ما معنى أن المسيح صار خطية لأجلنا؟[1]
"لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً
لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ." (2 كو 5: 21).
1. مقدمة إلى المفهوم
تُستمد عبارة "جعل المسيح خطية لأجلنا" مباشرة من 2
كورنثوس 5: 21: "لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً
لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ." طالما شكَّل هذا النص
ركيزة أساسية في التعليم المسيحي حول الكفارة والخلاص، مسلطًا الضوء على كيفية
اتخاذ المسيح الفادي الكامل والخالي من الخطية عقوبة الخطية البشرية على نفسه. ومع
ذلك، قد تبدو هذه الصياغة غامضة في البداية؛ فكيف يمكن للقدوس الكامل أن
"يصير" خطية؟ يُفهم هذا التعليم على أفضل وجه بأن المسيح حمل عبء إدانة
البشرية كاملاً وقدم نفسه ذبيحة فائقة.
فيما يلي دراسة تفصيلية عبر أقسام مستقلة، تهدف إلى إيضاح وتجلية
الأبعاد العميقة لهذه العقيدة.
2. تعريف "الخطية" والوضع البشري
يوجد جميع البشر تحت ثقل الخطية. يصف الكتاب المقدس كيف أن
"الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ" (رومية 3: 23).
ليست الخطية مجرد فعل، بل هي حالة تمرد ضد الله تؤدي إلى الانفصال الروحي والموت
(رومية 6: 23). في نظام الذبائح في العهد القديم، تطلبت خطورة الخطية تقديم ذبائح
حيوانية لإبراز ضرورة بذل الحياة لأجل الكفارة (لاويين 17: 11). غير أن هذه
الذبائح كانت تشير إلى ذبيحة أعظم وكافية للجميع.
في العهد الجديد، قُدِّم الحل النهائي لأزمة البشرية في المسيح، الذي
هو إله تام وإنسان تام. هو "لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً" (1 بطرس 2: 22)،
ولكنه احتمل طوعًا العقوبة التي تستحقها الخطية.
3. خلفية العهد القديم: الكفارة البدلية
تحت شريعة موسى، أُوضحت الكفارة البدلية بجلاء
من خلال الذبائح. كان كائن بريء (ذبيح) يحمل العقاب رمزيًا بدلاً عن المذنب. يذكر سفر اللاويين الأصحاح 16 يوم
الكفارة (Yom Kippur يوم كيبور)، حيث يذبح
الكاهن الأعظم تيسًا عن خطايا الشعب، ويرسل تيسًا آخر—"تيس
العزازيل"—إلى البرية، حاملاً آثامهم رمزيًا.
كانت هذه الذبائح ظلاً للذبيحة الكاملة. تذكر الرسالة إلى العبرانيين
10: 1 أن "الشَّرِيعَةَ، إِذْ لَهَا ظِلُّ الْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ لاَ
نَفْسُ صُورَةِ الأَشْيَاءِ." المسيح هو الحقيقة التي كانت تشير إليها كل
تلك الذبائح، متألمًا ومتممًا بتقديم ذاته مرة واحدة ما كانت تمثله ذبائح لا حصر
لها.
4. معنى "صار خطية"
عندما تذكر 2 كورنثوس 5: 21 "جَعَلَ... خَطِيَّةً"، فهذا
لا يعني أن المسيح كف عن أن يكون بارًا أو كلي الكمال. بل بالأحرى، بالمعنى
القضائي، حُسبت—أو نُسبت—جميع الخطايا إليه (إشعياء 53: 6: "وَالرَّبُّ
وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا"). "الاحتساب" (Imputation
إمبيوتيشن) هو مصطلح لاهوتي أساسي يعني نسب شيء ما إلى حساب شخص آخر.
أ. خلو المسيح من الخطية
هو "لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً" (2 كورنثوس 5: 21). يؤكد هذا
على أن يسوع ظل كامل الصلاح أخلاقيًا. في 1 بطرس 2: 22، "الَّذِي لَمْ
يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ". هذه البراءة جعلته
وحدها المؤهل لتحمُّل عقوبة خطايا العالم.[2]
ب. نقل الإدانة
وُضعت آثامنا عليه. تذكر الرسالة إلى الغلاطية 3: 13:
"اَلْمَسِيحُ اشْتَرَانَا مِنْ لَعْنَةِ الشَّرِيعَةِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً
لأَجْلِنَا". تعني هذه الصياغة أنه اتخذ اللعنة التي تحق للبشرية بحق على
نفسه، حملها ولما تكن فيه كما هي فينا بسبب خطايانا.[3]
ج. البدلية القضائية
يتضمن مفهوم "صار خطية" تبادلاً: اتخاذ يسوع لخطايانا على
نفسه، ونوال المؤمنين لبره (2 كورنثوس 5: 21). تشبه هذه المعاملة القانونية التي
يتطوع فيها شخص لدفع دين آخر.[4]
5. الموضوعات الكتابية التي تدعم المفهوم
أ. رمزية حمل الفصح
خلال خروج بني إسرائيل من مصر، ذُبح حمل بلا عيب لكي يحمي دمه البيت
من القضاء (خروج 12: 5-7، 13). دعى يوحنا المعمدان يسوع "حَمَلُ اللهِ
الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!" (يوحنا 1: 29). يربط هذا بين ظل
العهد القديم (الحمل) وتحقيق العهد الجديد (المسيح).
ب. النبوات في إشعياء 53
أنبأ إشعياء: "وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا...
وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إشعياء 53: 5-6). تُعرف هذه
النبوة، التي كُتبت قبل المسيح بقرون، على نطاق واسع بأنها التنبؤ المباشر بآلامه
الكفارية وتصور "العبد المتألم" حاملاً خطية الكثيرين.
ج. شرح الرسول بولس للكفارة
في رومية 5: 8، يوضح بولس أن "اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا،
لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا." يحدد الرسول
موت يسوع الذبائحي باعتباره الإعلان الأسمى عن المحبة والنعمة الإلهية.
6. التأثير العالمي والأزلي
أ. النصرة على الموت
لأن أجرة الخطية هي موت (رومية 6: 23)، فإن ذبيحة المسيح وقيامته
كسرتا شوكة الموت لكل من يؤمن (1 كورنثوس 15: 54-57). قيامته هي التأكيد المحوري
على أن ذبيحته كانت مقبولة أمام الله.
ب. المصالحة والسلام
بالإضافة إلى إزالة الخطية، فإن عمل المسيح "يصالحنا" مع
الله (رومية 5: 10). وينتج عن إتمام تلك المصالحة سلام حقيقي: "لَنَا سَلاَمٌ
مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (رومية 5: 1).
ج. الحياة اليومية والتقديس
يختبر المؤمنون تحولاً مستمرًا، يتشكلون تدريجيًا حسب صورة شخصه
بواسطة الروح القدس. ورغم أن البر الكامل لنا في المسيح، فنحن ننمو أيضًا عملاً في
القداسة بينما نعيش الحياة الجديدة المشتراة لأجلنا (أفسس 4: 22-24).
8. المفاهيم الخاطئة الشائعة
أ. المسيح لم يصر "خاطئًا" بالمعنى الحرفي
عبارة "جَعَلَ... خَطِيَّةً" لا تعني أن المسيح صار
فاسدًا أخلاقيًا. بل تشير إلى أنه اتخذ العقوبة وحمل خطيتنا.
ب. أكثر من مجرد مثال أخلاقي
بينما تُشكِّل حياة يسوع النموذج الأسمى للمحبة والفضيلة، فإن هذا
التعليم يتجاوز مجرد القدوة الأخلاقية. إنه يؤكد على كفارة حقيقية أنجزت غفرانًا
فعليًا.
ج. لا يقر الاستمرار في الخطية
حمله للخطية لا يشجع المؤمنين على العيش في الخطية أو الاستهانة
بالنعمة. تدعو الأسفار المقدسة المؤمنين إلى السعي للقداسة بدافع الشكر على
الذبيحة المقدمة من الله لأجل خلاصهم (رومية 6: 1-2).
[1] BibleHub.
"What does it mean Jesus became sin for us?" https://biblehub.com/q/what_means_jesus_became_sin_for_us.htm
[2] "الَّذِي
لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلَا وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ»، الَّذِي إِذْ شُتِمَ
لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضًا، وَإِذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ بَلْ كَانَ
يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقْضِي بِعَدْلٍ. الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي
جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا
لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ." (1بط 2: 22-24)
"وَتَعْلَمُونَ
أَنَّ ذَاكَ أُظْهِرَ لِكَيْ يَرْفَعَ خَطَايَانَا، وَلَيْسَ فِيهِ
خَطِيَّةٌ." (1يو 3: 5)
"لأَنْ لَيْسَ
لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ
مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ." (عب 4: 15)
"لأَنَّهُ كَانَ
يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هَذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرٍّ وَلَا دَنَسٍ،
قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ" (عب 7:
26)
"وَلكِنْ
أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ، وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ
رَجُلٌ قَاتِلٌ." (أع 3: 14)
[3] "فَإِنَّ
الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا،
الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ، مُمَاتًا فِي
الْجَسَدِ وَلكِنْ مُحْيًى فِي الرُّوحِ،" (1بط 3: 18)
"يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ
هَذَا لِكَيْ لَا تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ
الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ
لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا." (1يو 2:
1-2)
[4] "لأَنَّهُ
كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً، هَكَذَا
أَيْضًا بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَارًا." (رو
5: 19)
"وَمِنْهُ
أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ وَبِرًّا
وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً." (1كو 1: 30)
"لكِنَّ
أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ
مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولًا. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ
مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ،
وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى
طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا." (إش 53: 4-6)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق