"وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي"
(يو 17: 22).
المجد للمسيح بالطبيعة، أما لنا فبالنعمة فيه
إذ لم يخجل السيد المسيح من دعوة المؤمنين اخوة له (عب 2: 11). فإنهم
نالوا التبني للآب، وصار لهم هذا المجد، مجد البنوة، لكن ليس بالطبيعة كالسيد
المسيح، إنما بالنعمة. المجد هو عطية إلهية: "الرب يعطي رحمة
ومجدًا" (مز 84: 11).
خلال آلام الصليب يحملنا السيد إلى مجده: "لأنه لاق بذاك الذي
من أجله الكل وبه الكل وهو آتٍ بأبناء كثيرين إلى المجد أن يكمل رئيس
خلاصهم بالآلام" (عب 2: 10).
يؤكد السيد المسيح أن الوحدة التي يتمتع بها المؤمنون مصدرها هو
قبوله كابن الإنسان المجد من أبيه ليهبه لمؤمنيه. وكأن ثبوتنا في المسيح
الواحد وتمتعنا بعطية المجد هو طريق الوحدة الأصيلة. الوحدة الكنسية الصادقة،
الصادرة كنعًمة إلهية، هي شهادة حيَّة ليسوع أنه المسيا الحقيقي، وعن حب الله
الفائق للبشرية.[1]
تُظهر الجملة الأخيرة معنى الجملة الأولى. إنها ليست المجد المستقبلي
للحالة السماوية، بل سر تلك الوحدة الحاضرة المذكورة قُبيل ذلك؛ أي مجد روح
المسيح الساكن فينا؛ مجد حالة القبول، والطبيعة المقدسة، وكل نعمة.[2]
أغسطينوس:
ماذا كان هذا المجد إلا الخلود الذي تتقبله الطبيعة البشرية فيه؟ فإنه لم يتقبله هو وحده، ولكن كطريقته المعتادة بتدبيره المسبق الثابت يشير إلى المستقبل في صيغة الماضي، فإنه إذ هو الآن في موضع مجده، أي قيامته بالآب، يقيمنا هو نفسه إلى ذات المجد في النهاية.
ما يقوله هنا مشابه لقوله في موضع آخر: "كما أن الآب يقيم من الأموات ويحييهم، هكذا الابن يحيي من يشاء"...
"ما يفعله الآب" ليس بطريقة مختلفة عن "ما يفعله الابن"، بل "بنفس الطريقة" (راجع يو 5: 21، 19). بهذا قام المسيح بذاته. لهذا قال: "انقضوا هذا الهيكل، وفي ثلاثة أيام أقيمه" (يو 2: 19). بهذا فإن مجد الخلود الذي قال إنه أخذه من الآب يُفهم أنه قد وهبه هو أيضًا لنفسه، وإن لم يكن قد قال هذا (لإن العمل واحد بين أقانيم الثالوث القدوس). (St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 110: 3).
إيريناؤس:
الخدمة [المُقَدَّمَة] لله لا تجلب نفعًا لله، ولا الله بحاجة إلى طاعتنا. ومع ذلك، فهو يمنح الحياة، وعدم الفساد والمجد الأبدي لأولئك الذين يتبعونه ويخدمونه، مسديًا العطايا للذين يخدمونه لأنهم يخدمونه ولأتباعه لأنهم يتبعونه. ولكنه لا يتلقى أي فائدة منهم لأنه غني بالفعل، كامل ولا يحتاج إلى شيء. ومع ذلك، يطالب الله بالخدمة من الرجال والنساء لكي يستطيع أن ينفع أولئك الذين يستمرون في خدمته، إذ هو صالح ورحيم جدًا. لأنه بقدر ما لا يعوز الله شيء، بقدر ما نحن في حاجة إلى الشركة مع الله، لأن مجدنا يتكون في الاستمرار والبقاء بشكل دائم في خدمة الله. Against Heresies 4.14.1. 48
طلب المجد بسببنا
أثناسيوس:
أي نفع إذن كان لغير المائت أن يكون قد اتخذ المائت؟ أو أي تحسن يحصل عليه الأبدي بلبسه الزمني؟ كم عظيمًا يمكن أن يكون؟ ألا ترى أن هذا أيضًا قِيلَ وكُتِبَ بسببنا ولأجلنا؟ الرب صار إنسانًا لأجلنا، نحن الذين مائتون وزمنيون، لكي يجعلنا غير مائتين ويأتي بنا إلى ملكوت السموات الأبدي.... ليس الكلمة إذن (حين يُنْظَر إليه كالكلمة) هو من تحسَّن. لأنه كان له كل شيء وله دائمًا. بل إن الجنس البشري، الذي له أصله فيه وبواسطته، هو الذي يتلقى الإحسان والترقي. لأنه عندما يُقَال الآن إنه مُسِحَ بحسب التعبير البشري، فنحن الذين فيه قُدِّسْنَا، وأيضًا عندما يُعْمَد، فنحن الذين فيه عُمِّدْنَا. ولكن على كل هذه الأشياء يلقي المخلص ضوءًا هامًا حين يقول للآب، "وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ." فبسببنا إذن طلب المجد. والكلمات "أخذ" و"أعطى" و"رفعه جدًا" تحدث لكي نأخذ نحن، ولنا يُعْطَى ونحن نُرْفَع فيه. هو أيضًا يقدس نفسه لأجلنا لكي نتقدس نحن فيه. Discourses Against the Arians 1.12.48. 19
مجد عدم الموت يُعْطَى
كبريانوس:
عندما نموت، نحن ننسكب إلى عدم الموت بالموت؛ ولا يمكن للحياة الأبدية أن تتبع، ما لم نرحل من هذه الحياة. إنها ليست نهاية بل عبور، وهذه رحلة الزمن التي نسافر فيها هي عبور إلى الأبدية. مَن لا يريد أن يسرع إلى شيء أفضل؟ مَن لا يشتاق إلى أن يُتَغَيَّر ويُتَجَدَّد إلى شبه المسيح وأن يصل بأكثر سرعة إلى كرامة المجد السماوي، إذ ينادي الرسول بولس ويقول، "فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ، الَّتِي مِنْهَا أَيْضًا نَنْتَظِرُ مُخَلِّصًا هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ"؟ (في 3: 20–21). المسيح الرب يَعِدُ أيضًا أن هذا هو كيف سنكون—لكي نكون معه ولكي نعيش معه في منازل أبدية ونبتهج في الممالك السماوية—يصلي للآب لأجلنا، قائلاً، "أَيُّهَا الآبُ أُرِيدُ أَنَّ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا، لِكَيْ يَنْظُرُوا مَجْدِي الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ." الشخص الذي يُسْمَح له بالصعود إلى عرش المسيح، إلى مجد الممالك السماوية، لا ينبغي أن ينوح أو يندب، بل بالأحرى، انسجامًا مع وعد الرب وإيمانه بالحق، ينبغي أن يبتهج في رحيله ونقله هذا. On Mortality 7, 22. 50
أوغسطينوس:
وماذا كان ذلك المجد إلا عدم الموت، الذي كان للطبيعة البشرية فيما بعد أن تقبله فيه؟ لأنه ولا حتى هو نفسه كان قد قبله بعد، ولكن بطريقته المعتادة، لأن التعيين السابق هو غير قابل للتغيير مطلقًا، فإنه يلمح إلى ما هو مستقبل بأفعال الصيغة الماضية. هو يفعل هذا لأنه الآن على وشك أن يتمجد، أو بعبارة أخرى، يُقَام ثانيةً بواسطة الآب، عالمًا أنه هو نفسه عتيد أن يقيمنا إلى المجد عينِهِ في النهاية. Tractates on the Gospel of John 110.3. 24
المجد الذي يوحِّد هو الروح القدس
غريغوريوس النيصي:
الآن رباط هذه الوحدة هو المجد، ولا أحد ممن يتأمل بجدية كلمات الرب سينكر أن هذا المجد هو الروح القدس. لأنه يقول، "وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي." لقد أعطى تلاميذه هذا المجد عندما قال لهم، "اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ." (يو 20: 22) وهو نفسه قَبِل هذا المجد عندما لبس الطبيعة البشرية، رغم أنه كان بالفعل يمتلكه دائمًا منذ ما قبل ابتداء العالم. والآن بعد أن تمجدت طبيعته البشرية بالروح، فإن هذه المشاركة في مجد الروح تُتَوَاصَل مع جميع الذين هم متحدون به، بدءًا من تلاميذه. Homilies on the Song of Songs 15. 23
المجد أساس الوحدة الإلهية
يوحنا ذهبي الفم:
"المجد الذي أعطيتني أعطيتهم"، لكي بالآيات وبالعقائد يلزمهم أن يكونوا نفسًا واحدة. فإن هذا هو المجد أن يكونوا واحدًا، وهذا أعظم حتى عن الآيات. فكما أننا نعجب من الله حيث لا يوجد في طبيعته صراع أو خلاف، وهذا هو مجده العظيم، هكذا يقول أيضًا ليت هذه الأمور تكون علة للمجد. ( Homilies on St. John, 82:2).
باسليوس:
إنه يسوع الذي صلى: "ليكونوا واحدًا فينا، كما أنا وأنت واحد أيها الآب" (راجع يو 17: 21-22). لأنه عندما يكون الله الذي هو واحد في كل واحدٍ، فإنه يجعل الكل واحدًا، ويضيع العدد في حلول الوحدة. (Letter 8 to Caesareans,7).
هيلاري أسقف بواتييه:
فالآن الجميع واحد في المجد، لأن المجد المُعْطَى ليس سوى ذلك الذي أُسْتُلِمَ؛ ولا أُعْطِيَ لأي سبب آخر إلا لكي يكون الجميع واحدًا. وبما أن الجميع واحد من خلال المجد المُعْطَى للابن والمَمْنُوح من الابن للمؤمنين، فكيف يمكن للابن أن يكون من مجد مختلف عن مجد الآب، بما أن مجد الابن يأتي بجميع الذين يؤمنون إلى وحدة مجد الآب. الآن يكون النطق بالرجاء البشري في هذه الحالة مفرطًا نوعًا ما، ولكنه لن يكون مخالفًا للإيمان. لأنه وإن كان الرجاء في هذا جسارة، إلا أن عدم الإيمان به هو خطية، لأن لنا مؤلفًا واحدًا بعينه لرجائنا ولإيماننا. On the Trinity 8.12. 20
[1] تفسير
الأب تادرس يعقوب على إنجيل القديس يوحنا.
[2] Robert
Jamieson, A. R. Fausset, A. R. Fausset, David Brown and David Brown, A
Commentary, Critical and Explanatory, on the Old and New Testaments (Oak
Harbor, WA: Logos Research Systems, Inc., 1997). Jn 17:1

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق