السبت، 7 مارس 2026

قال الرب لربي، هل هذا يعني وجود إلهين؟!

 


"قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: «اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ»." (مز 110: 1).


اليمين رمز القوة في الكتاب المقدس

إن اليمين رمز القوة والسلطة وهذا ورد في آيات عديدة في العهد القديم، مثل:

يَمِينُكَ يَا رَبُّ مُعْتَزَّةٌ بِالْقُدْرَةِ. يَمِينُكَ يَا رَبُّ تُحَطِّمُ الْعَدُوَّ.” (خر 15: 6).

“وَتَجْعَلُ لِي تُرْسَ خَلاَصِكَ وَيَمِينُكَ تَعْضُدُنِي، وَلُطْفُكَ يُعَظِّمُنِي.” (مز 18: 35).


حوار بين الله والمسيح

عبارة "قال الرب لربي" في مزمور 110:1 تشير إلى حديث الله مع المسيح، حيث يجلس عن يمينه حتى يُسحق أعداؤه، وهي تعكس مكانة المسيح المميزة في العقيدة المسيحية دون الإشارة إلى تعدد الآلهة.

وفي هذا السياق، "الرب" يشير إلى الله، و"ربي" يشير إلى المسيح أو الملك الممسوح، الذي يُجلس عن يمين الله كرمز للسلطة والمكانة العليا.


لاحظ هُنا أمرًا هامًا:

في هذا النص يتحدث الله إلى المسيح، الكلمة المُتجسِّد، حيث هي نبوة عن صعود المسيح وجلوسه عن يمين الآب،[1] بعد التجسُّد، لينتظر إلى حين مجيئه الثاني مع ملائكته على السحاب ليُدين الأحياء والأموات.

فهذا حديث نبوي، ليس قبل التجسُّد، بل بعده، الله (إلوهيم) يتحدث إلى السيد المسيح (أدوناي)، قائلًا له اجلس وانتظر حتى يوضع أعدائك موطيء قدميك.

وطبيعي أن الله كان يتحدث مع المسيح، والمسيح كان يتحدث مع الله الساكن فيه والمتحد به اتحاد حقيقي، كما يقول بولس الرسول: لأَنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا (كولوسي 2: 9).[2]


حوار بين الأقانيم


كما أوضحنا سابقًا فأن في الإله الواحد المتفرد الذي لا مثيل له، يوجد ثلاثة أقانيم، في وحدانية، و"في" بعضهم البعض، الآب في الابن والابن في الروح والروح في الآب،[3] في علاقة احتواء متبادل واتصال دائم، وهذا يعني أنّ هُناك دائمًا حوار داخلي في الله الواحد.

فالأقانيم الإلهية ليست آلهة منفصلة، وليست فقط متصلة، بل هم في بعضهم البعض، متداخلين دون امتزاج، وبينهم حوار أزلي بأزلية الله.

وهُنا لا نُعد الله، لا نخضعه للعدد، فمن عدّ الله قد حدّه! فلا يُمكن أن نقول: كم إله هُنا؟ لإن في هذا السؤال مغالطة كبيرة، السائل يقصد أن هُناك ثلاثة آلهة منفصلة، أو حتى متصلة، لكن هذا ليس الإيمان المسيحي، الذي يؤمن بأن في الله الواحد ثلاثة أقانيم.


فإن كان السؤال: كم أقنوم هُنا؟ يصير سؤالًا منطقيًّا ومتفقًا مع العقيدة المسيحية.. وهذا ما لا يريد المعترض أن يصل إليه، بل يريد فقط أن يسقط تفسيره الشخصي على العقيدة المسيحية المقدسة.

 

واختصارًأ:

- هذا حوار بين الله والمسيح بعد التجسُّد والصعود.

- الأقانيم في الله الواحد بينهم حوار أزلي.

- الأقانيم ليسوا ثلاثة آلهة منفصلة، ولا حتى متصلة، بل هم في بعضهم البعض، في احتواء متبادل طوال الوقت.

- السؤال الصحيح: كم أقنوم هُنا؟


[1] وَالرَّبُّ بَعْدَ أَنْ كَلَّمَهُمْ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ اللهِ (مرقس 16: 19)

هذَا يَسُوعُ رَفَعَهُ اللهُ بِيَمِينِهِ، وَقَدْ أَخَذَ وَعْدَ الرُّوحِ الْقُدُسِ مِنَ الآبِ، سَكَبَ هذَا الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ تُبْصِرُونَهُ وَتَسْمَعُونَهُ (أعمال 2: 33)

الَّذِي إِذْ صَارَ فِي مَنْزِلٍ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ، جَلَسَ عَنْ يَمِينِ عَرْشِ الْعَظَمَةِ (عبرانيين 8: 1)

الَّذِي هُوَ أَيْضًا عَنْ يَمِينِ اللهِ، الَّذِي أَيْضًا يَشْفَعُ فِينَا (رومية 8:34)

الَّذِي إِذْ صَارَ فِي مَنْزِلٍ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ، جَلَسَ عَنْ يَمِينِ عَرْشِ الْعَظَمَةِ (عبرانيين 1: 3)

[2] الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بَكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ (كولوسي 1: 15)

فَإِنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ (كولوسي 1: 19)

وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ (عبرانيين 1 : 3)

[3] أَنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ (2 كورنثوس 5: 19)

لأَنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا (كولوسي 2: 9)

فَإِنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ (كولوسي 1: 19)

وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ (عبرانيين 1: 3)

وهذه الشركة بين الآب والابن، أو الآب في الابن، تنطبق على الروح القدس أيضًا، فهذا هو إيمان الرسل كما نرى بوضوح في نصوص العهد الجديد:

إِنْ كَانَ رُوحُ اللهِ سَاكِنًا فِيكُمْ. وَلَكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ فَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ (رومية 8: 9)

وَأَمَّا الرَّبُّ فَهُوَ الرُّوحُ، وَحَيْثُ رُوحُ الرَّبِّ هُنَاكَ حُرِّيَّةٌ (2 كورنثوس 3: 17)

وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي (يوحنا 14: 26)

وَأَمَّا الرُّوحُ فَيَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ (1 كورنثوس 2: 10)


ليست هناك تعليقات: