لتحميل البحث كاملًا اضغط هُنا
كيف أنّ المسيح
صار لعنة؟
للقديس ساويرس الأنطاكي[1]
من بين الثلاثة آلاف رسالة أو أكثر التي نعلم
أن القديس ساويرس قد كتبها خلال خدمته النشطة للغاية، لدينا عدة مئات بقيت محفوظة
حتّى عصرنا هذا. والرسالة رقم 65 (LXV)
تحمل عنوان: "من القديس ساويرس إلى يوبراكسيوس الخصي [The
Chamberlain] حول الأسئلة التي وجهها إليه".
كان يوبراكسيوس وزيرًا للإمبراطور، وخصيًا فِي غرفة
النوم الإمبراطورية، وكان معروفًا كداعم للحركة غير الخلقيدونية. وقد أهدى المؤرخ
الكنسي زكريا الميتيليني الكتاب الثالث من تاريخه ليوبراكسيوس، كما ذُكر فِي سيرة
ساويرس كأحد الأفراد الأرثوذكس فِي البلاط الإمبراطوري الذين رتبوا زيارة القديس
ساويرس للإمبراطور فِي العاصمة.
وجه يوبراكسيوس إليه سلسلة من الأسئلة عبر
الرسائل، وفي الرسالة رقم 65 يجيب القديس ساويرس. وكان أحد الأسئلة هو كيف يمكن
القول إن المسيح قد صار لعنة لأجلنا؟!
يكتب القديس ساويرس بشيء من التفصيل، وخلال هذا
المقال سيتم عرض حجته بطريقة شاملة، وسيتم النظر بعمق فِي التفسير الذي قدمه
القديس ساويرس. فهو يجمع بين مجموعة متنوعة من المفاهيم الخلاصية [soteriological] التي تميز تعليم وفهم القديس ساويرس.
من الضروري تمامًا ألا تخضع نصوص الآباء لمنهج
"نصوص الإثبات" [proof text approach]،
حيث لا توجد محاولة للمصارعة مع فهم حجة أو تفسير كامل. فهذا لا يؤدي إلى دراسة
آبائية [Patristics]
صحيحة، بل يجعل نصوص الآباء خاضعة لتصوراتنا المسبقة وآرائنا اللاهوتية. بل على
العكس، يجب أن نأخذ الوقت الكافي للاستماع بعمق لكلمات الآباء، لكي نتشكَّل نحن
بشرحهم للحق المسيحي بينما نسعى لنيل بصيرة فِي الحجج الكاملة من خلال دراسة شاملة
فِي العمق والاتساع. ولا يوجد مكان يكون فيه هذا الأمر أكثر أهمية مما هو عليه فِي
التأمل فِي قضايا الخلاف. فِي مثل هذه الحالات، يكون مُجرّد سرد نصوص الإثبات
المأخوذة من سياقها أسوأ من عدم الفائدة، بل وينتج تبريرًا آبائيًا زائفًا لآرائنا
الخاصة بدلًا من تقديم وصف رصين لتعليم الآباء الحقيقي.
تجد تعليقًا على كل فقرة في الرسالة مرفقًا
بالهامش.
الرسالة رقم 65
(LXV)
2. إن كان قد صار إنسانًا ليحرر جنسنا من قيود
الجرائم السابقة، وأخذ على نفسه نسل إبراهيم، وجسد طبيعتنا، ووحد بنفس بشرية لنفسه
أقنوميًا، فإنه جعل كلّ ديون جنسنا التي كنا خاضعين لها خاصة به.[2]
3. لأننا ملعونون، وقد وقعنا تحت عقوبة اللعنة،
وسمعنا الكلمات: «تراب أنت وإلى تراب تعود»، و«ملعونة الأرض بسبب عمل يديك»،
و«بعرق وجهك تأكل خبزًا»؛ وقد صار هو باكورة طبيعتنا.[3]
4. فلأنه أخذ عليه نسل إبراهيم، قيل عنه
بالتالي إنه صار تلك الأشياء التي كانت طبيعتنا خاضعة لها. ومع ذلك لم يكن
خاضعًا لهذه الأشياء للحظة من الزمن، بل بالأحرى بعد أن طُبقت عليه عبثًا، دمرها.
تمامًا مثل الشمس عندما تشرق فِي بيت كئيب ومظلم، فبمجرد أن ترسل شعاعها، تبدد
الظلمة، لأنها هِيَ نفسها لا تتأثر بالظلمة، وبنفس الطريقة أيضًا الإله الكلمة
الوحيد، شمس البر، بمجرد اقترابه من طبيعتنا، بدد اللعنة أيضًا.[4]
5. لأن العذراء القديسة، التي حبلت بالحبل
الإلهي غير الفاسد، سمعت على الفور من أليصابات التي تحركت إلهيًا، أي خادمة
المعمدان، الكلمات: «مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ
بَطْنِكِ! فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟». فلو
لم تعلم أن الرب هو الذي حبلت به مريم والدة الإله [Theotokos]،
لما كانت قد صرخت: «مُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ».[5]
6. واتفاقًا مع هذا، فإن ربنا نفسه أيضًا بدد
اللعنة بكلماته، لكي لا تعود الأرض "ملعونة بسبب عمل يديك"، قائلًا:
«اعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ
الأَبَدِيَّةِ الَّذِي يُعْطِيكُمُ ابْنُ الإِنْسَانِ»، وليس: «بِعَرَقِ وَجْهِكَ
تَأْكُلُ خُبْزًا»، بل: «أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ
السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ»،
وأكثر من ذلك بدلًا من: «تُرَابٌ أَنْتَ وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ»، قال: «هذِهِ
مَشِيئَةُ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كلّ مَنْ يَرَى الاِبْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ
تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ».[6]
7. إنك ترى أنه فِي جميع النقاط، بصيرورته
هو نفسه لعنة، يصبح هو مبدد اللعنة، وهذه اللعنة يحملها فوق الصليب، ومن ثمَّ يطردها؛
لأنها غُلبت بالناموس الذي قال: «مَلْعُونٌ مِنَ اللهِ كلّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى
خَشَبَةٍ». وهو نفسه خضع للموت الملعون الذي كان لأجلنا، ومن ثمَّ بارك الجنس
البشري كله؛ والبار بولس يشهد بذلك إذ يكتب إلى أهل غلاطية ويقول:
«اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً
لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: مَلْعُونٌ كلّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ، لِتَصِيرَ
بَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ لِلأُمَمِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ».[7]
8. هكذا أيضًا قيل عنه إنه صار خطية، لأنه
احتمل الموت الذي كان حق الخطاة؛ فبينما هو نفسه بر الآب النقي، صُلب بين
لصين؛ ولكن هذين صُلبا بسبب جرائمهما، ووفقًا للمقطع فِي إنجيل مرقس الذي يقول:
«فَصَلَبُوا مَعَهُ لِصَّيْنِ، وَاحِدًا عَنْ يَمِينِهِ وَآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ.
فَتَمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: "وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ"».[8]
9. هكذا، صار خطية ليغفر خطايا الآخرين:
وهكذا وبالمثل دفع الدين الذي استُحق علينا، وصرنا نحن أنفسنا برًا فيه؛ لأن أولئك
الذين تحرروا من الديون هم أبرار ولا يوصفون بأنهم تحت المسؤولية.[9]
10. ولأنه خلال وقت تأنسه لم يفعل خطية، لذلك
أيضًا لم يوجد فيه إثم، بل أظهر نفسه بارًا، أي أنه هو البر؛ وعندما صار جسدًا،
تبررت كلّ طبيعتنا مرة أخرى فيه كما فِي باكورة؛ وهذا ما قاله الحكيم بولس
لأهل كورنثوس عن الآب: «لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً،
خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ».[10]
11. وهذا أيضًا نُفذ فِي طقس الناموس أيضًا؛ لأن
التيسين اللذين أُلقيت عليهما القرعة كانا رمزًا للمسيح مخلصنا، المكون من عنصرين،
أعني اللاهوت الكامل والناسوت: والواحد، الذي وقعت عليه قرعة الرب، ذُبح،
بينما أُطلق الآخر إلى البرية التي لا يُعبر فيها، والذي سُمي أيضًا «المُطلق»،
الذي نال التسمية أيضًا من الحقيقة ذاتها؛ لأنه أُطلق، ولكن لم يُطلق ببساطة، بل
بالطريقة التي ذكرها الكتاب؛ لأنه قال ما يلي: «وَيُقَدِّمُ التَّيْسَ الْحَيَّ.
وَيَضَعُ هَارُونُ يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِ التَّيْسِ الْحَيِّ، وَيُقِرُّ عَلَيْهِ
بِكُلِّ ذُنُوبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكُلِّ مَعَاصِيهِمْ مَعَ كلّ خَطَايَاهُمْ،
وَيَجْعَلُهَا عَلَى رَأْسِ التَّيْسِ، وَيُرْسِلُهُ بِيَدِ مَنْ يُلاَقِيهِ إِلَى
الْبَرِّيَّةِ، لِيَحْمِلَ التَّيْسُ عَلَيْهِ كلّ ذُنُوبِهِمْ». هذا إذًا تمَّ
هكذا فِي حالة التيسين أيضًا، أن الواحد ذُبح والآخر أُطلق.[11]
12. إننا نرى بوضوح المعنى الخفي الذي يتعلق
بالصليب: لأن الرمز يشير إلى أن نفس المسيح الواحد تألم فِي الجسد ولكنه ظل
بغير ألم من حيث إنه إلهًا حقًا. لأن الشخص نفسه قد فُرز بالقرعة للرب وذُبح
(لأنه «أَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً لِلَّهِ رَائِحَةً
طَيِّبَةً»)، ويمضي بغير ألم حاملًا خطايا كلّ إسرائيل، التي فِي رمز هارون تمَّ الاعتراف
بها فوق رأس التيس: لأنه يظهر نفسه بوضوح كونه هو نفسه إلهًا حقًا، الذي له نعترف
بخطايانا وفقًا للناموس؛ لأنه يقول: «أَعْتَرِفُ لَكَ، يَا رَبُّ، بِخَطَايَايَ،
وَأَنْتَ تَغْفِرُ إِثْمَ قَلْبِي»؛ لأنه بالرغم من أنه «كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى
الذَّبْحِ»، إلا أنه، «مَنْ يَصِفُ جِيلَهُ، لأَنَّ حَيَاتَهُ تُنْتَزَعُ مِنَ
الأَرْضِ؟»، لأنه بلا بداءة كإله، وهو حياة فِي طبيعته، لأنه انتُزع ورُفع من
الأرض.[12]
13. حقًا قيل عنه بالإشارة إلى الرمز إنه
سيُطلق إلى البرية التي لا يُعبر فيها؛ لأن تلك البلاد لا يُعبر فيها لكل طبيعة
خارجة، وهي قابلة للعبور له هو الذي صار متجسدًا فقط، أعني عرش الملكوت، الذي يجلس
عليه عن يمين الآب، حاملًا خطايانا؛ لأن يوحنا أيضًا الكارز جهير الصوت وسفير
الكلمة نفسه صرخ وقال: «هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ
الْعَالَمِ!». لأن الشخص نفسه يُسمى تارة تيسًا، وتارة أخرى حملًا؛ وهو يظهر أنه
جاء ليتألم ليس فقط لأجل الخطاة، بل أيضًا لأجل الأبرار؛ لأن الموت مَلَك «حَتَّى
عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا» أيضًا، كما قال بولس أيضًا. وبناءً على ذلك،
الحمل هو رمز الأبرار، والتيس رمز الخطاة؛ لأن الأبرار يقفون كخراف عن اليمين،
والخطاة كجداء عن اليسار. لا يظن أحد أنه من خلال رمز التيسين يظهر لنا مسيحين،
واحدًا قابلًا للألم والآخر غير قابل للألم، بل هو الواحد نفسه، قابل للألم فِي
الجسد، ولكن غير قابل للألم فِي لاهوته.[13]
14. فبالفعل لم يكن
تيس واحد كافيًا للدلالة على ما تمت الدلالة عليه باثنين (إذ كيف كان ممكنًا للشخص
نفسه أن يُذبح ولا يُذبح؟)، لإظهار أن المسيح ذاق الموت فِي الجسد، وهو فِي لاهوته
مرتفع فوق الألم. أليس من الواضح إذًا أن تيسًا آخر قد أُخذ بالضرورة، لكي
تُعلن الحقيقة الواحدة إعلانًا كاملًا ورمزيًا فِي الاثنين؟[14]
15. تمامًا مثل
المصور، عندما يصور قصة إبراهيم، يصوره عدة مرات؛ تارة وهو يسمع الله يقول له:
«قَدِّمِ ابْنَكَ لِي مُحْرَقَةً»، وتارة وهو يقطع الحطب، وتارة أخرى وهو يربط
إسحاق ويضعه على الحطب، وتارة ويده ممسكة بالسكين وممدودة لذبحه ومحبوسة بالصوت
السماوي القادم من فوق؛ ونحن لا نظن أن إبراهيم الواحد صار كثيرين لأن الشخص
نفسه قد صُور عدة مرات، وبالفعل لم تكن صورة واحدة كافية لتروي القصة كاملة؛
هكذا أيضًا فِي التمثيل الظلي للرمز، ومن أجل إيضاح الحقيقة تمامًا، أُخذ تيسان، ونحن
لا نقسم المسيح الواحد إلى اثنين، بل نعلن أنه واحد من طبيعتين، اللاهوت الكامل
والناسوت، وفقًا لإيمان الكتب الإلهية، وكلمات الآباء الموحى بها من الروح، وهي
المصادر التي نتكلم منها بهذه الأشياء أيضًا.[15]
16. إن كون التيسين
يرمزان للمسيح الواحد هو أمر واضح من رمزية القرعة؛ لأن الكاهن هارون لم يختر أحد
التيسين عشوائيًا ليُذبح، بل أوكل الأمر لعدم يقين القرعة، لكي يظهر بهذا
الوحدة الأولية بين الله الكلمة وجسده. فبما أنه هو نفسه إله غير قابل
للألم وحر، ولكنه بسبب الاتحاد بجسد يمتلك نفسًا ناطقة قد حُكم عليه بالموت، رغم
أنه فِي طبيعته غير مائت؛ هكذا أيضًا التيس الواحد الذي كان سيُطلق إلى البرية
رمز إلى عدم قابلية لاهوت الواحد الوحيد للألم، وكان تحت حكم الذبح؛ لأن
القرعة التي أُلقيت عليه، سواء كان سيُذبح أو يُطلق، كانت غير يقينية. وبناءً
عليه، من الواضح أن التيسين يشيران إلى المسيح الواحد، وأن الشخص نفسه تألم فِي
الجسد، وبكونه إلهًا، ظل مرتفعًا فوق الآلام.[16]
17. ولا يظن أحد أيضًا،
مقلدًا جنون الوثنيين، أن التيس المُطلق قد فُرز وأُطلق إلى البرية من أجل شيطان
ما؛ لأن هذا خروج عن نواميس موسى، إذ قال: «اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ
إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ»، وأيضًا: «الرَّبَّ إِلهَكَ تَتَّقِي، وَإِيَّاهُ
وَحْدَهُ تَعْبُدُ، وَبِهِ تَلْتَصِقُ، وَبِاسْمِهِ تَحْلِفُ»، و«لاَ تَسِيرُوا
وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى»؛ وأيضًا فِي موضع آخر: «وَلاَ تَذْكُرُوا اسْمَ آلِهَةٍ
أُخْرَى، وَلاَ يُسْمَعْ مِنْ فَمِكَ»؛ وأيضًا: «لاَ تَسْجُدْ لآلِهَتِهِمْ، وَلاَ
تَعْبُدْهَا، وَلاَ تَعْمَلْ كَأَعْمَالِهِمْ، بَلْ تُبِيدُهُمْ وَتُكَسِّرُ
أَنْصَابَهُمْ، وَتَعْبُدُونَ الرَّبَّ إِلهَكُمْ فَقَطْ». فكيف يمكنه بالعقلية
نفسها أن يكسر أنصابهم (ولم يسمح بذكر اسم آلهة أخرى على الإطلاق بجانب الرب الإله
الواحد)، ومن ناحية أخرى يفرز التيس لآخر بجانبه وكأنه لروح شرير، ويسترضي هذا الروح
بهذه الطريقة؟[17]
18. ولكن من الواضح أن
التيسين قد قُدما لإكرام إله واحد فقط، وأتما الرمزية التي ذكرناها سابقًا، وقد
أُلقيت قرعتان، وذُبح أحدهما للرب، وأُطلق الآخر على طريقة فرز القرعة، ولذلك سُمي
«المُطلق». لو كان قد قال: «تيس واحد للرب، وتيس واحد للمُطلق»، لربما وجدت تهمتهم
بعض القبول من الكتاب الإلهي، لأنه قال: «قُرْعَةً وَاحِدَةً لِلرَّبِّ،
وَقُرْعَةً لِلْمُطْلَقِ»؛ فمن الواضح أن الواحد قد فُرز لغرض الذبح، والآخر قد
أُطلق للرب، وليس لآخر مختلف عنه؛ لأن هذا ما قاله الكتاب الإلهي: «وَأَمَّا
التَّيْسُ الَّذِي وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ لِيُطْلَقَ، فَيُوقَفُ حَيًّا
أَمَامَ الرَّبِّ لِيُطْلَقَ فِي الإِطْلاَقِ».[18]
19. ولكن بعض
العبرانيين المتعلمين، أي بالأحرى أولئك الذين هم أقدم من هؤلاء العبرانيين، قالوا
«قرعة واحدة للرب، وقرعة واحدة للذي أُطلق»، لكي يُرى فِي جميع النقاط وحتى من
خيال الوثنيين، أو للحديث بلياقة، من قلة إرشادهم، أن تهمتهم ضد قوانين موسى
المقدسة هِيَ بلا قبول. لأن أولئك الذين ارتقوا فِي الفلسفة بعد الديانة المسيحية،
وحاولوا تزيين عبادة الشياطين بطريقة وقورة، كما يقولون هم أنفسهم نيابة عن آخرين،
يقولون عن إلههم الذي يُدعى «مبلكيوان» [mblkhywn]: «لا ينبغي
أن نذبح للآلهة، بل بنقاء العقل نسترضيهم ونكرمهم»؛ ولكن الرجال الذين كانوا
مقيدين بالسلسلة نفسها معهم قالوا إن على الرجال أن يقدموا بجد ذبائح للأرواح
الشريرة التي تبتهج بالدم، ليس لكي يُسَاعدوا، بل لكي لا يؤذوا.[19]
20. فإذا كان موسى قد فرز وأطلق أحد التيسين
لشيطان، فبحسب جنون هؤلاء الرجال كان ينبغي له أن يأمر بذبح هذا التيس للشيطان،
وكان ينبغي لمن يُسر بالدم أن يفرح بدمه. ولكن الآن فإن العكس تمامًا هو الحاصل:
فالذي فُرز لله العلي قد ذُبح، بينما الآخر، المُطلق، أو كما يرغبون أن يقولوا،
ذاك الذي فُرز لشيطان شرير، قد أُطلق إلى البرية بدون دم وبدون ذبيحة. وبكل هذه
الحجج تمَّ تفنيد الجنون البارع للوثنيين، الذين رغبوا فِي تلطيخ الكتاب الإلهي
بلوم عباداتهم لشياطين كثيرة، وهم رجال لم يتورعوا عن تسمية الذبائح المعتادة
لأوثانهم بـ «المُطلقة»، من أجل إثبات ضلالهم من خلال تماثل خادع فِي الاسم.[20]
21. هذه الأشياء ذكرناها باختصار رغبةً فِي إظهار
كيف صار يسوع خطية لأجلنا، لكي نصير نحن فيه بر الله. لقد احتمل موتًا كان لأجلنا،
هو الذي من أجل خطايانا جميعًا صار خاضعًا، هو الذي لا يعرف خطية، لأنه وفقًا لقول
النبي: «أَنَّهُ قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ، أَنَّهُ ضُرِبَ مِنْ أَجْلِ
ذَنْبِ شَعْبِي... أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا... وَهُوَ
مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا»؛ وهكذا كتب بولس إلى
العبرانيين وقال: «الْمَسِيحُ، بَعْدَمَا قُدِّمَ مَرَّةً لِكَيْ يَحْمِلَ
خَطَايَا كَثِيرِينَ»، ويقول إنه «قَدْ أُظْهِرَ مَرَّةً عِنْدَ انْقِضَاءِ
الدُّهُورِ لِيُبْطِلَ الْخَطِيَّةَ بِذَبِيحَةِ نَفْسِهِ»، و«قَدَّمَ عَنِ
الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً»: وبطرس المُتقدِّم بين الرسل قال: «الَّذِي
حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ
عَنِ الْخَطايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ».[21]
تعليق على
الرسالة
نحن لا نحتاج إلى اكتشافات غير متوقَّعة تمامًا
عندما نتجه إلى الآباء. ولكن عندما نلتزم بدراسة نصّ وحُجَّة كاملة بعمق، سنصل إلى
فهم أفضل لتعليم الآباء بطريقة شاملة. فِي هذا الرد على يوبراكسيوس، نجد أن بعض
الحجج الرئيسية هِيَ أنّ اللعنة التي حلّت على البشرية توجد فِي خبرتنا مع الموت،
وفي الطبيعة المقاومة وغير المثمرة لتعاملنا مع الخليقة، وفي الجهد المستمر
المطلوب حتّى لتأمين الاحتياجات اليومية. كلّ هذه تمَّ التغلُّب عليها وتبديدها
بواسطة المسيح الذي قَبِل هذه الجوانب من اللعنة بصيرورته إنسانًا حقًّا. لقد
صار خطية لأجلنا، ليس بالسماح لأي خطية أن تلتصق به، إذ هو دائمًا بلا خطية، بل
بالسماح لنفسه بأن يُعد بين الخطاة، ويُصلب بجانب المجرمين، وبقبول موت الصليب
الملعون. إنه تمامًا مثل التيسين، وفقًا للقديس ساويرس. فمن جهة، هو يموت
الموت الذي نستحقه وبخضوعه للموت يدمره. بينما من الجهة الأخرى، يقبل حمل كلّ خطايانا
الموضوعة عليه، كما سمى هارون خطايا الشعب على التيس، ويأخذها بعيدًا عنا، غافرًا
إياها كإله، ونازعًا قوتها.
[1] Christ
Became a Curse – St Severus of Antioch. St George Orthodox Ministry. Retrieved
February 20, 2026, from
http://www.stgeorgeministry.com/christ-became-a-curse-st-severus-of-antioch/
[2] ماذا
فعل المسيح؟ لقد أخذ جسدًا من طبيعتنا البشرية، وهذه البشرية ليست بدون نفس، فهي
ليست مجرد جسد متحرك مثل أداة ميكانيكية، بل قد صار بشرًا حقًا بحسب عائلة إبراهيم
البشرية، ليكون بشرًا كما نحن. وبأخذه هذه البشرية الحقيقية، بشريتنا نحن، اختار
أن يخضع نفسه لديون جنسنا التي نحن مسؤولون عنها، وقد فعل ذلك ليحررنا من كلّ عبودية
ناتجة عن الخطية.
[3]
ثمَّ ينتقل لوصف الحالة التي دخلها المسيح، ابن وكلمة الله، باتخاذه بشريتنا
لنفسه. نحن ملعونون واللعنة التي يجد الإنسان نفسه تحتها لها عواقب وتكلفة. هناك
ثلاثة جوانب للعنة، والقديس ساويرس يسردها جميعًا. أولًا، الإنسان ملعون بخبرة
الموت؛ فهو مأخوذ من تراب وإلى تراب سيعود. فمنذ زمن آدم، سُمح للطبيعة الميتة فِي
الإنسان بأن تسود، ولم ينجُ أحد من قوة الموت. ثانيًا، الأرض ذاتها صارت عقيمة
بدلًا من أن تكون مثمرة على يد البشر؛ فبدلًا من إنتاج ثمارها بسهولة، يجب على
الإنسان أن يصارع كأنه ضد عدو. أما فِي الجانب الثالث، فبدلًا من الاستمتاع بحرية
بثمار العالم، يجب على الإنسان الآن أن يختبر العرق والجهد فِي إنتاج أي شيء ذي
قيمة، وحتّى فِي إنتاج ما هو مطلوب للحياة اليوميّة. كلّ هذه العواقب الناتجة عن
اللعنة قد قَبِلها المسيح عندما أخذ طبيعتنا وجعلها خاصّة به، لكي يصير هو
الباكورة، بداية حالة جديدة لبشريتنا.
[4] لإنَّ
المسيح أخذ بشريتنا، قيل عنه إنّه صار ملعونًا، بالطريقة التي شرحها القديس
ساويرس، واصفًا اللعنة بأنها تعني الموت، وعدم إثمار الخليقة، والجهد المبذول
للقوت اليومي. لقد أخذ المسيح كلّ هذه على نفسه بصيرورته إنسانًا حقًا. وفي
هذا، يُقال إنه صار ملعونًا معنا. لكن القديس ساويرس يصر على أنه رغم أخذه لهذه
الأشياء حقًا على نفسه، إلا أنه ليس خاضعًا لها، كما نحن خاضعون رغمًا عن
إرادتنا. فِي الواقع، بافتراضه الجوانب المختلفة لهذه اللعنة، فإنه يدمرها فِي
نفسه بطبيعته وصفته الإلهية. والمثال الذي يستخدمه القديس ساويرس هو مثال الشمس؛
فبمجرد أن تبدأ الشمس فِي الإشراق فِي مكان مظلم تتبدد الظلمة، لأن الظلمة لا يمكن
أن توجد حيث يوجد مصدر للضوء. وبالمثل، بمجرد أن أخذ ابن وكلمة الله حقًا بشريتنا
مع خبرة اللعنة، بدد هذه اللعنة باتحاده ببشريتنا.
[5] نرى أن
الكتاب المقدس نفسه يعلمنا كيف تمَّ التغلب على هذه اللعنة التي وُضعت على البشرية
فِي كلّ جانب من جوانبها الثلاثة. يبدأ القديس ساويرس بكلمات أليصابات للعذراء
مريم، عندما أعلنت نبويًا أن العذراء مريم وثمرة بطنها، الرب يسوع المسيح،
مباركان. وأكثر من هذا، تعلن أليصابات أن الرب الإله نفسه هو المتجسد فِي بطن
العذراء مريم. هذا الإعلان للمبارك الموحى به إلهيًا يجب أن يُفهم كإبطال للعنة
القديمة التي سمع آدم وحواء النطق بها ضدهما، والتي كانت كعبء على كلّ البشرية. ما
هو هذا الحبل الإلهي غير الفاسد؟ إنه الحبل بكلمة الله فِي العذراء مريم. هذا لا يُشير
إلى "الحبل بلا دنس" الخاص بالكنيسة الكاثوليكية الرومانية، والذي يفرز
الحبل بالعذراء مريم نفسها كأمر فريد، بل يشير إلى التجسد بطريقة كاملة للكلمة
الإلهي، الذي صار إنسانًا حقًا من العذراء مريم وهو إله حق.
[6] ولم
تكن كلمات أليصابات وحدها هِيَ التي عبرت عن هذه الحقيقة بأن اللعنة قد تبددت.
فالقديس ساويرس يظهر كيف أن كلمات المسيح نفسه تصف الواقع ذاته. فهو يضع جانبًا
من اللعنة من جهة، ويظهر كيف يرفعها المسيح عن البشرية من جهة أخرى. فمن جهة
لدينا "ملعونة الأرض بسبب عمل يديك"، بينما من الجهة الأخرى لدينا الآن
الكلمات: «اعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي
لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ». فمن جهة، كان كلّ ما تمد إليه يد الإنسان ملعونًا،
ولكن الآن أصبح لديه عمل سماوي يمتد إلى الأبدية. ومن جهة لدينا "بعرق وجهك
تأكل خبزًا"، بينما من الجهة الأخرى لدينا الآن الكلمات: «أَنَا هُوَ
الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا
الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ». لقد لُعن الإنسان ليضطر إلى العمل بالعرق حتّى
لتأمين الضروريات اليومية، ولكن الآن الله نفسه يقدم خبزًا سماويًا، يقود الذين
يشتركون فيه إلى الحياة الأبدية، بدلًا من الموت الذي كان نصيبه البائس. وقد
سمعت البشرية اللعنة: "تراب أنت وإلى تراب تعود"، التي عبرت عن الموت
الطبيعي الذي غمر البشرية. والآن تسمع من المسيح: «هذِهِ مَشِيئَةُ الَّذِي
أَرْسَلَنِي: أَنَّ كلّ مَنْ يَرَى الاِبْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ
أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ». هناك الآن مستقبل أبدي
للبشرية، لأولئك الذين لديهم إيمان ويلتقون بالمسيح. لا تحتاج البشرية للعودة
إلى التراب فِي الموت، بل ستختبر قيامة بمشيئة وكلمة الله.
[7] لقد قَبِل
المسيح كلّ جوانب اللعنة، وقد وصف القديس ساويرس بالفعل ما هِيَ هذه الجوانب. وهي
الموت، وعدم إثمار الخليقة على أيدي الإنسان، والجهد المطلوب من الإنسان لتأمين
حتّى الحياة اليومية. لقد قَبِل كلّ هذه الجوانب بصيرورته لعنة لأجلنا وصيرورته
ملعونًا كما كنا نحن. وفي نفسه، تبددت هذه اللعنة على الفور، ولكن هذه الحالة
والوضع البشري هو ما أخذه إلى الصليب لأجلنا ودمره لأجلنا جميعًا. إن حقيقة
صلبه ذاتها تسمى لعنة، فهي طريقة موت ملعونة، ولكن بقبوله إياها لأجلنا فإنه يدمر
اللعنة ويبارك بالأحرى كلّ البشرية. إن الجوانب الثلاثة للعنة قد حُملت إلى
موت ملعون ودُمرت جميعها وصُيرت بركة. يتجه القديس ساويرس إلى كلمات القديس بولس
ويعبر عن هذا المعنى بأننا كنا تحت لعنة، وأن المسيح قبل هذه اللعنة لأجلنا، ومات
موتًا ملعونًا، لكي نتبارك نحن بكل الطرق التي وصفها القديس ساويرس، واجدين حرية
من الموت، ومن عدم إثمار الخليقة، ومن جهد التأمين اليومي ومن أجل حياة أبدية.
[8]
فِي هذا المقطع الهام نجد الآن القديس ساويرس ينظر فِي كيف يقال أيضًا عن المسيح
إنه صار خطية. لا يقال إنه صار خطية لأنه صار بكل الأساليب المختلفة التي نخطئ
بها. فلم يصبح قاتلًا، ولا لصًا، أو ما هو أسوأ. فلا توجد خطية فيه، ولا
يمكن أن توجد خطية فيه قط وهو الإله الحق الذي صار إنسانًا بغير تغيير. ولكنه
قيل عنه إنه صار خطية لأنه احتمل الموت الذي كان حق الخطاة. يجب أن نكون واضحين
جدًا. هذا هو معنى القول إن المسيح صار خطية. عندما نقول إنه صار خطية فإننا
نعني أنه مات الموت الذي كان مستحقًا علينا، واشترك فِي الموت الذي كنا مقيدين به.
لا يعني ذلك أكثر ولا أقل. يستمر القديس ساويرس فِي الإصرار على أنه هو العدل
الخالص أو بر الآب. لا توجد خطية فيه. ولكنه صُلب بين لصين، وبهذه الطريقة، وفقًا
للكتب المقدسة، أُحصي مع الأثمة. يجب الإصرار على ذلك. يقال إنه صار خطية فقط
بمعنى أنه حمل الموت الذي كان نتيجة لخطية آدم على كلّ البشرية، والمستحق لنا بسبب
خطايانا، وأيضًا لأنه صُلب مع لصوص، وهكذا عُد من بين أولئك الذين كانوا خطاة.
[9] لقد صار
خطية ليغفر خطايانا، ولكن يجب أن نتذكر ماذا يعني هذا. يعني أنه مات الموت
الذي هو موتنا ليغفر خطايانا، ومات كواحد منا ليغفر خطايانا. وبالطريقة نفسها،
كان بموته، باختباره ومشاركته فِي الموت الذي هو ديننا، هو الذي دفعه مرة واحدة
وإلى الأبد، كونه هو الحياة ذاتها. وهكذا، وفقًا للقديس ساويرس، بمجرد أن دفع
ثمن الموت الذي كان عقوبتنا الخاصة، وبمجرد أن دمر بهذا الموت قوة اللعنة، باركنا
بصيرورته برنا الخاص. عندما دفع دين الموت للجميع مرة واحدة، حرر الجميع من الدين،
ولم نعد عرضة للعنة وللموت.
[10] ماذا
فعل المسيح أيضًا للبشرية؟ يذكرنا القديس ساويرس أنه فِي كلّ وقت تجسُّده لم
يخطئ. لم يكن هناك أثر للإثم داخله. حقًا، كيف يمكن أن يكون ذلك. وبكونه بارًا
فِي نفسه، بل وحتى البر ذاته، صار برنا لأنه جعل طبيعتنا طبيعته، وفي طبيعتنا
صالح البشرية مع الله. هو الباكورة، الضمان للبشرية لما يريده الله ويقصده
للجميع. وكما يقول القديس بولس، جُعل خطية، مما يعني كما عرّفه لنا القديس ساويرس،
أنه شارك الموت الذي هو نتيجة الخطية. لم تكن هناك خطية فيه، بحيث كان هذا
موتًا يدين به، ولكنه اعتنقه بحرية لأجلنا، وقيل عنه إنه صار خطية بهذه الطريقة.
وكان ذلك لكي، باحتماله موتنا، يعطينا بره الخاص فِي اتحاد معه.
[11]
ثمَّ يقضي القديس ساويرس بعض الوقت فِي النظر فِي طقس العهد القديم المتعلق بغفران
خطايا إسرائيل، وكيف كان هذا رمزًا وتمثيلًا للمسيح. فِي العهد القديم، وفقًا
لناموس موسى الذي أعلنه الله له، تمَّ اختيار تيسين، وهذان التيسان يمثلان
الطبيعتين الإلهية والبشرية للمسيح. ذُبح تيس واحد، وأُرسل التيس الآخر إلى البرية
التي لا يمكن عبورها. سُمي هذا التيس الثاني بالمُطلق لأنه أُطلق، أو أُرسل، إلى
البرية. يعطينا القديس ساويرس المرجع من العهد القديم الذي يصف كيف يضع هارون يديه
على هذا التيس ويعترف بخطايا الشعب عليه، ثمَّ يُؤخذ إلى البرية. واحد ذُبح وواحد
أُرسل بعيدًا.
[12] كيف
يرتبط هذا بالصليب؟ يشرح القديس ساويرس كيف يمثل هذان التيسان الحقيقة بأن المسيح تألم
فِي الجسد، وظل أيضًا بغير ألم فِي لاهوته لأنه الله. هذان الجانبان من
التيسين متمثلان فِي المسيح. فِي ناسوته احتمل المسيح الموت لأجلنا، كما ذُبح تيس
واحد لمغفرة خطايا إسرائيل. ولكن المسيح أيضًا يغفر خطية البشرية، وينزعها، كما
سُميت خطايا إسرائيل فوق التيس الثاني وأُرسل إلى البرية البعيدة ولم يختبر ألمًا
أو موتًا. إنه يقدم نفسه رائحة طيبة لله فِي ناسوته، ويغفر خطايا البشرية فِي لاهوته،
غالبًا قوة الموت للبشرية لأنه هو نفسه الحياة.
[13] ما
أعمق التأملات التي يستخرجها القديس ساويرس من العهد القديم؛ فهو يلاحظ أن البرية
التي لا يُعبر فيها والتي أُرسل إليها التيس ترمز إلى ملكوت الله حيث لا يجوز لأحد
أن يعبر إلا الابن والكلمة الإلهي الذي يجلس عن يمين الآب حاملًا خطايانا. إنه
يحمل خطايانا كما حمل التيس خطايا الشعب، ليس لكي يصير هو خاطئًا، بل لكي يحملها
بعيدًا عن البشرية، فتُغفر وتُنسى. ويعلق القديس ساويرس أنه فِي وقت ما يُرمز
للمسيح بتشبيه التيس، وفي موضع آخر يُرمز له بتشبيه الحمل. فماذا يفهم القديس
ساويرس من هذا التمييز؟ يرى أنه فِي تشبيه التيس يُرمز إليه بكونه احتمل الموت من
أجل خلاص الخطاة، بينما فِي تشبيه الحمل يظهر أنه احتمل الموت من أجل الأبرار. لكن
القديس ساويرس يصر على أن تشبيه التيسين لا يمثل مسيحين، بل يظهر لنا المسيح
الواحد نفسه الذي هو قابل للألم، وقادر على المعاناة والموت بحسب ناسوته، وغير
قابل للألم، وأسمى من كلّ معاناة وموت فِي لاهوته.
[14] يتأمل
القديس ساويرس فِي أن طقوس العهد القديم غالبًا ما تعبر عن الحقائق بطريقة جزئية
وتتطلب تقديم جوانب متعددة بطرق مختلفة. لم يكن ممكنًا لتيس واحد أن يكون ذبيحة
وغير ذبيحة فِي آن واحد؛ لذا لم يكن تيس واحد كافيًا لتقديم الحق الكامل. إن
الناموس الذي أُعطي لموسى دعا لاستخدام تيسين لكي تُقدم الصورة الكاملة للمسيح.
فما هو الحق المراد تقديمه؟ هو أن المسيح تألم وذاق الموت لأجلنا فِي الجسد، بينما
هو فِي لاهوته فوق كلّ ألم.
[15] يوسع
القديس ساويرس هذا الشرح لكيفية تقديم العهد القديم للحقائق بطريقة متنوعة، مشيرًا
إلى أنه إذا رسم شخص ما قصة إبراهيم وإسحاق فسيضطر لرسم عدة لوحات، لأن لوحة واحدة
لن تكفي لإظهار كلّ الجوانب المختلفة للرواية التي نجدها فِي الكتب المقدسة. فما
الذي يريد الإصرار عليه؟ هو أن استخدام صور متعددة لا يعني تمثيل أشخاص متعددين.
ومرة أخرى، هذا هو السبب فِي استخدام تيسين لتمثيل المسيح؛ لأن تيسًا واحدًا لم
يكن ليشير إلى الطبيعتين البشرية والإلهية، الناسوت واللاهوت، بل تيسان، أحدهما
يمثل ناسوته ويُذبح، بينما يمثل الآخر لاهوته ويحمل خطايا إسرائيل بعيدًا.
[16] إن
حقيقة أن التيس الذي سيُذبح قد اختير بالقرعة، ولم يختره هارون أو موسى أو أي شخص
آخر، تحمل معنى أن التيس قد اختير بعناية إلهية. وهو يفهم أن هذا يظهر الاتحاد بين
كلمة الله وجسده الخاص. وبالفعل، يصف لماذا اتحد الكلمة بالبشرية؛ فبكونه
إلهًا، هو غير قابل للألم وغير قادر على المعاناة والموت بموت البشر وغلبة الموت
فِي موته، ولكن باتحاده بالبشرية القابلة للألم والموت استطاع أن يختبر الموت
نيابة عن البشرية ويدمره فِي نفسه. فما هِيَ هذه البشرية التي اتحد بها؟ هِيَ جسد
بشري، وأيضًا نفس بشرية، وأكثر من ذلك، هِيَ نفس ناطقة [rational soul]،
مما يعني أن ناسوته له مشيئة، ولا ينقصه شيء مما يخص بشريتنا. والتيس الذي أُرسل
إلى البرية يمثل وحدة الطبائع فِي المسيح لأن القرعة التي أُلقيت عليه كانت غير
يقينية؛ فهذا التيس كان، بمعنى ما، هو التيس الذي سيُذبح (ممثلًا ناسوته)، وأيضًا
التيس الذي سيُرسل بعيدًا مع خطايا إسرائيل (ممثلًا لاهوته)؛ وحتى أُلقيت القرعة
كان التيس يمثل كليهما فِي نفسه. وبالطريقة نفسها، فإن المسيح الواحد يتألم وهو
فوق الألم فِي ناسوته وفي لاهوته.
[17] كاستطراد،
يتعامل القديس ساويرس مع الحجة التي لا تزال تُقدم أحيانًا بأن التيس الذي أُرسل
إلى البرية كان يُقدم لإله آخر، لشيطان. كيف يكون هذا؟ تتحدث الترجمة السبعينية عن
إرسال التيس إلى البرية، وعن التيس بكونه الشخص الذي أُرسل بعيدًا. ولكن فِي النصوص
العبرية تُعامل كلمة "عزازيل" وكأنها روح شيطاني يسكن الصحراء. القديس
ساويرس لا يسمح بهذه القراءة؛ فهو يشير إلى أن موسى لم يكن ليضع الناموس الذي
يُعبد فيه ويُسمى فيه الإله الحق وحده، بينما يسمح فِي الوقت نفسه بإرسال التيس
الثاني إلى شيطان. فِي الترجمة السبعينية لا نجد اسم عزازيل، ولا فِي ترجمة الملك
جيمس، ولكنه يوجد كترجمة فِي بعض الترجمات مثل الترجمة المنقحة [Revised version].
[18] القديس
ساويرس لا يقرأ النص بكونه يدعم أي فكرة بأن التيس الثاني يُرسل لاسترضاء شيطان،
بل على العكس، متبعًا السبعينية، يفهم التيس الثاني بكونه يُدعى
"المُطلق" أو الشخص الذي أُرسل بعيدًا.
[19] مَنْ
هم هؤلاء العبرانيون المتعلمون، أولئك الذين هم أقدم من العبرانيين؟ يبدو لي أن
القديس ساويرس يقارن بين نص السبعينية، الذي تُرجم فِي القرون التي سبقت المسيح،
وبين النص العبري اللاحق فِي عصره. فالسبعينية تستبعد احتمالية وجود شيطان
يُرسل إليه التيس، إذ تتحدث عن التيس بكونه ذاك الذي أُطلق، بدلًا من ذاك الذي
أُرسل إلى عزازيل. وفي أزمنة أحدث، يشير القديس ساويرس إلى وجود من يضفون صبغة
روحانية على عبادة الآلهة الوثنية والشياطين، ويرغبون فِي اقتراح أنهم يُكرمون
بنقاء واستقامة العقل. بينما رغب آخرون، سعيًا منهم أيضًا لتجنب تجاوزات تعدد
الآلهة الوثنية، فِي اقتراح أن الذبائح المقدمة للشياطين ليست سعيًا إيجابيًا لطلب
مساعدتهم، بل هِيَ سعي سلبي لمنعهم من التسبب فِي الأذى. ولكن هذا كان، وفقًا
للقديس ساويرس، مجرد العبودية نفسها للأرواح الشريرة والشياطين.
[20] أخيرًا،
وفي مناقشة قضية التيس المرسل إلى البرية، والذي يمثل كلمة الله الذي ينزع خطايا
الشعب، يوضِّح أنّه بما أنّ الشياطين متعطشة للدماء، فليس من المنطقيّ أن يكون
التيس الذي يُذبح مُقدمًا لله، بينما ذاك الذي يُفترض أنه مُقدم للشيطان لا يُذبح
بل يُرسل حيًا إلى البرية. وبما أن القديس ساويرس يعطي أهمية كبيرة لهذا الاتهام
بأن العهد القديم تضمن وروج لعبادة الشياطين، فمن المعقول استنتاج أن هذا ظل قضية
حية فِي القرن السادس، وأنه كان اعتراضًا لا يزال يُسمع. وفي الواقع، لا يزال
يُقدم اليوم كدليل مزعوم على أن الإسرائيليين ظلوا شعبًا وثنيًا رغم عبادتهم لله.
[21]
ثمَّ يختتم القديس ساويرس رده على السؤال الخامس المقدم من يوبراكسيوس. وإذا
تذكرنا، كان السؤال هو كيف يمكن اعتبار المسيح قد صار لعنة إذا كان هو أيضًا معطي
الحياة. لقد صار خطية لأجلنا، لكي نصير نحن بر الله، ما دمنا فيه. يجب أن
نتذكر أنه عندما يتحدث القديس ساويرس عن صيرورة المسيح خطية، فهو يفهم أن الكتب
المقدسة تُعلِّم أنّه صار خطية بقبول الموت الذي كان مستحقًا علينا، وأيضًا
بكونه عُدَّ من بين الذين يخطئون. لقد احتمل موتنا، رغم أنه لم تكن فيه خطية
على الإطلاق أو فِي أي وقت. كان ذلك لأجلنا، ولأجل خلاصنا أنه احتمل موتنا.
كلّ شيء كان لأجلنا. وتمامًا مثل التيس المرسل إلى البرية، حمل خطايا البشرية
بعيدًا وأبطل مرة واحدة وإلى الأبد قوة الخطية. لقد قدم نفسه للموت لأجلنا، موتنا
نحن، لكي يدمره لأجلنا، وحمل بعيدًا خطيتنا. ومرة أخرى، علينا أن نفهم أنه
عندما نقرأ عن صيرورة المسيح خطية، أو حمله لخطايانا، فهذا لا يعني أبدًا أنه صار
خاطئًا، بل يعني أنه مثل الذبيحة، سُميت خطايانا عليه، وأخذها بعيدًا عنا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق