السبت، 1 أغسطس 2026

ليس جيدًا أن يؤخذ خبز البنين ويعطى للكلاب، هل شتم المسيح المرأة الكنعانية؟ مت15: 26

 


"ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ مِنْ هُنَاكَ وَانْصَرَفَ إِلَى نَوَاحِي صُورَ وَصَيْدَاءَ. وَإِذَا امْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ خَارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ التُّخُومِ صَرَخَتْ إِلَيْهِ قَائِلَةً: «ارْحَمْنِي، يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ! اِبْنَتِي مَجْنُونَةٌ جِدًّا». فَلَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَةٍ. فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَطَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ: «اصْرِفْهَا، لأَنَّهَا تَصِيحُ وَرَاءَنَا!» فَأَجَابَ وَقَالَ: «لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ». فَأَتَتْ وَسَجَدَتْ لَهُ قَائِلَةً: «يَا سَيِّدُ، أَعِنِّي!» فَأَجَابَ وَقَالَ: «لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلَابِ». فَقَالَتْ: «نَعَمْ، يَا سَيِّدُ! وَالْكِلَابُ أَيْضًا تَأْكُلُ مِنَ الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا!» حِينَئِذٍ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: «يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ». فَشُفِيَتِ ابْنَتُهَا مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ." (مت 15: 21-28)

 

تعليقات مفسري الكتاب المقدس:

 

الأب تادرس يعقوب:

 

لقد أكمل السيّد حديثه، قائلًا: "ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب؟" [مت15: 26]. لماذا نطق هكذا؟ هل كان يحتقر الأمم فيدعوهم كلابًا؟!

بلا شك لا يحتقر السيّد خليقته، ولكنه ربّما قال هذا مردِّدًا ما كان يردِّده اليهود لكي يمجِّد من ظنَّهم اليهود كلابًا، معلنًا كيف صاروا أعظم إيمانًا من البنين أنفسهم.

هذا ومن ناحية أخرى، فإن الأمم بإنكارهم الإيمان بالله، وصنعهم الشرور الكثيرة حتى أجاز الكثيرون أطفالهم في النار، وقدّموا بنيهم ذبائح للأصنام، فعلوا ما لا تفعله الكائنات غير العاقلة. إنه لا يقصد تمييز اليهود عن الأمم، إنّما يكشف عن فعل الخطيئة فينا، كما كشف عن أعماق قلب المرأة الكنعانيّة التي سبقت بتواضعها العجيب أبناء الملكوت. فقد قالت: "نعم يا سيّد، والكلاب أيضًا تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها" [27].

يقول القديس أغسطينوس:

[أنها لم تثُرْ ولا غضبت، لأجل دعوتها ككلبٍ عندما طلبت البركة وسألت الرحمة، بل قالت: "نعم يا سيّد". لقد دعوتني كلبًا، وبالحق أنا هكذا، فإنّني أعرف لقبي! إنك تنطق بالحق، لكن ينبغي ألا أُحرم من البركة بسبب هذا... فإن الكلاب أيضًا تأكل من الفتات الساقط من مائدة أربابها. ما أرغبه هو البركة بقدر معتدل، فإنّني لا أزحم المائدة، إنّما أبحث فقط عن الفتات. انظروا أيها الإخوة عظمة التواضع الذي أمامنا...! إذ عرفت نفسها، قال الرب في الحال: "يا امرأة عظيم إيمانك، ليكن كما تريدين" [28]. لقد قلتِ عن نفسكِ إنكِ "كلبًا"، لكنّني أعرفك إنكِ "إنسان"... لقد سألتي وطلبتي وقرعتي، فيُعطَى لك وتجدين ويُفتح لك. انظروا أيها الإخوة كيف صارت هذه المرأة الكنعانيّة مثالًا أو رمزًا للكنيسة؟! لقد قدّمت أمامنا عطيّة التواضع بدرجة فائقة(Ser. on N. T.,  27:11)!]

ما حُرم منه اليهود أصحاب الوعود بسبب كبريائهم نالته الأمم المحرومة من المعرفة خلال التواضع. الذين ظنّوا في أنفسهم أبناء، حُرموا أنفسهم من مائدة الملكوت خلال جحودهم، والذين كانوا في شرّهم ودنسهم كالكلاب، صاروا بالحق أبناء يدخلون وليمة أبيهم السماوي. لقد حقّقت هذه المرأة الخارجة من تخوم صور ما سبق فأعلنه النبي عنها: "بنت صور أغنى الشعوب تترضَّى وجهك بهديّة" (مز 45: 12). أيّة هدية تقدّمها بيت صور هذه إلا إعلان إيمانها الفائق خلال صمت السيّد، وتظاهره بعدم العطاء في البداية. لقد وهبها الفرصة لتقديم أعظم هديّة يشتهيها الرب، إذ يقول "يا امرأة عظيم إيمانك، ليكن لكِ كما تريدين" [28]. لقد فتحت بهذه الهديّة كنوز السيّد، لتنال كل ما تريد، بينما أغلق قادة اليهود أبواب مراحم الله أمام أنفسهم. قَبِل هديّتها القلبيّة الفائقة، وردّ لها الهديّة بما هو أعظم، إذ مدَحها أمام الجميع، فاتحًا أبواب محبّته أمامها، مقيمًا إيّاها رمزًا لكنيسة الأمم التي اغتصبت الرب نفسه بالإيمان.[1]

 

 

الأب أنطونيوس فكري:

 

كانت استجابة المسيح عجيبة فهو أولًا لم يجبها بكلمة ثم حين تكلم معه تلاميذه نجده يقول لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ولما أتت وسجدت وقالت له يا سيد أعني. نجده يقول لها ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويُطرح للكلاب. وهذه الردود العنيفة لم تكن من طبع المسيح فلماذا استخدم السيد المسيح هذا الأسلوب معها؟

 

1. لكي لا يعثر اليهود إذا رأوه يتجاوب مع الأمم. واليهود يقسمون العالم قسمين:

أ- اليهود أبناء الله.

ب- الكلاب (وهم الأمم) ويعتبرونهم نجاسة ويغسلون أي شيء تمتد إليه يد أممي ولا يأكلون معهم.

 

2. قال السيد لتلاميذه تكونون لي شهودًا في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض (أع8:1). ونفذ هو بنفسه هذه الوصية فهو بدأ بأورشليم واليهودية ثم ذهب للسامرية، ولكن الوقت كان لم يحن بعد للذهاب للأمم (أقصى الأرض). بل هو لن يذهب للأمم لكن سيرسل تلاميذه.

 

3. صمت السيد أولًا كان ليثير تلاميذه فيطلبون لأجلها، فرسالتهم ستكون الاهتمام بالعالم الوثني. والسيد يريد من كل منا أن نهتم بكل متألم ونصلي لأجله "صلوا بعضكم لأجل بعض" (يع 16:5). فهذه هي المحبة في المسيحية، خروج من الذات والبحث عن كل محتاج.

وكان صمته أيضًا لتستمر في لجاجتها فتطهر. ونحن إذا تأخر الله في استجابته علينا فهذا لأنه يريد أن تطول فترة صلاتنا أي نستمر في حضرة الله فنطهر أولًا. وهذا أهم من أن نفرح بالعطية.

 

4- السيد المسيح له طرق مختلفة مع كل خاطئ ليجذبه للتوبة، كلٌ بحسب حالته، وما يصلح لهذا الإنسان لا يصلح مع الآخر.

أماّ هذه الكنعانية فهي من شعب ملعون، هم أشر شعوب الأرض لعنهم أبوهم نوح (تك 25:9)، ثم ثبت تاريخيًا أنهم مستحقون لهذه اللعنة، فهم عاشوا في نجاسة رهيبة (فمنهم أهل سدوم وعمورة)، أي اشتهروا بالشذوذ الجنسي وقدموا بنيهم ذبائح للأصنام وفعلوا الرجاسات حتى مع الحيوانات وأجازوا أولادهم في النار. والسيد استخدم مع هذه المرأة أسلوب جديد، هو يظهر لها نجاستها، يكشف لها حقيقة نفسها وخطيتها فلا شفاء دون إصلاح الداخل ولا معجزات دون توبة أولًا. كان أسلوبًا قاسيًا ولكنه كمشرط الجراح، مع كل ألمه إلاّ أنه الطريقة الوحيدة لإزالة المرض. المسيح يكشف لها نجاستها لتشمئز منها فتطلب الشفاء والنقاوة الداخلية.

 

5. كان السيد الذي يعلم كل شيء يعرف أن هذه المرأة قادرة على احتمال الموقف " لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون (1كو 13:10).

 

6. إذ كان يعلم احتمالها، وأنها ستظهر إيمانًا وصبرًا عجيبًا. كان بهذا يزكيها أمام الموجودين ويعلن استحقاقها لعمل المعجزة.

 

7. من المؤكد أن يده الحانية كانت تسند قلبها حتى لا تخور فشماله تحت رأسي (أي كلماته الصعبة) ويمينه تعانقني (أي تعزياته) (نش 6:2). كانت هناك معونة خاصة تسندها حتى تصمد ولا تيأس.

 

8. لاحظ قولها نعم يا سيد والكلاب أيضًا تأكل.. هذا القول هو اعتراف بالخطية، اعتراف بنجاستها. هنا ظهر أن أسلوب المسيح القاسي معها أتى بنتيجة باهرة. لم يكن المسيح ليستعمل هذا الأسلوب إلًا لو كان متأكدًا من نجاحه.

 

10. والمسيح يطوب ويمدح هذه المرأة أمام الجميع على إيمانها.

 

13. رقة المسيح في قوله كلاب للمرأة الكنعانية ظهرت في نوع الكلمة التي استخدمها. فالكلمة التي يستخدمها اليهود كلمة تنم على الاحتقار وهي الكلمة التي استخدمها بولس الرسول في رسالته (في 2:3) أمّا السيد فاستخدم هنا كلمة تشير للكلاب المدللة وغالبًا قالها المسيح للمرأة بنظرة حانية.

 

تعليق ألفريد إدرشيم:

 

هنا كان لابد للرب أن يعطيها الدرس لتعلم الفارق الشاسع بين طهارة مملكته التي جاء ليؤسسها وبين قذارة الوثنيين الذين تحيا بينهم. وبدا في رد الرب عليها القسوة حين قال عنها لفظ الكلاب (ولكن كان اللفظ الذي استخدمه الرب يقال على كلاب المنازل المدللة وليس كلاب الشوارع اللفظ الذي كان اليهود يستعملونه عن الأمم). ولكن من سياق القصة نكتشف أن الرب كان يشفي هذه المرأة من خطاياها ويظهر إيمانها للناس. وكان الرب يعلم أنها ستحتمل قسوة الدرس وتُشفَى روحيا. وكان رد المرأة عجيبا "والكلاب أيضا تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها". [والعالِم بكل شيء كان يعلم ما بداخلها وأراد إعلانه للموجودين].

هذا بجانب الدرس الذي تعلمته المرأة أن الوثنية بجانب اليهودية هي نفس موقف الكلاب بالنسبة للبنين [الوثنيين يعبدون الشيطان بالإضافة لممارساتهم البشعة]. ولكن المرأة بإجابتها العجيبة أدخلت نفسها في بيت الرب، وهذا ما جعل الرب يعجب بإجابتها وقال "لأجل هذه الكلمة" (مر7) فهي قالت "نعم فكلاب البيت تأكل من فتات مائدة البنين". وبهذا أعلنت انضمامها لبيت الرب، وفهمها أنها لوثنيتها فهي ما زالت كالكلب. فالبنين يجلسون على المائدة بينما هي تحت المائدة. لكن صاحب البيت مسئول عن إطعام الجميع، البنين وكلاب البيت. فهو يشرق شمسه على الأبرار والأشرار (مت5: 45). أوليس هذا إعلانا لإيمانها بأن المسيح ربا لها حتى وإن كانت ما تزال في وثنيتها، ولكن واضح ندمها على وثنيتها ونجاستها، فهي قبلت وصفها بالكلب. هي بإيمانها هذا أوجدت لنفسها مكانا بين أولاد إبراهيم وإسحق ويعقوب. واستحقت هذه المرأة أن تجلس على المائدة مع البنين وأن تحصل على خبز البنين، وإنضمت هذه المرأة للملكوت الذي أتى المسيح ليؤسسه.

إنسحاق هذه المرأة أمام المسيح هو درس لكيف نحصل على القبول أمام الرب (إش57: 15؛ مز51: 17). [والسبب بسيط ومفهوم - كيف نتقابل مع المسيح المتواضع الحقيقي بل والوحيد النازل من السماء للأرض ونحن نريد أن نصعد من الأرض ونصل للسماء في كبرياء؟!]

والدرس الثاني في قصة هذه المرأة الكنعانية لكيفية الحصول على ما نريد هو مفهومنا لمن هو المسيح، وأنه المسيح "ابن داود" وأنه الملك الذي أتى ليؤسس مملكة لله على الأرض. فهل نحن قد مَلَّكْنا المسيح على قلوبنا حقيقة أو أننا نريده مسيحا بحسب المفهوم اليهودي المرفوض من المسيح.. مسيحًا صانع معجزات.. مسيحًا يُرضي رغباتنا، دون أن نملكه على القلب خاضعين له كـ "ابن داود" ملك الملوك.[2]

 

الخلاصة

 

المسيح لم يشتم المرأة الكنعانية، بل استخدم أسلوبًا تربويًا عميقًا يكشف إيمانها ويُظهر تواضعها أمام الجميع:

 

1. المسيح لم يحتقر الأمم، بل استعمل التعبير الذي كان اليهود يستخدمونه ليُظهر عظمة إيمانها مقارنة بضعف اليهود. 

2. صمته أولًا كان ليُثير شفاعة التلاميذ ويُعلّمهم الاهتمام بالآخرين، وليمنح المرأة فرصة للثبات في الطلب. 

3. قوله "خبز البنين والكلاب" لم يكن شتيمة، بل كشف لحقيقة النظرة اليهودية للأمم، ثم قلبها ليُظهر أن الأمم بالإيمان يدخلون الملكوت. 

4. الكلمة التي استخدمها المسيح تشير إلى "كلاب البيت المدللة"، لا الكلاب المحتقرة، مما يخفف وقع العبارة ويُظهر رقة في الأسلوب. 

5. المرأة قبلت بتواضع، واعترفت بخطيتها، فأظهر المسيح أن التواضع هو الطريق لنوال النعمة. 

6. المسيح كان يعلم قدرتها على الاحتمال، فاستخدم هذا الموقف ليزكيها أمام الجميع ويُعلن إيمانها العظيم. 

7. النتيجة أن الأمم الذين ظنّهم اليهود "كلابًا" صاروا أبناء بالإيمان، والمرأة الكنعانية صارت رمزًا للكنيسة التي دخلت إلى مائدة الملكوت. 

بهذا يتضح أن المسيح لم يشتمها، بل مجّد إيمانها وأعلن أن التواضع يفتح أبواب النعمة.



[1] شرح الكتاب المقدس - العهد الجديد - القمص تادرس يعقوب ملطي، سلسلة "من تفسير وتأملات الآباء الأولين"، متى 15.

[2] شرح الكتاب المقدس - العهد الجديد - القمص أنطونيوس فكري، متى 15.


ليست هناك تعليقات: