الحجة الغائية Preuve par
les causes finales
وهي من أقدم الحجج، وتوزعت بين الكتب المقدسة وبين عروض الفلاسفة.
وخلاصتها أن في العالم نظاماً وانسجاماً وغائية؛ وأن الطبيعة أو
الكون تنسق من الوسائل والغايات. وهذا كله يفترض علة عاقلة هي التي تولت هذا
التدبير. وإذن فإن للكون علة مدبرة، لأن المادة عاجزة عن تدبير نفسها بنفسها.
وعلى الرغم من قدمها وسعة انتشارها، فقد رفضها كثير من الفلاسفة:
فرفضها ديكارت لأنه رأى الإنسان عاجزاً عن النفوذ إلى أغراض الله في الكون. ورفضها
باسكال لأنها لا تستطيع أن تقنع إلا « المؤمنين بالفعل الذين يدركون بإيمانهم
العتيد أن كل ما هو موجود هو من صنع الله الذي يعبدونه. ». ورأى فيها إدوار لوروا
(١٨٧٠ – ١٩٥٤) برهاناً لا يصلح إلا « للخطيب أو الشاعر الغنائي، لا للمنطقي ».
فقد أخذوا عليها :
أ – أنها تقوم على فكرة الغائية، وهي فكرة غامضة، تثير الكثير من
المشاكل كما رأينا.
ب – أنها تتناقض مع الحجج الكونية التي تقوم كلها على أن هذا العالم
« ممكن، فان، محتاج، ناقص».
جـ – أنه إذا صح وجود انسجام في بعض النواحي، فهناك أيضاً ألوان
عديدة من البؤس والشر.
ومع ذلك نجد لهذه الحجة مدافعين عنها في العصر الحاضر، خصوصاً بين
العلماء:
أ – فإن أينشتين (١٨٧٩ – ١٩٥٥) يستخدمها في بيان تدين بعض العلماء.
يقول:
«من العسير أن تجد باحثاً عميقاً في العلم لا يبدي من تدين بارز الخصائص. لكن هذا التدين يتميز من تدين الرجل الساذج: إذ الرجل الساذج يتصور الله على أنه الموجود الذي يرجو رضاه ويخشى عقابه، الموجود الذي تربطه به علاقات شخصية وإن كانت بالغة التوقير: إنه شعور متسامي من نوع العلاقات بين الابن والأب. - وعلى العكس من ذلك ترى العالم مملوءاً بالشعور بالعلية في كل ما يحدث ... وتدينه يقوم في الإعجاب العالي بانسجام قوانين الطبيعة؛ إن في هذا الانسجام لسبباً هو من السمو بحيث أن كل المعنى الذي يضعه الناس في أفكارهم ليس بإزاء هذه القوانين غير انعكاس باهت تماماً. وهذا الشعور هو الدافع إلى الحياة والجهد عند العالم، بالقدر الذي به يمكنه أن يسمو فوق استعباد شهواته الأنانية. وليس من شك في أن هذا الشعور قريب من الشعور الذي أحست به النفوس الدينية الخلاقة في كل العصور».[1]
ب – كذلك يرى ماكس بلانك (١٨٥٨ – ) أن الفيزياء النظرية الحديثة
محتاجة إلى استخدام فكرة العلة الغائية إلى جانب العلة الفاعلية؛ وهذه العلة
الغائية تمكن من تحديد المستقبل لأنها تفترض غاية يُسعى إلى تحقيقها، وهذا يمكن من
استنباط سير الأحداث المقبلة.[2]
[1] A.
Einstein : Comment je vois le monde, pp. 38-39. Paris, 1934.
[2] Max
Planck : Religion und Naturwissenschaft, 1938.
وراجع أيضاً كتاب «طبيعة الطبيعة – معجزة الله»،
الطبعة الخامسة، سنة ١٩٥٦، وفيه يتناول ١٦ عالماً - منهم بلانك ، وهانز دريش ،
وفيرنر هيزنبرج ، وبافنك – هذا الموضوع .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق