الخميس، 20 أغسطس 2026

ما معنى: أن قديسون يدينون العالم؟ (1كو6: 2- 3)

 



"أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْقِدِّيسِينَ سَيَدِينُونَ الْعَالَمَ؟ فَإِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُدَانُ بِكُمْ، أَفَأَنْتُمْ غَيْرُ مُسْتَأْهِلِينَ لِلْمَحَاكِمِ الصُّغْرَى؟ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّنَا سَنَدِينُ مَلاَئِكَةً؟ فَبِالأَوْلَى أُمُورَ هَذِهِ الْحَيَاةِ!" (1كو 6: 2-3)

ἢ οὐκ οἴδατε ὅτι οἱ ἅγιοι τὸν κόσμον κρινοῦσιν; καὶ εἰ ἐν ὑμῖν κρίνεται ὁ κόσμος, ἀνάξιοί ἐστε κριτηρίων ἐλαχίστων; 3 οὐκ οἴδατε ὅτι ἀγγέλους κρινοῦμεν, μήτιγε βιωτικά[1]

 

الشواهد من العهد الجديد

 

"فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَبِعْتُمُونِي، فِي التَّجْدِيدِ، مَتَى جَلَسَ ابْنُ الإِنْسَانِ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ." (مت 19: 28).

"أَنْتُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعِي فِي تَجَارِبِي، وَأَنَا أَجْعَلُ لَكُمْ كَمَا جَعَلَ لِي أَبِي مَلَكُوتًا، لِتَأْكُلُوا وَتَشْرَبُوا عَلَى مَائِدَتِي فِي مَلَكُوتِي، وَتَجْلِسُوا عَلَى كَرَاسِيَّ تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ»." (لو 22: 28-30)

"وَمَنْ يَغْلِبُ وَيَحْفَظُ أَعْمَالِي إِلَى النِّهَايَةِ فَسَأُعْطِيهِ سُلْطَانًا عَلَى الأُمَمِ، فَيَرْعَاهُمْ بِقَضِيبٍ مِنْ حَدِيدٍ، كَمَا تُكْسَرُ آنِيَةٌ مِنْ خَزَفٍ، كَمَا أَخَذْتُ أَنَا أَيْضًا مِنْ عِنْدِ أَبِي،" (رؤ 2: 26-27)

"وَرَأَيْتُ عُرُوشًا فَجَلَسُوا عَلَيْهَا، وَأُعْطُوا حُكْمًا. وَرَأَيْتُ نُفُوسَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْ أَجْلِ شَهَادَةِ يَسُوعَ وَمِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ، وَالَّذِينَ لَمْ يَسْجُدُوا لِلْوَحْشِ وَلَا لِصُورَتِهِ، وَلَمْ يَقْبَلُوا السِّمَةَ عَلَى جِبَاهِهِمْ وَعَلَى أَيْدِيهِمْ، فَعَاشُوا وَمَلَكُوا مَعَ الْمَسِيحِ أَلْفَ سَنَةٍ." (رؤ 20: 4)

 

مُقدمة


إن صورة القديسين وهم يدينون العالم تتكيف مع طابع من أشكال الأبوكاليبتية اليهودية التي تصور يوم الحساب النهائي متضمنًا الدينونة (دانيال 7: 22؛ 1 أخنوخ 1: 9؛ الحكمة 3: 8). ومع ذلك، لا بد للمرء أن يسأل عما إذا كان هذا القول يناقض ما قاله بولس بالفعل عن قدرة الكنيسة على الدينونة في 5: 9-13 - أي أن أعضاء الكنيسة لم يُعطوا المسؤولية لدينونة الذين هم من الخارج. كيف يمكن للمسيحيين ألا يدينوا غير المسيحيين ويدينوا العالم في الوقت نفسه؟

من الواضح أن بولس يفكر في وقتين متمايزين. فالتعليمات الواردة في 5: 9-13 هي للوقت الحاضر لكورنثوس؛ أما الدينونة المناقشة في 6: 2-3 فهي حالة خاصة من الدينونة المستقبلية. وإذ يستخدم أسلوبا بلاغيا، يصوغ بولس حجة من الأكبر إلى الأصغر - من المستقبل إلى الحاضر، ومن الملائكة إلى أمور هذه الحياة (في سياق الجماعة المسيحية). يجادل بولس بأنه إذا كان المسيحيون سيدينون العالم في دينونة مستقبلية أبوكاليبتية عظيمة، فينبغي لهم إذًا أن يكونوا قادرين على ممارسة الدينونة في الأمور الأصغر المتعلقة بشؤونهم الداخلية هنا والآن. إن تحذير بولس لكورنثوس هو أن يأخذوا الحياة في جماعة المسيح بجدية، متصرفين بشعور من المسؤولية نحو بعضهم البعض الآن بما يليق بمسؤوليتهم في المستقبل.[2]

تتكرر عبارة بولس البلاغية "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ..." مرة أخرى في الآيات 3، 9، 15-16، 19. قد ينطوي السؤال على أن بولس كان قد قدم لكورنثوس تعليمًا في هذا الموضوع سابقًا، ولكنه قد يفترض أنّ النقاط التي يطرحها بديهية لأي شخص يفكر في هذه القضايا.

إنَّ صورة الدينونة في اليوم الأخير هي جزء من الفكر الأبوكاليبتي اليهودي ونموذج له. وفي حين أن فكرة مشاركة مختاري الله في أفعال الدينونة الأخيرة قد تتطور عبر التقليد الأبوكاليبتي ابتداء من دانيال 7: 22،[3] فإن مفهوم إجراء شعب الله للدينونة المسيحية يوجد في التعاليم الإسخاتولوجية ليسوع ويتوافق معها: متى 19: 28-29؛ لوقا 22: 30؛ رؤيا 3: 21 - قارن مزمور سليمان 17: 26، 29[4].[5]

 

وارثون مع المسيح

 

إن "الْقِدِّيسِينَ" هم أولئك المقدسون والمفرزون لله؛ وتُرجمت نفس الكلمة بـ "شَعْبُ اللهِ" في ع 2. وهم في تباين حاد مع "الظَّالِمِينَ" أو غير المخلصين. وفي قوله إن شعب الله سيدين العالم، يكتب بولس بأسلوب إسخاتولوجي (أُخروي). فعند المجيء الثاني للمسيح، فإن شعب الله، الذين هم وارثون مع المسيح (رومية 8: 17؛ 2 تيموثاوس 2: 12؛ رؤيا 20: 4؛ قارن دانيال 7: 22؛ متى 19: 28).

 

 

الرئاسة مع المسيح فوق الجند السماوي، وتدبير المؤمنين تحت رئاسة يسوع

 

يعلّم بولس بأن المسيحيين سيدينون ملائكة أيضًا، مع أنه لا يحدد أي تفاصيل (ع 3). وهو يقصد على الأرجح أن المسيحيين، عندما يملكون في المستقبل مع المسيح، سيكون لهم دور في إدانة إبليس والملائكة الساقطين عند المجيء الثاني (قارن رؤيا 19: 19-20؛ 20: 10). وبدلاً من ذلك، قد يقصد بولس أن المسيحيين سيرأسون مع المسيح على الجند السماوي.[6]

القديسون... يدينـون—أي "يحكمون"، بما في ذلك القضاء: كمعاونين للمسيح. متى 19: 28، «تَدِينُونَ»، أي "تحكمون على". (قارن المزمور 49: 14؛ دانيال 7: 22، 27؛ رؤيا 2: 26؛ 3: 21؛ 20: 4). وهناك تمييز يضعه مفسرون مقتدرون بين القديسين الذين يقضون أو يحكمون، وبين العالم الذي يُحكم بواسطتهم: كما هو الحال بين الرسل الإثني عشر المختارين (متى 20: 23) الذين يجلسون على عروش يدينـون، وبين أسباط إسرائيل الإثني عشر الذين يُدانون بواسطتهم. فالمُلك والخلاص ليسا بالضرورة مترادفين. وكما استخدم يهوه ملائكة لتنفيذ الشريعة عندما نزل على سيناء ليقيم عرشه في إسرائيل، هكذا عند مجيئه سيدير القديسون الملكوت لأجله وتحت سلطانه. وأمم الأرض، وإسرائيل في المقدمة، وهم في الجسد، سيكونون بحسب هذا الرأي رعايا لحكم الرب وقديسيه في أجساد ممجدة.

وكان خطأ الألفيين "Chiliasts" أنهم أخذوا بالرؤية الجسدية المجرّدة، مقيدين الملكوت بالجزء الأرضي فقط. وهذا الجزء سيكون له موضع مع انضمام البركات الروحية والزمنية التي لابد أن ينتجها حضور المسيح. وإلى جانب هذا المجد الأرضي، سيكون هناك المجد السماوي للقديسين المالكين في أجساد متجلية، والممارسين لمثل هذه الشركة المباركة مع البشر الفانين، مثلما كان للملائكة مع البشر قديمًا، ومثلما كان للمسيح وموسى وإيليا في المجد مع بطرس ويعقوب ويوحنا وهم في الجسد عند التجلي (2 تيموثاوس 2: 12؛ 2 بطرس 1: 16– 18). ولكن يبدو هنا أن "العالم" هو العالم غير المؤمن الذي سيُدان (1 كورنثوس 11: 22)، بدلاً من العالم بأكمله بما في ذلك الأمم الخاضعة التي ستُخضع لسلطان المسيح؛ ومع ذلك، قد يشمل كلاً من الذين سيُدانون مع الملائكة الأشرار، وأولئك الذين هم على وشك الانقياد للطاعة لسلطان المسيح مع قديسيه. قارن متى 25: 32، 40، «جَمِيعُ الأُمَمِ»، «إِخْوَتِي هؤُلاَءِ» على العروش معه. والحَدَث هو الذي سيحسم صحة هذا الرأي.[7]

ندين ملائكة—أي: الملائكة الأشرار. فنحن الذين صرنا الآن «مَنْظَرًا لِلْمَلاَئِكَةِ» سندين حينئذ الملائكة. وسيشارك القديسون في الموافقة على الحكم النهائي الذي يصدره القاضي عليهم (يهوذا 1: 6). وسيضع المؤمنون، بصفتهم مدبرين للملكوت تحت سلطان يسوع، حدًّا لكل رئاسة معادية لله. وربما أيضًا سينال الملائكة الصالحون حينئذ من القاضي، بموافقة القديسين، إكرامًا أعلى.[8]

 

معنى كلمة يدين أو يقضي

 

عن أننا سندين العالم، فيستبق عودة المسيح والدينونة الأخيرة. وهذا يتجاوز تعليم ربنا للإثني عشر في متى 19: 28؛ لوقا 22: 28 وما يليه (انظر أيضًا دانيال 7: 22)، من حيث القضاة والمقضي لهم على حد سواء. ومن الممكن فهم كلمة "يقضي" بالمعنى العبري أي "يملك"، وهي وظيفة تتضمن القضاء، وأساسية في إسخاتولوجيا العهد الجديد؛ قارن رومية 8: 17؛ 2 تيموثاوس 2: 12؛ رؤيا 2: 26، 27؛ 3: 21؛ 20: 4.

ندين ملائكة: بعض الملائكة محفوظون للدينونة؛ قارن متى 25: 41؛ 2 بطرس 2: 4؛ يهوذا 6. 4.[9]

إن مشاركة القديسين في الدينونة الأخيرة للعالم ترجع إلى تعليم يسوع (متى 19: 28؛ لوقا 22: 28 وما يليه)؛ بل إنها وردت في نبوة العهد القديم (دانيال 7: 22). ولا يوجد نص يصرح فيه يسوع جهارًا بأن جميع المؤمنين (القديسين) سيشتركون في الدينونة، لكن بولس يستند إليها بوصفها أمرًا معلومًا. وتوضح الإشارة إلى الملائكة (ع 3) أن العالم يفهم بذات المعنى الاتساعي كما في (4: 9)، أي سائر كون الكائنات العاقلة.

ويرى بعضهم أن كلمة «يدين» تنتظم المعنى العبري لـ «يحكم». وهذا جائز، بيد أن السياق يتناول الدعاوى القضائية لا سياسة الحكم. وتترجم كلمة «دعاوى» عن الكلمة kritēriōn (كريتيريون)، وهي كلمة تفيد «وسيلة التقييم، أو الاختبار، أو المعيار»، ثم «المحكمة أو المجلس القضائي». وإن معنى «محكمة عدل» أمر شائع الاستعمال في البرديات.[10] وهنا يكون المعنى، «أفأنتم غير مستأهلين للقضاء في أدنى المحاكم شأنًا؟» (كما يرى بروس، وباريت، وآخرون).[11]

أتت كلمة «ملائكة» بلا أداة تعريف، مما يصرف الانتباه إلى جوهر طبيعتهم أو صفاتهم؛ فهم طبيعيًا في أعلى مرتبة بين الخلائق. ورغم ذلك، فإن القديسين سيدينونهم. وبناءً عليه، كان يجب على أهل كورنثوس أن يدركوا أنهم أهل للدينونة في أمور هذه الحياة. وهذا يترجم كلمة يونانية واحدة، biōtika (بيوتيكا)، وهي تعني الشؤون العادية للحياة اليومية. وإن عبارة «فكيف بالأكثر» mēti ge (ميتي جي) صيغة توكيدية قوية، لا ترد إلا هنا في العهد الجديد. والنتيجة حتمية لا مناص منها.[12] 




[1] Michael W. Holmes, The Greek New Testament: SBL Edition (Logos Bible Software; Society of Biblical Literature, 2010; 2010). 1 Co 6:3

[2] Marion L. Soards, New International Biblical Commentary: 1 Corinthians (Peabody, MA: Hendrickson Publishers, 1999). 122

[3] "حَتَّى جَاءَ الْقَدِيمُ الأَيَّامِ، وَأُعْطِيَ الدِّينُ لِقِدِّيسِيِ الْعَلِيِّ، وَبَلَغَ الْوَقْتُ، فَامْتَلَكَ الْقِدِّيسُونَ الْمَمْلَكَةَ." (دا 7: 22).

[4] وَيَجْمَعُ شَعْبًا مُقَدَّسًا يَقُودُهُ بِبِرّ، وَيَدِينُ أَسْبَاطَ الشَّعْبِ الَّذِي قَدَّسَهُ الرَّبُّ إِلَهُهُ. وَهُوَ لاَ يَضْعُفُ فِي أَيَّامِهِ، لأَنَّ إِلَهَهُ مُعِينُهُ، وَهُوَ قَدِّيسٌ عَلَى مَلِكِ إِسْرَائِيلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. (مزمور سليمان 17: 26، 29)

[5] Marion L. Soards, New International Biblical Commentary: 1 Corinthians (Peabody, MA: Hendrickson Publishers, 1999). 125

[6] Kenneth L Barker, Expositor's Bible Commentary (Abridged) (Grand Rapids, MI: Zondervan Publishing House, 1994). 622

[7] Robert Jamieson, A. R. Fausset and David Brown, A Commentary, Critical and Explanatory, on the Old and New Testaments (Oak Harbor, WA: Logos Research Systems, Inc., 1997). 1 Co 6:2

[8] Robert Jamieson, A. R. Fausset and David Brown, A Commentary, Critical and Explanatory, on the Old and New Testaments (Oak Harbor, WA: Logos Research Systems, Inc., 1997). 1 Co 6:2

[9] F. F. Bruce, New International Bible Commentary (Grand Rapids, MI: Zondervan Publishing House, 1979). 1359

[10] J. H. Moulton and G. Milligan, The Vocabulary of the Greek Testament (Hodder & Stoughton, 1914–29)

[11] Bruce F. F. Bruce, 1 and 2 Corinthians (Marshall, Morgan & Scott, 1982; New Century Bible)

Barrett C. K. Barrett, A Commentary on the First Epistle to the Corinthians (Black, 1971; Black’s New Testament Commentary)

[12] Leon Morris, 1 Corinthians: An Introduction and Commentary, Tyndale New Testament Commentaries (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1985). 94


ليست هناك تعليقات: