الاثنين، 16 مارس 2026

شرح عقيدة الثالوث، د جورج فرج

 


شرح عقيدة الثالوث[1] د جورج فرج

 

اهتم آباء الكنيسة بشرح العقيدة المسيحية وصياغة التعبيرات اللاهوتية الدقيقة للحفاظ على نقاوة الإيمان، لذلك فسوف نحاول أن نأخذ فكرة مبسطة عن عقيدة الثالوث وألوهية السيد المسيح في ضوء تعاليم الآباء بطريقة مبسطة بسؤال وجواب.

 

هل حقاً نؤمن بإله واحد؟

نعم نؤمن بإله واحد لأننا ببساطة نعبد إله واحد لأن العبادة هي الترجمة العملية للإيمان، فلا يمكن أن نعبد من لا نؤمن به، أو نؤمن بمن لا نعبد.

 

كيف يكون الله واحد ونحن نؤمن بالآب والابن والروح القدس؟

صحيح نحن نؤمن ونقدم العبادة للآب والابن والروح القدس، لكن نقدم عبادة واحدة وحيدة لهم، وليس ثلاث عبادات، فنحن لا نوزع العبادة على الثالوث بمقادير، فلا نتعبد للآب بمقدار ثم للابن بمقدار ثم للروح بمقدار، فالذي يؤمن بتعدد الآلهة عليه أن يقدم عبادة مستقلة لكل إله حتى يرضيه، وهذا أمر بعيد تماماً عن الإيمان والعبادة.

المسيحية، فلا يوجد أي مسيحي في العالم في أي مكان أو أي زمان أرثوذكسي في معتقده، يوزع عبادته بمقادير على الثالوث. هذا هو السبب الرئيسي للاعتقاد بوحدانية الإله.

 

توجد صلوات توجه للآب وأخرى للابن وأخرى للروح، أليس هذا تعدد في العبادة؟

كلا، لأن أي عبادة موجهة للآب فهي موجهة للابن والروح القدس، فأي عبادة لأي أقنوم موجهة للأقنومين الآخرين وبالتالي موجهة لله. ومن ثم فلا توجد فكرة توزيع العبادة بمقادير لكل أقنوم حتى يدعي أحد علينا بتعدد الآلهة.

 

كيف أن كل عبادة توجه لأقنوم موجهة للأقنومين الآخرين؟

لأن كل أقنوم في الثالوث حال وموجود وقائم بتمامه في الأقنومين الآخرين أي أن كل أقنوم يحتوي في داخله الأقنومين الآخرين، كما أكد السيد بوضوح "أنا في الآب والآب فيّ" (يو ١٤: ١٠)

ἐγώ ἐν τῷ πατρί, καὶ ὁ πατὴρ ἐν ἐμοί ἐστιν

 

ويؤكد أن "الآب الحالّ فيّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ." أي أن الآب معهم وكائن فيه بكامله

ὁ δὲ πατὴρ ὁ ἐν ἐμοὶ μένων, αὐτὸς ποιεῖ τὰ ἔργα.

أي أنني كائن وموجود بكمالي وتمامي في أبي وأبي أيضاً قائم وموجود فيّ بكماله، وعلى أساسه تكون أي عبادة موجهة للآب هي عبادة موجهة للابن، وبالمثل فالروح القدس حال وكائن في الآب والابن، وهما الاثنان كائنين فيه.

 

إن كان العهد الجديد قد تحدث عن الآب والابن والروح القدس، فما هو سبب الإصرار على الحديث عن وحدانية الله؟ لماذا لم يتحدث صراحة عن ثلاث آلهة مميزة عن بعضها؟

وقت كتابة الأسفار المقدسة وظهور الإيمان المسيحي كان العالم كله يعج بعبادات كثيرة، وبالتالي فإن مفهوم تعدد الآلهة كان مقبولاً عند الجميع باستثناء الأمة اليهودية، التي على النقيض، كانت تؤمن وتعتقد بوحدانية الله، وقد جاء الإيمان المسيحي وهو في حالة صراع مع اليهود، فلم يكن هناك أي مشكلة أن تجاهر المسيحية بتعدد الآلهة بما يتوافق مع الفكر العالمي آنذاك، ولكن أصرت المسيحية على وحدانية الله، إذن، لم يكن هناك أي ضغط خارجي على المسيحية حتى تجاهر بما تعتقد إن كانت تؤمن حقاً بتعدد الآلهة، بل على العكس سوف تجد مساحة واسعة من التقبل في العالم الوثني الذي كان يعتقد بالتعدد.

ولكن بالرغم من ذلك يصر كُتّاب العهد الجديد على التأكيد على وحدانية الله في كثير من المواضع: "كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تُؤْمِنُوا وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ مَجْدًا بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَالْمَجْدُ الَّذِي مِنَ الإِلهِ الْوَاحِدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ؟" (يو ٥: ٤٤)

فالعبارة اليونانية τοῦ μόνου θεοῦ تعني الإله الوحيد، كما جاءت في إحدى الترجمات الإنجليزية the one and only God هنا يتضح التشديد على وحدانية الله، والأمثلة على ذلك كثيرة، وهذا الإصرار يرجع لأن الإعلان الإلهي يشدد على وحدانية الله.

 

وكيف نفسر إصرار المسيحية على تعدد الأقانيم ووحدانية الله في آن واحد؟

السبب في ذلك يرجع كما قلنا هو الإعلان الإلهي الذي شدد على وحدانية الله وفي نفس الوقت شدد أيضاً على أنه مثلث الأقانيم :الآب والابن والروح القدس. ووحدانية الله ترجع لعدة أسباب وهي:

١- كما قلنا أن كل أقنوم كائن ومستقر في الأقنومين الآخرين وفقاً لإعلان السيد المسيح (أنا في الآب والآب فيّ) وهذا ما يعرف بـالاحتواء المتبادل بين أقانيم الثالوث περιχώρησις.[2]

٢- وحدة الجوهر الإلهي، فالثلاثة أقانيم لهم نفس الجوهر الوحيد οὐσία ونفس الطبيعة φύσις.

٣- وبالتالي فالثلاثة أقانيم لهم نفس المشيئة والإرادة θέλησις ومن ثم ينعدم تماماً فكرة تعدد الآلهة طالما توجد مشيئة وحيدة.

٤- لا يمكن اعتبار الأقانيم أنها ثلاث آلهة لأنها متحدة وغير منفصلة فالابن والروح القدس يصدران عن الآب ولكن بدون انفصال عنه.

٥- نحن نؤمن بإله واحد لأنه يوجد علة واحدة في الثالوث ومصدر وحيد هو الآب الذي يصدر عنه الأقنومين الآخرين بدون انفصال.

 

ما معني الولادة والانبثاق من الآب؟

الابن يولد من الآب ولادة حقيقية، وليست مجازية ولكنها بالطبع ليست جسدية، لأن الله روح وليس له جسد أبداً و هذه الولادة بدون انفصال وهي غير زمنية أي أنها أزلية، وبالمثل الروح القدس ينبثق من الآب بدون انفصال، هنا نري أن الآب هو مصدر وأصل الألوهية، وإننا نُعرف - الأقنومين الآخرين - في قانون الإيمان من خلال علاقتهما بالآب، فالابن مولود من الآب قبل كل الدهور والروح القدس منبثق من الآب وفي نفس الوقت نؤكد على أن صدور هذين الأقنومين عن الآب لا علاقة له بالزمن نهائياً، وأن هذا الصدور لا يُحدث تغير في أقنوم الآب لأنه صدور أزلي ودائم بلا انقطاع.

ونشدد علي أن ولادة الابن من الآب هي ولادة حقيقية وليست مجزية أو معنوية، ولكن بكل تأكيد فهي ليست ولادة جسدية لأن جوهر الله غير مادي، فالله روح بحسب إعلان السيد المسيح للمرأة السامرية، أي أن الله طبيعته روحية وليست جسدانية أو مادية حتي يمكن حصرها في مكان، فالولادة الجسدية هي خروج جسد من جسد، وهذه الولادة الجسدية تتصف بالانفصال والفرق الزمني بين وجود الوالد والمولود، بينما ولادة الابن من الآب ليست زمنية أي أنه لم يكن هناك وقت كان الآب موجوداً بدون الابن ولا يوجد في هذه الولادة انفصال، وفي نفس الوقت نشدد على أنها ولادة حقيقية وليست معنوية أو مجازية وذلك لأن الابن له وجود حقيقي، كما أنها ليست بنوة بالتبني أو النعمة وذلك لأن الابن جوهره هو من نفس جوهر الآب وليس شبيهاً للآب.

نفس الأمر نقوله عن الروح القدس أنه من ذات جوهر الآب وانبثاقه هو حقيقي وليس مجازي أو معنوي، وهذا الانبثاق ليس جسدي، أو زمني، فلم يكن هناك وقت كان الآب موجوداً بدون الروح القدس أو الابن.

 

 



[1] عن كتاب، الاحتكام للآباء، الفصل السابع، د جورج فرج

[2] هو تعبير يصف علاقة الكينونة المتبادلة بين أقانيم الثالوث وهو تعبير استخدم في القرن الثالث في إطار الكريستولوجي، غير أنه قد استخدم فيما بعد في ما يخص التعاليم عن الثالوث، وذلك في القرن السابع في الأعمال المنسوبة للقديس كيرلس Pseudo-Cyril، واستخدمها فيما بعد مكسيموس المعترف، وهو من معلمي الكنيسة البيزنطية في القرن السابع (أي بعد انشقاق خلقيدونية عام ٤٥١) ويعرف هذا التعبير بالإنجليزية بـ Perichoresis, circumincession.


ليست هناك تعليقات: