"أَمَّا
أَنَا فَدُودَةٌ لَا إِنْسَانٌ. عَارٌ عِنْدَ الْبَشَرِ وَمُحْتَقَرُ
الشَّعْبِ." (مز 22: 6).
إن الذي أُزيح واُزدرِيَ من شعبه، كعار على الأمة، قد يستخدم بحق هذه
الكلمات ذات الضعة العميقة، والتي لا تعبر عن قيمته الحقيقية، بل عن القيمة
المقدرة له من الشعب.[1]
فيصف المُرنّم السخرية التي يواجهها من أبناء شعبه (عدد 6). بل إنهم يسخرون من
إيمانه (عدد 8)، متضمنين ربما أنهم يعتبرونه مرائيًا.[2]
وكما يبدو الله غائبًا. يُزدرَى يسوع كدودة في نظرهم، هائمة يسحقها
الناس تحت الأقدام. وفي سخرية أعداء يسوع، يخلصون إلى هذه النتيجة المنطقية: «الله
قادر على إنقاذه إن أراد ذلك. الله لا ينقذه. إذن الله لا يريده». فهل يمكن أن
يكون ذلك صحيحًا؟[3]
وحرف العطف "لكن" في العدد 6 يؤكد التباين بين خبرة آبائه
وخبرته هو. في معاناته، أصبح المرنم جَريدًا من إنسانيته، ويراه الآخرون لا يختلف
كثيرًا عن دودة. لقد اختبر يسوع الأمر نفسه وهو على الصليب. وكما تنبأ إشعياء، كان
محتقرًا وأصبح «كَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا» (إش 53: 3 "مُحْتَقَرٌ
وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ،
وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ"). ويظهر
الموقف نفسه أحيانًا في استجاباتنا لأولئك الذين يعانون أو يجوعون أو يمرضون. فهل
نستر وجوهنا عندما نرى شخصًا هزل ونحل؟ إن المتألمين بشدة بحاجة إلى محبتنا
ورعايتنا، ولا ينبغي استبعادهم وكأنهم أقل إنسانية أو أقل استحقاقًا لشفقتنا من
غيرهم.[4]
لم يكن مهجورًا من الله فحسب، بل كان محتقرًا ومرفوضًا من الشعب.
وبالنسبة للمخلوقات التي صنعتها يداه، لم يكن المسيح يعتبر حتى إنسانًا—بل مجرد
دودة في نظرهم. لقد عرف مرارة السخرية والرفض من الشعب نفسه الذي جاء ليخلصه. وحتى
وهو مُعلق على الصليب، كان الجمع المراقب يستهزئ ويسخر من المحب الأبدي لنفوسهم!
وعلى نحو قد يبدو غير معقول، غنوا أغنية تهكم سخروا فيها من عجزه الظاهري ومن
العبث الظاهري لثقته بالله.[5]
إن كل ما يُطرح في هذا العدد والعددين التاليين يبدو بوضوح أنه صُمم
لإعطاء الانطباع بأن المتألم متروك تمامًا من الله؛ ولهذا السبب وحده يُطرح هنا.
فالأمر لا يتعلق بالآلام في حد ذاتها، بل بالعمق الأشد عمقًا والذي يبدو لا علاج
له من الآلام، والذي يوضع في مقابلة الخلاص الذي ناله الآباء.
واللفظ العبري ואנכי (وأنوكي) يعبر عن تباين مؤكد.. «الأمر
مختلف تمامًا معي: أنا دودة، إلخ». يُشبَّه الإنسان بالدودة في سفر أيوب 25: 6
بسبب تلاشي وجوده وعدميته. والدودة في النص الذي أمامنا، كما في سفر إشعياء 41: 14
"«لاَ تَخَفْ يَا دُودَةَ يَعْقُوبَ، يَا شِرْذِمَةَ إِسْرَائِيلَ. أَنَا
أُعِينُكَ، يَقُولُ الرَّبُّ، وَفَادِيكَ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ."، تُستخدم
لتحديد العدمية داخل العدمية. والنص في سفر صموئيل الأول 24: 14 مشابِه، حيث يصف
داود نفسه بأنه الكلب الميت أو البرغوث. ويقابل العبارة «ولا إنسان»، حَدَلْ
إِيشِيم (חֲدַל אִישִׁים) في سفر إشعياء 53: 3 «مَحْقُورٌ
وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ»، وحرفيًا: «المنقطع من بين الناس، الذي لم يعد ينتمي
إليهم». واللفظ «عار عند البشر»، وحرفيًا «عند الجنس البشري»، يشير إلى أن نطاق
العار واسع جدًا حتى إنه يمكن القول إن الجنس البشري بأكمله يوجه له العار.
و«محتقر الشعب» هو المحتقر من قِبل الشعب. فالشعب يوضع في مقابلة الفرد الواحد.
والعار ليس عارًا موجهًا من فرد، بل هو ذو طابع شعبي جماهيري. والعار والازدراء لا
يُعرضان أمامنا لمجرد ذكرهما في حد ذاتهما، بل بالربط بالأساس الذي يستندان
إليه—وهو الشقاء العميق للمتألم، الذي أصبحت حالته تُحسب من جميع الناس كحالة
ميؤوس منها تمامًا.[6]
تحقيق النبوات
إن كاتب المزمور، وإن ازدراه الناس، كان واثقًا من أن إله شبابه لن
يتركه إلى الأبد. لقد رثى داود حقيقة أن الناس أحتفروه؛ إذ شعر بأنه كدودة، بلا
قيمة، وبلا حماية، ويُعامل بازدراء مطلق. ولقد وجهوا إليه إهانات، ساخرين من
إيمانه طالما أن الرب لم ينقذه. والتعابير المستخدمة في مزمور 22: 8 «كَلَّلَ
عَلَى الرَّبِّ فَلْيُنَجِّهِ، لِيُنْقِذْهُ لأَنَّهُ سُرَّ بِهِ» تبناها أولئك
الذين سخروا عند صليب يسوع (متى 27: 42-43 «خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ
فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا! إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ
فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ الصَّلِيبِ فَنُؤْمِنَ بِهِ! قَدِ اتَّكَلَ عَلَى اللهِ،
فَلْيُنْقِذْهُ الآنَ إِنْ كَانَ يُرِيدُهُ!»)، دون أن يدركوا أنهم كانوا يتممون
هذه النبوة وأن هو المسيا المتألم.[7]
والكلمة العبرية للإنسان في العدد 6 هي אָדָם (آدام)، وليست الكلمة المعتادة אִישׁ (إيش)؛ إنها تعود بنا إلى السقوط ووعد
تكوين 3: 15 «وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ
نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ».
ومن خلال آدم، دخلت الخطيئة إلى العالم، والمسيح هو النقيض لآدم في هذا الصدد
(رومية 5: 15 «وَلٰكِنْ لَيْسَ كَالْخَطِيَّةِ هٰكَذَا أَيْضًا الْهِبَةُ.
لأَنَّهُ إِنْ كَانَبِخَطِيَّةِ وَاحِدٍ مَاتَ الكَثِيرُونَ، فَبِالأَحْرَى
كَثِيرًا نِعْمَةُ اللهِ، وَالْعَطِيَّةُ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي بِالإِنْسَانِ
الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، قَدِ ازْدَادَتْ لِلْكَثِيرِينَ!»).[8]
الخلفية الثقافية
دُودَةٌ. بحسب الخلفية الثقافية للنص فإن الاستخدام المجازي المتكرر
لأسماء الكائنات في الكتاب المقدس يجد أصوله الأدبية في الملاحم الأوغاريتية، حيث
قُيدت عدة أمثلة؛ على سبيل المثال: ẓby (ظبي)، وتعني شخصية
مرموقة، تمامًا كما في سفر إشعياء 23: 9 «رَبُّ الْجُنُودِ قَضَى بِهِ لِيُدَنِّسَ
كِبْرِيَاءَ كُلِّ مَجْدٍ، وَيَهِينَ كُلَّ مُوَقَّرِي الأَرْضِ»[9].[10]
[1] Robert
Jamieson, A. R. Fausset, A. R. Fausset, David Brown and David Brown, A
Commentary, Critical and Explanatory, on the Old and New Testaments (Oak
Harbor, WA: Logos Research Systems, Inc., 1997). Ps 22:6
[2] Crossway
Bibles, The ESV Study Bible (Wheaton, IL: Crossway Bibles, 2008). 964
[3] John
F. Brug, Psalms: Psalms 1-72, 2nd ed., The People's Bible (Milwaukee, Wis.:
Northwestern Pub. House, 2002). 107
[4] Tokunboh
Adeyemo, Africa Bible Commentary (Nairobi, Kenya; Grand Rapids, MI.: WordAlive
Publishers; Zondervan, 2006). 634
[5] William
MacDonald and Arthur Farstad, Believer's Bible Commentary: Old and New
Testaments (Nashville: Thomas Nelson, 1997, c1995). Ps 22:6-7
[6] E.
W. Hengstenberg, Commentary on the Psalms, Volume 1 (Bellingham, WA: Logos
Research Systems, Inc., 2010). 375
[7] John
F. Walvoord, Roy B. Zuck and Dallas Theological Seminary, The Bible Knowledge
Commentary: An Exposition of the Scriptures (Wheaton, IL: Victor Books,
1983-c1985). 1:810
[8] M.S.
Mills, The Life of Christ: A Study Guide to the Gospel Record (Dallas, TX: 3E
Ministries, 1999). Ps 22:6-11
[9] انظر Dahood, Biblica 40 (1959), 161 f
[10] Mitchell
Dahood, S.J., Psalms I: 1-50: Introduction, Translation, and Notes (New Haven;
London: Yale University Press, 2008). 139

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق