الأقنوم/الشخص وفقًا لأغسطينوس[1]
ثمة معنيان رئيسيان ومترابطان إرتباطًا وثيقًا لمفهوم «الأقنوم».
المعنى الأولي هو المعنى اللاهوتي، والمتعلق بأقانيم الثالوث الثلاثة في طبيعة
واحدة. أما المعنى المشتق فهو ذلك الذي يشير إلى كل كائن بشري فرد بوصفه شخصًا.
وإن المعنى الذي نندرِج تحته لـ«الشخص» يمكن أن ينقسم إلى قسمين: ما يميز الأشخاص
البشر عن سائر الأشياء الأخرى، وما يجعل كل شخص فردًا فريدًا ومختلفًا عن جميع
الآخرين من الجنس نفسه.
إن كلمة «Person» تتطابق مع اللاتينية persona،
وربما تكون مشتقة من اليونانية prosopon
(وجه/شخص). المعنى الأولي لكلمة persona هو
«قناع، يُصنع عادة من الطين»؛ ومن ثم يُعتقد أن كلمة persona
مرتبطة بالفعل persono، الذي يعني «أن يصوت من
خلال» أو «أن يرن/يدوي». أما المعاني الأكثر مجازية لكلمة persona
فهي «دور، أو جزء، أو شخصية»، أو بشكل أعم «دور أو شخصية يُضطلع بها سواء في
العالم أو في كتاب». وتُستخدم كلمة persona في
أعمال شيشرون لتفيد معنى الفرد أو الشخصية.
يقارن أغسطينوس بين صيغته اللاتينية لعقيدة الثالوث—والتي مفادها أن
الله جوهر واحد أو كائن واحد، بالإضافة إلى ثالوث يتألف من ثلاثة أقانيم (Trin. 5.9.10; 7.4.7; 15.22.42)—وبين
الصياغة اليونانية، حيث الله جوهر واحد، والآب والابن والروح القدس هم ثلاثة
أقانيم (hypostases أو substances
بحسب ترجمته اللاتينية). ويؤكد أنه لا يوجد فرق بين الـousia
(الجوهر/الكيان)، والـhypostasis (الجوهر/القوام/الأقنوم)
(5.8.9–10). ولا يقدم أغسطينوس أبدًا التعريف التحليلي لمفهوم «الأقنوم» الذي
قد نطمح إليه؛ بل يقول إننا نقول «ثلاثة أقانيم» لكي نوضح ما نعنيه بـ«الثالوث»
ولكي نتمكن من قول شيء ما (7.6.11). وليس المطلوب منا أن نقول أكثر من: «في
الواقع، ليس شيء أن تكون إلهًا وشيء آخر أن تكون أقنومًا، بل هما أمر واحد وعين
الشيء تمامًا» (7.6.11). فالآب والابن والروح القدس يشتركون في ما يعنيه مفهوم
الأقنوم (7.4.7). وبناء عليه، ففي حالة الله، لا تنفصل الأقنومية عن الجوهر أو
الوجود. «ومع ذلك، فإننا نقول ثلاثة أقانيم من الجوهر نفسه، أو ثلاثة
أقانيم لجوهر واحد: بيد أننا لا نقول ثلاثة أقانيم ناتجة من الجوهر نفسه، وكأن
الجوهر شيء والأقنوم شيء آخر» (7.6.11). ولكن بما أن للمصطلحات معان مختلفة،
فلابد من بيان المزيد.
من المهم أن نضع في الاعتبار أن المعنى الذي ينطبق على أقانيم
الثالوث هو المعنى الأساسي؛ ومن ثم، ينبغي تحليله بمعزل عن الأفكار المتعلقة
بما يشكل الشخص البشري.
علاوة على ذلك، فإن معايير تشخص/تفريد الأقانيم في الثالوث تختلف
عن تلك التي تنطبق على الكائنات البشرية. فلا يمكن تسمية ثالوث من الكائنات
البشرية شخصًا واحدًا، ولكن الثالوث الإلهي للأقانيم يُدعى وهو بالفعل إله واحد.
وفي الله، وبشكل مفارقي ومحيّر، تكون الأقانيم أفرادًا وغير
منفصلين في الوقت نفسه؛ فهم جوهرًا إلهيًا واحدًا وفي جوهر واحد (5.3.4)، بينما
يظل تمايز الأقانيم الثلاثة قائمًا (7.2.3). فالآب والابن والروح القدس
ليسوا ثلاثة أنواع من جوهر واحد، ولا تشبه علاقتهم نوعًا ينقسم إلى أفراد.
والأقانيم الثلاثة متساوون دائمًا (15.23.43). وإن غياب التنوع في طبيعة في
الله المثلث الأقانيم يجعل «الأقنوم» الاسم النوعي أو الجنسي للثلاثة؛ فهم من
حيث الجنس ثلاثة أقانيم، ومع ذلك، ليسوا ثلاثة آلهة لأن الكتاب المقدس يسمح
بالأولى ولا يسمح بالثانية (7.4.8–9).
ويتضح وضع الأقانيم الإلهية أكثر من خلال الطريقة التي يُقال بها إن
المحمولات تنطبق على الثالوث كإله واحد وكثلاثة أقانيم. ويتضمن هذا البحث نظرية في
الحمل والكليات تُوثق—إن لم يكن التطابق التام مع مقولات أرسطو الذي تفاخر به في الاعترافات
(4.16.28)—فعلى الأقل دراية كبيرة بالمشكلات المطروحة هناك. فالعلاقات بين
الأقانيم في الثالوث ليست جوهرية ولا عرضية، بل هي من نوع خاص فريد (sui generis).
وبما أنه لا يوجد سوى جوهر إلهي واحد، فلا يوجد اختلاف جوهري بين أقانيم
الثالوث، وليس للواحد منهم جوهر فردي منفصل. وما ينطبق على جوهر الآب ينطبق
أيضًا على جوهر الابن، إذ هما جوهر واحد بسيط للغاية (summe
simplex essentia)
(Trin. 7.1.2؛
أيضًا 6.3.5؛ 6.5.7).
و«الأقنوم» ينطبق أيضًا على جوهر الثالوث (7.6.11؛ 8). فأقنوم الآب
هو ببساطة جوهر الآب. ومع ذلك، فإن المحمولات التي تُطبق على الآب وحده تشير
دائمًا إلى العلاقة مع الابن. وبما أنه لا يوجد أعراض في الله، فإن هذه المصطلحات
الإضافية/العلاقية التي تشير إلى أقانيم الثالوث ليست عرضية أيضًا. فكل أقنوم في
الثالوث هو إذن غير عرضي (5.11.12؛ 5.13.14؛ 7.1.2). والمحمولات الأخرى التي تُطبق
على الأقانيم في الثالوث هي أيضًا إضافية دائمًا، وإن لم تكن عرضية (5.11.12؛
6.2.3). ويجمع موقف أغسطينوس بين الإملاءات الكتابية والمنطق الأرسطي وقدر كبير من
الأفلاطونية؛ ومن ثم فليس من الواضح ما إذا كان هذا الموقف مرضيًا من الناحية
الفلسفية (Lloyd 1972).
وفي محاولة لبسط كيفية كون الأشخاص البشر على صورة ثالوث الأقانيم
الإلهية بمزيد من الدقة، يجد أغسطينوس أنواعًا متعددة من الثالوث داخل النفس (Trin. 9–15).
وتوجد خلاصة لصور الثالوث في الشخص في كتاب عن الثالوث (14.7.10). وأهمها هو
الذاكرة، والفهم، والإرادة أو المحبة، وهو ثالوث يخص الإنسان الباطن (Trin. 15.7.11).
وهذا الثالوث وحده، الذي يستطيع الذهن بواسطته أن يعرف الله، هو الذي يكون بحق على
صورة الله (14.8.11). «لأن "الأقنوم/الشخص" اسم جنس، لدرجة أنه حتى
البشر يمكن أن يُدعوا بهذا الاسم، على الرغم من الفجوة العظيمة بين الكائنات
البشرية والله» (7.4.7؛ انظر أيضًا 15.7.11). فالأشخاص البشر مصنوعون على صورة
الثالوث ككل، وليس على صورة أي أقنوم معين منه (12.6.7). ووجود ثالوث في الذهن
لا ينقص من كونه ذهنًا واحدًا؛ والأفضل وصف ذلك بأن للذهن وظائف متعددة (10.11.18؛
12.4.4). وتتضح هذه النقطة أكثر من خلال حقيقة أنه على الرغم من أن الذاكرة والفهم
والإرادة تبدو لنا ثلاثة أشياء مختلفة، فإنها في الله جميعًا واحد. وكل أقنوم من
أقانيم الثالوث يمتلك هذه الجوانب الثلاثة في طبيعته الخاصة (15.17.28).
وكون الأشخاص الأفراد مسكنًا لله يجعلهم متميزين ومتفوقين على بقية
الخليقة. وباقتران ذلك بكون الأشخاص البشر مخمورين/مخلوقين على الصورة الإلهية، وبالمفهوم
التجسدي القائل بأن الله اختار أن يصير شخصًا بشريًا، يُمُنح الأشخاص البشر أعلى
مكانة بين جميع الخلائق على الأرض.
[1] Sheri
Katz, "Person", Augustine Through the Ages: An Encyclopedia, ed.
Allan D. Fitzgerald (Grand Rapids, MI; Cambridge, U.K.: William B. Eerdmans
Publishing Company, 1999). 649


