الاثنين، 2 مارس 2026

هل نعبد العيش؟! ردًا على معاذ عليان، إعداد أمجد بشارة

 


هل نعبد العيش؟

إعداد: أمجد بشارة

بكل تأكيد لا، مش بنعبد حتة عيش وخمرة في سر الإفخارستيا (سر التناول أو القربان المقدس).

في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية (والكنائس الأرثوذكسية الشرقية عمومًا)، الإيمان واضح جدًا:

- الخبز والخمر يظلان ظاهريًا (منظورًا بالعين والحواس) خبزًا وخمرًا، لكن بعد التقديس (في صلاة الروح القدس: "أرسل روحك القدوس علينا وعلى هذه القرابين المُقدسة") يتحولان (استحالة سرية) إلى جسد المسيح الحقيقي ودمه الحقيقي، متحدين بلاهوته.

- يعني: مش بنسجد للخبز كخبز، ولا للخمر كخمر. بنسجد ونركع ونعبد المسيح نفسه الحاضر حقيقيًا تحت شكلي الخبز والخمر.

القديس إغناطيوس الأنطاكي (القرن الثاني، تلميذ القديس يوحنا الرسول) - يقول في رسالته إلى أهل سميرنا (حوالي 110 م): 

  "هم يمتنعون عن الإفخارستيا والصلاة لأنهم لا يعترفون أن الإفخارستيا هي جسد مخلصنا يسوع المسيح، الجسد الذي تألم من أجل خطايانا والذي أقامه الآب في صلاحه." 

 وده دليل مبكر جدًا على الحضور الحقيقي للمسيح، وأن الإفخارستيا هي الجسد نفسه.

القديس يوحنا الدمشقي (St. John of Damascus) في كتابه الشهير "الإيمان الأرثوذكسي" (An Exposition of the Orthodox Faith Book IV, Chapter 13) كان بيعلق على نفس المشكلة دي، لإنه كان بيواجه نفس الفئة:

- يقول صراحة: "الخبز والخمر ليسا مجرد رموز لجسد المسيح ودمه (حاشا!)، بل هما جسد الرب المتأله نفسه... نحن لا نعبد الخبز كخبز، ولا الخمر كخمر، بل نعبد الجسد والدم الحقيقيين للمسيح الحاضرين في الإفخارستيا بسر لا يُنطق به، بالاتحاد الحقيقي مع اللاهوت."

 

- وفي كتاب "الأسرار السبعة" للقمص أنطونيوس فكري (من أشهر الكتب القبطية عن الأسرار): يقول:

في سر الإفخارستيا يتحوَّل الخبز إلى جسد المسيح الحقيقي، ويتحول الخمر إلى دم المسيح الحقيقي. وهذا ما قاله رب المجد "جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق" (يو6: 55). التحول حقيقي وجوهري. وحينما نتناول الجسد والدم فنحن نتناول جسد المسيح ودمه الحقيقيين ولكن تحت أعراض الخبز والخمر، فما يظهر أمامنا خبز وخمر. فنحن لا نتذوق طعم لحم ولا طعم دم بشريين، فالله لا يريد لنا أن نصبح من آكلي لحوم البشر. والرب أسس هذا السر لكي يتحد بنا مكونا جسده الرمزي أي الكنيسة الواحدة. إذًا هناك جسد حقيقي نأكله ونتحد به موجودا في الصينية والكأس، ويوجد جسد معنوي هو كل الكنيسة التي اتحدت بجسد المسيح الحقيقي في السر لتصير كرمة واحدة.

تشبيه لنيافة الأنبا رافائيل:- مريض بالأنيميا (نقص الحديد بالجسم) يعطيه الطبيب أقراص حديد. وشكل أقراص الحديد هو نفس شكل أي قرص آخر، ولكن بداخل القرص حديد حقيقي هو المادة الفعالة التي يحتاجها جسم المريض، ولكننا لا نعطي للمريض مسمار حديد ليتناوله. ولا يقول أحد أن الحديد الذي في القرص هو رمزي. ما يظهر شكل قرص عادي والجوهر عنصر الحديد.

للاطلاع على البحث 


- في صلاة التقديس نفسها في القداس القبطي يقول الكاهن:

"نسألك أيهات الرب إلهنا نحن عبيدك الخطاة غير المستحقين نسجد لك بمسرة صلاحك وليحل روحك القدوس علينا (ويشير عندئذ إلى ذاته ثم إلى القرابين ويكمل قائلًا) وعلى هذه القرابين الموضوعة ليطهرها ويحولها ويظهرها قدسًا لقديسيك" – ده دليل مباشر من الليتورجيا.

ده نفس الإيمان اللي علمه السيد المسيح في العشاء الأخير: "خذوا كلوا، هذا هو جسدي"، "اشربوا منها كلكم، هذا هو دمي" (متى ٢٦، مرقس ١٤، لوقا ٢٢، والتفصيل الوارد في يوحنا ٦: ""لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌ.").

اللي بيقول "بتعبدوا عيش وخمرة" ده سوء فهم منه، لأنه بياخد الظاهر ويوقف عنده، بينما الإيمان المسيحي بيؤمن بالحقيقة السرية اللي ورا الظاهر، زي ما المسيح قال "الروح هو الذي يحيي، الجسد لا ينفع شيئًا" (يو ٦: ٦٣)، لكن في نفس الوقت أكد أن اللي بيأكل جسده ويشرب دمه يثبت فيه ويحيا به.

فالسجود والتكريم موجه للمسيح الحاضر، مش للمادة اللي بتشيل حضوره. ده مش وثنية، ده حضور حقيقي للإله المتجسد.

فاحنا مش بنعبد العيش أو الخمر كمادة بسيطة.

النقطة الأساسية هي التمييز بين الظاهر (اللي نشوفه بالعين: شكل خبز وطعم خبز، شكل خمر وطعم خمر) وبين الحقيقة السرية (الجوهر أو الطبيعة الداخلية بعد التقديس).

السجود والتكريم والعبادة موجهة للمسيح نفسه الحاضر حقيقيًا تحت هذه الأعراض، مش للخبز كمادة أو للخمر كمادة. بنعبد الإله المتجسد اللي اتحد بلاهوته مع الجسد ده، زي ما بنعبد المسيح في صورته أو في أيقوناته – مش بنعبد الخشب أو الألوان، بل الشخص الإلهي الموجود فيها.

مثال بسيط قدمه القديس يوحنا الدمشقي، لما قال إن الفحم مش خشب عادي، لأنه متحد بالنار، فبنحترق لو لمسناه، مش بنحترق من الخشب لوحده. كذلك الخبز بعد الاتحاد باللاهوت مش خبز عادي، فنعبد الاتحاد ده (المسيح)، مش المادة المجردة.

ودا نص كلامه من نفس المرجع السابق:

"لذلك دعونا نتقدم بكل خوف وضمير نقي وإيمان يقين، وسيكون لنا بالتأكيد كما نؤمن، غير شاكين في شيء. لنكرمه بكل طهارة النفس والجسد؛ لأنه مزدوج. لنتقدم إليه برغبة متقدة، وبأيدينا المرفوعة على شكل صليب لنتسلم جسد المصلوب؛ ولنضع أعيننا وشفاهنا وجباهنا ونشترك في الجمرة الإلهية، لكي تحرق نار الشوق التي فينا، مع الحرارة المضافة من الجمرة، خطايانا تماماً وتنير قلوبنا، ولكي نلتهب ونتأله بالاشتراك في النار الإلهية. لقد رأى إشعياء الجمرة؛ "فَطَارَ إِلَيَّ وَاحِدٌ مِنَ السَّرَافِيمِ وَبِيَدِهِ جَمْرَةٌ" (إشعياء 6: 6). ولكن الجمرة ليست خشباً مجرداً بل خشب متحد بالنار؛ كذلك خبز الشركة ليس خبزاً مجرداً بل خبز متحد باللاهوت. والجسد المتحد باللاهوت ليس طبيعة واحدة، بل له طبيعة تخص الجسد وأخرى تخص اللاهوت المتحد به، لذا فالمركب ليس طبيعة واحدة بل طبيعتين".


ليست هناك تعليقات: