الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

لماذا كان ابن الله، وليس الآب أو الروح، هو الذي صار إنسانًا: للقديس يوحنا الدمشقي

 


لماذا كان ابن الله، وليس الآب أو الروح، هو الذي صار إنسانًا:[1]

 

إن الآب هو آب[2] وليس ابنًا:[3] والابن هو ابن وليس آبًا: والروح القدس هو روح وليس آبًا أو ابنًا. لأن الخواص الأقنومية[4] غير متغيرة. وكيف، في الواقع، يمكن للخاصية الأقنومية أن تستمر في الوجود على الإطلاق إن كانت تتغير وتتعدل في أي وقت؟ لأجل هذا صار ابن الله ابنًا للإنسان لكي تثبت خاصيته الأقنومية. فإذ كان ابنًا لله، صار ابنًا للإنسان، متجسدًا من العذراء القديسة ومحتفظًا بخاصية البنوة الأقنومية دون أن يفقدها.[5]

علاوة على ذلك، صار ابن الله إنسانًا لكي يعيد منح الإنسان تلك النعمة التي لأجلها خلقه. فإنه خلقه على صورته، ومزودًا بالعقل والإرادة الحرة، وعلى مثال كماله، أي كاملًا في كل فضيلة إلى الحد الذي يمكن لطبيعة الإنسان أن تبلغ فيه الكمال. لأن الخواص التالية هي، إن جاز التعبير، سمات الطبيعة الإلهية:

أي غياب الهم والتشتت والمكر، ووجود الصلاح، والحكمة، والعدل، والحرية من كل رذيلة. فبعد أن جعل الإنسان في شركة مع نفسه (لأنه إذ صنعه لعدم الفساد،[6] قاده من خلال الشركة مع نفسه إلى عدم الفساد)، ولما كنا، علاوة على ذلك، من خلال تعدي الوصية قد بلبلنا ومحونا سمات الصورة الإلهية وصرنا أشرار، جُرِدنا من شركتنا مع الله (فَأَيُّ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟)[7] وإذ حُجبنا عن الحياة صرنا خاضعين لفساد الموت:

 

لماذا تجسد؟

 

نعم، فمنذ أن أعطانا أن نشترك في الجزء الأفضل ولم نحفظه آمنًا، شارك هو في الجزء الأدنى، أعني طبيعتنا، لكي يجدد من خلال نفسه وفي نفسه ذلك الذي صُنِعَ على صورته ومثاله،

ولكي يعلمنا أيضًا سلوك الحياة الفاضلة، جاعلًا الطريق إلى هناك سهلًا من خلال نفسه،

ولكي يخلصنا من الفساد بمنح الحياة، صائرًا هو نفسه باكورة قيامتنا،

ولكي يجدد الإناء الخزفي الرميم والبالي داعيًا إيانا إلى معرفة الله لكي يفدينا من طغيان إبليس، ولكي يقوينا ويعلمنا كيفية الإطاحة بالحاكم المستبد من خلال الصبر والتواضع.[8]

 

عطايا التجسد:

 

فحينئذ كفّت عبادة الشياطين:

وتَقَدَّسَت الخليقة بالدم الإلهي:

وأُطيح بمذابح الأصنام وهياكلها،

 وغُرِسَت معرفة الله في أذهان البشر،

وصار الثالوث المساوي في جوهره، اللاهوت غير المخلوق، الإله الواحد الحقيقي، الخالق ورب الكل، يتلقى خدمة البشر:

وصارت الفضائل تُمارَس،

وأُعطي رجاء القيامة من خلال قيامة المسيح،

وصرخت الشياطين رعبًا من أولئك البشر الذين كانوا قديماً تحت سلطاتها.

 

والعجب، في الواقع، هو أن كل هذا قد تم بنجاح من خلال صليبه وآلامه وموته. وفي كل الأرض كُرِزَ بـ إنجيل معرفة الله؛ دون استخدام حروب أو أسلحة أو جيوش لدحر العدو، بل فقط بواسِطة أفراد قليلين، عراة، فقراء، أُميين، مضطهدين ومعذبين، كانوا يحملون أرواحهم على أيديهم، كرزوا بذاك الذي صُلِبَ في الجسد ومات، وصاروا فاتحين وغالبين للعلماء والأقوياء.

لأن قوة الصليب القادرة على كل شيء كانت ترافقهم. والموت نفسه، الذي كان في وقت من الأوقات أعظم رعب للإنسان، قد أُطيح به، والآن فإن ما كان في وقت من الأوقات موضع بغض ومقت قد صار مُفضَّلًا على الحياة.

هذه هي إنجازات حضور المسيح: هذه هي علامات قدرته. فإنه لم يخلص شعبًا واحدًا، كما حدث عندما شق البحر من خلال موسى وأنقذ إسرائيل من مصر ومن عبودية فرعون؛[9] بل بالأحرى أنقذ البشرية جمعاء من فساد الموت وطغيان الخطيئة المرير: غير قائدٍ إياهم بالقوة إلى الفضيلة، ولا غامرًا إياهم بالأرض أو حارقًا إياهم بالنار، أو آمرًا برجم الخطاة، بل مقنعًا إياهم بالوداعة وطول الأناة ليختاروا الفضيلة ويتنافسوا مع بعضهم البعض، ويجدوا اللذة في الجهاد لنيلها.

ففي السابق، كان الخطاة هم الذين يُضطهدون، ومع ذلك كانوا يتشبثون بالخطيئة أكثر، وكانت الخطيئة تُعتبر إلهًا لهم: أما الآن فمن أجل التقوى والفضيلة يختار البشر الاضطهادات والصلب والموت.

السلام لك! أَيُّهَا المسيح، كلمة الله وحكمته وقوته، والله القادر على كل شيء! ماذا يمكننا نحن العاجزين أن نرد لك في مقابل كل هذه الصالحات؟ لأن الكل لك، وأنت لا تطلب منا شيئًا سوى خلاصنا، أنت الذي نفسك هو الواهب لهذا، ومع ذلك ممتن لأولئك الذين يقبلونه، من خلال صلاحك الذي لا يُنطق به. الشكر لك يا من وهبتنا الحياة، ومَنَحْتَنَا نعمة الحياة السعيدة، ورَدَدْتَنَا إلى ذلك، عندما ضللنا، من خلال تنازلك الذي لا يُنطق به.



[1] John of Damascus, Exposition of the Orthodox Faith, Book 4, Chapter 4: "Why it was the Son of God, and not the Father or the Spirit, that Became Man: and what Having Became Man He Achieved," in Nicene and Post-Nicene Fathers, Second Series, Vol. 9, ed. Philip Schaff and Henry Wace (Peabody, MA: Hendrickson, 1994), available at: https://biblehub.com/library/john/exposition_of_the_orthodox_faith/chapter_iv_why_it_was_the.htm

[2] Greg. Naz., Orat. 37; Fulg., De fid. ad Petrum; Thomas Aquinas, III., quæst. 3, Art. 6

[3] Greg. Naz., Orat. 39

[4] هي إديوتيس he idiotes، وباللاتينية proprietas، أي الخصوصية أو ما هو مميز لكل أقنوم.

[5] لنص اليوناني: كاي أوك إكستاس تيس هويكيس إديوتيتوس kai ouk ekstas tes huikokos idiotetos. والمخطوطة R. 1 تحتوي على: كاي أوك إكزستي تيس أويكياس إديوتيتوس kai ouk exeste tes oikeias idiotetos، والترجمة القديمة هي "et non secessit a propria proprietate".

[6] حكمة سليمان 2: 23.

[7] 2 كورنثوس 6: 14.

[8] Athan., De Incarn.; Cyril, In Joan., bk. i

[9] الخروج 14: 16.


ليست هناك تعليقات: