الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

لماذا تجسَّد الأقنوم الثاني من الثالوث بدلاً من الآب أو الروح القدس؟

 


لماذا تجسَّد الأقنوم الثاني من الثالوث بدلاً من الآب أو الروح القدس؟[1]

 

من الصالح أن نتأمل في بعض جوانب التجسد. ومن بين الأسئلة المطروحة علينا للتفكير فيها: لماذا كان الابن، الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس، هو الذي تجسَّد، بدلاً من الآب أو الروح القدس؟

 

معظم الناس لم يفكروا قط في هذا السؤال، ناهيك عن السعي للإجابة عنه. كان بإمكان الله أن يختار طرقًا عديدة مختلفة لخلاصنا؛ وقد اختار أن يعمل كما فعل لا لأنه كان مفروضًا عليه، بل لأنه كان ملاءمًا. ويقع على عاتقنا أن نتأمل، مستخدمين الكتاب المقدس وعقلنا، لماذا كانت طريقة الله المختارة ملاءمة، وما الذي يمكننا تعلمه من هذا.

 

وكما هو الحال دائمًا، يقدم لنا القديس توما الأكويني موارد غنية. أعرض أدناه تعليمه من Summa Theologica (الجزء الثالث، السؤال 3، المادة 8). وقد اقترح القديس توما الأكويني أربعة أسباب لكونه الأكثر ملاءمة أن يتجسد الابن.

 

أولاً، من جهة الاتحاد؛ لأن ما هو متماثل يتحد بملاءمة. والآن، أقنوم الابن، الذي هو كلمة الله، له توافق مشترك معين مع جميع الخلائق، لأنه الكلمة الخالق، وخليقته هي مثال شبيه بجمال كل ما يُصنع بواسطته. ومن ثم فإن كلمة الله، الذي هو أزلي، هو المثال الشبيه بجميع الخلائق... لأن الصانع، من خلال الصورة العقلية لفنه، التي بها يصوغ عمل يده، يعيده عندما يقع في الخراب.

 

عندما خلق الآب كل الأشياء، نطق بكلمة: (لِيَكُنْ نُورٌ). وهكذا هو يخلق من خلال كلمته (الـ Logos اللوجوس)، وكلمة الله هو المسيح. لذلك، في النطق بالخلق إلى الوجود بوساطة اللوجوس)، يطبع الله نوعًا من الـ logike (اللوجيكي/المنطق) على كل الأشياء.

 

بهذه الطريقة، يكون للابن، اللوجوس، "توافق مشترك معين مع جميع الخلائق"، الذين يحملون شيئًا من المنطق أو الشبه به. وإذا كان الأمر كذلك، فكما يعلل القديس توما الأكويني، فإن الله الآب يصلح خيلقته بأفضل طريقة من خلال الكلمة نفسه الذي به خلقها في البداية.

 

ثانيًا، علاوة على ذلك ... الإنسان يكتمل في الحكمة (التي هي كماله الخاص، بصفته عاقلاً) بالمشاركة في كلمة الله، كما يتلقى التلميذ التعليم بتلقي كلمة معلمه. ولهذا قيل (سيراخ 1: 5): ""يَنْبُوعُ الْحِكْمَةِ كَلِمَةُ اللهِ فِي الْعُلَى". ومن ثم، لأجل الكمال الأقصى للإنسان، كان من الملاءم أن يتحد كلمة الله ذاته شخصيًا بالطبيعة البشرية.

 

في حين أنه صحيح أن الخطيئة الأصلية أثرت على سلامتنا الجسدية، فربما كان جرحنا الأكبر هي إظلام إدراكنا،[2] الذي كان (ولا يزال) أعظم عطايانا، والخاصية المميزة بيننا وبين الحيوانات غير العاقلة. لذلك فمن الملاءم للغاية أن كلمة الله، الذي هو أيضًا حكمة الله، ينضم إلى طبيعتنا ويجلب الشفاء لنا بهذه الطريقة.

 

يكتب القديس بولس، "وَلَا تُشَاكِلُوا هَذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ." (رو 12: 2). حتى الكلمات البشرية يمكن أن تُعلِّم؛ فكم بالأحرى إذن يمكن لكلمة الله الذي صار جسدًا أن ينيرنا ويشفينا. هذا يظهر ملاءمة أن الكلمة، الابن، الأقنوم الثاني من الثالوث، يصير جسدًا.

 

ثالثًا، إن سبب هذه الملاءمة لتجسد الأقنوم الثاني، يمكن أيضًا أن يُؤخذ من غاية الاتحاد، وهي ... الميراث السماوي، الذي يُمنح فقط للبنين، وفقًا لـ (رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 8: 17): "فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا". ومن ثم كان من الملاءم أنه بواسطة ذاك الذي هو الابن بالطبيعة، يتشارك البشر هذا الشبه بالبنوة بالتبني، كما يقول الرسول في نفس الأصحاح (رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 8: 29): "لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ".

 

بعبارة أخرى، لأن البنون يرثون، فمن الملاءم أن ذاك الذي هو ابن بالطبيعة يتجسد. وهكذا نحن أيضًا، إذ نتشكل على صورته كأبناء من خلال تبنينا وعضويتنا في جسده، سنرث أيضًا الملكوت والمجد من خلال الشفاء الذي يجريه فينا.

 

رابعًا، إن سبب هذه الملاءمة يمكن أن يُؤخذ من خطيئة أبونا الأول، التي قدم التجسد العلاج لها. لأن الإنسان الأول أخطأ بطلب المعرفة، كما هو واضح من كلمات الحية، التي وعدت الإنسان بمعرفة الخير والشر. ومن ثم كان من الملاءم أنه بوساطة كلمة المعرفة الحقيقية يُقاد الإنسان ثانية إلى الله، بعد أن ضل عن الله من خلال عطش غير معتدل للمعرفة.

 

في الاستئثار بغير اعتدال للنوع الخاطئ من المعرفة (معرفة الشر) وفي الإصرار على حقه الخاص في تقرير ما كان خيرًا وما كان شرًا، أخطأ آدم. طلب المعرفة -في حد ذاته- صالح؛ لقد كان الموضوع هو المنحرف (وبالتالي المحظور). ولأن البشر لديهم هذا العطش للمعرفة (وهو في حد ذاته صالح)، فكم بالحرى هناك سبب يدعو الله أن يقدم لنا الكلمة الحقيقي وحكمة الله: الابن.[3]

 

لكي يصير الكلمة جسدًا لهو بالتالي أكثر ملاءمة. في الواقع، يقول الله الآب: "دعني أقدم لك ما كنت تبحث عنه حقًا، ولكنك طلبتها بغير اعتدال". لهذا السبب، الابن، الذي هو الكلمة، الذي هو الحق ذاته، يتجسد.

 

فمن الصالح أن ابن الله القدوس قد جاء لينقذ البشرية لننال اللاهوت كميراث. فأننا نحن أيضاً أبناء للآب، إذ صرنا إخوة لابنه المولود من المرأة، مريم، التي هي أمنا، يمكننا أن نغتني بثقة في أن محبة الآب يمكن أن تُوهب لنا أيضاً،[4] لا بسبب أي بر فينا بل بالنعمة من خلال الإيمان الذي قدمه لنا الابن بطاعته للآب. لقد مهد الابن لنا الطريق بذبحيته الفدائية. والآن ينبغي لنا أن نتبع الابن، وأن نطيع الابن في وصيته أن نحب بعضنا بعضاً كما أحبنا هو. يعطينا الرب الإستنارة لنكون مستعدين دائماً لعمل الصلاح ومساعدة الآخرين بدافع المحبة للابن، فادينا. 

 



[1] Charles Pope, “Why Did the Second Person of the Trinity Become Incarnate Rather Than the Father or the Holy Spirit?” Community in Mission (Archdiocese of Washington Blog), December 19, 2016. Available at: https://blog.adw.org/2016/12/second-person-trinity-become-incarnate-rather-father-holy-spirit

[2] فيما يتعلق بإظلام الإدراك، يصفه القديس توما الأكويني وصفًا حسنًا في مقدمة الكتاب الرابع من Summa Contra Gentiles (الفقرة 3):

"من خلال هذه الطرق يمكن لإدراكنا أن يرتقي إلى معرفة الله. ولكن بسبب ضعف الإدراك، لسنا قادرين على معرفة الطرق نفسها معرفة كاملة. لأن الحِس، الذي تبدأ منه معرفتنا، ينشغل بالأعراض الخارجية، التي هي المحسوسات الخاصة؛ على سبيل المثال، اللون، والرائحة، وما شابه ذلك. ونتيجة لذلك، من خلال هذه الأعراض الخارجية، ينساق الإدراك بصعوبة للوصول إلى المعرفة الكاملة لطبيعة أدنى، حتى في حالة تلك الطبائع التي يستوعب أعراضها استيعابًا كاملًا من خلال الحِس. وبدرجة أقل بكثير سيصل الإدراك إلى استيعاب طبائع تلك الأشياء التي ندرك القليل من أعراضها بالحِس؛ وسيفعل ذلك بدرجة أقل في حالة تلك الأشياء التي لا يمكن استيعاب أعراضها بالحواس، وإن كان يمكن إدراكها من خلال آثار ناقصة معينة. ولكن، حتى لو كانت طبائع الأشياء ذاتها معروفة لنا، فلا يمكننا أن نملك سوى معرفة ضئيلة بنظامها، وفقًا لما يرتبها العناية الإلهية في علاقتها ببعضها البعض ويوجهها إلى الغاية، لأننا لا نصل إلى معرفة تدبير العناية الإلهية. إذا كنا إذن نعرف الطرق نفسها معرفة ناقصة، فكيف سنتمكن من الوصول إلى معرفة كاملة لمصدر هذه الطرق؟ ولأن هذا المصدر يتسامى فوق الطرق المذكورة أعلاه بلا قياس، فحتى لو كنا نعرف الطرق نفسها معرفة كاملة، فلن نملك في استيعابنا بعد معرفة كاملة للمصدر".

[3] "المسيح قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ" (1كو1: 24)، "الْمَسِيحِ يسوع الَّذِي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ وَبِرًّا وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً" (1كو1: 30)، وأنَّه "الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ." (كو2: 3) . بل هو المُعطي فمًا وكلامًا وحكمةّ وقد قال لتلاميذه " لأَنِّي أَنَا أُعْطِيكُمْ فَمًا وَحِكْمَةً لاَ يَقْدِرُ جَمِيعُ مُعَانِدِيكُمْ أَنْ يُقَاوِمُوهَا أَوْ يُنَاقِضُوهَا" (لو21: 15). ويقول الكتاب عنه: "لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِ بِغِنىً، وَأَنْتُمْ بِكُلِّ حِكْمَةٍ مُعَلِّمُونَ وَمُنْذِرُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، بِنِعْمَةٍ، مُتَرَنِّمِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ. وَكُلُّ مَا عَمِلْتُمْ بِقَوْلٍ اوْ فِعْلٍ، فَاعْمَلُوا الْكُلَّ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ" (كو3: 16-17).

[4] "لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ." (رو 8: 29).

"كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ، إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ،" (أف 1: 4-5)

"الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ. فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ وَهُوَ رَأْسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ." (كو 1: 15-18)

"وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ، وَلِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي، وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي." (يو 17: 22-23)

"فَيُجِيبُ الْمَلِكُ وَيَقُولُ لَهُمْ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ." (مت 25: 40)

"فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ." (رو 8: 17).

"لِمِيرَاثٍ لَا يَفْنَى وَلَا يَتَدَنَّسُ وَلَا يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ،" (1بط 1: 4)

"مَنْ يَغْلِبْ يَرِثْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَكُونُ لَهُ إِلَهًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا." (رؤ 21: 7)

"حَتَّى إِذَا تَبَرَّرْنَا بِنِعْمَتِهِ، نَصِيرُ وَرَثَةً حَسَبَ رَجَاءِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ." (تي 3: 7)


ليست هناك تعليقات: