السبت، 1 أغسطس 2026

ما معنى قول المسيح إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ هَهُنَا قَوْمًا لَا يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوُا ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ (مت16: 28)؟



"مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيرًا مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ. فَأَخَذَهُ بُطْرُسُ إِلَيْهِ وَابْتَدَأَ يَنْتَهِرُهُ قَائِلًا: «حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لَا يَكُونُ لَكَ هَذَا!» حِينَئِذٍ قَالَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ: «إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي، فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا. لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟ فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ هَهُنَا قَوْمًا لَا يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوُا ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ»." (مت 16: 21-22، 24-28)

 

إن الصياغة «مِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ» تمثل بداية مرحلة حاسمة جديدة من إرسالية يسوع. وكان تركيزها الجغرافي سيكون أورشليم، وسيُهيمن الصليب على طابعها. والعدد 21 هو الأول من بين ثلاثة إعلانات رسمية عما هو عتيد أن يكون؛ ومن الآن فصاعداً صارت الإرسالية مسيرة نحو الموت، وكان على التلاميذ أن يتعلموا العيش مع هذا المنظور الجديد.

ولكن هذا كان أكثر مما يحتمل بطرس، الذي لا شك أن إعلانه المظفر في العدد 16 كان يحمل رجاء المشاركة في مجد المسيا. ومثل غيره من اليهود في ذلك الوقت، ربما فهم عمل المسيا بمصطلحات أرضية وسياسية في المقام الأول؛ ولم تكن الهزيمة والموت (وبالأحرى الرفض من قبل القيادة الرسمية لإسرائيل) على جدول أعماله. وفي هذا، عبّر عن «مَا لِلنَّاسِ»، وطالما شارك تلاميذ يسوع هذا المنظور البشري البحت، فإن إرسالية يسوع («مَا للهِ») لم يكن ممكناً أن تصبح مفهومة لهم أبداً. ولهذا السبب كان يسوع حريصاً على تهدئة الحماس الشعبي في العدد 20. ومن هنا جاء رد فعله الشديد على نحو ملحوظ في العدد 23. فبالفعل تحولت صخرة الأساس إلى معثرة!

وكان على أي فكرة للمشاركة في مجد المسيا أن تترك المجال للمشاركة في اتضاع ورَفْضِهِ. إن حمل الصليب هو الانطلاق إلى الإعدام العلني، وليس الاحتمال الصابر لبعض المضايقات (قارن 27: 32). وبالنسبة للتلميذ، كما بالنسبة للمعلم، قد يؤدي ذلك إلى الموت الفعلي. ولكن من خلال جناس لفظي قوي في العددين 25-26 (نفس الكلمة اليونانية تعني كلاً من «حياة» و«نفس» psychē سايكي)، طرح يسوع السؤال عما هي الحياة الحقيقية على أي حال؛ فهناك اعتبارات أكثر أهمية من مجرد البقاء المادي على قيد الحياة.

فالموت، بالنسبة لابن الإنسان، كان الطريق إلى المجد. وهو الذي ستكون له الكلمة الأخيرة، والذين كانوا أمناء له سيُجازَوْن. يجب على يسوع أن يموت حقاً، ولكن قبل أن يذوق بعض رفقائه الأرضيين الموت أيضاً (في الاستشهاد؟) سيرون أنه قد غلب وهو الآن يملك كملك. وكيف سيرون ذلك لم يُحدد. ربما يصبح ذلك جلياً، بالمعنى التمهيدي، في أحداث الأسبوع التالي، وبشكل أصلح، في قيامة يسوع وصعوده وملكه السماوي. إن تدشين هذا الملك يشار إليه في متى من خلال 28: 18. ومع نمو ملكوت الله، وصيرورة الكنيسة قوة لا يُستهان بها على نحو متزايد، ستتأسس ملوكية ابن الإنسان ليراها الجميع.

لبيان أهمية اللغة المتعلقة بمجيء ابن الإنسان، بالاستقاء من الصور البيانية في دانيال 7: 13-14. إنها لغة تجليس على العرش وليس لها إشارة ضرورية إلى «المجيء الثاني» في حد ذاته.[1]

يُشير يسوع إلى دانيال 7: 13-14 وبذلك يُطبق لغة العهد القديم الخاصة باللّه كديان على نفسه (مزمور 62: 12؛ أمثال 24: 12؛ إرميا 17: 10؛ 32: 19؛ حزقيال 18: 30).[2] والشارَةُ إلى الملائكة هي على الأرجح من زكريا 14: 5، مع أنها تتوافق أيضاً مع سياق الصورة في دانيال 7: 13-14[3].[4]

يجب أن نضع في اعتبارنا إن الرأي الحديث الشائع بأن يسوع كان يتوقع مجيئاً ثانياً وشيكاً هو أمر مستبعد، بصرف النظر عن نسبة الخطأ إليه، من خلال تصريحه المؤكد، بعد ذلك بوقت ليس بالطويل، بعدم إعلانه هذا الأمر[5] (24: 36، مرقس 13: 32)[6].[7]

وقد فُسِّر هذا الحدث المتنبأ به بتفاسير متنوعة تشير إلى: (1) تجلي يسوع (17: 1-8)؛ (2) قيامته؛ (3) حلول الروح القدس في يوم الخمسين؛ (4) انتشار الملكوت من خلال كرازة الكنيسة المبكرة؛ (5) خراب الهيكل وأورشليم في سنة 70 ميلادية؛ أو (6) المجيء الثاني والتأسيس النهائي للملكوت. ويبدو أن السياق المباشر يُشير إلى الرأي الأول، وهو التجلي، الذي يليه مباشرة (وقد ربطه مرقس ولوقا بنفس حدث التجلي أيضًا: مرقس 9: 2-10؛ لوقا 9: 28-36). هناك، «بعض» من تلاميذ يسوع «رأوا» كيف سيكون يسوع عندما يأتي بقوة ملكوته. وهذا التفسير يُدعَم أيضاً برسالة بطرس الثانية 1: 16-18،[8] حيث يقرن بطرس بين «مجد» يسوع وتجليه، الذي كان بطرس شاهد عيان عليه. وفي الوقت نفسه، فإن التفسيرات (2) و(3) و(4) ممكنة للغاية أيضاً، لأنها جميعها حالات «أتى» فيها يسوع في التقدم القوي لملكوته، الذي تحقق جزئياً ولكن ليس كلياً بعد. ويعتقد بعض المفسرين أن يسوع يتحدث بشكل عام عن العديد من الأحداث في الآراء من (2) إلى (4) أو كلها. أما الرأي (5) فهو أقل إقناعاً لأن الدينونة على أورشليم لا تعكس النمو الإيجابي للملكوت. والرأي (6) غير مقبول، لأنه يقتضي أن يسوع كان مخطئاً بشأن توقيت رجوعه.[9]

 

الخلاصة

 

المقطع الذي يقول فيه يسوع: «إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ هَهُنَا قَوْمًا لَا يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوُا ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ» (مت 16: 28) فُسِّر بطرق متعددة. أغلب المفسرين يرون أن المقصود ليس المجيء الثاني النهائي، بل ظهورات أولية لمجد المسيح وملكوته. التفسير الأقوى سياقيًا هو التجلي في الإصحاح التالي (مت 17: 1–8)، حيث رأى بعض التلاميذ مجد المسيح كملك. وهناك أيضًا تفاسير معتبرة تربط القول بالقيامة، أو حلول الروح القدس في يوم الخمسين، أو انتشار الملكوت عبر كرازة الكنيسة الأولى. هذه كلها أحداث فيها «أتى» المسيح بقوة ملكوته، بشكل جزئي لكنه حقيقي. أما ربط النص بخراب أورشليم سنة 70 ميلادية فهو أقل إقناعًا، لأنه لا يعكس نمو الملكوت، وأما القول إنه عن المجيء الثاني القريب فغير مقبول، لأنه يتعارض مع تصريح يسوع نفسه أنه لا يعلن توقيت ذلك (مت 24: 36). إذن، المعنى أن بعض التلاميذ سيشهدون باكراً لمحة من مجد ابن الإنسان وملكوته، سواء في التجلي أو القيامة أو تأسيس الكنيسة، قبل أن يموتوا جسديًا.[10]

  



[1] D. A. Carson, New Bible Commentary : 21st Century Edition, 4th ed. (Leicester, England; Downers Grove, Ill., USA: Inter-Varsity Press, 1994). Mt 16:21

[2] مزمور 62: 12 «وَلَكَ يَا رَبُّ الرَّحْمَةُ، لأَنَّكَ أَنْتَ تُجَازِي الإِنْسَانَ كَفِعْلِهِ.»؛ أمثال 24: 12 «إِنْ قُلْتَ: «هُوَذَا لَمْ نَعْلَمْ هَذَا»، أَفَلاَ يَفْهَمُ وَازِنُ الْقُلُوبِ، وَحَافِظُ نَفْسِكَ أَلَيْسَ هُوَ يَعْلَمُ، فَيَرُدُّ عَلَى الإِنْسَانِ مِثْلَ عَمَلِهِ؟»؛ إرميا 17: 10 «أَنَا الرَّبُّ فَاحِصُ الْقَلْبِ مُخْتَبِرُ الْكُلَى لأُعْطِيَ كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ طُرُقِهِ، حَسَبَ ثَمَرِ أَعْمَالِهِ.»؛ إرميا 32: 19 «عَظِيمٌ فِي الشَّوَرَةِ، وَقَادِرٌ فِي الْعَمَلِ، الَّذِي عَيْنَاكَ مَفْتُوحَتَانِ عَلَى كُلِّ طُرُقِ بَنِي آدَمَ لِتُعْطِيَ كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ طُرُقِهِ، وَحَسَبَ ثَمَرِ أَعْمَالِهِ.»؛ حزقيال 18: 30 «مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَكْمُلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ كَطُرُقِهِ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ.»

[3] دانيال 7: 13-14 «"«كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لَا يَنْقَرِضُ»؛ زكريا 14: 5 «وَتَهْرُبُونَ فِي جِوَاءِ جِبَالِي، لأَنَّ جِوَاءَ الْجِبَالِ يَصِلُ إِلَى آصَلَ. وَتَهْرُبُونَ كَمَا هَرَبْتُمْ مِنَ الزَّلْزَلَةِ فِي أَيَّامِ عُزِّيَّا مَلِكِ يَهُوذَا. وَيَأْتِي الرَّبُّ إِلَهِي وَجَمِيعُ الْقِدِّيسِينَ مَعَكَ»

[4] Craig S. Keener and InterVarsity Press, The IVP Bible Background Commentary : New Testament (Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1993). Mt 16:27

[5] متى 24: 36 «وَأَمَّا ذَلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ مَلاَئِكَةُ السَّمَاوَاتِ، إِلاَّ أَبِي وَحْدَهُ.»؛ مرقس 13: 32 «وَأَمَّا ذَلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلاَ الابْنُ، إِلاَّ الآبُ.»

[6] لوقا 19: 41 «وَفِيمَا هُوَ يَقْتَرِبُ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَكَى عَلَيْهَا»

[7] F. F. Bruce, New International Bible Commentary (Grand Rapids, MI: Zondervan Publishing House, 1979). 1139

[8] بطرس الثانية 1: 16-18 «لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً إذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَلْ كُنَّا مُعَايِنينَ عَظَمَتَهُ. لأَنَّهُ أَخَذَ مِنَ اللهِ الآبِ كَرَامَةً وَمَجْداً، إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ صَوْتٌ كَهَذَا مِنَ الْمَجْدِ الأسْنَى: «هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي أَنَا سُرِرْتُ بِهِ». وَنَحْنُ سَمِعْنَا هَذَا الصَّوْتَ أَقْبَلَ مِنَ السَّمَاءِ، إِذْ كُنَّا مَعَهُ فِي الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ.»

[9] Crossway Bibles, The ESV Study Bible (Wheaton, IL: Crossway Bibles, 2008). 1856

[10] Norman L. Geisler and Thomas A. Howe, When Critics Ask : A Popular Handbook on Bible Difficulties (Wheaton, Ill.: Victor Books, 1992). 349


ليست هناك تعليقات: