الأحد، 2 أغسطس 2026

هل التلاميذ واحد مع الآب مثل وحدانية الابن مع الآب؟! يوحنا 17: 20- 23

 


"«وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هَؤُلاَءِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكَلاَمِهِمْ، لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي. وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ، وَلِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي، وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي." (يو 17: 20-23)

 

هُنا يطلب المسيح من أجل وحدة الكنيسة كلها عبر الدهور.

وهذا هو عمل الروح القدس أن يوحد المؤمنون في شخص المسيح كأعضاء في جسد واحد (أف16:4؛ كو19:2). وكأغصان في كرمة واحدة (يو1:15، 2).

هذه الوحدة هي أننا كلنا أعضاء جسد واحد هو جسد المسيح "فَإِنَّنَا نَحْنُ ٱلْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ، جَسَدٌ وَاحِدٌ، لِأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي ٱلْخُبْزِ ٱلْوَاحِدِ" (1كو17:15).

ومن (أف1:4-6)

"فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ: أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا. بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ. مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ. جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ، كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضًا فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِدِ. رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، إِلَهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ." (أف 4: 1-6)

نفهم أن مصادر الوحدة هي الإيمان بالله الواحد والمعمودية الواحدة والتناول من جسد المسيح الواحد والمحبة ووحدانية القلب.

وهي وحدة على صورة وحدة الآب والابن، وحدة بالحب. وبالتأمل في (أف11:4-13) نرى أن الرسول بولس يتكلم عن الكنيسة جسد المسيح، وكل واحد من أعضاء الكنيسة الواحدة صار عضوا في جسد المسيح الواحد، ولكل عضو مواهبه، فيتكامل الجميع وتبلغ الكنيسة ككل في النهاية إلى صورة المسيح الكاملة التي يُعَبِّر عنها بولس الرسول هكذا "إلى قياس قامة ملء المسيح" (أف13:4) ولكن علينا أن نجتهد في سبيل ذلك (أف3:4-5).

في آية (11) "إحفظهم في إسمك" وفي آية (17) "قدسهم في حقك" ومن حفظهم الله وقدسهم لا بُد وأنهم سيكونوا في وحدة وبلا انشقاق وينعكس مجد المسيح عليهم كما طلب من الآب (آية 5) وهذا موضوع الآيات.[1]

 

كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك. ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا= أنا في أبي وأنتم فيَّ وأنا فيكم (يو20:14)

أنا في أبي= هي وحدة لاهوتية بين الآب والابن.

أنتم فيّ= صرتم جزءًا من جسدي= هؤلاء قال عنهم "الذين أعطيتني"

أنا فيكم= صارت فينا حياة المسيح.

فنحن نتحد بالمسيح بالجسد فنصير واحدًا فيه ولنا حياته.

ولأن الابن يتحد ناسوته بلاهوته قال الرسول "حل فيه كل ملء اللاهوت" (كو9:2) ولأننا اتحدنا بالابن "صرنا مملوئين فيه" (كو10:2).

مملوئين برًا وقداسة وبركات روحية ومادية (خبزنا كفافنا) ومحبة وسلطان على الخطية وإبليس. ولنا حياة أبدية في فرح أبدي نأخذ عربونه الآن ولنا مجد أبدي.. وهذه قال عنها القديس يوحنا "أما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع" (1يو3:1).

 

أنا فيهم= أعطيتهم حياتي

وأنت فيَّ = فقد حلَّ في جسدي كل ملء اللاهوت.

وبهذه القوة اللاهوتية التي في جسدي أحفظهم في وحدة، ككنيسة واحدة لها مجد أبدي.

 

كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك.. المقصود هو المشابهة وليس المساواة. فالمسيح يضع الوحدة بينه وبين الآب كنموذج ليكون لنا الوحدة في المحبة، فالآب واحد مع الابن بالمحبة. وهذه العبارة "أنت فيَّ وأنا فيك" تشير لكيان واحد ذاتي، فالآب كله للابن والابن كله للآب. وكل ما لأحدهم هو للآخر "كل ما هو لي فهو لك وما هو لك فهو لي" ومن الآيتين نفهم طبيعة الوحدة بين الآب والابن.

وكيف ينطبق هذا علينا؟ يقول الكتاب:

"وَجَمِيعُ الَّذِينَ آمَنُوا كَانُوا مَعًا، وَكَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا. 45 وَالأَمْلاَكُ وَالْمُقْتَنَيَاتُ كَانُوا يَبِيعُونَهَا وَيَقْسِمُونَهَا بَيْنَ الْجَمِيعِ، كَمَا يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ احْتِيَاجٌ. 46 وَكَانُوا كُلَّ يَوْمٍ يُواظِبُونَ فِي الْهَيْكَلِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ. وَإِذْ هُمْ يَكْسِرُونَ الْخُبْزَ فِي الْبُيُوتِ، كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الطَّعَامَ بِابْتِهَاجٍ وَبَسَاطَةِ قَلْبٍ،" (أع 2: 44-46).

"وَكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا." (أع 4: 32).

فهي شركة المحبة بين المؤمنين، أن يكون عندهم كل شيء مشتركًا، ولهم عبادة واحدة ونفس واحدة.

أنا فيهم وأنت فيَّ= لم يقل المسيح أنت فيَّ وأنت فيهم لأن حلول الآب في المسيح يختلف عن حلوله في المؤمنين. ولم يقل المسيح هم فيك وأنا فيك لأن ثبوت المسيح في الآب غير ثبوت المؤمنين فيه (بنفس المفهوم نفهم قول المسيح "أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" (يو 17:20) وبنفس الطريقة نفهم أنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني فهذه لا تعني المساواة بيننا وبينه فهو ابن للآب بطبيعته وله كل المجد الذي للآب، أمّا نحن فصرنا أبناء بالتبني وتنعكس صورة مجده علينا.

والوحدة بين الآب والابن قائمة على أساس التساوي بينهما فهم واحد في الجوهر. أمّا الإنسان فكل واحد مختلف عن الآخر، وكل البشر هم لا شيء أمام الله. ولكن وحدتنا مع الله تعني انسكاب قوته فينا ليعيد تشكيلنا لنصير على صورته، وتعمل هذه القوة فينا فتلغي عداواتنا وانقساماتنا ونتقدس، ويبدأ نور معرفة المسيح ينساب داخلنا فتستعلن لنا الوحدة الكائنة في المسيح والآب بقوة تدخلنا في الإحساس والوجود الفعلي في حضرة الآب والابن. وهكذا نتحد بسبب الروح الواحد الذي نستقي منه ("لأَنَّنَا جَمِيعَنَا بِرُوحٍ وَاحِدٍ أَيْضًا اعْتَمَدْنَا إِلَى جَسَدٍ وَاحِدٍ، يَهُودًا كُنَّا أَمْ يُونَانِيِّينَ، عَبِيدًا أَمْ أَحْرَارًا، وَجَمِيعُنَا سُقِينَا رُوحًا وَاحِدًا." (1 كو 12: 13) والجسد الواحد الذي نغتذي عليه (فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ، جَسَدٌ وَاحِدٌ، لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ. 1كو16:10، 17).

وحلول كل ملء اللاهوت في المسيح جسديًا تعني أن الابن قَبْل التجسد هو الله، وأنه أي الابن بالتجسد كان له ملء اللاهوت. وملء اللاهوت جسديًا يعني أن الابن صار جسدًا منظورًا ملموسًا لنعرف الله ونسمعه وندركه (1يو1:1-3). فملء اللاهوت جسديًا هو ملء الله حل في جسد المسيح وهذا جعله في متناول معرفتنا لنأخذ مما له (يو16:1). نأخذ من ملئه كل احتياجاتنا من القداسة والحياة الأبدية. ونأخذ وداعة ونور وحق وخبز حقيقي وماء حياة.. وهذا ما عناه المسيح بقوله "أنا فيهم.. وأنت فيَّ". فهذا إتحاد غير منفصم. بل صار لنا فكر المسيح (1كو30:1؛ 16:2). أنا فيهم= حياتي فيهم. أنت فيّ= أنا في الآب والآب فيّ فأنا والآب واحد.[2]

 

شغل موضوع الوحدة قلب السيد المسيح، فقد سبق أن طلب لأجلها، وها هو يطلبها من الآب كما في لجاجةٍ. يود أن تتشبه الكنيسة في علاقتها الداخلية بالعلاقة بين الآب والابن، الأمر الذي يكرره السيد في صلاته. سرّ الوحدة في الكنيسة التصاقها بالثالوث القدوس الذي يحمل وحدة فريدة في ذات الجوهر، واتساع قلب المؤمنين بالحب ليجد كل أحدٍ موضعًا فيه.

لقد تحققت هذه الصلاة في الكنيسة الأولى حيث كان الرعاة وأيضًا الشعب بإيمانٍ واحدٍ وقلبٍ واحدٍ مع اختلاف الثقافات بين الأمم. كل يعبِّر عن إيمانه بثقافته اللائقة به. كما اجتمع المؤمنون الذين من أصل يهودي مع الذين من أصل أممي في جسدٍ واحدٍ ولنا ملء اليقين أن صلاته الوداعية أيضًا ستتحقق حين تجتمع الكنيسة في العالم حول الإيمان الواحد وبروح واحد وغاية واحدة: الالتقاء بالسيد المسيح أبديًا، يحملون روح التبني للآب الواحد.

 

تعليقات آباء الكنيسة

 

يوحنا ذهبي الفم:

"ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا"؟ أي ليكونوا واحدًا في إيمانهم بنا.

ماذا يعني "فينا"؟ في الإيمان بنا. فإنه إذ لا يوجد ما يؤذي كل البشر مثل الانقسام، يشترط أن يكونوا واحدًا... فإن كل الذين يؤمنون خلال الرسل هم واحد، وإن كان البعض منهم قد انشقوا(Hom.82. PG 59: 484).

 

جيروم:

 

يلزمنا أن نتحقق ما عليه اللَّه (الآب)، وما سيكون عليه المخلص نهائيًا، وكيف قد وُعد القديسون بأن ينالوا التشبه بالآب والابن، إنهما واحد في ذاتهما، فسنصير واحدًا فيهما(Letter 124:10).

يلزم أن يُطبع الحق في الذهن في أكثر تفصيل، إننا لسنا واحدًا في الآب والابن بالطبيعة بل بالنعمةلأن جوهر النفس البشرية وجوهر اللَّه ليسا واحدًا كما يزعم أتباع ماني(Against Jovinianus, 2:29).

إن آمنتم بالمسيح، كما آمن الرسل، تصيرون جسدًا واحدًا معهم في المسيح. (Against Jovinianus, 2:19).

"أما تعلمون أنكم هيكل للروح القدس" (1 كو 16:3؛ 19:6)؟ يقول: "هيكل" وليس "هياكل" ليظهر أن اللَّه يسكن في الكل بطريقة متشابهة. (Against Jovinianus, 2:19).

 

أغسطينوس:

 

إنهم (الثالوث) فينا ونحن فيهم، بكونهم هم واحد في طبيعتهم، ونحن واحد في طبيعتنا. إنهم فينا بكونهم الله في هيكله، ونحن فيهم كخليقة في الخالق (St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 110: 1).

"ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا". أضاف "فينا" لكي نعرف أن صيرورتنا واحدًا في الحب الذي بالإيمان غير المتغير يُنسب لنعمة الله وليس لأنفسنا. ( St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 110: 2).[3]

 

جيروم:

 

إنه يذكرنا بأن الشعب المسيحي بأكمله واحد في الله، وكأولاده الأحباء، هم "شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ." لقد قلنا بالفعل (والحق يجب الآن أن يُغْرَس بأكثر تفصيل) أننا لسنا واحدًا في الآب والابن بحسب الطبيعة بل بحسب النعمة. لأن جوهر النفس البشرية وجوهر الله ليسا شيئًا واحدًا، كما يدّعي المانويون باستمرار. ولكن، يقول ربنا: "وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي." فأنت ترى، إذن، أننا مُنِحْنَا امتياز المشاركة في جوهره، ليس في نطاق الطبيعة بل النعمة. والسبب في أننا محبوبون من الآب هو أنه أحب الابن—وأعضاء الجسد مَحبُوبون. Against Jovinianus 2.29.

 

 

أمبروسيوس:

 

لا انفصال في القوة، ولا انفصال في الحكمة بسبب وحدة الجوهر الإلهي. وأيضًا، الله الآب هو في الابن، كما نجد ذلك مكتوبًا مرارًا كثيرة، ولكن ليس كمن يقدس مَن يعوز التقديس أو كمن يملأ فراغًا، لأن قوة الله لا تعرف فراغًا. ولا أيضًا تُزَاد قوة الواحد بقوة الآخر، لأنه لا توجد قوتان بل قوة واحدة. ولا اللاهوت يستضيف لاهوتًا، لأنه لا يوجد لاهوتان بل لاهوت واحد. نحن ... سنكون واحدًا في المسيح من خلال قوة مُسْتَلَمَة [من آخر] وحالةٍ فينا... ولكن جوهر الله وجوهر البشرية مختلفان. الآب والابن [بالفعل] واحد. نحن سنكون واحدًا بالنعمة؛ والابن هو كذلك بالجوهر. وأيضًا، الوحدة بالاقتران شيء، والوحدة بالطبيعة شيء آخر. أخيرًا، لاحظ ما سجله الكتاب المقدس بالفعل: "لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ." الآن لاحظ أنه لم يقل، "أنت فينا، ونحن فيك" بل "أنت فيَّ، وأنا فيك." بهذه الطريقة يضع نفسه جانباً عن خليقته. علاوة على ذلك، أضاف "لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا،" لكي يفصل هنا كرامته وكرامة أبيه عنا حتى تظهر نصرة اتحادنا في الآب والابن ليس نتيجة الطبيعة بل النعمة، في حين أن وحدة الآب والابن هي للابن، ليس بالنعمة بل بحق البنوة الطبيعي. On the Christian Faith 4.3.36–38.

 

كيرلس الإسكندري:

 

الابن الوحيد يشرق من جوهر الآب عينِهِ ويمتلك الآب كاملاً في طبيعته الخاصة. لقد صار إنسانًا، بحسب الكتب المقدسة، موحدًا نفسه، إن جاز التعبير، بطبيعتنا باتحاد لا يُفَسَّر مع جسد ترابي... وفي نفسه وحد بطريقة ما طبائع متباينة تمامًا لكي يجعلنا شركاء في الطبيعة الإلهية.

إن شركة وحلول الروح القدس قد انتقلا حتى إلينا نحن أنفسنا. هذا أُخْتُبِرَ أولاً من خلال المسيح وفي المسيح عندما رُؤِيَ أنه قد صار مثلنا، أي إنسانًا ممسوحًا ومقدسًا. ولكنه بالطبيعة كان إلهًا، لأنه صدر من الآب. فبروحه الخاص قدس هيكل جسده... فمن خلال سِرّ المسيح، إذن، صارت المشاركة في الروح القدس والاتحاد بالله ممكنين لنا نحن أيضًا، لأننا جميعًا قُدِّسْنَا فيه.

وبحكمته الخاصة ومشورة الآب ابتكر طريقة لجمعنا جميعًا معًا ومزجنا في وحدة مع الله وبعضنا مع بعض، حتى ولو كانت الاختلافات بيننا تعطي كلاً منا في الجسد والنفس هوية منفصلة. لأنه في الشركة المقدسة يبارك بجسد واحد، الذي هو جسده، أولئك الذين يؤمنون به، ويجعلهم جسدًا واحدًا مع نفسه وبعضهم مع بعض. فمن يستطيع أن يفصل أولئك الذين هم متحدون بالمسيح من خلال ذلك الجسد المقدس الواحد أو يدمر اتحادهم الحقيقي بعضهم مع بعض؟ إن كنا "جميعنا نشترك في خبز واحد،" فنحن جميعًا نصير جسدًا واحدًا، لأن المسيح لا يمكن أن ينقسم.

فهكذا تكون الكنيسة هي جسد المسيح، ونحن أعضاؤه. لأنه إذ نحن جميعًا متحدون بالمسيح من خلال جسده المقدس، وقد قبلنا ذلك الجسد غير المنقسم الواحد في أجسادنا، فإن أعضاءنا ليست لنفسنا بل له. Commentary on the Gospel of John 11.11. [4]

 

كيرلس الإسكندري:

 

الابن يحل فينا بالمعنى الجسدي كإنسان، ممتزجًا ومتحداً معنا بسِرّ الإفخارستيا. وأيضًا [يحل معنا] بالمعنى الروحي كإله، بالعمل الفعّال ونعمة روحه الخاص، بانيًا روحنا إلى جدة الحياة وجاعلاً إيانا شركاء طبيعته الإلهية. المسيح، إذن، يُرَى أنه رباط الاتحاد بيننا وبين الله الآب. يُرَى كإنسان، جاعلاً إيانا، إن جاز التعبير، أغصانه، ويُرَى كإله لأنه بالطبيعة ملازمٌ لأبيه الخاص...

لقد صرنا، إذن، في وحدة مع الله الآب، من خلال وساطة المسيح. لأننا بقبولنا في أنفسنا (بالماضي والحاضر بالمعنى الجسدي والروحي، كما قلتُ للتو) ذاك الذي هو الابن بالطبيعة والعلّة وله الاحتواء المتبادل الجوهري مع الآب، قد تمجدنا وصرنا شركاء في طبيعة العلي. Commentary on the Gospel of John 11.12.

 


الخلاصة

 

الشبهة تزعم أن التلاميذ صاروا واحدًا مع الآب كما المسيح، أي مساواة في الجوهر. لكن النصوص الكتابية نفسها ترد بوضوح:

 

- في يوحنا 17: 21 يقول المسيح: «كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا». هنا التشبيه بالمحبة والاتحاد الروحي، لا بالمساواة في الجوهر. المسيح يضع وحدة الآب والابن نموذجًا، لكن يوضح أن المؤمنين يدخلون في هذه الوحدة بالنعمة.

 

- في يوحنا 20: 17 يفرّق المسيح بين علاقته بالآب وعلاقتنا نحن: «أني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم». هو ابن بالطبيعة، ونحن أبناء بالتبني.

 

- في كولوسي 2: 9-10 يوضح بولس الفرق: «فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديًا، وأنتم مملوؤون فيه». المسيح وحده له ملء اللاهوت بالطبيعة، أما نحن فننال الامتلاء منه بالنعمة.

 

- في رومية 8: 15 يؤكد أننا «أخذنا روح التبني»، بينما المسيح هو الابن الوحيد بالطبيعة.

 

- في 1 كورنثوس 10: 16-17 يشرح أن وحدتنا هي بالاشتراك في جسد المسيح والخبز الواحد، أي اتحاد بالنعمة في الإفخارستيا، لا اتحاد جوهري في الطبيعة.

 

- في أعمال 4: 32 نرى صورة الوحدة العملية: «كان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة»، أي وحدة المحبة والشركة، وليست وحدة الجوهر.

 

إذن النصوص تفرّق بين وحدة الآب والابن (جوهرية أزلية) ووحدة المؤمنين مع الله (بالنعمة والمحبة). المسيح هو ابن بالطبيعة، له كل المجد الذي للآب، أما نحن فننال انعكاس مجده بالتبني. هذا يرد على الشبهة بوضوح: التلاميذ ليسوا واحدًا مع الآب مثل المسيح، بل متحدون بالله بالنعمة والروح القدس، بينما المسيح واحد مع الآب بالطبيعة والجوهر.

 

فالنصوص الكتابية والآباء يوضحون أن هذا غير صحيح. المسيح والآب واحد في الجوهر والطبيعة، بينما المؤمنون واحد مع الله بالنعمة والمحبة لا بالطبيعة. عبارة "كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا" تعني المشابهة في المحبة والاتحاد الروحي، لا المساواة في الجوهر. المسيح له المجد بالطبيعة لأنه ابن الآب، أما نحن فننال انعكاس مجده بالتبني. الآباء مثل جيروم وأغسطينوس وأمبروسيوس أكدوا أن وحدة المؤمنين مع الله هي عطية بالنعمة، بينما وحدة الآب والابن هي ذاتية أزلية. كيرلس الإسكندري أوضح أن سر الإفخارستيا يجعلنا جسدًا واحدًا مع المسيح، لكن هذا اتحاد بالنعمة لا بالجوهر. إذن التلاميذ ليسوا واحدًا مع الآب مثل المسيح، بل متحدون بالله بالمحبة والروح القدس، بينما المسيح واحد مع الآب بالطبيعة والجوهر.

 



[1] الأب انطونيوس فكري

[2] مختصر عن تفسير القمص أنطونيوس فكري، يوحنا 17.

[3] عن: الأب تادرس يعقوب، من تفاسير وتأملات الآباء الأولين، يوحنا 17.

[4] Joel C. Elowsky, John 11-21, Ancient Christian Commentary on Scripture NT 4b (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 2007). 255


ليست هناك تعليقات: