الخميس، 12 مارس 2026

الحجة الكونية كدليل على وجود الله عند الفلاسفة، د عبد الرحمن بدوي

 

 


2 - الحجة الكونية

والأدق أن نقول الحجج الكونية لأنها على أنواع، أشهرها ثلاثة:

أ - حجة الحركة والمحرك الأول.

ب - حجة الممكن والواجب.

ج - حجة العلية والعلية الأولى.

فلنأخذ في بيانها بإيجاز:

أ - حجة الحركة والمحرك الأول

ويحسن بنا أن نورد أولاً تلخيص هذه الحجة كما وضعه ابن رشد (المتوفى سنة 595 هـ):

« تبين في العلم الطبيعي أن كل متحرك فله محرك، وأن المتحرك إنما يتحرك من جهة ما هو بالقوة، والمحرك يُحرّك من جهة ما هو بالفعل. وأن المحرك إذا حرك تارة ولم يحرك أخرى فهو محرك بوجه ما، إذ توجد فيه القوة على التحريك حين ما لا يحرك. ولذلك، متى أنزلنا هذا المحرك الأقصى للعالم محركاً تارة، ولا يحرك أخرى، لزم ضرورة أن يكون هناك محرك أقدم منه، فلا يكون هو المحرك الأول. فإن فرضنا أيضاً هذا الثاني يحرك تارة، ولا يحرك أخرى، لزم فيه ما يلزم في الأول. فباضطرار: إما أن يمرّ ذلك إلى غير نهاية، أو تنتهي إلى ههنا محركاً لا يتحرك أصلاً، ولا من شأنه أن يتحرك لا بالذات ولا بالعرض. وإذا كان كذلك، فهذا المحرك أزلي ضرورة ».[1]

وصاغها القديس توما الأكويني (1225 - 1274) كما يلي:

« من البين كما يشهد بذلك الحسّ، أن بعض الأشياء في العالم متحركة. وكل ما هو متحرك فهو متحرك بغيره. ومن المستحيل أن يكون للموجود محركاً ومتحركاً بنفس الطريقة ومن نفس الاعتبار، أعني أن يحرك ذاته وأن ينتقل بذاته من القوة إلى الفعل. وإذن فإن كان الشيء متحركاً، فيجب أن نقول إنه متحرك بغيره. فإذا حدث بعد ذلك أن تحرك الشيء المتحرك بدوره، فلابد أن يكون متحركاً بغيره، وهذا الأخير بآخر أيضاً. لكن لا يمكن السير إلى غير نهاية، لأنه لن يكون ثم حينئذ محرك أول، وسينتج من ذلك أيضاً أنه لن يكون ثم محركون آخرون (أو محركات أخرى)، لأن المحركات الوسطى لا تُحرّك إلا إذا حركها المحرك الأول، مثل العصا لا تُحرّك إلا إذا حركتها اليد. فمن الضروري إذن الوصول إلى محرك أول لا يُحرّكه محرك آخر. وهذا المحرك الأول هو الله ».[2]

وكلتا الصيغتين لهذه الحجة ترجع إلى أرسطو[3] (راجع كتابنا عنه). وينبغي أن تفهم الحركة هنا بكل معانيها: حركة النقلة، حركة الكون والفساد، حركة الاستحالة، وحركة النمو والنقصان، فهي التغير بوجه عام.

 

ب - حجة الممكن والواجب

أول من قال بها الفارابي، وعنه أخذها ابن سينا، فصاغها في كتاب «النجاة» هكذا:

« لا شك أن هنا وجوداً، وكل وجود فإما واجب، وإما ممكن. فإن كان واجباً، فقد صح وجود الواجب - وهو المطلوب. وإن كان ممكناً، فإنا نوضح أن الممكن ينتهي وجوده إلى واجب الوجود.

وقبل ذلك فإنا نقدم مقدمات: فمن ذلك أنه لا يمكن أن يكون، في زمان واحد، لكل ممكن الذات علل ممكنة الذات بلا نهاية، وذلك لأن جميعها إما أن يكون موجوداً معاً، وإما أن لا يكون موجوداً معاً. فإن لم يكن موجوداً معاً غير المتناهي في زمان واحد، ولكن واحد قبل الآخر، فليؤخر الكلام في هذا. وإما أن يكون موجوداً معاً، ولا واجب وجود منه: فلا يخلو إما أن تكون الجملة، بما هي تلك الجملة، سواء كانت متناهية أو غير متناهية - واجبة الوجود بذاتها، أو ممكنة الوجود. فإن كانت واجبة الوجود بذاتها، وكل واحد منها ممكن، يكون الواجب الوجود متقدماً بممكنات الوجود - هذا خلف. وإن كانت ممكنة الوجود بذاتها فالجملة محتاجة في الوجود إلى مفيد الوجود، فإما أن يكون خارجاً عنها، أو داخلاً فيها. فإن كان داخلاً فيها: فإما أن يكون واحد منها واجب الوجود، وكان كل واحد منها ممكن الوجود - هذا خلف. وإما أن يكون ممكن الوجود، فيكون هو علة لوجود الجملة، وعلة الجملة علة أولاً لوجود أجزائها، ومنها هو - فهو علة لوجود نفسه. وهذا - مع استحالته - إن صح فهو من وجه ما نفس المطلوب: فإن كل شيء يكون كافياً في أن يوجد ذاته فهو واجب الوجود. وكان ليس واجب الوجود. هذا خلف.

فبقي أن يكون خارجاً عنها، ولا يمكن أن يكون علة ممكنة، فإنا جمعنا كل علة ممكنة الوجود في هذه الجملة. فهي إذن خارجة عنها، وواجبة الوجود بذاتها.

فقد انتهت الممكنات إلى علة واجبة الوجود. فليس لكل ممكن علة ممكنة بلا نهاية ».[4]

أما القديس توما الأكويني فيقول في هذا البرهان:

يوجد أشياء تتكون وتفسد، وتبعاً لذلك يمكن أن توجد أو لا توجد. لكن من المستحيل أن توجد كل الأشياء التي من هذا النوع دائماً، لأنه حين يكون من الممكن ألا يوجد شيء ما، فإنه في وقت ما لا يوجد هذا الشيء بالفعل. فإذا كان من الممكن لكل الأشياء ألا توجد، فإنه في وقت ما لم يكن يوجد أي شيء على الإطلاق. ولكن إذا كان هذا صحيحاً، فإنه حتى الآن لا يوجد شيء، لأن ما لا يوجد لا يبدأ في الوجود إلا بواسطة شيء موجود بالفعل. وإذن، لو لم يكن يوجد شيء، لكان من المستحيل أن يبدأ شيء في الوجود، ولما كان يوجد شيء الآن أيضاً - وهذا واضح البطلان. وإذن فليست كل الموجودات ممكنة، بل لا بد من وجود كائن واجب الضرورة. وهذا الكائن الواجب إما أن تكون علة ضرورته مستمدة من خارج، أو لا تكون. وكما هو الحال في العلل الفاعلة، لا يمكن السير إلى غير نهاية في الكائنات الضرورية التي لها علة لضرورتها. وإذن فلا بد من التسليم بوجود كائن هو واجب بذاته، ولا يستمد ضرورة وجوده من غيره، بل هو العلة في ضرورة وجود الكائنات الأخرى. وهذا ما نطلقه عليه اسم الله.[5]

ويقوم هذا البرهان على مقدمتين هما أساساه: الأولى أن الممكن Contingent يمكن أن يكون وألاّ يكون، بعكس الواجب وهو ما لا يمكن ألا يكون. والثانية أن الممكن لا يستمد وجوده من ذاته، أي من ماهيته، بل من علة فاعلية هي التي تمده بالوجود. وهذا بدوره يفترض أمرين: الأول أن الوجود يتميز من الماهية ويضاف إليها؛ والثاني أنه لا يمكن الصعود في سلسلة العلل الفاعلية إلى غير نهاية.

 

جـ - حجة العلّية والعلة الأولى

وهي قريبة الشبه من الحجة السابقة. وترجع إلى أرسطو[6] في إبطاله للتسلسل إلى غير نهاية في سلسلة العلل بأنواعها الأربعة: المادية، والصورية، والفاعلية، والغائية.

وخلاصتها كما يعرضها القديس توما:

إننا لو نظرنا في المحسوسات لوجدنا فيها نظاماً من العلل الفاعلية. كذلك نلاحظ أننا لا نعثر على موجود هو علة غائية لذاته. ولما كانت العلة بالضرورة سابقة على المعلول، فإن الموجود الذي سيكون علة ذاته يجب أن يسبق ذاته، وهذا مستحيل. ثم إنه من المستحيل الصعود إلى غير نهاية في سلسلة العلل الفاعلية المرتبة. فكما هي الحال في العلل المحركة وأنها مرتبة بحيث أن الأولى علة محركة للثانية، والثانية للثالثة، وهكذا، فكذلك الحال في العلل الفاعلية: كل واحدة منها علة في التي بعدها، وهكذا، وسواء أكانت العلل الوسطى التي تفصل العلة الأولى عن الأخيرة واحدة أم كثيرة. وفي كلتا الحالتين، وأياً ما كان عدد العلل الفاعلية الوسطى، فإن العلة الأولى هي العلة في آخر معلول، حتى إننا لو ألغينا العلة الأولى، فلن يكون ثمة علل وسطى ولا علة أخيرة ولا معلول أخير. لكننا نلاحظ أن في العالم عللاً وسطى ومعلولات. فمن الواجب إذن الاقرار بوجود علة أولى هي التي يسميها الناس جميعاً باسم: الله.[7]

وكما هو واضح هنا، يقوم البرهان على أساس استحالة التسلسل إلى غير نهاية في سلسلة مرتبة من العلل والمعلولات، وضرورة التوقف عند علة أولى، هي علة العلل.

ونقد هذه الحجج الكونية تشعب جداً، فلا مجال لعرضه في هذا الكتاب.


بدوي، عبد الرحمن. مدخل جديد إلى الفلسفة. بيروت: دار القلم. القسم الثالث: الإلهيات، الفصلان الأول والثاني، ص 211–232.


[1] ابن رشد: « تلخيص ما بعد الطبيعة »، ص 124، تحقيق د. عثمان أمين، القاهرة سنة 1958.

[2] St. Thomas d'Aquin: Summa theologica, I a, q. 2, art. 3.

[3] أرسطو: « الطبيعة » المقالة الثامنة، الفصل الخامس، ص 311 أ س 4 وما يلو؛ « ما بعد الطبيعة »، المقالة الثانية عشرة، الفصل السادس، ص 1071 ب س 3 وما يليه.

[4] ابن سينا: « النجاة » ص 235، القاهرة، طبعة محي الدين صبري الكردي، ط 2 سنة 1938.

[5] St. Thomas d'Aquin: Summa theologica, I a, q. 2, art. 3

وراجع جيلسون : «التوماوية» ط ٦ ص ٨٠ - ٨١. باريس، فران، سنة ١٩٦٥.

[6] أرسطو : «ما بعد الطبيعة» المقالة الثانية، الفصل الثاني ص ٩٩٤ أ س.

[7] St. Thomas : Sum. theol., I, 2, 3, ad resp.

وراجع جيلسون: «التومادية» ط ٦ ص ٧٧؛ باريس، فران، سنة ١٩٦٥.


ليست هناك تعليقات: