الأحد، 2 أغسطس 2026

هل ضاع النص الأصلي؟ كيف يمكننا الإيمان بعصمة الكتاب المقدس في المخطوطات الأصلية بينما لا نملك الأصل؟ الجزء الأول

 


كيف يمكننا الإيمان بعصمة الكتاب المقدس في المخطوطات الأصلية بينما لا نملك الأصل؟ الجزء الأول[1]

إدوارد أندروز[2]

 

اعتبر المسيحيون منذ الأزمنة الأولى أن الأسفار المقدسة جديرة بالثقة التامة، مؤمنين أن الكتابات الأصلية التي أُنتجت تحت قيادة الله تحمل حقه بلا خطأ. هذا الموقف، الذي يُشار إليه عادة ب«العصمة في المخطوطات الأصلية»، يواجه اعتراضًا دائمًا: إذا كنا لا نملك المخطوطات الفعلية التي كتبها موسى، وداود، وأشعياء، ومتى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا، وبولس، وغيرهم من الكُتاب الموحى لهم، فكيف يمكننا على الإطلاق الادعاء بأن تلك الكتابات كانت معصومة تمامًا؟ يتجادل المشككون في أنه من غير المنطقي تأكيد وجود مخطوطات أصلية خالية من العيوب بينما لا يمكننا أبدًا إمساكها في أيدينا لإثبات ذلك. ويتساءل البعض لماذا يختار الله إعطاء الوحي بوثائق خالية من الأخطاء، فقط ليسمح لعملية النسخ بإدخال الأخطاء.

 

رغم هذه التحديات، يتمسك المؤمنون الإنجيليون المحافظون بأن الأدلة تدعم بقوة الثقة الراسخة في نقاء الكتاب المقدس الأصلي وكفايته. تفحص هذه المقالة مسألة العصمة في المخطوطات الأصلية وتوضح لماذا يوفر وجود آلاف النسخ الدقيقة، ورغم أنها ليست موحى بها من الله في حد ذاتها، ثقة في أن لدينا إمكانية الوصول إلى ما كُتب في الأصل.

 

معنى العصمة في المخطوطات الأصلية

 

تعني العصمة في المخطوطات الأصلية أنه عندما أنتج الكُتاب الموحى لهم نصوص العهد القديم والعهد الجديد لأول مرة، فإن كل عبارة كانت تعكس حق الله بدقة. وتؤكد فصول مثل (2 تيموثاوس 3: 16) أن «كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ». ويُنوَّه عن منتج ذلك الإيحاء في (مزمور 12: 6) بأن «كَلاَمُ الرَّبِّ كَلاَمٌ نَقِيٌّ». والمنطق هنا هو أن فعل الله في الإشراف على التدوين يضمن الموثوقية التامة فيما قاله الكُتاب.

 

لا توجد عقيدة تقليدية تدعي أن الوحي الإلهي  امتد تلقائيًا إلى النسخ والترجمات اللاحقة. فقول يسوع في (متى 24: 35) إن «السَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ وَلكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ» يُفهم منه أن حق الله يدوم على مر الزمان، وليس أن كل ناسخ قِيدَ بمعجزة لصنع وإعادة إنتاج كاملة لكل سطر.

وفي الواقع، لا يشير الكتاب المقدس نفسه أبدًا إلى أن نساخ العصور اللاحقة سيكونون محميين من الخطأ. لو اختار الله فعل ذلك، لأظهرت كل نسخة في التاريخ المسيحي اتساقًا تامًا حرفًا بحرف. ومع ذلك، تُظهر الأدلة النصية أن النساخ كان بإمكانهم (وقد فعلوا) ارتكاب أخطاء طفيفة. والمسألة الجوهرية هي ما إذا كانت تلك الأخطاء قد غطت على المعنى الأصلي أو جعلت النص غير يقيني، وبالتالي تنفي العصمة في المخطوطات الأصلية.

 

اعتراض شائع: «ولكن كيف يمكننا إثبات العصمة الأصلية؟»

 

يتجادل النقاد بأنه إذا كانت الوثائق المعصومة الوحيدة هي المخطوطات الأصلية، فإن أي ادعاء بالعصمة يصبح غير ذي صلة بمجرد فقدان تلك المخطوطات الأصلية. قد يقول الملحد أو المشكك إن الأصل المعصوم لم يعد موجودًا، وبالتالي لا يهم ما إذا كان خاليًا من الأخطاء أم لا. بالنسبة لهم، فإن جوهر المسألة هو أن النسخ تحتوي على أخطاء، وبالتالي لم تعد الرسالة تحتفظ بسلطتها. لكن هذا يغفل طبيعة انتقال النص في العالم القديم ويفشل في ملاحظة كيف يمكن لنقد النص أن يسترد محتوى الأصل بموثوقية.

 

يصيغ عالم نقد نص العهد الجديد اللاأدري بارت إيرمان الأمر بهذه الطريقة:

طالما أننا لا نملك نسخ الجيل الأول، أو حتى نسخ الجيل الثاني أو الثالث، ونرى عشرات اللاف من الاختلافات بين المخطوطات الباقية، فكيف يمكننا على الإطلاق استرجاع الكلمات الأصلية؟ ويقترح أنه نظرًا لارتكاب النساخ أخطاء، فإن مثالية المخطوطات الأصلية المعصومة لا يمكن إثباتها أبدًا في الممارسة الفعلية.

 

في الواقع، يهدف علم نقد النص إلى غربلة المخطوطات، وتحديد وإزالة أخطاء النسخ حتى يُسترد النص الأصلي. هذه المهمة تشبه إعادة تركيب لغز يحتوي على نسخ مكررة لكل قطعة تقريبًا متناثرة في كل مكان. وبفضل الكم الهائل من المخطوطات، والتي يعود تاريخ العديد منها إلى تاريخ مبكر، يستطيع العلماء مقارنة الاختلافات عبر خطوط متعددة من انتقال النص، ورصد كيف غير النساخ الكلمات أو العبارات في بعض الأحيان. ولأن هذه الأخطاء تختلف من نسخة إلى أخرى، فإن تجميعها ومقارنتها يجعل من الممكن عزل الأخطاء وتأكيد الصياغة الأصلية. هذا يعني أنه على الرغم من اختفاء المخطوطات الأصلية نفسها، يمكننا استعادة محتواها بيقين تام.

 

اعتراض ثانٍ: «لو كان الله يرى ذلك حيويًا، لكان قد حفظ النسخ خالية من الأخطاء»

 

اعتراض شائع آخر وهو أنه لو وجد الله أن من المهم الوحي بتدوين خالٍ من الأخطاء، لكان بالتأكيد قادرًا على حراسة كل ناسخ بمعجزة لحفظ الكمال. بسماحه للنساخ بإدخال القراءات المختلفة، يفترض البعض أن الله قد قلل من قيمة فكرة الأصل المعصوم. ومع ذلك، ينزلق هذا التخمين إلى افتراضات حول مقاصد الله. فالكتاب المقدس لا يُعلِّم أبدًا أن الوحي نفسه امتد إلى كل ناسخ أو مترجم أو شارح. وبالمثل، سمح الله لعالم ساقط أن يعمل في ظل القيود البشرية العادية. لو طالبنا بتدخل إلهي مستمر للنساخ، فقد نتساءل أيضًا لماذا لم يوجّه بمعجزة كل وعظة أو تفسير أو ترجمة، لتصبح التقاليد المسيحية بأكملها معصومة من الخطأ؟!!

 

ومع ذلك، يعمل الله من خلال العمليات العادية. قال يسوع للرسل: «فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ» (متى 28: 19). لم يعد بأن كل عمل من أعمال الخدمة أو التعليم المسيحي سيبقى خاليًا من الأخطاء. ولكنه حفظ كلمته من خلال العمل الأمين للنساخ، وبالمعنى الأوسع، الجهد المشترك للمؤمنين. إن المخطوطات الكثيرة، بما في ذلك المخطوطات المبكرة للغاية مثل P75 أو Codex Vaticanus المخطوطة الفاتيكانية، تتيح لنا إعادة إثبات النص الأصلي.

 

بنية وثائق الكتاب المقدس وحفظها

 

على مدى فترة زمنية تصل إلى نحو ستة عشر قرنًا، أنتج نحو أربعين كاتبًا مختلفًا وثائق العهد القديم والعهد الجديد. العهد القديم، الذي دُوّن في الفترة ما بين 1513 قبل الميلاد و400 قبل الميلاد تقريبًا، انتقل بواسطة النساخ اليهود، وتوج بالجهود المتخصصة للسوفريم وصولاً إلى الماسوريين، الذين حفظوا النص العبري بتدقيق شديد حتى العصور الوسطى. أما العهد الجديد اليوناني فقد دُوّن في الفترة من 50 ميلادية إلى 98 ميلادية تقريبًا بواسطة ثمانية أو تسعة رجال (الرسل ومعاونوهم).

 

انتشرت الجماعات المسيحية المبكرة من أورشليم إلى أطراف الامبراطورية الرومانية النائية، مما أدى إلى تكاثر النسخ. كانت هذه المخطوطات تُقرأ، وتُتداول، وتُبلى في بعض الأحيان، مما دفع إلى عمل المزيد من النسخ. وصمد العديد منها أمام مخاطر الاضطهاد، والتلف البيئي، والاستخدام المتكرر. وكانت النتيجة، مع ذلك، ثروة من الأدلة النصية. وبخلاف العديد من الأعمال القديمة، التي لم تنجُ إلا في حفنة من المخطوطات المتأخرة، فإن العهد الجديد يمتلك آلاف المخطوطات التي يرتقي تاريخها إلى القرن الثاني والثالث.

 

 

كم عدد الاختلافات التي تظهر في المخطوطات؟

 

يعلن بارت إيرمان بشكل شهير أن هناك «اختلافات بين مخطوطاتنا أكثر من الكلمات الموجودة في العهد الجديد». يمكن لهذه العبارة أن تثير الإنذار إذا تخيل المستمع أن كل كلمة هي محل شك بشكل ميؤوس منه. لكن تقريبًا كل هذه «الاختلافات» تتضمن أمورًا تافهة. على سبيل المثال، قد يخطئ الناسخ في هجاء اسم أو يستبدل مترادفات. وقد يحذف ناسخ آخر كلمة واحدة أو يكررها. وتضيف بعض المخطوطات توضيحات في الهامش يدرجها النساخ اللاحقون في النص.

 

وبناءً على ذلك، في حين أن العدد الإجمالي للقراءات المختلفة قد يكون كبيرًا، فإن الغالبية العظمى لا تؤثر على معنى النص على الإطلاق. غالبًا ما يميز الخبراء بين الاختلافات الرئيسية والثانوية، حيث تشكل الاختلافات الثانوية أكثر من 99 بالمائة من إجمالي القراءات. وهذه ليس لها أي تأثير على العقيدة أو النقاط الأساسية في الإيمان. أما الاختلافات الجوهرية الأقل بكثير (مثل مرقس 16: 9-20 أو يوحنا 7: 53–8: 11) فهي معروفة جيدًا. وناقدو النصوص يناقشونها بصراحة، وغالبًا ما تضع الكتب المقدسة الحديثة حواشي لها. إن البيانات ببساطة لا تبرر فكرة أن أخطاء النسخ قد غمرت النص الأصلي وأغرقته.

 

 

أبكر المخطوطات اليونانية

 

هناك حجة قوية للنقاء العام لنص العهد الجديد، وهي أن بعض أهم المخطوطات ترتقي إلى ما بعد المخطوطات الأصلية بقرن أو قرنين. يصنف العلماء هذه المخطوطات إلى برديات ومخطوطات الخط المنفصل (التي تُسمى أحيانًا الحروف الكبيرة). البرديات هي نسخ سُجلت على نبات البردي، في حين أن مخطوطات الخط المنفصل هي مخطوطات بحروف كبيرة على الرق. والعديد من البرديات الأساسية، مثل P66 وP75 وP52 وغيرها، ترتقي إلى القرن الثاني أو الثالث. P75، على سبيل المثال، تحفظ أجزاء كبيرة من لوقا ويوحنا وتؤرخ ما بين 175 ميلادية و225 ميلادية تقريبًا. وتُظهر Codex Vaticanus المخطوطة الفاتيكانية، وهي كودكس بالخط المنفصل يرتقي إلى نحو 300-325 ميلادية، نصًا مطابقًا تقريبًا في أجزاء كبيرة لـ P75. هذا يعني أن النساخ الذين عملوا تقريبًا في بداية القرن الرابع قد ورثوا تقليدًا نصيًا حُفظ بعناية منذ القرن الثاني على الأقل.

 

وقد خلص نقد النص الحديث إلى أن أفضل المخطوطات السكندرية (بما في ذلك Vaticanus المخطوطة الفاتيكانية) تقدم غالبًا نصًا قريبًا جدًا من المخطوطات الأصلية. ولو كان النسخ عبارة عن فوضى بلا ضوابط، لما رأينا هذا الاستقرار المثير للإعجاب. وفي الواقع، يكشف نوع النص السكندري عن ممارسات نسخ دقيقة تمتد إلى تاريخ مبكر. وحتى خارج المنطقة الإسكندرية، تُظهر العديد من المخطوطات تقاربًا قويًا مع نفس ذلك التيار النصي. وهذا يدعم الاستنتاج القائل بأنه رغم أن النساخ لم يكونوا موحى لهم إلهيًا، إلا أنهم كانوا دقيقين بشكل كبير في حفظ ما كتبه الرسل.



[1] Andrews, Edward D. "How Can We Believe Inerrancy of Scripture In the Originals When We Don’t Have the Original?" Christian Publishing House Blog, June 25, 2022. https://christianpublishinghouse.co/2022/06/25/how-can-we-believe-inerrancy-of-scripture-in-the-originals-when-we-dont-have-the-original/

[2] إدوارد د. أندروز (حاصل على Associate in Science في العدالة الجنائية، وBachelor of Science في الدين، وMaster of Arts في الدراسات الكتابية، وMaster of Divinity في اللاهوت) هو رئيس تنفيذي ورئيس Christian Publishing House. ألف أكثر من 220 كتابًا. بالإضافة إلى ذلك، أندروز هو المترجم الرئيسي لUpdated American Standard Version (UASV).


ليست هناك تعليقات: