كيف يمكننا الإيمان بعصمة الكتاب المقدس في المخطوطات الأصلية بينما
لا نملك الأصل؟ الجزء الثاني[1]
إدوارد أندروز[2]
للعودة للجزء الأول
https://ikonomiaa.blogspot.com/2026/08/blog-post_899.html
هل كان النساخ الأوائل يفتقرون إلى التأهيل؟
يدعي بعض النقاد أنه في القرنين أو القرون الثلاثة الأولى، كان
النساخ هواة ارتكبوا أخطاء جسيمة حتى ظهر نهج أكثر احترافًا. غير أن المخطوطات
الفعلية تروي قصة أكثر توازنًا. في حين أن قلة من النصوص قد تُظهر نسخًا أخرق،
فإن العديد من البرديات المبكرة قد أُنجزت بمهارة، وطول أسطر منتظم، وأشكال حروف
متسقة، وأقل قدر من الاختلافات عن النماذج المعروفة. ومن الواضح أن الجماعة
المسيحية قد أدركت الحاجة إلى حراسة الكتابات المقدسة من التحريف. وتكشف وثائق
مثل P75 أو P66
عن التزام قوي بانتقال النص بأمانة. وحتى ترتليان، في كتاباته نحو عام 200
ميلادية، يذكر «الكتابات الأصيلة» للرسل التي لا تزال متداولة، مما يشير إلى أن
المؤمنين الأوائل قدروا النسخ الدقيقة وفحصوها بعناية بالمقارنة مع المعايير
المعروفة.
إثبات القراءات الأصلية من خلال نقد النص
يُقيِّم علم النقد النصي جميع الأدلة
الموجودة—المخطوطات اليونانية، والترجمات القديمة بلغات مثل السريانية أو القبطية،
والاقتباسات من كتابات آباء الكنيسة الأوائل. ومن خلال مقارنة أنماط الاختلافات،
يستطيع العلماء تحديد أي القراءات المختلفة نشأت بالاحتمال الأكبر عن هفوات النساخ
أو التغييرات التحريرية.
وحتى لو أدخل ناسخ واحد خطأً، فإن المخطوطات
الأخرى التي تحفظ الصياغة الصحيحة تبقى قائمة.
ولأنه يوجد آلاف من المخطوطات، المنتشرة عبر
مناطق مختلفة، فإن التحريف الكامل لأي فصل هو أمر غير محتمل للغاية.
فالنص محدد بتقاطع خطوط متعددة من انتقال النص.
تذكر الطبعة الثالثة من كتاب The Text of the
New Testament
لبروس متزجر أنه لو اختفت جميع المخطوطات، لكانت الاقتباسات الكتابية في كتابات
آباء الكنيسة الأوائل وحدها كافية لإعادة بناء العهد الجديد بأكمله تقريبًا.
هذا الحشد من الشهادات الثانوية يؤكد أن نص الكتاب المقدس كان منتشرًا على نطاق
واسع ومشهودًا له بشكل متسق.
قيمة المخطوطات الأصلية مقابل النُسَخ
إذا كانت الوثائق الأصلية قد فنيت (ومن المحتمل أنها فنيت بسبب
الاستخدام المستمر)، فقد يتساءل المرء لماذا سمح الله بذلك. من الناحية الكتابية، لا
يوجد وعد يضمن أن الآثار المادية ستكون محمية إلهيًا إلى الأبد. بل إن الله
قصد أن يعتز المؤمنون بالمحتوى الروحي. وتُشير تاريخ إسرائيل إلى أوقات سمح
فيها الرب بتدمير أواني الهيكل (2 ملوك 25: 9)، رغم أنها كانت مقدسة في يوم من
الأيام. وبالمثل، فإن أهمية الكلمة المكتوبة تكمن في المعنى، وليس في الرق
المادي أو البردي.
في (2 تيموثاوس 2: 2)، يطلب بولس من تيموثاوس أن يودع الحقائق التي
تعلمها لأناس أمناء يكونون قادرين على تعليم آخرين أيضًا. إن النسخ المتعددة،
التي تُقرأ عبر الجماعات، كفلت معرفة واسعة بالتعاليم الرسولية. ومع مرور الوقت،
قد يدخل ناسخ كل منطقة بغير قصد قراءة مختلفة صغيرة، لكن هذه الاختلافات قابلة للتصحيح.
والتوزيع المبكر للنسخ العديدة جعل النقاء
العام للنص—على نحو يدعو للعجب—أكثر أمانًا مما لو كان هناك أصل رسمي واحد فقط
مغلظ عليه في خزانة.
هل النقائص في النسخ تقوض العصمة؟
إن النقائص في النسخ لا تنفي عصمة المخطوطات الأصلية. فالعصمة تتناول
ما إذا كان المؤلفون، تحت إشراف الله، قد كتبوا بلا خطأ. ولا يدعي الكتاب المقدس
أبدًا أن النسخ اللاحق سيحتفظ بنفس الحماية الإعجازية. والمسألة هي ما إذا كنا
نملك، من خلال الوسائل العادية لنقد النص، القدرة على التأكد من الكلمات الأصلية.
وهنا تصبح الوفرة المذهلة لأدلة المخطوطات أمرًا حاسمًا. وحتى مع وجود مئات اللاف
من الاختلافات النصية، فإن الأثر على المعنى ضئيل جدًا. وفي المجموعة الصغيرة من
المواضع التي تظل غامضة، لا يوجد أي عقيدة أساسية معرضة للخطر.
لو لم يكن لدينا سوى مخطوطة واحدة أو اثنتين،
وكل منهما مليئة بالأخطاء المجهولة، لكنا بالفعل قد يئسنا من استرداد النص
الرسولي. ومع ذلك، فبوجود آلاف المخطوطات بالإضافة إلى الترجمات واقتباسات الآباء،
يمكننا عزل عيوب النساخ والتقارب نحو القراءة الأصلية.
وبالمعنى ذاته، يتجلى دور الروح القدس في تدبير توفر هذا العدد
الكبير من الشهود المتقاربين عبر القرون، مما يضمن أن كلمة الله لا تتلاشى أو تفقد
بشكل لا يمكن استرداده.
انتقال النص الأصلي مقابل الحفظ الإعجازي
يرغب البعض في سيناريو يتعين فيه على الله الإيحاء المستمر لكل ناسخ
ومترجم ومفسر، وبالتالي ضمان الخط الموحد بشكل مطلق في جميع النسخ. ولكن هذا لن
يتوافق مع النمط التاريخي لتوزيع الكتاب المقدس، ولا مع حقيقة أن الله غالبًا
ما يسمح للمؤمنين بممارسة المسؤولية. فالإرسالية العظمى في (متى 28: 19-20) توجه
التلاميذ إلى كرازة وتعليم أوامر المسيح. وهم يفعلون ذلك في ظل القيود البشرية.
ومع ذلك، يظل الحق غير منطفئ.
مرارًا وتكرارًا في التاريخ الكتابي، ائتمن الله البشر على مهام مع
تعليمات بأن يحفظوا أنفسهم طاهرين، لا أن يعتمدوا على تدفق مستمر من التوجيه
الإعجازي. وحقيقة أن الله أعطى آدم وحواء بداية كاملة ولكنه لم يمنع خطيئتهما
قسرًا تؤكد أنه يسمح بالحرية البشرية. لقد أعطى الرسل وحيًا كاملاً، ولكنه
سمح لهم بصياغته كتابة بشخصياتهم الخاصة وثقافتهم ولغتهم، مُرشدين بالروح القدس.
وبعد ذلك، عملت عملية النسخ في إطار بشري عادي، منتجة العديد من النسخ الأمينة
التي يستطيع علماء اليوم أن يستقوا منها النص الأصلي.
تأكيد الموثوقية بدون الوثائق الأصلية
تظل هناك أسئلة حول كيف يمكننا التيقن من الموثوقية بدون المخطوط
الأصلي الفردي. ومع ذلك، في جميع الدراسات التاريخية، نادرة هي المخطوطات
الأصلية التي تنجو. فالأعمال الكلاسيكية لأفلاطون، وقيصر، وتاسيتوس، أو
هيرودوت يُعترف بها بناءً على مخطوطات أقل بكثير، وفصل بينها وبين مؤلفيها قرون
عديدة. وبالمقارنة، فإن العهد الجديد محفوظ في نحو 5,898 مخطوطة يونانية، وعشرات اللاف
من الترجمات المبكرة، واقتباسات لا حصر لها في الكتابات المسيحية. وبعض المخطوطات
يصل تاريخها إلى عقود قليلة من العصر الرسولي. وهذا أمر غير مسبوق في الأدب القديم.
علاوة على ذلك، فإن إجماعًا كبيرًا من نقاد النص من مختلف
الخلفيات اللاهوتية يتفق على أن أكثر من 99 بالمائة من النص قد تُثبت بثبات تام،
أي أنه تيقننا تمامًا من النص الأصلي بنسبة 99%.
والواحد بالمائة الأخير يتضمن شكوكًا صغيرة
نادراً ما تؤثر على المعنى. هذا الواقع يقف في تباين صارخ مع الصور
القاتمة التي يرسمها النقاد الذين يسلطون الضوء على الأرقام الخام للاختلافات
دون توضيح مدى عدم أهميتها في التأثير على المعنى، أو عدم أهميتها عامة.
لماذا لا نحتاج إلى المخطوطات الأصلية المادية
إن الهوس بالعثور على القطعة المادية من البردي
أو الرق التي لمسها النبي أو الرسول يغفل عما يهم حقًا. لم تكن للمخطوطات الأصلية
ذاتها أي مكانة سحرية. لقد احتوت على إعلان الله بلا خطأ، ولكن مجرد الأثر المادي
ليس هو المحور—بل إن الكلمات المدونة عليه هي الأساس. لو كان لدينا المخطوط الأصلي لرسالة
رومية أو سفر أشعياء، لما أمكننا تأكيده إلا من خلال مطابقته بمعايير خارجية، مثل
شهادة ناسخ معروف أو سلسلة أدلة غير منقطعة. وحتى حينئذٍ، كنا سنعتمد على التحليل
النصي والتاريخي. ومع ذلك، نحن لا نحتاج إلى تلك القطعة المادية.
لأن النسخ العديدة القادمة من أماكن متنوعة تؤكد ذات النص الجوهري،
فإن لدينا جوهر رسالة بولس إلى أهل رومية أو شريعة موسى. لقد اقتبس يسوع من
العهد القديم في خدمته الأرضية دون أن يمتلك اللفافة الأصلية التي كتبها موسى. وقد
أشار إلى النص باعتباره صاحب سلطة، قائلاً في (يوحنا 17: 17): «كَلاَمُكَ هُوَ
حَقٌّ.» فإذا كانت ثقة يسوع قد اعتمدت على انتقال النص الأمين بدلاً من الأثر
المادي، فإن بإمكاننا وبالمثل أن نثق في المنتج النهائي لنقد النص الذي يسترد
الكلمات الأصلية.
النظر إلى أمثلة كتابية للحفظ
يروي الكتاب المقدس كيف فُقدت كتابات سابقة أو دُمِّرت. يُظهر (2
ملوك 22: 8) حلقيا الكاهن العظيم وهو يكتشف سفر الشريعة في الهيكل بعد أن كان
نسياً منسياً بالجلاء. وهذا لم يلغِ موثوقيته. بل عُرِف بأنه كلمة الرب واستُخدم للتجديد
الروحي.
وبالمثل، يصف (إرميا 36: 22-23) كيف قطع الملك يهوياقيم اللفافة
النبوية لإرميا وأحرقها، ومع ذلك أملى إرميا المحتوى مرة أخرى (إرميا 36: 27-28).
وتُظهر مثل هذه الروايات أن حق الله قائم، حتى
لو فنيت اللفافات المعينة. وينطبق نفس المبدأ على عصر العهد الجديد: على الرغم من
أن المخطوطات الأصلية لم تعد موجودة، فإن الرسالة مستمرة، ومؤكدة بواسطة نسخ دقيقة
وكثيرة ومنتشرة في كل العالم.
دور الإيمان والعقل
جزء من إحباط المشكك هو أن العصمة لا يمكن اختبارها بالفحص المباشر للمخطوطات
الأصلية. لكن النهج المسيحي تجاه الكتاب المقدس يتضمن كلاً من الإيمان والتقييم
العقلاني للأدلة. فالإيمان ينشأ من إدراك الصفات الإلهية للكتاب المقدس
(عبرانيين 4: 12) ومن كيفية تغيير هذه النصوص للقلوب والضمائر. وفي الوقت نفسه، يلاحظ
العقل أن نقد النص قد استرد النص بفعالية إلى شكل يطابق الأصل. ولدى المسيحي
أسس للتأكيد على أن الكلمات التي نقرأها في كتاب مقدس حديث مترجم بدقة تعكس ذات
الكلمات التي دُونت في الأصل تحت التوجيه الإلهي .
فالسؤال إذن ليس ما إذا كان بإمكاننا إمساك
الرقاق القديمة في أيدينا، بل ما إذا كنا—عندما نقرأ «فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ» (تكوين 1: 1) أو «فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ،
وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ» (يوحنا 1:
1)—نستطيع أن نثق في أن هذه التعبيرات تنقل بأمانة ما كتبه موسى ويوحنا. وفقًا
لجميع الأدلة المتراكمة، فإن الإجابة هي نعم.
الخلاصة: أدلة كافية للمخطوطات الأصلية المعصومة
رغم عدم امتلاك المخطوطات المباشرة التي كتبها أشعياء، أو متى، أو
بولس، فإننا نقف على أرض صلبة لقبول أن العهد القديم والعهد الجديد كانا موحى بهما
في الأصل وبلا خطأ. قد يرسم بارت إيرمان وآخرون صورة قاتمة للفساد النسخي المتفشي.
غير أن نظرة شاملة على تقليد المخطوطات، وطبيعة القراءات المختلفة، والحجم
الكبير للشهود النصيين، والعملية الصارمة لنقد النص، تنهي الدعوى القائلة بأن النص
قد فُقد بشكل لا يمكن استرداده.
لقد أظهر النساخ الأوائل اهتمامًا دقيقًا، ولم
تتشعب خطوط انتقال النص أبدًا لدرجة إخفاء الرسالة الرسولية. ويمكن للعلماء تحديد وإزالة
الهفوات العرضية والتعديلات المتعمدة. وحقيقة أننا نفتقد للمخطوطات الأصلية لا
تمنعنا من التأكد من أن طبعاتنا النقدية للعهد القديم العبري والعهد الجديد
اليوناني تعكس كلمات المؤلفين بدرجة لافتة من اليقين.
وبالتالي، تظل عصمة المخطوطات الأصلية ذات معنى. إن ثقتنا لا
تستند إلى الورق أو البردي، بل إلى الله الذي أوحى بكلمته وإلى الوسائل الموثوقة
التي وفرها لاستردادها. ويمكننا أن نقول بثقة، إلى جانب المؤمنين في القرون
السابقة، إن الأسفار المقدسة التي بين أيدينا تظل «نَافِعَةٌ لِلتَّعْلِيمِ
وَالتَّبْكِيتِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ» (2 تيموثاوس
3: 16). ورغم أننا نصل إلى افتقار المخطوطات الأصلية، إلا أننا لا نفتقر إلى
الرسالة الإلهية التي دُونت أولاً—وهذه الرسالة هي ما يهم حقًا.
[1] Andrews,
Edward D. "How Can We Believe Inerrancy of Scripture In the Originals When
We Don’t Have the Original?" Christian Publishing House Blog, June 25,
2022.
https://christianpublishinghouse.co/2022/06/25/how-can-we-believe-inerrancy-of-scripture-in-the-originals-when-we-dont-have-the-original/
[2] إدوارد
د. أندروز (حاصل على Associate in Science في
العدالة الجنائية، وBachelor of Science في
الدين، وMaster of Arts في الدراسات الكتابية، وMaster of Divinity
في اللاهوت) هو رئيس تنفيذي ورئيس Christian Publishing
House.
ألف أكثر من 220 كتابًا. بالإضافة إلى ذلك، أندروز هو المترجم الرئيسي لUpdated American Standard Version (UASV).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق