الخميس، 12 مارس 2026

ضرورة البحث الفلسفي في المسألة الإلهية، د. عبد الرحمن بدوي

 


ضرورة البحث الفلسفي في المسألة الإلهية[1]

تُعنى الفلسفة بالبحث في وجود الله بوصفه العلة الأولى للوجود. ولما كان شرف العلم بشرف موضوعه كما يقول أرسطو، فقد جعل أرسطو البحث في الله هو أشرف أبحاث الفلسفة، ولهذا سمى هذا القسم باسم «الفلسفة الأولى»، وقال عنها إنها العلم الحرّ الوحيد بين العلوم، لأنها وحدها التي لا غاية لها سوى نفسها. ولهذا يمكن حقاً أن نعتقد أن تحصيلها أمر فوق إنساني، لأن الطبيعة الإنسانية مستعبدة لكل شيء، ولهذا فإن الله هو وحده الذي يمكن أن تكون له هذه الموهبة، كما قال سيمونيد، وأنه لا يليق بالإنسان أن يبحث في علم غير ميسور له.[2]

ومهما حدث من تغيرات في الفكر المعاصر، فإن فكرة الله تبقى موضوعاً ضرورياً للبحث، وبدونها لا يمكن تكوين نظرة شاملة عن الكل. وما أمل فيه الوضعيون من إمكان استبعاد كل نظرة فوق طبيعية من مجال الفكر (العملي)؛ وإذا كان هذا الأمل لا يزال يراود أنصار مدرسة فيينا بتوجهها الفيزيائي، فإن هذا الأمل يرجع إلى «سفسطة» وليس إلى فلسفة بمعنى الكلمة.

إن استبعاد البحث في الله سيفضي إلى القضاء على الميتافيزيقا نفسها وهو أمر لا يستسيغه معظم المفكرين اليوم - كما لاحظ جوسدورف بحق.[3]

والصعوبة الكبرى في البحث الميتافيزيقي أن موضوع البحث هنا ليس من نوع موضوعات البحث الأخرى التي يتناولها العقل. إذ الطبيعة الإلهية من نمط آخر مختلف تماماً عن الطبيعة الإنسانية أو الطبيعة المادية. ومن هنا نشأ ما يسمى باللاهوت السلبي في العصور الوسطى المسيحية،[4] وصفات السلوب في علم الكلام الإسلامي،[5] ومفاده أننا لا نستطيع أن نصف الله: وجوده وصفاته إلا في مقابلة وجود الإنسان والأشياء وصفاتها. فالله «ليس كمثله شيء» (الشورى - آية 11) ولهذا لا يكون القول عنه إلا سلباً لما في الإنسان وسائر الكائنات الطبيعية من صفات. أو يتوقف كل قول إنساني منطقي فيما يتعلق بالله، ولا يبقى إلا الدعاء والصلاة.

لكن العقل الإنساني لا يستطيع أن يتوقف عن الكلام المتعالي حتى فيما يتجاوز نطاق الواقع الميسور له، لأنه يحس بوجود شيء يتجاوز هذا الواقع، وهو ما يسميه يسبرز باسم «العلو»، وما يسميه أصحاب فلسفة الروح (لافل أولسون) باسم «القيمة المطلقة» أو «المطلق» فقط.

وفي هذا يقول جوسدورف أيضاً:

«إن المعنى الفلسفي الله يبدو متضامناً مع مقتضى الميتافيزيقا المفتوحة. إنه لا يحيل إلى منطقة من مناطق الواقع غير الإنسان والعالم، بل يحيل بالأحرى إلى تلك المنطقة من العالم والإنسان التي لا يسكنها العلم. وفكرة الله لا تعني مذهباً من المذاهب Un système des systèmes؛ بل هي تكرس إخفاق المذاهب والباقي ينبوع (آخر) للحق. والقراءة الأولى للواقع لا تكفي، ولا تكفي قراءة الواقع كما هو - أو بالأحرى لا يوجد واقع كما هو - بنوع من الفهم الحرفي.

إن العالم لا يوجد في ذاته وتلقائه؛ وما فوق الطبيعة ليس خارج الطبيعة: إنه هو والطبيعة نفسها شيء واحد، الطبيعة التي لا يمكن أن تبدأ ولا أن تنتهي في التحديدات الخاضعة لضوابط المعرفة الوضعية. ولهذا فإن المفارقة paradoxe بالنسبة لميل (البحث في فكرة) الله تقوم عند نهاية التحليل في هذه الواقعة وهي أن الفيلسوف عاجز عن الكلام عن الله، لكنه ملتزم بالكلام عنه باستمرار والرجوع والإنابة إليه ابتداء أن ينظم منظوراته في كل لحظة.

وإله الفلاسفة، مجرداً من كل التصورات الدينية، يدل على الرجاء الشامل في الوحدة، غير المتحققة؛ ولكنها مأمولة دائماً، وعلى توافق القيم في توافق النوايا والأفعال، وعلى الأساس والضمان لكل جماعة إنسانية وكل مشاركة».[6]

ويلخص موريس بلوندل (1861 - 1949) مهمة اللاهوت العقلي بقوله:

«إن إله الفلاسفة والعلماء هو الموجود المطلق، الذي نصل إلى إدراكه (أو نفترض ذلك) بواسطة النهج العقلي، بوصفه مبدأ التفسير أو الوجود».

وفي مقابله يضع بلوندل إله إبراهيم واسحق ويعقوب – وهو:

«الموجود ذو الأسرار، الجواد الذي يكشف جانباً من كماله التي لا يمكن النفوذ إلى أعماقها، والذي لا يمكن الوصول إليه بالعقل وحده، ونحن نقر بأن له حقيقة باطنة لا نصل إلى إدراكها بمواهبنا الطبيعية، وتجاهه لا يمكن أن تكون بداية الحكمة شيئاً آخر غير الخوف والتواضع؛ لكن الله الذي يكاشفه للإنسان عن أسرار حياته يدعوه إلى (حضرته) الإلهية نفسها، وإلى تغيير حالته الطبيعية المهنية بوصفه مخلوقاً وتحويلها إلى خُلّة، وتبن خارق، ويأمره بأن يحبه، وبألا يبذل ذاته إلا له».[7]

ومع ذلك فإن موقف بلوندل يختلف عن موقف بسكال. ذلك أن بسكال قال: «إله إبراهيم، إله اسحق، إله يعقوب - لا إله الفلاسفة والعلماء» - أي قال بإله الإيمان المطلق، إيمان القلب، و«للقلب أسباب لا يعرفها العقل».[8] ويؤكد أننا «نعرف الحقيقة ليس فقط بالعقل، بل وأيضاً بالقلب. وعن طريق القلب نحن نعرف المبادئ الأولى».[9] باسكال يؤكد الله الحي، لا الإله المجرد الذي يقول به الفلاسفة والعلماء.

أما بلوندل وإن كان شديد الإيمان، فإنه يحاول التوفيق بين التفكير الفلسفي بوصفه إيضاحاً عقلياً لمضمون العقيدة، وبين التفكير الإيماني كما يتجلى في العقيدة البسيطة.

وباسكال يستعمل كلمة «قلب» فيما نستعمل فيه اليوم كلمة «وجدان»؛ أي الإدراك المباشر الذي ينفذ إلى باطن الأشياء دون المرور بسلسلة من البراهين. ومن هنا يقول باسكال:

«إن القلب يشعر بأن للمكان ثلاثة أبعاد وأن الأعداد لا نهائية؛ والعقل يبرهن بعد ذلك على أنه لا يوجد عددان مربعان أحدهما ضعف الآخر» (الأفكار، برقم 282 في نشرة برونشفيك).

وفيما يتصل بالقلب والإيمان يقول باسكال:

«إن القلب هو الذي يستشعر الله، لا العقل. هذا هو الإيمان. الله محسوس للقلب، لا للعقل Dieu sensible au coeur, non à la raison» (الأفكار، برقم 278 برونشفيك).

والإيمان ليس علماً، بل اعتقاد؛

«هذا الإيمان هو في القلب، ويجعل صاحبه يقول: أعتقد، ولا يقول: أعلم» (الأفكار، برقم 248 برونشفيك).

ولا يكف باسكال عن الحط من قدر العقل في أمور الإيمان، ذاهباً على العقل أنه يريد أن يحكم على كل شيء (الأفكار، برقم 272 برونشفيك)؛ ويطالب العقل بأن يلتزم حدوده، وسيكون هذا من فضل العقل: «لا شيء أكثر انطباقاً على العقل من هذا الاستنكار للعقل» (الأفكار، برقم 272). إن الإيمان هو من وراء العقل، بمعنى أنه يناقضه ويقدح من قدره ويطامن من كبريائه؛ وفي الوقت نفسه يتمه لأن الإيمان يبدأ بتمام العقل.

وفي مقابل ذلك نجد هيجل يقول إن عمل العقل هو الذي يتكمّل ما في معطيات الإيمان من نقص. ويقرر أنه من مفاخر الإنسان أنه لا يقنع بالعواطف بل يحرص على تبريرها بالفكر والعقل.[10] وعنده أن المباشر أقل مرتبة مما هو مؤسس على العقل، وأن الدين لا يجد إيضاحه الحق إلا في فلسفة الدين. يقول هيجل:

«إن الوجود الحقيقي للدين هو... فلسفة الدين. لكن إذا كانت فلسفة الدين هي وحدها الوجود الحقيقي للدين، فإني لا أكون متديناً حقاً إلا بوصفي فيلسوفاً في الدين؛ ولهذا أنا أستهجن التدين العاطفي والإنسان الشديد الانفعال».[11]

ومع ذلك ظل اتجاه باسكال سارياً لدى بعض الفلاسفة المعاصرين: فإدوار لوروا (1870 - 1954) يؤكد أن: «استنباط (وجود) الله يساوي إنكاره»،[12] ذلك لأن العقل حين يتكلم عن الله، فإنه لا يتناول الله حقاً، لأن البرهنة على وجوده معناها إمكان ردّه إلى حقائق أخرى غيره - لها سلطتها بالنسبة إليه؛ لكن الله إذا قيس بهذا القياس، فلن يكون بعد هو الله. ويشرح هذا جوسدورف، فيقول:

«إن التناول الفلسفي عن الله مآله الإخفاق. أولاً لأن المنهج التأملي يسير بواسطة تحديد التصورات وتركيبها بعضها مع بعض؛ والله ليس تصوراً concept. ولا يوجد تصور يناسب مقام الله؛ والماهية الإلهية لا يمكن - دون الوقوع في تناقض - حصرها ضمن حدود التعريفات الإنسانية. وكل فكرة عن الله لا يمكن إلا أن تكون فكرة لناقصة، أدنى مستوى، في هذا المعنى، من الأفكار الواضحة المتميزة للأمور العقلية الحقيقية، مثل الدائرة أو المثلث».[13]

ولهذا أنكر محاولة البرهنة على وجود الله، قائلاً:

«إن الرغبة في البرهنة على وجود الله أمر بالغ الهزل. فبما أنه موجود، وحينئذ لا يمكن البرهنة عليه (كما لا أستطيع أن أبرهن على وجود شخص ما)، وأقصى ما أستطيعه هو أن أجد عليه شواهد، لكني بهذا أفترض وجوده)؛ - أو الله غير موجود، وهذا أيضاً لا يمكن البرهنة عليه».[14]

وبمعنى مقارب يقول لوسن Senn إن:

«فكرتنا عن الله يجب أن تسمو مع معرفتنا بالله. فكرتنا عن الله توفيق compromis بين الله ومحدودية المعرفة الإنسانية».[15]

لكن الغالبية العظمى من الفلاسفة على مدى التاريخ لم يأخذوا بما دعا إليه باسكال، لأنهم رأوا في ذلك إشهاراً لإفلاس العقل.

ولهذا سنعمد الآن إلى بيان الموضوعات الرئيسية المتدرجة في الإثبات.



[1] بدوي، عبد الرحمن. مدخل جديد إلى الفلسفة. بيروت: دار القلم. القسم الثالث: الإلهيات، الفصلان الأول والثاني، ص 211–232.

[2] أرسطو: «ما بعد الطبيعة» المقالة الأولى الفصل الثاني - ص 982 ب س 25 - 983 أ س 4.

[3] G. Gusdorf: Traité de métaphysique, p. 370. Paris, Colin, 1956

[4] Negative Theology أو Apophatic Theology

[5] Privative Attributes

[6] G. Gusdorf: Traité de métaphysique, pp. 373-374. Paris, Colin, 1956

[7] من تعليق لبلوندل من كتابه «لاهوت عقلي» في معجم لالاند الفلسفي.

[8] Blaise Pascal: Pensées, n. 277. Ed. Brunschvicg.

[9] Pascal: Pensées, n. 282. Ed. Brunschvicg

[10] Hegel: Principes de la philosophie du droit, Préface, p. XXIII

[11] Marx: Manuscrits de 1844, 3e Manuscrit, p. XXIX

[12] Ed. Le Roy: Le Problème de Dieu, p. 65. Paris, Artisan du Livre, 1929.

[13] G. Gusdorf: Traité de métaphysique, p. 388. Paris, 1956.

[14] S. Kierkegaard: Journal, entries, 1846, t. I, tr. f.

[15] R. Le Senne: La découverte de Dieu, p. 22. Paris, Aubier, 1955


ليست هناك تعليقات: