السبت، 8 أغسطس 2026

ما تفسير قول السيد المسيح: إلهي إلهي لماذا تركتني؟! (مت 27: 46؛ مر15: 34)




"وَفِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: «إِلُوِي، إِلُوِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» اَلَّذِي تَفْسِيرُهُ: إِلَهِي، إِلَهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" (مر 15: 34)

"وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: «إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» أَيْ: إِلَهِي، إِلَهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" (مت 27: 46)

"إِلَهِي، إِلَهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي، بَعِيدًا عَنْ خَلاَصِي، عَنْ كَلاَمِ زَفِيرِي؟" (داود النبي: مز 22: 1).

 

تذكير بالمزمور 22


كانت المزامير قديمًا في وقت السيد المسيح بدون أرقام، وكان يُعرف كل مزمور بأول جملة فيه، فمثلًا بدلًا من أن نقول نقرأ المزمور 22، كانوا يقولون نقرأ مزمور إلهي إلهي لما تركتني.

وهكذا في كل النصوص القديمة، فحتى يومنا هذا تُعرف عظات القديس شنودة رئيس المتوحدين بأول جملة فيها، مثل عظة: حدث في مثل هذا اليوم.. ولم تكن تعطى أرقام كما في أيامنا هذه.

فكان السيد في وقت صلبه يذكرهم بهذا المزمور الذي يتحدث بشكل تفصيلي نبوي من داود النبي عن صلب المسيا وموته وقيامته، وعمق آلام الصليب من ثقب اليدين والقدمين، وإحصاء العظام نتيجة التعلق على الصليب، والموت، الذي تبعه نصرة القيامة النهائية.

وهذا ما يؤكده القمص تادرس يعقوب:

فبهذه الصرخة يذكرهم بالمزمور الثاني والعشرين بكونها افتتاحيته، وقد جاء المزمور يصف أحداث الصلب. إنه بهذه الصرخة يقدم انذرًا أخيرًا لليهود كي يعيدوا النظر فيما يفعلون قبيل تسليم روحه، لعلهم يدركوا أنه المسيا محقق النبوات فيرجعون. [القمص تادرس يعقوب ملطي، سلسلة "من تفسير وتأملات الآباء الأولين"، مرقس 15]

ولعلّه بصرخته هذه أراد أن يوقظ الفكر اليهودي من نومه ليعود إلى المزمور الثاني والعشرين الذي بدأ بهذه الصرخة معلنًا في شيء من التفصيل أحداث الصلب. وكأنه أراد تأكيد أن ما يحدث هو بتدبيره الإلهي السماوي، سبق فأعلن عنه الأنبياء. [القمص تادرس يعقوب ملطي، سلسلة "من تفسير وتأملات الآباء الأولين"، متى 27]

ويقول القمص أنطونيوس فكري:

وإلهي إلهي لماذا تركتني هو الاسم العبري لـ(مزمور 22) الذي يتنبأ عن آلام المسيح ولو تذكر اليهود الذين يهزأون بالسيد كلمات هذا المزمور لوجدوها تنطبق عليه. [آلام المسيح والقيامة | دراسة في الأناجيل الأربعة - القمص أنطونيوس فكري، يوم الجمعة من أحداث أسبوع الآلام: 5- صلب يسوع المسيح]

وهذا ما يؤكده أيضًا كريج كينر:

إن صرخة يسوع هي اقتباس آرامي لـ (مزمور 22: 1)، والذي كان يُتلى أحياناً في هذا الوقت من اليوم في الصلاة، ولكنه يكتسب أهمية خاصة عندما يصلي به يسوع. إن السطر الأول من شأنه أن يستحضر هذا المزمور بأكمله الخاص بالبار المتألم—ورجائه في التدخل الإلهي. [Craig S. Keener and InterVarsity Press, The IVP Bible Background Commentary : New Testament (Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1993). Mk 15:34]

هنا يقتبس يسوع (مزمور 22: 1)، والذي ربما كان جزءاً من تلاوة النص الكتابي في هذا الوقت من اليوم. لا يتوقف معارضوه للتفكير في أن المزمور ينتهي بتبرئة المتألم وانتصاره (مزمور 22: 25-31). [Craig S. Keener and InterVarsity Press, The IVP Bible Background Commentary : New Testament (Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1993). Mt 27:46]

كما يُشير تفسير ESV إلى هذا المعنى أيضًا، مع التأكيد على أن الاقتباس الآرامي كان من الترجوم الآرامي لمزامير داود:

إيلي، إيلي، لما شبقتني؟ يقتبس يسوع (مزمور 22: 1). الكلمتان الأخيرتان باللغة الآرامية (اللغة اليومية التي يتحدث بها يسوع)، والكلمتان الأولى والثانية يمكن أن تكونا إما بالآرامية أو العبرية. إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟ في اقتباسه لـ (مزمور 22: 1)، من المحتمل أن يسوع يستحضر باقي المزمور أيضاً، والذي ينتقل إلى صرخة نصرة (مزمور 22: 21-31)؛ وهو يعبر عن الإيمان داعياً الله "إلهي". بالتأكيد إنه يعرف لماذا يموت، لأن هذا كان الهدف من مجيئه إلى الأرض (قارن متى 16: 21؛ 20: 18-19، 28). وبالتأكيد إن صرخته، التي نطق بها بصوت عظيم، لا تعبر عن حيرة من ظروفه، بل عن شهادة للحاضرين، ومن خلالهم للعالم، بأنه كان يختبر التخلي الإلهي [في شعوره بالآلام الحقيقية وليس ترك اللاهوت له] لا لأي شيء في نفسه بل لأجل خلاص الآخرين. بالتأكيد إن متى، بفهمه لهذا، يقتبس كلمات يسوع ليتحدى قرائه. [Crossway Bibles, The ESV Study Bible (Wheaton, IL: Crossway Bibles, 2008). 1886]

وهذا ما يُعيد تأكيده تمامًا تفسير زوندرفان:

لا يصيغ يسوع كلمات الصلاة بنفسه كما فعل في جثسيماني ("«يَا أَبَا»")؛ بل يستشهد بتعبير مأثور عن الضيق من (مزمور 22: 1). لا يمكن للمرء أن يتوقع من ضحية صلب أن يتلو مزموراً بأكمله، ولكن من الممكن أن الاستشهاد بالآية الأولى من المزمور يشير إلى المزمور بأكمله. وبدون إصحاحات وآيات لتحديد نصوص معينة، كان يتم الاستشهاد بالكلمات الأولى أو العبارات الرئيسية (انظر مرقس 12: 26). [Clinton E. Arnold, Zondervan Illustrated Bible Backgrounds Commentary Volume 1: Matthew, Mark , Luke. (Grand Rapids, MI: Zondervan, 2002). 302]

 

صيحة نصرة وليست شكوى


الكلمات تحمل المعنى في الماضي وليس في الحاضر، وعليه فإن السيد لم يكن يتحدث عن آلامه الحاضرة، بقدر ما كان -بروح النبوة- يتحدث عن النصرة الآتية حين يعبر هذه الآلام.

فهذه لم تكن صرخة هذيمة، بل صيحة إنتصار، قد تبعها قول المسيح: "قد أُكمِل"، أي أنه تمم النصرة الكاملة حيث استخدم الصليب كمعبر للقيامة والنصرة النهائية.

كما أن التعبير المميز: أسلم الروح، يوضح كيف أن هذا كان فعل إرادة، فالسيد أسلم روحه بإرادته كما سبق وقال: "لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا. هَذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي»." (يو 10: 18).

وكما يقول القمص تادرس يعقوب:

فالكلمات "إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟" لا تحمل لهجة اليأس كما قد يظن البعض فإن الابن لن ينفصل قط عن الآب، إنما أراد أن يبرز بشاعة الخطية التي حملها على كتفيه نيابة عنا، فجعلته كمن يسقط تحت الغضب وهو الابن المحبوب لديه. [القمص تادرس يعقوب ملطي، سلسلة "من تفسير وتأملات الآباء الأولين"، مرقس 15]

 ويقول ف ف بروس:

إلوي، إلوي، لما شبقتني: في حين أن الآرامية (مثل العبرية) غامضة، إذ يمكن ترجمتها "لماذا تركتني" [في الحاضر] أو "لماذا تركتني" [في الماضي]، فإن اليونانية لا يمكن أن تحمل شرعياً إلا معنى "لماذا تركتني؟" [في الماضي]. هذا الاقتران مع الصوت العظيم يرجح تركاً قد انتهى وهتاف المنتصر بدلاً من صرخة التخلي الحالي. وعلى أية حال، فإن صرخة المنتصر "«قَدْ أُكْمِلَ»" (يوحنا 19: 30) تظهر أن يسوع عرف أن النصرة قد تحققت قبل أن يسلم روحه. [F. F. Bruce, New International Bible Commentary (Grand Rapids, MI: Zondervan Publishing House, 1979). 1152]

 وجاء في تفسير زوندرفان:

إن يسوع يصلي بالكلمات الافتتاحية لمزمور المرثاة هذا، والذي عند قراءته حتى النهاية، لا يعبر فقط عن يأس مرير بل أيضاً عن ثقة فائقة. إن هذا التفسير لا ينكر الحسرة الحقيقية التي يختبرها يسوع، ولكنه يفهم صرخته كتعبير عن الثقة بأن الله سينهض ويبرئه في النهاية. [Clinton E. Arnold, Zondervan Illustrated Bible Backgrounds Commentary Volume 1: Matthew, Mark , Luke. (Grand Rapids, MI: Zondervan, 2002). 302]

 وفي تعليقات نيلسون:

لم تكن هذه صرخة هزيمة. كان المسيح يقتبس من (مزمور 22) وربما كان يشير إلى النصرة العظيمة التي يصفها المزمور. [Earl D. Radmacher, Ronald Barclay Allen and H. Wayne House, The Nelson Study Bible: New King James Version (Nashville: T. Nelson Publishers, 1997). Mt 27:46]

 

كيف لمن يشرف على الموت أن يصرخ بصوت عظيم!


من الغريب جدًا أن إنسانًا مرّ بكل آلام الجلد وحمل الصليب والسير به مسافة طويلة، والرفع على الصليب لست ساعات، أن يصرخ، وبصوت عظيم! هذا لا يدل إلا على أن هذه الصرخة ذاته هي بقدرة إلهية فائقة.

فالمصلوب مع الوقت لا يستطيع حتى أن يتنفس بشكل جيد، نتيجة وضع التعلق الذي يكون فيه، فمن الغريب أن بعد كل هذا الإنهاك والتعب الشديد والآلام أن يصرخ بصوت عظيم!

يقول القمص تادرس يعقوب:

بحسب الجسد كان السيد المسيح قد أُنهك تمامًا، ولم يكن ممكنًا في ذلك الوقت أن يصرخ هكذا، لكنه صرخ ليُعلن أنه ما يتم الآن بين أيديهم ليس عن ضعف، بل تحقيقًا لعمله الإلهي الذي سبق فأعلنه بأنبيائه. [القمص تادرس يعقوب ملطي، سلسلة "من تفسير وتأملات الآباء الأولين"، مرقس 15]

ويؤكد الأب أنطونيوس فكري:

صرخ يسوع بصوت عظيم= كان المسيح في النزع الأخير، ولو كان إنسانًا عاديًا ما استطاع أن يصرخ بصوت عظيم. فهذا يدل على لاهوته. وهو قال إلهي إلهي وهذا يدل على ناسوته. وبهذا دلَّ المسيح على أنه الإله المتأنس أو الله ظهر في الجسد. [آلام المسيح والقيامة | دراسة في الأناجيل الأربعة - القمص أنطونيوس فكري، يوم الجمعة من أحداث أسبوع الآلام: 5- صلب يسوع المسيح]

ومن ناحية أخرى فصراخه بصوت عظيم يدل على لاهوته فالمصلوب المتألّم لا يستطيع الصراخ بصوت عظيم، وقوله إلهي إلهي لماذا تركتني إشارة إلى أنه إنسان كامل تحت الآلام. فهذه الآية تشير للاهوته وناسوته. [آلام المسيح والقيامة | دراسة في الأناجيل الأربعة - القمص أنطونيوس فكري، يوم الجمعة من أحداث أسبوع الآلام: 5- صلب يسوع المسيح]

ويقول كارسون:

المصلوبون عادةً ما يغرقون تدريجياً في فقدان الوعي بعد ساعات كثيرة، بل وأيام، من العذاب. ومع ذلك، فإن موت يسوع يُوصَف وكأنه هو نفسه في سيطرة كاملة: أسلَمَ الرُّوحَ هو تعبير غير عادي، يرجح أنه فعل إرادة. [D. A. Carson, New Bible Commentary : 21st Century Edition, 4th ed. (Leicester, England;  Downers Grove, Ill., USA: Inter-Varsity Press, 1994). Mt 27:45]

 

كنائب وممثل للبشرية


إنه كممثّل للبشريّة التي سقطت تحت سلطان الظلمة يصرخ في أنين من ثقلها كمن هو في حالة ترك، قائلًا: "إلهي إلهي لماذا تركتني؟" فإذ أحنَى السيِّد رأسه ليحمل خطايا البشريّة كلها صار كمن قد حجب الآب وجهه عنه، حتى يحكم سلطان الخطيّة بدفع الثمن كاملًا، فيعود بنا إلى وجه الآب الذي كان محتجبًا عنّا. [القمص تادرس يعقوب ملطي، سلسلة "من تفسير وتأملات الآباء الأولين"، متى 27]

المسيح هنا كممثل للبشرية التي سقطت تحت سلطان الظلمة يصرخ في أنين من ثقلها كمن في حالة ترك، فإذ أحنى السيد رأسه ليحمل خطايا البشرية كلهما صار كمن قد حجب الآب وجهه عنه حتى يحطم سلطان الخطية بدفع الثمن كاملًا، فيعود بنا نحن البشر إلى وجه الآب الذي كان محتجبًا عنا. [آلام المسيح والقيامة | دراسة في الأناجيل الأربعة - القمص أنطونيوس فكري، يوم الجمعة من أحداث أسبوع الآلام: 5- صلب يسوع المسيح]

 

ليست هناك تعليقات: