الأربعاء، 19 أغسطس 2026

الأقنوم/الشخص وفقًا لأغسطينوس

 

الأقنوم/الشخص وفقًا لأغسطينوس[1]

 

ثمة معنيان رئيسيان ومترابطان إرتباطًا وثيقًا لمفهوم «الأقنوم». المعنى الأولي هو المعنى اللاهوتي، والمتعلق بأقانيم الثالوث الثلاثة في طبيعة واحدة. أما المعنى المشتق فهو ذلك الذي يشير إلى كل كائن بشري فرد بوصفه شخصًا. وإن المعنى الذي نندرِج تحته لـ«الشخص» يمكن أن ينقسم إلى قسمين: ما يميز الأشخاص البشر عن سائر الأشياء الأخرى، وما يجعل كل شخص فردًا فريدًا ومختلفًا عن جميع الآخرين من الجنس نفسه.

إن كلمة «Person» تتطابق مع اللاتينية persona، وربما تكون مشتقة من اليونانية prosopon (وجه/شخص). المعنى الأولي لكلمة persona هو «قناع، يُصنع عادة من الطين»؛ ومن ثم يُعتقد أن كلمة persona مرتبطة بالفعل persono، الذي يعني «أن يصوت من خلال» أو «أن يرن/يدوي». أما المعاني الأكثر مجازية لكلمة persona فهي «دور، أو جزء، أو شخصية»، أو بشكل أعم «دور أو شخصية يُضطلع بها سواء في العالم أو في كتاب». وتُستخدم كلمة persona في أعمال شيشرون لتفيد معنى الفرد أو الشخصية.

يقارن أغسطينوس بين صيغته اللاتينية لعقيدة الثالوث—والتي مفادها أن الله جوهر واحد أو كائن واحد، بالإضافة إلى ثالوث يتألف من ثلاثة أقانيم (Trin. 5.9.10; 7.4.7; 15.22.42)—وبين الصياغة اليونانية، حيث الله جوهر واحد، والآب والابن والروح القدس هم ثلاثة أقانيم (hypostases أو substances بحسب ترجمته اللاتينية). ويؤكد أنه لا يوجد فرق بين الـousia (الجوهر/الكيان)، والـhypostasis (الجوهر/القوام/الأقنوم) (5.8.9–10). ولا يقدم أغسطينوس أبدًا التعريف التحليلي لمفهوم «الأقنوم» الذي قد نطمح إليه؛ بل يقول إننا نقول «ثلاثة أقانيم» لكي نوضح ما نعنيه بـ«الثالوث» ولكي نتمكن من قول شيء ما (7.6.11). وليس المطلوب منا أن نقول أكثر من: «في الواقع، ليس شيء أن تكون إلهًا وشيء آخر أن تكون أقنومًا، بل هما أمر واحد وعين الشيء تمامًا» (7.6.11). فالآب والابن والروح القدس يشتركون في ما يعنيه مفهوم الأقنوم (7.4.7). وبناء عليه، ففي حالة الله، لا تنفصل الأقنومية عن الجوهر أو الوجود. «ومع ذلك، فإننا نقول ثلاثة أقانيم من الجوهر نفسه، أو ثلاثة أقانيم لجوهر واحد: بيد أننا لا نقول ثلاثة أقانيم ناتجة من الجوهر نفسه، وكأن الجوهر شيء والأقنوم شيء آخر» (7.6.11). ولكن بما أن للمصطلحات معان مختلفة، فلابد من بيان المزيد.

من المهم أن نضع في الاعتبار أن المعنى الذي ينطبق على أقانيم الثالوث هو المعنى الأساسي؛ ومن ثم، ينبغي تحليله بمعزل عن الأفكار المتعلقة بما يشكل الشخص البشري.

علاوة على ذلك، فإن معايير تشخص/تفريد الأقانيم في الثالوث تختلف عن تلك التي تنطبق على الكائنات البشرية. فلا يمكن تسمية ثالوث من الكائنات البشرية شخصًا واحدًا، ولكن الثالوث الإلهي للأقانيم يُدعى وهو بالفعل إله واحد.

وفي الله، وبشكل مفارقي ومحيّر، تكون الأقانيم أفرادًا وغير منفصلين في الوقت نفسه؛ فهم جوهرًا إلهيًا واحدًا وفي جوهر واحد (5.3.4)، بينما يظل تمايز الأقانيم الثلاثة قائمًا (7.2.3). فالآب والابن والروح القدس ليسوا ثلاثة أنواع من جوهر واحد، ولا تشبه علاقتهم نوعًا ينقسم إلى أفراد. والأقانيم الثلاثة متساوون دائمًا (15.23.43). وإن غياب التنوع في طبيعة في الله المثلث الأقانيم يجعل «الأقنوم» الاسم النوعي أو الجنسي للثلاثة؛ فهم من حيث الجنس ثلاثة أقانيم، ومع ذلك، ليسوا ثلاثة آلهة لأن الكتاب المقدس يسمح بالأولى ولا يسمح بالثانية (7.4.8–9).

ويتضح وضع الأقانيم الإلهية أكثر من خلال الطريقة التي يُقال بها إن المحمولات تنطبق على الثالوث كإله واحد وكثلاثة أقانيم. ويتضمن هذا البحث نظرية في الحمل والكليات تُوثق—إن لم يكن التطابق التام مع مقولات أرسطو الذي تفاخر به في الاعترافات (4.16.28)—فعلى الأقل دراية كبيرة بالمشكلات المطروحة هناك. فالعلاقات بين الأقانيم في الثالوث ليست جوهرية ولا عرضية، بل هي من نوع خاص فريد (sui generis). وبما أنه لا يوجد سوى جوهر إلهي واحد، فلا يوجد اختلاف جوهري بين أقانيم الثالوث، وليس للواحد منهم جوهر فردي منفصل. وما ينطبق على جوهر الآب ينطبق أيضًا على جوهر الابن، إذ هما جوهر واحد بسيط للغاية (summe simplex essentia) (Trin. 7.1.2؛ أيضًا 6.3.5؛ 6.5.7).

و«الأقنوم» ينطبق أيضًا على جوهر الثالوث (7.6.11؛ 8). فأقنوم الآب هو ببساطة جوهر الآب. ومع ذلك، فإن المحمولات التي تُطبق على الآب وحده تشير دائمًا إلى العلاقة مع الابن. وبما أنه لا يوجد أعراض في الله، فإن هذه المصطلحات الإضافية/العلاقية التي تشير إلى أقانيم الثالوث ليست عرضية أيضًا. فكل أقنوم في الثالوث هو إذن غير عرضي (5.11.12؛ 5.13.14؛ 7.1.2). والمحمولات الأخرى التي تُطبق على الأقانيم في الثالوث هي أيضًا إضافية دائمًا، وإن لم تكن عرضية (5.11.12؛ 6.2.3). ويجمع موقف أغسطينوس بين الإملاءات الكتابية والمنطق الأرسطي وقدر كبير من الأفلاطونية؛ ومن ثم فليس من الواضح ما إذا كان هذا الموقف مرضيًا من الناحية الفلسفية (Lloyd 1972).

وفي محاولة لبسط كيفية كون الأشخاص البشر على صورة ثالوث الأقانيم الإلهية بمزيد من الدقة، يجد أغسطينوس أنواعًا متعددة من الثالوث داخل النفس (Trin. 9–15). وتوجد خلاصة لصور الثالوث في الشخص في كتاب عن الثالوث (14.7.10). وأهمها هو الذاكرة، والفهم، والإرادة أو المحبة، وهو ثالوث يخص الإنسان الباطن (Trin. 15.7.11). وهذا الثالوث وحده، الذي يستطيع الذهن بواسطته أن يعرف الله، هو الذي يكون بحق على صورة الله (14.8.11). «لأن "الأقنوم/الشخص" اسم جنس، لدرجة أنه حتى البشر يمكن أن يُدعوا بهذا الاسم، على الرغم من الفجوة العظيمة بين الكائنات البشرية والله» (7.4.7؛ انظر أيضًا 15.7.11). فالأشخاص البشر مصنوعون على صورة الثالوث ككل، وليس على صورة أي أقنوم معين منه (12.6.7). ووجود ثالوث في الذهن لا ينقص من كونه ذهنًا واحدًا؛ والأفضل وصف ذلك بأن للذهن وظائف متعددة (10.11.18؛ 12.4.4). وتتضح هذه النقطة أكثر من خلال حقيقة أنه على الرغم من أن الذاكرة والفهم والإرادة تبدو لنا ثلاثة أشياء مختلفة، فإنها في الله جميعًا واحد. وكل أقنوم من أقانيم الثالوث يمتلك هذه الجوانب الثلاثة في طبيعته الخاصة (15.17.28).

وكون الأشخاص الأفراد مسكنًا لله يجعلهم متميزين ومتفوقين على بقية الخليقة. وباقتران ذلك بكون الأشخاص البشر مخمورين/مخلوقين على الصورة الإلهية، وبالمفهوم التجسدي القائل بأن الله اختار أن يصير شخصًا بشريًا، يُمُنح الأشخاص البشر أعلى مكانة بين جميع الخلائق على الأرض.



[1] Sheri Katz, "Person", Augustine Through the Ages: An Encyclopedia, ed. Allan D. Fitzgerald (Grand Rapids, MI; Cambridge, U.K.: William B. Eerdmans Publishing Company, 1999). 649


الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

هل التجسد هو عمل الابن فقط؟ للقديس أغسطينوس

 


هل التجسد هو عمل الابن فقط؟[1]

القديس أغسطينوس

 

بهذا الإيمان نتمسك بسهولة وباجتهاد شديد أن الآب والابن والروح القدس هم ثالوث غير قابل للانفصال. إله واحد وليس ثلاثة آلهة. ولكن هو إله واحد بحيث إن الابن ليس هو الآب، والآب ليس هو الابن، والروح القدس ليس الآب ولا الابن، لكنه روح الآب وروح الابن. هذه الألوهة غير الموصوفة، باقية دائمًا في ذاتها، وتجعل كل شيء جديدًا، وتخلق، وتجدد، وترسل، وتدعو، وتدين، وتخلص، وأقول إن هذا الثالوث نعلم أنه غير موصوف وغير قابل للانفصال في آن واحد...

لذلك حينما أجرد ذهني من تعددية الأشياء، وأركزه على الإله الواحد، الثالوث غير المنفصل، كي أرى شيئًا أتكلم عنه، وبالنظر إلى هذا الجسد الذي ”يُثَقِّلُ النَّفْسَ“، (ولكي أحدثكم بشيء جدير بالموضوع) يتوجب عليّ أن أقول: ”إِلَيْكَ يَا رَبُّ أَرْفَعُ نَفْسِي“ (مز 25: 1). ليت الله يعينني، ليته يرفعها معي. لأنني واهنٌ جدًا بالنسبة له، وهو بالنسبة لي قديرٌ جدًا.

يطرح الناس أسئلة مثل: ”هل يفعل الآب أي شيء لا يفعله الابن؟ أو هل الابن يفعل أي شيء لا يفعله الآب؟“

دعونا نتحدث أولاً عن الآب والابن. ومتى يمنحنا مَن نقول له ”كُن لي معينًا... ولا تتركني“[2] نجاحًا جيدًا لمقالنا هذا، حينئذٍ سنفهم كيف أن الروح القدس أيضًا ليس منفصلاً بأي شكل عن عمل الآب والابن. وبالتالي أيها الأخوة بالنسبة للآب والابن انصتوا. هل الآب يفعل أي شيء بدون الابن؟ إجابتنا: لا؟ هل تشكون في هذا؟ لأنه ما الذي يفعله بدون الذي ”كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ“؟ فيقول الكتاب المقدس ”كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ“. وحتى تنطبع في ذهن البطيئين والقساة ومحبي الجدل أضاف ”وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ“ (يو 1: 3).

(5) ماذا بعد أيها الأخوة؟ ”كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ“. وبالتالي نفهم من هذا أن كل الخليقة التي صنعت بالابن، صنعها الآب بكلمته، أي الله، بقوته وحكمته.[3] هل سنقول بعد ذلك ”كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ“ حين خلق، لكن الآب لا يفعل كل شيء به؟ حاشا لله! لتبعُد هذه الفكرة عن قلوب المؤمنين.

لكن دعونا نبين بشهادة الكتاب المقدس ذاته أنه ليس فقط كل شيء قد خُلق وصُنع به كما اقتبسنا من الإنجيل ”كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ“ (يو 1: 3)، وإنما كل الأشياء التي صنعت به تُدبر وتُرتب بواسطته. أنتم تقرون إذن أن المسيح هو قوة وحكمة الله. وتقرون أيضًا ما يقال عن الحكمة ”إِنَّهَا تَبْلُغُ مِنْ غَايَةٍ إِلَى غَايَةٍ بِالْقُوَّةِ، وَتُدَبِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِالرِّفْقِ“ (حك 8: 1). فلا نشك أن كل الأشياء تُحكم بواسطته، وهو الذي به صُنعت كل الأشياء. وبالتالي فالآب لا يفعل شيئًا بدون الابن ولا الابن بدون الآب.

(6) لكن هناك صعوبة تواجهنا، وقد تكفلنا بحلها باسم الرب ومشيئته. إذا كان الآب لا يفعل شيئًا بدون الابن، ولا الابن بدون الآب، ألا يتبع ذلك أننا لا بُد أن نقول إن الآب قد ولد أيضًا من العذراء مريم، وقد تألم الآب على يد بيلاطس البنطي، وقام الآب ثانية وصعد إلى السماء؟ حاشا لله! نحن لا نقول بهذا، لأننا لا نؤمن بذلك. ”آمَنْتُ لِذلِكَ تَكَلَّمْتُ، نَحْنُ أَيْضًا نُؤْمِنُ وَلِذلِكَ نَتَكَلَّمُ أَيْضًا“ (2كو 4: 13). ماذا يتضمن قانون الإيمان؟ أن الابن ولد من عذراء، وليس الآب. ماذا يرد في قانون الإيمان؟ أن الابن تألم على يد بيلاطس البنطي ومات، وليس الآب. هل نسينا أن البعض نُعتوا بـ”مؤلمي الآب“ عندما أسأوا فهم هذا، وقالوا إن الآب نفسه قد ولد من امرأة، وأن الآب نفسه تألم، وأن الآب هو نفسه الابن، وهما اسمين فقط، وليس شيئين (أقنومين)؟ وهؤلاء عزلتهم الكنيسة الجامعة عن جماعة القديسين، حتى لا يضلوا أي أحد، بل ليتجادلوا بعيدًا عنها.[4]

 

هل التجسد والفداء والقيامة هو عمل الابن فقط؟

 

(7) دعنا إذن نتذكر صعوبة السؤال على أذهانكم. قد يقول أحدهم لي: ”قلتَ إن الآب لا يفعل شيئًا بدون الابن، ولا الابن بدون الآب، والشهادات التي استخرجتها من الكتب المقدسة بأن الآب لا يفعل شيئًا بدون الابن، لأن ”كُلّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ“، ومرة أخرى أن كل شيء كان لم يُدبر بدون الابن، لأنه هو حكمة الآب الذي ”تَبْلُغُ مِنْ غَايَةٍ إِلَى غَايَةٍ بِالْقُوَّةِ، وَتُدَبِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِالرِّفْقِ“، والآن أنت تخبرني كما لو كنت تناقض نفسك أن الابن ولد من العذراء وليس الآب، والابن تألم وليس الآب، والابن قام ثانية وليس الآب. هنا أرى الابن فاعلاً شيئًا بدون الآب، وإلا فإن الآب قد ولد أيضًا وتألم ومات وقام ثانية. فلتقل أحدهما، اختر أحد الاثنين“.

لا، لن أختار أيهما، ولن أقول بأحدهما. لن أقول إن الابن يفعل شيئًا بدون الآب، لأنني سأكذب إن قلت هذا. ولن أقول إن الآب ولد وتألم ومات وقام ثانية، لأنني سأكذب بالمثل إن قلت هذا. ”كيف إذن ستحرر نفسك من هذا المأزق؟“

(8) ... أقول الآتي: الابن فعلاً وليس الآب هو الذي ولد من العذراء مريم، لكن هذا الميلاد نفسه الذي للابن، وليس الآب، هو عملُ كلٍّ من الآب والابن. الآب فعلاً لم يتألم بل الابن، إلا أن هذا التألم الذي للابن كان عملَ الآب والابن. الآب لم يقم ثانيةً بل الابن، إلا أن قيامة الابن كانت عمل الآب والابن.

... دعنا نرى ألا يتفق هذا مع الكلام الإلهي أم لا. دوري الآن إذن أن أبرهن بشهادات الأسفار المقدسة أن ميلاد الابن وصلبه وقيامته كانوا بنوعٍ ما أعمالاً للآب والابن، بحيث بينما هم ميلاد وصلب وقيامة الابن فقط، إلا أن هذه الأشياء الثلاثة التي تخص الابن فقط، لم تُصنع بالآب فقط، ولا بالابن فقط، بل بالآب والابن.

دعنا نبرهن على كل نقطة، وأنتم تستمعون كقضاة. القضية قد عُرضت بالفعل. الآن دعنا نُدخل الشهود. اسمحوا لحكمكم أن يقول لي، كما يُقال عادةً للملتمسين في قضية ما ”البينة على مَن ادعى“. سأفعل هذا بالتأكيد بعون الرب، وسأقتبس من أسفار الشريعة السماوية.

 

تجسد الابن هو عمل الثالوث

 

(9) لا بُد أن أعلمكم أولاً بشأن ميلاد المسيح، وكيف أنه عمل الآب والابن، برغم أن ما فعله الآب والابن يُنسب للابن فقط. سأقتبس من بولس، وهو ضليع وبارع في الشريعة الإلهية...

إنه يقول: ”وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوس“ (غل 4: 4). هكذا سمعتم ما قاله، وفهمتهموه لأن ما قاله واضح ومباشر. انظروا، الآبُ جعلَ الابنَ يُولد من عذراء. لأنه ”لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ“، الآبُ أرسل مسيحه. كيف أرسله؟ ”مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوس“. الآبُ إذن جعله من امرأة تحت الناموس...

(11) لقد أثبتنا إذن أن ميلاد الابن كان عمل الآب، الآن دعونا نثبت أنه كان عمل الابن أيضًا. ما هو ميلاد الابن من العذراء مريم؟ بالتأكيد هو اتخاذه صورة عبد في رحم العذراء. هل ميلاد الابن يمكن أن يكون شيئًا آخر سوى اتخاذه صورة عبد في رحم العذراء؟ فلتسمعوا الآن أن هذا كان عمل الابن أيضًا: ”الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا للهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ“ (في 2: 6-7)، ”لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ“ (غل 4: 4)، ”ابْنِهِ الَّذِي صَارَ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ الْجَسَدِ“ (رو 1: 3). وبالتالي نرى في هذا أن ميلاد الابن كان عمل الآب أيضًا. لكن عندما نقرأ أيضًا أن الابن نفسه ”أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ“، فإننا نرى أن ميلاد الابن كان عمل الابن نفسه أيضًا. وبالتالي نكون قد أثبتنا هذا. دعنا إذن ننتقل من هذه النقطة، واسمعوا بانتباه ما يأتي بعد ذلك.

 

الفداء عمل الثالوث

 

(12) فلنبرهن الآن على أن آلام الابن أيضًا كانت عمل الآب والابن. ربما نرى أن آلام الابن هي عمل الآب إذ إنه مكتوب: ”اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ (أسلمه) لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ“ (رو 8: 32)، ونرى أن آلام الابن كانت عمل الابن أيضًا ”الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي“ (غل 2: 20). لقد أسلم الآبُ الابنَ، والابنُ أسلم نفسه. الآلام نفسها نُفذت لواحدٍ، لكن بكليهما. ومثل الميلاد هكذا آلام المسيح لم تكن عمل الابن بدون الآب، ولا عمل الآب بدون الابن. الآبُ أسلم الابن، والابن أسلم ذاته.

(13) دعنا نرى أن الابن فعلاً، وليس الآب، هو الذي قام ثانية، لكن كلاً من الآب والابن كانا عاملين في قيامة الابن. قيامة الابن هي عمل الآب، لأنه مكتوب ”لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ“ (في 2: 9). ومِن ثَم فقد أقام الآبُ الابنَ إلى الحياة ثانية عندما رفعه وأنهضه من بين الأموات. فهل أقام الابن نفسه أيضًا؟ بالتأكيد نعم. لأن الابن تحدَّث عن الهيكل كرمز لجسده قائلاً: ”انْقُضُوا هذَا الْهَيْكَلَ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ“ (يو 2: 19). أخيرًا كما أن بذل الحياة يشير إلى الآلام، كذلك استرجاعها يشير إلى القيامة.

دعونا نرى إذن أنه إذا كان الابن قد وضع حياته فعلاً، والآب استعاد له حياته، وليس هو الذي استعادها لنفسه. لأن استعادة الآب لحياة ابنه أمر واضح؛ لأنه هكذا يقول المزمور: ”أَقِمْنِي، فَأُجَازِيَهُمْ“ (مز 41: 10). لكن لماذا تنتظرون مني برهانًا على أن الابن أيضًا قد استعاد حياته لنفسه؟ فليتحدث هو بنفسه: ”لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا“، وأنا لم أقل بعد ما وعدت به، لأني قلت ”أَنْ أَضَعَها“، وأنتم تصيحون بالفعل لأنكم تستبقوني. لأنكم إذ أنتم متعلمون في مدرسة معلمكم الروحاني لأنكم تصغون بانتباه، وفي حب تقوي تحفظون وتكررون، ما يقرأ، فإنكم لا تجهلون بقية النص، فيقول ”لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا... لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا“.[قارن (يو 10: 18-17)]

(14) لقد وفيت ما وعدت به. ولقد أثبت فرضياتي بأقوى البراهين والشهادات في رأيي. تمسكوا إذن بما سمعتموه.

سألخص ما قلته بإيجاز، وسأودعه ليُخزَّن في أذهانكم كشيء له أعظم النفع في رأيي.

الآبُ لم يولد من العذراء، ومع ذلك فميلاد الابن من العذراء كان عملَ كلٍّ من الآب والابن. ولم يتألم الآب على الصليب، غير أن آلام الابن كانت عملَ كلٍّ من الآب والابن. ولم يقم الآب من الأموات، إلا أن قيامة الابن كانت عمل كل من الآب والابن. ترون إذن تمايزًا بين الأقانيم، وعدم قابلية لانفصال العمل. وبالتالي دعنا لا نقول إن الآب يعمل أي شيء بدون الابن، ولا الابن يعمل أي شيء بدون الآب.

لكن ربما تجدون صعوبة بشأن المعجزات التي فعلها يسوع، لربما قد فعل بعضها التي لم يفعلها الآب! أين إذن هذا القول ”الآب الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ“ (يو 14: 10)؟ كل ما قلته إذن كان واضحًا، ولم توجد حاجة مُلحة لذكره. ولم توجد ضرورة لكثير من التعب حتى يُفهم، لكن ينبغي فقط إعطاء الاهتمام حتى يكون في متناول ذاكرتكم.



[1] كتاب العظة (2) على كلام إنجيل [متى 3: 13]: "حينئذ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه" بشان الثالوث، للقديس أغسطينوس - ترجمة د. عادل زكري.

[2] قارن (مز 26: 9) سبعينية.

[3]  قارن (1كو 1: 24).

[4] نقرأ عن مؤلمي الآب Patripassianism عند ترتليان في (ضد براكسياس 1: 13، 16)، وكذلك القديس أثناسيوس في (بيان الإيمان 1): ”لا نعتقد بابن-آب كما يفعل السابليون، داعين إياه واحدًا (يعتقدون أن الابن هو الآب، والآب هو الابن)... ولا ننسب للآب الجسد القابل للألم الذي اتخذه (الابن) لأجل خلاص العالم كله“.


عبادة المسيح الواحد، لاهوته وناسوته الواحد معه (رؤية كتابية)

 


 

في النص من رسالة فيلبي بيقول بولس عن يسوع في جسده:

وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ

يعني اخد اسم الله ذاته، زي ما بيقول المزمور كرسيك يا الله الى دهر الدهور، واقتبسها العبرانيين بنفس الطريقة.

 

ومش كدا وبس، بيكمل ويقول:

تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ

 

دا في حين انه في نبوة اشعياء، يقول يهوه:

"بِذَاتِي أَقْسَمْتُ، خَرَجَ مِنْ فَمِي الصِّدْقُ كَلِمَةٌ لَا تَرْجِعُ: إِنَّهُ لِي تَجْثُو كُلُّ رُكْبَةٍ، يَحْلِفُ كُلُّ لِسَانٍ.

... بِالرَّبِّ يَتَبَرَّرُ وَيَفْتَخِرُ كُلُّ نَسْلِ إِسْرَائِيلَ»." (إش 45: 23-25)

 

إِنَّهُ لِي تَجْثُو كُلُّ رُكْبَةٍ، يَحْلِفُ كُلُّ لِسَانٍ

ليهوه تجثو كل ركبة يعترف كل لسان، وللكلمة في الجسد تجثو كل ركبة ويعترف كل لسان.

 

ليه؟ لإن الجسد دا جسد الكلمة الخاص، جسده الشخصي، غير المنفصل عنه خالص، جعله واحدًا معه بغير امتزاج ولا انفصال.

 

وهو أخد في الجسد كل القدرة الالهية زي ما قال:

"فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلًا: «دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ،" (مت 28: 18)

"كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلَا أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ." (مت 11: 27)

 

وبيقول كمان:

"لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ. مَنْ لَا يُكْرِمُ الابْنَ لَا يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ." (يو 5: 23).

 

يعني هو في الجسد، اللي جعله واحدًا معه، يأخذ نفس الكرامة والعبادة المعطاة للآب..

 

في سفر الرؤيا بقى بيوضح دا بشكل مباشر، لما بيقول ان الحمل القائم وكأنه مذبوح، اللي هو جسد المسيح المذبوح، بشكل واضح، كل الكائنات السماوية ملائكة وبشر وارواح هتسجد له وتعبده هو ويهوه:

"وَكُلُّ خَلِيقَةٍ مِمَّا فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ وَتَحْتَ الأَرْضِ، وَمَا عَلَى الْبَحْرِ، كُلُّ مَا فِيهَا، سَمِعْتُهَا قَائِلَةً: «لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْخَرُوفِ الْبَرَكَةُ وَالْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ». وَكَانَتِ الْحَيَوَانَاتُ الأَرْبَعَةُ تَقُولُ: «آمِينَ». وَالشُّيُوخُ الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ خَرُّوا وَسَجَدُوا لِلْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ." (رؤ 5: 13-14)

 

نفس الموضوع بيوضحه دانيال في نبوته ان ابن الانسان هيقدموه لقديم الايام فيأخذ سلطانًا ومجدًا وملكوتًا لـ"تتعبد" له كل الشعوب والأمم!

 

"«كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لَا يَنْقَرِضُ." (دا 7: 13-14)

 

ودا مش عبادة لشيء إضافي مع الله، أو بجانب الله، لكنه عبادة الله الواحد في جسده المتحد به والواحد معه.. عبادته في الهيكل اللي اتخذه كأداة لخلاص البشر..

 

مفهوم عبادة جسد المسيح

https://ikonomiaa.blogspot.com/2026/07/blog-post_07.html


نحن لا نعبد مخلوقًا للقديس أثناسيوس الرسولي

https://ikonomiaa.blogspot.com/2026/06/blog-post_25.html