الخميس، 26 مارس 2026

الهرطقة المونتانية

 


الهرطقة المونتانية

 

مذهب المونتانية (Μοντανισμός)، وهي حركة دينية هرطوقية (αρεσις) نشأت في القرن الثاني في فريجية.[1] أمَّا مونتانوس (Μοντανός) مؤسسها، فقد جمع إلى جانب تقشف (σκησις) مبالغ فيه، صوفية زائفة. فالمونتانية حذت حذو الصوفية. وإلى جانب ذلك، فإنها كانت—تماثل ما كانت عليه الصوفية الزائفة في كل وقت—ثورة تنوير خاصة ضد السلطة الكنسية.

لقد ادعى مونتانوس (Montanus) ومساعدتاه بريسكلا (Priscilla) ومكسيميللا (Maximilla) أنهم منحوا موهبة النبوة التي كان يتمتع بها كثيرون من المسيحيين في العصر الرسولي. وكانوا يقولون إن الملهم الإلهي "البارقليط" (ὁ Παράκλητος) يعاملهم بعنف، ويتحدث على شفاههم. وهذه الموهبة التي يدعي البعض أنها أعطيت لهم تظهر نفسها بطرق غريبة. فالأنبياء لا ينطقون بنبواتهم إلا في حالة تشبه الانجذاب الصوفي والهذيان غير المفهوم الأمر الذي يحرمهم من المصداقية، فضلاً عن تدمير شخصيته (أو شخصيتهما). وبعد أن اعتنق ترتليانوس المونتانية، لم يكن يعرف أي نوع من الانجذاب الصوفي إلا ما رآه في المونتانية. وقد شبهه بالخبل العقلي (madness).[2] وهو يقول إنه فوران عنيف للروح القدس في داخل النبي، وهو حالة لا بد منها لممارسة موهبة النبوة.[3] ولا ريب أن ترتليانوس أوضح سمات الانجذاب الصوفي المونتاني هذه في رسالته المفقودة "في الوجد" (De Ecstasi). وسمات المونتانية الغريبة هذه المبالغ فيها تذكرنا بحالات التلبس الشيطاني والتشنجات التي كانت تصاحبها والتي كانت تحدث في القرن الثامن عشر عند القسيس اليانساني باريس.وتمثل هذه المبالغات وبالتكشف التي كانت شيعته تتبعه نهج مونتانوس في فرض نفسه على الجماهير. وهكذا تظاهر بأنه يفتتح حكم البارقليط، الذي كان يعلن نفسه للبشرية بناء على النبوات المذكورة في إنجيل القديس يوحنا. فقد اقتربت نهاية العالم، وكذلك اقترب المجيء الثاني للمسيح. وسرعان ما سترى أورشليم السماوية وهي نازلة من السماء إلى الأرض. وكان من شأن كثرة الأنبياء الكذبة أن جعل مسيحيي فريجية وآسيا الصغرى إلى الشعور بحالة انجذاب مبالغ فيها. وكان من نتيجة ذلك أن تزعزعت الكنائس، واضطر الأساقفة للتدخل وبالنسبة للحالة اللاهوتية الخاصة بالأنبياء الجدد فقد عارضوا الفكرة التقليدية الخاصة بالنبوة. ذلك أن أنبياء العهدين القديم والجديد لم يكونوا في حالة انجذاب صوفي عندما كانوا يتكلمون بل إنهم احتفظوا بنطقتهم واستخدموا شخصيتهم عندما كانوا يتنبأون. ولم تكن تتملكهم نوبات هذيان كتلك التي كانت تنتاب الرؤساء المونتانيين.[4] وفضلاً عن ذلك، فإنه بالنسبة للرؤى النبوية أو الإعلانات الإلهية التي أنعم بها على الشهداء الكاثوليك، كما في حالة القديسة بربتوا (St. Perpetua) والقرطاجية،[5] وكذلك شهداء ليون، لم تكن هناك هجمات وهذيان كتلك التي اتسم بها المونتانيون. ولقد انتهى الأمر بصدور حرمان كنسي ضد أتباع مونتانوس، وفي مستهل القرن الثالث اضطر مونتانوس إلى الانفصال عن الكنيسة ليصبح مونتانيًا.

وفي حرمان المونتانية ولعنها، وبخت الكنيسة الصوفية الزائفة، كما أنها بإدانتها للإنكراتية (Ἐγκρατῖται) تكون قد رفضت التنسك المبالغ فيه. وكان هذا موقفها الذي لا يتغير تجاه كافة الحركات النسكية أو الصوفية التي تميل إلى المبالغة المفرطة، الجامحة التي تتنافر مع التوجيهات التقليدية لرئاستها. وهي تعاملها على أنها الصيغة الزائفة للروحانية الصحيحة.



[1] انتشرت المونتانية من فريجيا (Φρυγία) إلى المناطق الأخرى ولا سيما أفريقيا حيث اعتنقها ترتليانوس. كما كان لها أتباعها في ليون.

[2] Ecstasin dicimus excessum sensus et amentiae instar (De An. 45).

[3] Encase... Sancti Spiritus vis, operatrix prophetiae (id., 11).

[4] See Eusebius, Hist. Eccl. IV, 27; V, 16, 19.

[5] Acts S. Perpetuae, 4 ff; Ruinart, p. 87.


ليست هناك تعليقات: