السبت، 8 أغسطس 2026

القراءات في مخطوطات العهد الجديد هل تعني التحريف؟!

 



إدوارد أندروز[1]

 

أنواع القراءات المتباينة

 

نظرًا لأن العهد الجديد قد نُسِخَ يدويًا عبر قرون عديدة، فقد كان وقوع الاختلافات بين المخطوطات أمرًا لا مفر منه. وتُسمى هذه الاختلافات بالقراءات المتباينة. وهي تنشأ عن مجموعة محدودة نسبيًا من الأسباب. فالعديد من القراءات هي مجرد اختلافات هجائية بسيطة أو صِيَغ تبادلية للكلمات، ولا سيما في لغة مثل اليونانية حيث تغيرت أعراف الهجاء عبر الزمن. وتُسمى هذه غالبًا بظاهرة الإيتاكيزم (itacisms - النطق الإيتي) وقلمّا تؤثر في المعنى.

كما تُعد القراءات في ترتيب الكلمات شائعة أيضًا، نظرًا لأن ترتيب الكلمات في اليونانية مرن، ويمكن للترتيبات المختلفة أن تُعبّر عن المعنى الأساسي نفسه.

وتستند القراءات الأخرى إلى السهو أو الإضافة غير المقصودة. فقد تقفز عين النسّاخ من ورود كلمة أو عبارة إلى ورود آخر مشابه لها في لاحق السطر أو في السطر التالي، فيسقط ما بينهما من مادة نصية. وتُعرف هذه الظاهرة بالهومويوتيليوتون (homoioteleuton – النهايات المتشابهة) أو الهومويواركتون (homoiarchton – البدايات المتشابهة)، اعتمادًا على ما إذا كانت المقاطع المتشابهة تقع في نهايات الأسطر أم في بداياتها. وتحدث أيضًا المشكلة العكسية؛ أي التكرار غير المقصود.

بينما تعكس بعض القراءات تغييرات متعمدة: إذ قد يحاول النسّاخ التوفيق بين الروايات المتوازية، أو إيضاح صعوبة ظاهرة بإضافة عبارة شارحة، أو تعديل الصياغة لتتوافق مع الاستخدام الليتورجي أو التفضيل العقيدي. والتغييرات المتعمدة أكثر ندرة ولكنها قد تكون أكثر أهمية.

وتصل تقديرات إجمالي القراءات عبر جميع المخطوطات إلى مئات الآلاف، ولكن هذه الأرقام يُساء فهمها بسهولة. فعندما يضع المرء في الاعتبار وجود ستة آلاف مخطوطة يونانية، إلى جانب آلاف الترجمات والاقتباسات الآبائية، فإن أي اختلاف صغير يتضاعف عدديًا عبر العديد من الشواهد. وتُعد الغالبية العظمى من القراءات المبدلة زهيدة ولا تؤثر في الترجمة أو العقيدة. ولا توجد إلا فئة فرعية صغيرة تستحق المناقشة الجادة، وفي معظم تلك الحالات، ترجح الأدلة الخارجية بقوة قراءة واحدة. وفي عدد ضئيل جدًا من المواضع، تظل الأدلة متوازنة بدقة، ولكن حتى هناك، لا تنشئ القراءات البديلة أي تعليم أساسي في العهد الجديد ولا تلغيه.

 

ما الضمان لعدم تغير العهد الجديد؟

 

إن مسألة الضمان ترتبط بكل من الحقائق التاريخية واليقين اللاهوتي.

فمن الناحية التاريخية، يستند الضمان إلى الكثرة الهائلة لشواهد النص، وجودتها، وانتشارها الجغرافي. فالعهد الجديد مدعوم بزهاء ستة آلاف مخطوطة يونانية، وآلاف أخر بالترجمات القديمة، وجسد ضخم من الاقتباسات لدى الكُتَّاب المسيحيين [الآباء]. ومن بين هذه الشواهد برديات مبكرة ترجع إلى مدى قرن من كتابة أخر أسفار العهد الجديد، وكودكسات رئيسية من القرن الرابع تقدم نصًا قريبًا جدًا بالفعل من الطبعات النقدية الحديثة. وتجعل هذه الثروة التوثيقية نص العهد الجديد أوفر الأعمال توثيقًا في العصور القديمة بفارق كبير.

ولأن المخطوطات متعددة ومتنوعة جغرافيًا، فإنها لا تقدم صورة للتطور غير المنضبط أو التلاعب العقيدي. وبدلاً من ذلك، فإنها تكشف عن نص جوهري ثابت مع وجود اختلافات في التفاصيل الزهيدة في الغالب. وعندما تُفهرَس القراءات وتُقَارَن، تُدرَك الغالبية العظمى منها فورًا على أنها زهيدة: اختلافات هجائية، وتغييرات في ترتيب الكلمات لا تؤثر في المعنى، وزلات القلم الظاهرة، أو الاختلافات الأسلوبية التي تترك العقيدة دون مساس. وحيث توجد قراءات أكثر أهمية، مثل الخاتمة المطولة لإنجيل مرقس أو قصة المرأة التي أُمسِكَت في زنى، تكون الأدلة واضحة بدرجة كافية تجعل الطبعات الحديثة قادرة على تمييزها كإضافات متأخرة، مما يتيح للقُرَّاء والمترجمين التعامل معها بمسؤولية.

ومن وجهة نظر لاهوتية، لا يعتمد الضمان على نظرية الحفظ المعجزي المرتبطة بطبعة مطبوعة متأخرة معينة. فالكتاب المقدس نفسه يعلّم أن يهوه ائتمن شعبه صاحب العهد على كلماته، والذين كانوا مسؤولين عن نسخها وقراءتها وطاعتها. ويثبت العهد الجديد أن "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ" (2 تيموثاوس 3: 16)، وأن الكتب المقدسة القادرة أن "تُمَكِّنَكَ لِلْخَلاَصِ، بِالإِيمَانِ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (2 تيموثاوس 3: 15). وإن العملية التي نُقِلَت بها هذه الكتابات تتوافق مع طريقة عمل يهوه العادية في التاريخ: من خلال العناية الإلهية بالوسائل العادية. ووجود القراءات لا يلغي الوحي؛ بل إن القدرة على تحديد القراءات الثانوية وتصحيحها تؤكد أن النص الأصلي الموحى به ما زال متاحًا.

وتعبر الطبعات النقدية الحديثة مثل NA28 وUBS5 عن هذا الضمان بصورة عملية. فهي تجسد عقودًا من العمل الدقيق من قبل علماء يحترمون الكتاب المقدس ويطبقون معايير صارمة على الأدلة. والنص الذي يطبعونه مدعوم بأغلبية ساحقة من أقدم المخطوطات وأفضلها. وفي تلك المواضع القليلة نسبيًّا حيث يظل الشك الفعلي قائمًا، تكون القراءات المحتملة معروفة وموثقة، ولا تُدخِل أي منها عقيدة مسيحية جوهرية ولا تلغيها. ولذلك، فإن المؤمن الذي يقرأ ترجمة موثوقة تعتمد على النص النقدي الحديث قد يثق بأنه يستمع إلى الرسالة الموحى بها نفسها التي أعطاها يهوه من خلال رسله ومبشريه في القرن الأول.

ولا يتطلب الضمان غياب جميع الأسئلة؛ بل يستند إلى الإدراك بأن الأسئلة محددة، ومحصورة، وممكنة المعالجة بأدوات نقد النص. إن التوافق الكثيف للشواهد المبكرة، والتوافق بين البرديات والكودكسات الرئيسية، والشهادة المؤكدة للترجمات القديمة والاقتباسات الآبائية، وانفتاح الطبعات الحديثة توفر معًا أساسًا عقلانيًا قويًا للثقة. إن يهوه، في حكمته، قد حفظ العهد الجديد ليس بحمايته من واقع النسخ العادي، بل بإعطاء شعبه وفرة من الأدلة التي يمكن من خلالها التعرف على النص الأصلي، واسترداده عند الضرورة، وإعلانه بأمانة.

 



[1] إدوارد د. أندروز (Edward D. Andrews) (حاصل على دبلوم المشارك في العدالة الجنائية، وبكالوريوس في الدين، وماجستير في الدراسات الكتابية، وماجستير في اللاهوت) هو الرئيس التنفيذي ورئيس "دار النشر المسيحية" (Christian Publishing House). وقد أَلَّفَ أكثر من 220 كتابًا. بالإضافة إلى ذلك، فإن أندروز هو المترجم الرئيسي لـ "الترجمة الأمريكية القياسية المُحَدَّثَة" Updated American Standard Version (UASV).

Edward Andrews. “Manuscripts of the Greek New Testament.” Updated American Standard Version, November 16, 2025. Accessed August 8, 2026. https://uasvbible.org/2025/11/16/manuscripts-of-the-greek-new-testament/


ليست هناك تعليقات: