الناصريين والآبيونيين، أصلهم وتعاليمهم[1]
بدعة الناصريين/النصارى
إن جزءًا من المسيحيين اليهود تمسكوا، حتى بعد خراب أورشليم،
بالعوائد القومية لآبائهم، وتكاثروا في بعض كنائس سوريا حتى نهاية القرن الرابع،
تحت اسم النصاريين؛ وهو اسم ربما أُطلق في الأصل
بـاستخفاف من قِبَل اليهود على جميع المسيحيين بصفتهم أتباع يسوع الناصري.[2]
وقد جمعوا بين حفظ الشريعة الطقسية الموسوية وبين إيمانهم بمسيانية يسوع
ولاهوته، واستخدموا إنجيل متى بـالعبرية، وحزنوا بعمق على عدم إيمان
إخوتهم، ورجوا رؤيتهم المستقبليّة كـجسد واحد وملكًا ألفيًا للمسيح على الأرض.
ولكنهم لم يكن لديهم أي نفور تجاه الرسول بولس، ولم يستذنبوا
المسيحيين من الأمم والهراطقة لعدم حفظهم للشريعة. ولذلك، لم يكونوا هراطقة، بل
مسيحيين منفصلين ضامري النمو؛ توقفوا عند الموقف المتقادم لمسيحية يهودية ضيقة
وقلقة، وانكمشوا إلى فرقة لا أهمية لها. ويقول عنهم جيروم إنهم، إذ أرادوا أن
يكونوا يهودًا ومسيحيين على حد سواء، لم يكونوا لا هؤلاء ولا أولئك.
الهرطقة الأبيونية
ومن هؤلاء الناصريين يجب أن نميز بدقة المسيحيين اليهود الهراطقة، أو
الأبيونيين، الذين كانوا أكثر عددًا. واسمهم لا يأتي، كما ألمح ترتليان أولاً،[3]
من مؤسس مفترض للفرقة، أبيون، الذي لا نعرف عنه شيئًا، بل من الكلمة العبرية، אֶבְיוֹן (إبيون)، أي فقير. وربما كان في الأصل،
مثل "ناصري" و"جليلي"، تسمية مهينة لجميع المسيحيين، الذين
عاش معظمهم في ظروف فقيرة؛[4]
ولكنه اقتصر لاحقًا على هذه الفرقة؛ سواء بـاستخفاف، للإشارة إلى فقر عقيدتهم في
المسيح والشريعة، لأن الأبيونيين اعتبروا أنفسهم الأتباع الحقيقيين للمسيح
الفقير وتلاميذه الفقراء، وطبقوا على أنفسهم وحدهم التطويب على المساكين بالروح.
وبحسب إبيفانيوس، نشر أبيون ضلاله أولاً في جماعة المسيحيين التي هربت إلى بيلا
بعد خراب أورشليم؛ وبحسب هجيسبوس في يوسابيوس، أحدث شخص يدعى ثيبوتيس، بعد موت
الأسقف سمعان أسقف أورشليم، حوالي عام 107، شقاقًا بين المسيحيين اليهود، وقاد
الكثيرين منهم إلى الارتداد، لأنه هو نفسه لم يُنتخب للأسقفية.
ونجد فرقة الأبيونيين في فلسطين والمناطق
المحيطة بها، وفي جزيرة قبرص، وفي آسيا الصغرى، وحتى في روما. ورغم أنها تكونت في معظمها من
اليهود، إلا أن المسيحيين من الأمم انضموا إليها أحيانًا. واستمرت حتى
القرن الرابع، ولكنها انقرضت تمامًا في زمن ثيودوريت. واستخدمت إنجيلاً
عبريًا خاصًا بها، مفقودًا الآن، وكان ربما شبيهًا بإنجيل متى.
إن العلامات المميزة للأبيونية في جميع أشكالها هي:
انحطاط المسيحية إلى مستوى اليهودية؛
ومبدأ الصلاحية الشاملة والدائمة للشريعة الموسوية؛
والعداء للرسول بولس.
ولكن، كما كانت هناك فرق مختلفة في اليهودية نفسها، يجب علينا
أيضًا أن نميز على الأقل فرعين من الأبيونية، يرتبطان ببعضهما البعض ارتباط
الفريسية بـالأسينية، أو، بـاستخدام توضيح حديث، ارتباط العقلانية الربوبية الأقدم
بـالعقلانية التأملية، أو المدرسة العملية بـالمدرسة التأملية في الموحدين (Unitarianism).
1. الأبيونيون العاديون، الذين كانوا الأكثر عددًا بفارق كبير،
جسدوا الناموسية الفريسية، وكانوا الخلفاء الحقيقيين لليهود المعارضين في الرسالة
إلى أهل غلاطية. ويمكن اختزال عقيدتهم في القضايا التالية:
(أ) يسوع هو بالفعل المسيح موعود، ابن داود، والمشرّع الأعلى،
ولكنه مجرد إنسان، مثل موسى وداود، نشأ بـتناسل طبيعي من يوسف ومريم.
والشعور بـدعوته المسكونية والمسيانية نشأ فيه لأول مرة عند معموديته من يوحنا،
عندما انضم إليه روح أعلى. ومن ثم، قارن أوريجانوس هذه الفرقة بـالأعمى في
الإنجيل، الذي صرخ إلى الرب دون أن يراه: «يَا ابْنَ دَاوُدَ ارْحَمْنِي» (مر 10:
47).
(ب) ختان وحفظ الشريعة الطقسية الموسوية بأكملها ضروريان لـخلاص جميع
البشر.
(ج) المسيح سيعود قريبًا، ليدخل الملك الألفي الممتلئ مجدًا
للمسيح، وتكون أورشليم الأرضية مقرًا له.
2. الفئة الثانية من الأبيونيين، بدءًا من المفاهيم الأسينية، أعطت
يهوديتها طابعًا تأمليًا أو صوفيًا، مثل أصحاب الضلال في الرسالة إلى أهل كولوسي.
وهم يشكلون حجر الزاوية للغنوصية. ومن بين هؤلاء ينتمي إلكسايت.[5]
وقد ظهروا، بحسب إبيفانيوس، في حكم تراجان، في المناطق المحيطة بـالبحر الميت، حيث
عاش الأسينيون. واسمهم مشتق من مؤسسهم المفترض، إلكساي، ويُفسر بـ: "القوة
الخفية"، والتي (وفقًا لـاقتراح Gieseler)
تعني الروح القدس.[6]
ويبدو أن هذا كان في الأصل عنوان كتاب، ادعى، مثل كتاب مورمون، أنه أُعلن بواسطة
ملاك، وكان يحظى بـأعلى تقدير لدى الفرقة. وهذه الكتابة السرية، وفقًا لـلشذرات في
أوريجانوس، وفي "Philosophumena" لـهيبوليتوس، تحوي
الأساس لـلنظام الكليمنتي الكاذب الملحوظ.[7]
وهي بـوضوح ذات أصل يهودي، وتمثل أورشليم كـمركز لـلعالم الديني،
والمسيح كـمخلوق ورب للملائكة وكل المخلوقات
الأخرى، والروح القدس كقوة مؤنثة،
وتفرض الختان وكذلك المعمودية، وترفض القديس بولس، وتبرر إنكار
الإيمان في وقت الاضطهاد. وتدعي أنها تعود إلى السنة الثالثة من حكم تراجان
(101).
3. وفرقة مماثلة هي الصابئة المندائيون، من Manda، أي معرفة (γνω̂σις - غنوسيس) وأيضًا الصابئة، أي المعمدانيون (من sâbi، أي يعمد، يغسل)، والمغتسلة، ولها المعنى نفسه. وبسبب إجلالهم الكبير لـيوحنا المعمدان، دُعوا "مسيحيي يوحنا".[8] وأصلهم غير مؤكد. ولا تزال بقية منهم قائمة، في فارس على الضفاف الشرقية لـنهر دجلة. ولغتهم المقدسة هي اللهجة الآرامية. وفي الوقت الحاضر يتحدثون العربية والفارسية. ونظامهم معقد جدًا مع غلبة العنصر الوثني، ويقترب كثيرًا من المانوية.
[1] Philip
Schaff, History of the Christian Church, Volume II - Ante-Nicene Christianity,
A.D. 100-325 Christianus sum: Christiani nihil a me alienus puto. (Garland TX:
Galaxie, c1916-23)
[2] أعداء
المسيحية من الوثنيين، مثل يوليان الجاحد، دعوهم أحيانًا "جليليين".
وكما فعل أيضًا Epictetus في النص الوحيد الذي
ألمح فيه إلى المسيحيين.
[3] Praescr.
Haeret. c. 13
[4] Minut.
Felix, Octav. 36:
وأما
أن يُقال عنا إننا (معظمنا) فقراء، فذلك ليس عارًا علينا، بل فخر؛ فإن النفس كما
تنحل بالترف، كذلك تقوى بالقناعة.
[5] Ἐλκεσσαι̂οι
(إبيفانيوس)؛ Ἠلχασσαί
(هيبوليتوس)؛ ̔Ελκεσαιταί
(أوريجانوس). وأيضًا Σαμψαι̂οι، من שֶׁמֶשׁ (شمس).
[6] Δύναμις
κεκαλλυμένη
(ديناميس كيكاليوميني). قارن Clem. Homilies, XVII. 16.
اشتقاقات أخرى: من Elkesi، قرية في الجليل (Delitzsch)؛
من אַלְכֶּחָשִׁים = مرتدون.
[7] انظر
الشذرات المجمعة في Hilgenfeld, Nov. Test. extra
Canonem receptum, III. 153-167
[8] Johanneschristen,
Chrétiens de Saint Jean

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق