مفهوم "الغضب الإلهي" في التراث
الآبائي الشرقي[1]
بعدما سقط الإنسان ودخله الفساد وتشوّهت الصورة الإلهية فيه، تزايد
الشر "ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصوّر أفكار قلبه
إنما هو شرير كل يوم. فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض، وتأسف في قلبه"
(تك 6: 5، 6). ومن ثم بدأنا نجد في الكتاب المقدس آيات تتكلم عن غضب الله بسبب ذلك
الشر، حتى قيل عن البشر بعد السقوط إنهم أصبحوا "بالطبيعة أبناء الغضب"
(أف 2: 3)، وقيل عن المسيح إنه هو "الذي ينقذنا من الغضب الآتي" (1تس 1:
10)؛ بل امتد الفكر اللاهوتي الغربي بعيداً بموضوع غضب الله ليشرح به ذبيحة المسيح
(الابن المتجسد) على الصليب بكونها كانت لصرف غضب الله الآب وترضيته بسبب خطيئة
الإنسان! فهل حقاً يغضب الله مثل البشر؟ وما هو المقصود بهذا الغضب الإلهي؟ وهل
غضب الله موجه ضد الإنسان الخاطئ؟
قبل أن نتطرق إلى شرح مفهوم غضب الله، ينبغي أولاً أن نعرف ما هو
"الغضب" عند الإنسان؟
إن الغضب عند الإنسان له صورتان:
الصورة الأولى هي الغضب الإيجابي الذي ورد عند يوحنا الدرجي وهو من
أجل "الدفاع عن الحياة" أو هو كما يقول يوحنا كاسيان "الغضب ضد
الخطيئة"؛
أما الصورة الثانية للغضب عند الإنسان فهي الصورة السلبية، وهي ما
وصفها بولس الرسول ضمن أعمال الطبيعة الساقطة:
"وأعمال الجسد ظاهرة، التي هي زنى، عهارة، نجاسة، دعارة، عبادة الأوثان، سحر، عداوة، خصام، غيرة، سخط (غضب)" (غلا 5: 19)،
وبالتالي يطالب ق. بولس المؤمنين أن يطرحوا عنهم هذا النوع (الثاني)
من الغضب (كو 3: 8).
أما فيما يخص "الغضب الإلهي"، فإننا في البداية نقول إن
الفلاسفة اليونانيين أمثال أفلاطون وسقراط كانوا قد انتقدوا تصوير الآلهة على هيئة
البشر أو تشبيههم بنفس انفعالات وأهواء البشر، ونفس الأمر نجده أيضاً عند فيلون
اليهودي السكندري الذي أنكر أن يكون يهوه عرضة بأي شكل من الأشكال للعواطف أو
الأهواء البشرية، واستخدم التفسير الرمزي لشرح أسفار العهد القديم موضحاً أن موسى
النبي استخدم التعبيرات الدالة على "الغضب الإلهي" لتوجيه وتعليم
البسطاء الذين لا يستطيعون استيعاب الأفكار الأكثر سموّاً.[2]
كما أكد الآباء المدافعون الأوائل أن الغضب الإلهي يتعارض مع مفهوم
طبيعة الله غير المتغيرة وغير المستحيلة، يقول أريستيدس الأثيني:
"إن الله ليس فيه الغضب أو السخط".[3]
ويقول أثيناغوراس:
"يجب على المرء أن يعتبر هذه العقائد (الوثنية) مجرد هراء ومثيرة للضحك، لأنه ليس هناك غضب ولا شهوة ولا رغبة في الله".[4]
وبرغم رفض هؤلاء الآباء المدافعين لفكرة "الغضب الإلهي"،
لكننا لم نجد عندهم تفسيراً مقبولاً للآيات التي تتحدث عن غضب الله، وهو ما قد ظهر
جلياً عند الآباء الذين أتوا بعدهم،[5] كما
سيأتي شرحه.
استخدام الأفعال البشرية في الحديث عن الله
لقد أوضح الآباء، وبالأخص آباء الإسكندرية، أن الكتاب المقدس يستخدم
الأفعال البشرية التي يمكن أن يدركها عقل الإنسان، مثل "حزن"،
و"ندم"، و"غضب"، للتعبير عن أمور الله الفائقة الإدراك، ويشرح
العلامة أوريجينوس ذلك فيقول:
"بما أن الله يعلن للبشر عما يريدهم أن يفعلوه، فأي سلوك بالتحري يجب أن نقول إنه يتبعه ليعلن ذلك؟ لن يكون هو السلوك الذي يستخدمه البشر ويعرفونه؟ لأننا إذا قلنا على سبيل المثال إن الله يلزم الصمت، الأمر الذي نراه متوافقاً مع طبيعته، فكيف نظن أنه قد أعلن عن شيء بواسطة هذا الصمت؟ ولكننا في الحقيقة نقول إن الله قد تكلم حتى يدرك البشر الذين يعرفون أنه من خلال تلك الوسيلة يعلن الشخص عن إرادته للآخر - أن الأقوال التي ينقلها لهم الأنبياء هي إشارات لمشيئة الله ... وهكذا فهو عندما يريد أن يُظهِر علمه بأقوال كل واحد وأفعاله فيقول إنه "سمع"، وعندما يريد أن يظهر أننا ارتكبنا عملاً جائراً يقول إنه "غضب"، وحين يريد إقناعنا بنكران حسناته يقول إنه "يندم". وعلى الرغم من أنه يتحدث عن كل هذا باعتباره سلوكاً بشرياً، إلا أنه (أي الله) في الحقيقة لا يستخدم (في هذه الأفعال) أعضاء جسدية، لأن الجوهر الإلهي بسيط ولا يتكون من أعضاء جسدية ولا مجموعات عضوية أو حالات عاطفية، ولكن حتى يمكن للبشر إدراك عمل القوى الإلهية، يجب أن يقدم بواسطة ألفاظ ترتبط بالأعضاء البشرية أو يتم التعبير عنه عن طريق مشاعر معروفة جيداً (للبشر). وهكذا فإننا نقول إن الله "غضب"، أو إنه "يسمع" أو "يتكلم".[6]
ويؤكد ق. يوحنا كاسيان نفس المعنى ويقول:
"وهكذا، فحيث إن هذه الأمور لا تخلو من تدنيس رهيب حين تُفهم بشكل حرفي عن الله الذي يُعلن عنه بسلطان الكتاب المقدس أنه غير مرئي، وغير موصوف، وغير مُدرك، وفائق التقدير، وبسيط، وغير مركب، لذا لا يمكن أن يُنسب إلى تلك الطبيعة غير المتغيرة لا هوى الغضب ولا هوى السخط، بدون أن نقع في تجديف مُرعب. لأنه عند ذكر أجزاء الجسد على هذا النحو، ينبغي علينا أن نفهم أنها تعني القوى الإلهية وأعمال الله التي تفوق الإدراك؛ والتي لا يمكن إعلانها أو إيصالها لنا إلا بواسطة تلك المصطلحات المألوفة (للبشر) عن أجزاء الجسد وأطرافه. فمثلاً بمصطلح "الفم" ينبغي أن نفهم أن المقصود هو محادثته التي تنسكب بسلاسة في أعماق نفوسنا، أو تلك التي نطق بها إلى آبائنا وإلى الأنبياء. و"العيون" يجب أن ندرك رؤيته الحادة والنافذة والتي بها يرى وينظر جميع الأشياء، وندرك أيضاً حقيقة أن لا شيء قد فعلناه أو سنفعله أو نفكر فيه سيكون محجوباً عنه. وبالمثل "اليدين" ينبغي أن نفهم تلك العناية والأفعال التي بها هو خالق وجابل جميع الأشياء. و"الذراع" تشير إلى سلطانه وجبروته الذي به يدير ويوجه ويضبط جميع الأشياء. ولن نتحدث عن الأمور الأخرى، فماذا يعني أيضاً شعر رأسه الأشيب سوى القدمية ودوام الربوبية والمعني بها أن لا بداية له، وأنه قبل كل الدهور، وأنه يفوق سائر الخليقة؟ وهكذا عندما نقرأ عن غضب الله ونقمته، يجب علينا ألا نفهمه إنسانياً أو تجسيمياً (anthropopathically)، أي بالمفهوم البشري الوضيع لهذا الهوى، ولكن بمعنى جدير بالله الذي هو خالٍ من كل هوى. وبكلمات أخرى، أنه بهما (أي بكلمتي الغضب والنقمة) ينبغي أن نرى فيه (أي في الله) القاضي والثائر على كل عمل شرير يُعمل في هذا العالم، وأنه بهذه الاصطلاحات ومعانيها، ينبغي علينا أن نخشاه بوصفه المجازي المهيب لأعمالنا، ونخشى أن نعمل أي شيء ضد إرادته. لأن الطبيعة البشرية معتادة على الخوف ممن تعرف أنهم يغضبون، وتتردد في معصيتهم، وكما هو الحال بالنسبة لبعض القضاء الأكثر عدلاً، فإن الغضب الثائر عادة ما يخشاه أولئك الذين يتعدون عن إدانة ضمائرهم، لا لأن هذا الهوى يوجد حقاً في أذهان أولئك الذين سيقضون بالعدل، ولكن لأن الحكم المنفذ بالقانون، يُستشعر بشدة به من قبل المذنبين. ومهما كانت الرقة واللطف اللذان ينفذ بهما القانون، فإنهما تُحسب من قبل أولئك الذين بعدل يستحقون العقاب، سخطاً شديداً وغضباً في غاية القسوة".[7]
الكتاب المقدس يستخدم لغة "طفولية"
تتناسب مع البشر
ويؤكد الآباء أيضاً أن بعض ألفاظ الكتاب المقدس هي لغة طفولية
تُستخدم لتتناسب معنا كأطفال في المعرفة والفهم. يقول العلامة أوريجينوس:
"عندما نكلم طفلاً عمره سنتان، نستخدم لغة طفولية من أجل الطفل، لأنه إن التزمنا باللغة الناضجة وتحدثنا إلى الطفل دون أن ننزل إلى طريقة كلامه فلن يفهمنا. تخيل أن ما يحدث هو ذات الأمر في حالة الله حين يتعامل مع البشر وبخاصة الذين ما زالوا أطفالاً.. وستجد العديد من الأمثلة في الأسفار المقدسة حيث قيل فيها إن الله يسلك طرقاً شبيهة بالبشر! فإن سمعت عن "غضب" الله و "نقمته"، فلا تفكر في النقمة والغضب كمشاعر يجتازها الله! الله في الحقيقة ليس بناقم ولا غاضب".[8]
الله منزه عن الانفعالات البشرية
إذا كان الغضب بحسب معناه البشري هو شعور انفعالي متغير، وهو ينتج عن
تفكير أو تصرف مستحدث، لذلك فهو لا يتناسب على هذا النحو مع الله غير المتغير
والدائم الصلاح والذي له معرفة مسبقة بكل شيء. يقول ق. أنطونيوس:
"الله صالح وغير متغير، والذي يعتقد أنه من المنطق والحق أن نؤكد أن الله لا يتغير سوف يسأل في هذه الحالة: كيف يمكن الحديث عن الله كفرح بالصالحين يظهر رحمته لممجديه، وكمتحول بعيداً عن الأشرار وغاضب على الخطاة؟" ومن هنا يجب أن تكون الإجابة: إن الله لا يفرح ولا يغضب لأن الفرح والإهانة مشاعر (متغيرات)؛ والله لا يكتسب عطية من ممجديه، فلا معنى لاعتباره متأثراً بالمسرات؛ ولا يصح أن يكون اللاهوت يشعر برضى أو عدم رضى من حالة الإنسان".[9]
ويؤكد مار إسحق السرياني نفس المعنى ويقول:
"إن كنا نتخيل أن الغضب أو الغيرة أو ما شابه له أية صلة بالطبيعة الإلهية فهذا شيء كريه بالكلية لنا، فلا يوجد عاقل عنده أي نوع من الفهم يمكنه أن يتصور بهذا الجنون، شيئاً مثل هذا عن الله، كما أننا لا نستطيع أيضاً أن نقول إن الله من قبيل العقوبة يتصرف، حتى ولو كان الكتاب المقدس من الظاهر يعلن ذلك، فمجرد التفكير هكذا عن الله وتوقع أن عقوبة الشر موجودة عنده فهذا شيء كريه... لأنه تجديف أن نظن أن الله يكره أو أنه يرفض الخليقة".[10]
ويقول ق. يوحنا ذهبي الفم:
"لأنه إذا كان غضب الله انفعالاً، ربما قد يشعر المرء باليأس الشديد من عدم قدرته على إخماد النار التي أشعلها بارتكاب الكثير من الأفعال الشريرة. لكن بما أن الطبيعة الإلهية ليست قابلة للأهواء، فحتى حينما يعاقب، وحتى حينما ينتقم، فهو لا يفعل ذلك بغضب، بل بعناية رقيقة ومحبة متحنة".[11]
"غضب الله" هو رفض الله للشر ومقاومته
للخطيئة وليس للخطاة
إذن "غضب الله" ليس هو انفعال شعوري ينتج بسبب أمر مستحدث
مثلما يحدث مع الإنسان، ولكنه هو تعبير عن رفض الله "الكلي الخير
والصلاح" للشر ومقاومته له، ولكن بأسلوب لغوي يستطيع البشر أن يفهموه. لذلك
فغضب الله موجَّه ضد الخطيئة وليس ضد الخطاة أنفسهم، لأن الله يعرف أن غياب الخير
والصلاح هو ذاته الانفصال عن الحياة (أي عن الله) مما يعني موت وتدمير الخليقة
الجميلة والمحبوبة لديه جداً. ومن هنا فإن غضب الله (أي رفضه ومقاومته للشر) هو
عمل يظهر صلاحه ومحبته للبشر. يقول ق. بولس الرسول:
"لأن غضب الله معلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم، الذين يحجزون الحق بالإثم" (رو 1: 18)؛
ونلاحظ هنا أنه يقول إن غضب الله هو ضد الفجور والإثم وليس ضد
الفاجرين والأئمة. يقول العلامة أوريجينوس:
"قد يرى الإنسان في رفض الله لخطيئته غضباً"، وهو ذات الفكر الذي سيطر على اليهود بأن الله رافضهم وغاضب عليهم، وبالتالي فهو (أي الله) يوقعهم في المتاعب والمصاعب. وهم في تفكيرهم هذا تناسوا احتمال أن يكون ذلك الأمر نوعاً من التأديب؛ أو أنهم قد لا يدركون المغزى منه؛ أو أن ذلك (الغضب قد ذكر على هذا النحو) بسبب ضعف لغتهم ومجازيتها.[12]
[1] عن
كتاب: تدبير ملء الازمنة، د/ عماد موريس إسكندر، من صفحة 153 – 160.
[2] انظر: بطرس كرم صادق، الغضب الإلهي،
رؤية آبائية، دورية المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، رقم 44 (يوليو 2019)، ص
83.
[3] أريستيدس الأثيني، الدفاع 1، مقتبس من
بطرس كرم صادق، الغضب الإلهي، مرجع سابق، ص 83.
[4] أثيناغوراس، الدفاع 21، مقتبس من نفس
المرجع، ص 84.
[5] نفس المرجع، ص 84.
[6] العلامة أوريجينوس، عظات على سفر
التكوين، ترجمة مريم رشاد، مركز بادرون للتراث الآبائي، الطبعة الأولى (2015)، 3:
2.
[7] ق. يوحنا كاسيان، الأنظمة، ترجمة الأب
بولا ساويرس، مركز بادرون للتراث الآبائي، ص 157.
[8] العلامة أوريجينوس، عظات على سفر
إرميا، 18.
[9] الفيلوكاليا، المجلد الأول، فصل 150.
[10] مار إسحق السرياني، المقالات النسكية.
[11] ق. يوحنا ذهبي الفم، إلى ثيودور 1: 4،
مقتبس من بطرس كرم صادق، الغضب الإلهي، مرجع سابق، ص 88.
[12] العلامة أوريجينوس، ضد كلسوس، 4.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق