب“ (يو23:14)، فإن الروح يحل معهما، ليس بكيفية مختلفة عن الابن الساكن فينا“.[10]
تكلم القديس
أمبروسيوس[11] عن
وحدة الجوهر ووحدة العمل الذي للثالوث القدوس قائلًا:
”قال الرسول أن ”ملء اللاهوت حل جسديًا في المسيح“ (كو2: 9). وهذا الملء هو ذاته الذي في الآب والذي في الروح القدس. وكما أن هناك وحدة في جوهر اللاهوت، كذلك فهناك أيضًا وحده في العمل.
ولدليل على صحة ما نقوله هو ما وُرد في تسبحه موسى، لأنه عندما قاد شعب اليهود في البحر اعترف موسى بالعمل الواحد الذي عمله الآب والابن والروح القدس في قوله ”يمينك يا رّبّ معتزة بالقدرة يمينك يا رّبّ تُحَطِّم العدو“ (خر15: 6) وهنا اعترف بالآب والابن لأن الابن هو يد الآب اليمنى وبعد ذلك اعترف بالروح القدس عندما أضاف وقال”أرسلت روحك فغطاهم البحر“ (خر15: 10) وبهذا الاعتراف أعلن موسى وحدة جوهر اللاهوت وليس عدم المساواة في الثالوث.
وهكذا نرى كيف عمل الروح القدس عملًا واحدًا مع الآب والابن عندما جمَّد المياه في البحر الأحمر فصارت المياه مثل السور وعَبَرَ الشعب ثمّ حرَّك الروح القدس الماء فغرق المصريون. ومن ترتيب الأحداث نفهم أيضًا أن عمود السحاب الذي تقدَّم الشعب بالنهار وعمود النار بالليل إنما كان نعمة الروح القدس الذي خلَّص وفدى الشعب.} كما يقول أيضًا: {كيف يمكن أن نعبد الآب في المسيح؟ أليس لأن الآب في المسيح، ويتكلم في المسيح ويبقى في المسيح؟ وحقًا الآب ليس في المسيح كجسد في جسد لأن اللاهوت ليس له جسم ولا كواحد يذوب في آخر وإنما كإله حق في إله حق ونور في نور، وآب أزلي في ابن أزلي. فالكلام هنا ليس عن علاقة جسدية وإنما عن وحدة الجوهر ووحده القوة. وهكذا بسبب وحدة قوة الآب والابن نعبد الآب في ابنه يسوع المسيح. وهكذا بسبب وحدة نفس القوة نعبد الروح القدس عندما نعبد الله الآب بالروح القدس“.[12]
وفي تعليم القديس غريغوريوس النزيانزي[13] عن
العطايا الإلهيّة هيَ من الآب من خلال الابن في الروح القدس قال في عظته عن
عطايا الله بالروح القدس:
”أنه هو العطية، الموهبة، الإلهام، الوعد، الوسيط لنا، وبدون أن يدخل في مزيد من التفاصيل والتعبيرات الأخرى من هذا النوع تنسب إلى السبب الأوّل حتّى يُرى من أي وأن الناس بطريقة وثنية يعترفون بثلاثة عناصر. لأنه بالمثل غير تقى أن يخلط الأقانيم مع أتباع سابيليوس أو يقسم الطبائع مع الأريوسيين“.
التعبير”السبب الأول“ الذي ذكره القديس غريغوريوس في هذه القطعة يشير إلى أن
عطايا الله تنبع من الآب وتُعطَى بالابن في الروح. وفي عظته اللاهوتية عن الابن
تكلم القديس إغريغوريوس عن القوة المزدوجة للنفخة في الابن. وهو يقصد بالقوة
المزدوجة للنفخ أن العطايا الآتية إلينا من الآب وتعطى لنا بالروح من خلال الابن.
يشير المطوّب أغسطينوس إلى المساواة في الجوهر على الرغم من
التمايز في العمل فيقول:
”يقول الرسول: ”لنا إله واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له. ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به“ (1كو8: 6)؛ “لأن منه وبه وله كلّ الأشياء. له المجد إلى الأبد. آمين“ (رو11: 36)...وفي إنجيل يوحنا ”كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان“ (يو1: 3) فإذا كانت بعض الأشياء قد عملها الآب، والبعض عمله الابن، فإذًا لم يعمل الآب كلّ الأشياء، ولا الابن كلّ الأشياء. ولكن إذا كانت كلّ الأشياء قد عملها الآب، وكلّ الأشياء قد عملها الابن، إذن ذات الأشياء قد عملها الآب والابن. وهكذا فإن الابن مساو للآب، وعمل الآب والابن غير منقسم، وبالتالي فإنه هو نفسه غير مخلوق، وإنما هو والآب عملًا كلّ شيء كان“.[14]
نعمة واحدة تُعطَى في الثالوث من الآب بالابن في الروح القدس
يقول القديس بولس الرسول ”نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة
الروح مع جميعكم“ (2كو 14:13)، هذه النعمة والهبة تُعطَى في الثالوث من الآب
بالابن في الروح القدس وكما أن النعمة المعطاه هيَ من الآب بالابن هكذا فإنه لا
يكون لنا شركة في العطية إلا في الروح القدس، لأننا حينما نشترك فيه تكون لنا
محبّة الآب ونعمة وشركة الروح نفسه. ولقد علَّم أيضًا أن النعمة المعطاة في
الثالوث هيَ واحدة قائلًا: ”رب واحد إيمان واحد معمودية واحدة“ (أف 4: 5)، لأنّه
كما أن هناك معمودية واحدة فهناك أيضًا إيمان واحد لأن من يؤمن بالآب فإنه في الآب
يعرف الابن ولا يعرف إلا في الابن ولذلك فهو يؤمن بالابن وكذلك بالروح القدس، لأن
إلوهة الثالوث واحدة إذ هو يعرف من واحد هو الآب وكما أن المسيح هو قوة الله
وحكمة الله (1كو1: 24) لذلك عن الروح القدس أنه روح الحكمة وروح القوة (إش 11: 2)
وحينما نشترك في الروح يكون الابن لنا وحينما يكون الابن لنا يكون الروح لنا
صارخًا في قلوبنا يا أبا الآب كما قال في (غلا 4: 6).
ويُعلّق القديس يوحنا ذهبي الفم[15]:
”إن كل ما يخص الثالوث غير منقسم. حيث توجد شركة الروح فهي شركة الابن أيضًا، وحيث توجد نعمة الابن توجد نعمة الآب والروح. أقول هذه الأمور دون أن يوجد خلط في التمييز بين الأقانيم بل نتعرف على كلّ أقنوم على حدى، وعلى الوحدة المشتركة في جوهرهم“.
لقد تكلم القديس بولس الرسول عن المواهب الروحية في رسالته الأولى إلى أهل
كورنثوس:
”فَأَنْوَاعُ مَوَاهِبَ مَوْجُودَةٌ وَلَكِنَّ الرُّوحَ وَاحِدٌ. وَأَنْوَاعُ خِدَمٍ مَوْجُودَةٌ وَلَكِنَّ الرّبّ وَاحِدٌ. وَأَنْوَاعُ أَعْمَالٍ مَوْجُودَةٌ وَلَكِنَّ اللهَ وَاحِدٌ الَّذِي يَعْمَلُ الكلّ فِي الْكُلِّ.“(1كو 12: 4-6).
إن وحدة القوة تستلزم وحدة الجوهر، لذلك فلو أن هناك انقسامًا في الجوهر
فهذا يستلزم تعدّد القدرات. ولهذا يجد القديس أثناسيوس في هذه الحقيقة تعليلًا
لتعليمه اللاهوتي عن النعمة الإلهيّة الواحدة للثالوث الواحد، والتي تمدنا بقداسة
واحدة.
ويتضح مما سبق أن فعل الثالوث هو واحد. فالرسول لا يعني أن ما يُعطَى من
كلّ واحد متنوعًا ومجزئًا، ولكن ما يُعطَى إنما يُعطَى في الثالوث، والكل من إله
واحد.
وحدانيّة الثالوث في أسرار الكنيسة
كانت المعمودية
قديمًا تتم بطريقتين، إما باسم المسيح أو باسم الثالوث القدوس، وكانت
كلتا المعموديتين معتبرة صحيحة، لإن استعداء اسم أحد الأقانيم هو استدعاء لكل
الله وليس جزءًا منه.
”الإيمان الرسوليّ ليس كذلك (أي ليس كما يدّعي محاربو الروح القدس). لإنّ الثالوث القدوس المبارك لا يفترق، وهو واحد في ذاته، وحيثما ذُكر الآب فإن كلمته يكون حاضرًا والروح الذي في الابن. وإذا دُعى الابن فيكون الآب في الابن والروح ليس خارج الكلمة لأن واحدة هيَ النعمة التي من الآب بالابن في الروح القدس“.[16]
يقول القديس أمبروسيوس[17]
”البرهان الذي يقوم عليه تعليمنا هو أن من يذكر اسم واحد من الأقانيم فقد ذُكِرَ الثالوث. فإذا ذَكرت اسم المسيح فأنت ضمنًا تشير إلى الله الآب الذي مسح الابن والابن الذي مُسح والروح القدس الذي به تمت المسحة. وهذا ما هو مكتوب ” يَسُوعُ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ كَيْفَ مَسَحَهُ اللهُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَالْقُوَّةِ “ (أع38:10). فإذا دعوت باسم الآب فأنت تذكر الابن ضمنًا وتذكر روح فمه (الروح القدس)، وهذا يتم إذا كان قلبك يعني ذلك. وإذا تكلمت عن الروح فأنت تذكر الله الآب الذي منه ينبثق الروح وتذكر أيضًا الابن لأنه روح الابن“.
ويقول القديس باسيليوس الكبير[18]
”نحن نقول ”باسم الآب والابن والروح القدس“(مت19:28). هذا يعني التساوي حسبما نفهم من الكلمات التي تُسَلَّم في المعمودية. لأن علاقة الروح بالابن هيَ نفسها علاقة الابن بالآب. وإذا حسبنا الروح مع الآب، والابن مع الآب نجد أنه واضح جدًّا أن الروح يُحسَب مع الآب. وهذا يعني بدوره التساوي في كلّ شئ. وطالما أن أسماء الأقانيم هيَ في الله الواحد، فكيف يمكن أن نحسب واحدًا مع آخر ونرفض حساب الثالث معهما“.
الاحتواء المتبادل περιχωρησισ
أول ظهور لمُصطلح
البريخورسيس كان عند غريغوريوس النيزنزي،[19]
واستخدمه بالأساس للدلالة على العلاقة بين الطبيعتين في المسيح. أمّا استخدام
المصطلح على الأقانيم الإلهيّة فقد ظهر لأوّل مرة عند المطوّب يوحنا الدمشقيّ.[20]
الكلمة اليونانية تنقسم إلى قسمين، الأول: περι (pre) والتي تعني ”حول“، وχώρην (chorein) والتي تحمل معانٍ متعدّدة ”يعطي
مساحة لـ“، ”يتجه نحو“، ”يحتوي“، ”حركة دائرية“ (وهو استخدام الفيلسوف اليوناني
أنتاجوراس).[21]
الكلمة περιχώρησις في مضمونها تعني ”يتبادل
مع الاخر“، ”يتأرجح مع“، ”يحتوي الآخر“، ”يطوف حول“، ”يتحرك دائريًا حول“ .... إلخ[22]
يقول القديس
أثناسيوس:
”كيف يمكن للواحد أن يكون مُحتويًا في الآخر، والآخر فيه؟..”أنا والآب واحد“ (يو 10: 38 ،30). ويضيف: لكي تعرفوا ”إني أنا في الآب والآب فيّ“ (يو10:14). علاوة على هذا يقول: ”من رآني فقد رأى الآب“ (يو9:14). المعنى واحد في هذه العبارة الثلاث. لأن من يعرف أن الآب والابن هما واحد أيضًا أن الابن في الآب والآب في الابن، لأن لاهوت الابن هو ذات لاهوت الآب في الابن... ملء لاهوت الآب حالّ في كيان الابن،والابن هو الله الكامل. لاهوت الابن ونمطه ما هو إلا لاهوت الآبن ونمطه. هذا ما قاله:”أنا في الآب“. وهكذا ”الله كان يقول في المسيح مصالحًا العالم لنفسه“ (2كو 19:5). لأن خاصية جوهر الآب هيَ للابن الذي فيه تصالحت الخليقة مع الله“.
إن وحدة الثالوث
القدوس فريدة، ليست كإمتزاج المواد والسوائل، ولا كوحدة نفس الإنسان بجسده، ولا
كإتحاد لاهوت المسيح بناسوته، لأن الأقانيم الثلاثة جوهرًا إلهيًّا واحدًا واضحًا.
كلّ أقنوم يملأ الأقنوميّن الآخرين وهو محتوى فيهما لكنه متمايز عنهما.
الوجود المتبادل في أقانيم الثالوث مع بقائهم في غير انفصال، أي في وحدة
ذاتيّة كاملة، يعبِّر عنها اللاهوت باصطلاح ”الاحتواء“، ويقابلها في الإنجليزية Coinherence، أمَّا المقابل اللاتيني للكلمة فهو يزيد المعنى وضوحًا circuminsesso، وتفيد أن الأقانيم تحتوي أو ”ترتاح“ في بعضها البعض، وهنا
كلمة ”الارتياح“ تفيد أن وجود الأقانيم في بعضها ليس كمجرد تواجد بل هو ”إرتياح“
أي انسجام مطلق، وهذا الانسجام المطلق هو التساوي المطلق، ومن هنا يبرز معنى ”الوحدة“
ومعنى عدم الانقسام أو الانفصال في الأقانيم بالرغم من تمايز كلّ منها في عمله. وقد استخدَم هذا الاصطلاح ديونيسيوس بابا روما:
”لإنه يتحتم أن يكون ”الكلمة“ الإلهيّ متحدًا مع إله الكون كما يتحتم أن يرتاح الروح القدس ويسكن في الله“.[23]
وهكذا نرى أن الآباء منذ البدء كانوا مهتمين جدًّا بالتأكيد على هذا
الاصطلاح أو على ما يفيد معناه لإثبات الوحدانية في الثالوث بحسب ما جاء في الكتاب
المُقدّس؛ بل وحرصوا جدًّا أن تكون الخاتمة التي يختمون بها عظاتهم وتآليفهم، أي
الذُكصا، تحتوي على هذا المعنى: أي التمايز الأقنوميّ في وحدة الإله الواحد.
يكتب القديس أثناسيوس:
”لأنه حيثما ذُكر الابن ذُكر ضمنًا كلمته والروح القدس الذي هو في الابن، وإذا ذُكر الابن فإن الآب في الابن والروح القدس ليس خارج الكلمة، لأن من الآب نعمة واحدة تتم بالابن في الروح القدس. وهناك طبيعة إلهيّة واحدة وإله واحد ”على الكلّ وبالكل وفي الكل“ (أف4: 6)“.[24]
”وإن كانت توجد في الثالوث القدوس المساواة وهذا الاتحاد، فمن الذي يستطيع أن يفصل الابن عن الآب أويفصل الروح القدس عن الابن أو عن الآب نفسه؟“[25]
[1] De Antichr. 2.
[2] عن
الروح القدس 1: 12: 44.
[3]
الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر، للأب تادرس يعقوب ملطي.
[4] ما
عدا التجسُّد، لأنّه بالرغم من اشتراك أقانيم الثالوث في كلّ عمل، وبالرغم من أنّ
الابن لم يكن في تجسده مُنفصلًا عن الآب والروح القدس، إلَّا إنّ التجسُّد يجب أن
يُنسب خصيصًا للابن، الذي من خلاله حصلنا على البنوة الإلهيّة، والذي كان الطريق
لسكنى الروح، وسرور المُصالحة الإلهيّة مع الآب.
[5] G.
R. Beasley-Murray, The Book of
Revelation (Oliphants, 1974; New
Century Bible).
[6]
The mystery of the Trinity Trinitarian Experience and vision in the biblical
and Patristic Tradition, by Boris Bobrinskoy. Translated by Anthony Gythiel, ST
Vladimir’s Seminary Press Crestwood, NY10707 1999. P 207.
[7]
Adv. Haereses, IV, praefatio 4, PG 7: 975.
[8] الرسالة الأولى إلى سرابيون 20:1
[9] الرسالة الأولى إلى سرابيون 20
[10]
إلى سرابيون31:1
[11]
On the Holy Spirit, Book III, chap. IV, 19-21.
[12]
Ibid, Book III, chap. VI, 82.
[13]Phillip Schaff & Henry Wace, Nicene &
Post Nicene Fathers, vol. VII, Second Series. Hendrickson Publishers June 1995,
5th theological Oration(on the Holy Spirit),Article XXX, p. 328.
[14] Augustine: the Trinity, Book I, Ch.6:12, p.22
VoI. III –First Series
[15]
In 2 Cor. Hom 30:3.
[16] سرابيون14:1
[17]
On the Spirit, Book I, chap. III,
44.
[18]
On the Spirit, chap. XVII,43.
[19]
Epistulae 101, 6.
[20]
Orthodoxa 8, III, 5.
[21]
Richard Livingstone, The Legacy of Greece (Oxford at the Clarendon Press,
1921), 71.
[22]
Leonard Prestige, ”.ΠEPIXΩPEΩ AND ΠEPIXΩPHΣIΣ IN THE FATHERS,” The Journal of
Theological Studies 29, no. 115 (1928): 242.
[23] Dionysius of Rome, De Decretis, ch. 26; Beth.
Bak., op. cit., p. 226.
[24] Athanas, To Serap., I:14.
[25] Ibid. I:20.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق