الخميس، 20 أغسطس 2026

عبادة يسوع المسيح في العهد الجديد، ريتشارد بوخوم

 



عبادة يسوع المسيح في العهد الجديد، ريتشارد بوخوم[1]

 

من البدء!

 

في طبيعة الحال، ليس من المرجح توفُّر أدلة قاطعة على النقطة التي بدأت عندها عبادة يسوع في المسيحية المبكرة، لكن الاعتبارات العامة إلى جانب الأدلة المتاحة تشير إلى المسيحية اليهودية الفلسطينية المبكرة. ففي الجماعة المسيحية المبكرة، كان يسوع يُفهم بالفعل على أنه قد قام ومُجّد إلى يمين الله في السماء، وفاعل في الجماعة بروحه، وآتٍ في المستقبل كحاكم وديان للعالم. وبصفته وكيل الله الإسخاتولوجي، كان هو مصدر خبرة الخلاص الإسخاتولوجي وحماسة الروح التي ميزت الاجتماعات المسيحية للعبادة، وكان هو محور كل علاقة مسيحية بالله، تلك التي تتم به ومن خلاله. وكان من المرجح أن المزامير والتسابيح التي تحتفي بتثمينه وتمجيده من قِبَل الله وعمل خلاص الله من خلاله كانت تُنشَد وتُؤلَّف منذ أبكر الأزمنة.[2] وأمام الحضور الحي لشخصية تلعب هذا النوع من الدور الديني، كان الشكر والعبادة، المندرجة طبيعيًا ضمن عبادة الله، هي الاستجابة المحتومة.[3]

 

ماران آثا

 

ترجع التسابيح والصلوات الموجهة إلى يسوع إلى أبكر الأزمنة. فالصرخة الآرامية "ماراناثا" ("رَبَّنَا، ائْتِ!"؛ 1 كورنثوس 16: 22؛ الديداخي 10: 6؛ قارن رؤيا 22: 20)،[4] والتي يشير حفظها باللغة الآرامية في الكنائس الناطقة باليونانية إلى أصلها المبكر جدًا، لا تنطوي فقط على انتظار المجيء الثاني (الماراناثا)، بل على علاقة دينية حاضرة مع الآتي، سواء كانت مرتبطة بحضور إفخارستي منذ البداية أم لا.

 

الصلاة ليسوع

 

إن أدلة العهد الجديد على الصلاة الشخصية للمسيح يسوع كسمة منتظمة للمسيحية المبكرة قد جرى التغاضي عنها أحيانًا. فبولس (2 كورنثوس 12: 8؛ 1 تسالونيكي 3: 11-13؛ 2 تسالونيكي 2: 16-17؛ 3: 5، 16؛ قارن رومية 16: 20ب؛ 1 كورنثوس 16: 23؛ غلاطية 6: 18؛ فيلبي 4: 23؛ 1 تسالونيكي 5: 28؛ 2 تسالونيكي 3: 18؛ فليمون 25)[5] وسفر أعمال الرسل (1: 24؛ 7: 59-60؛ 13: 2) يأخذونها كأمر مسلم به (قارن أيضًا 1 تيموثاوس 1: 12؛ 2 تيموثاوس 1: 16-18؛ 4: 22).[6] كانت الممارسة السائدة بلا شك هي الصلاة لله، ولكن بما أن يسوع كان يُفهم على أنه الوسيط الفاعل للنعمة من الله (كما في الصيغة الرسولية: «نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ»: رومية 1: 7 وغيرها) وكالرب الذي يعيش المسيحيون لخدمته، كانت الصلاة الموجهة إليه أمرًا طبيعيًا. يجعل يوحنا 14: 14 (حيث القراءة الصحيحة هي على الأرجح "إن سألتموني") الصلاة ليسوع مبدأً للطلبة المنتظمة.[7]

 

الدعاء للرب الخاص بيهوه وحده

 

الصلاة الطلبية الموجهة إلى يسوع ليست، بصفتها هذه، عبادة ليسوع. هناك عبارتان مأخوذتان من لغة العبادة الطقسية في العهد القديم، ورغم أنه لا يمكن الضغط عليهما ليعنيا بدقة عبادة يسوع، إلا أنهما موحيتان بمركزية يسوع كموضوع للتعبد الديني. ففي كل من أعمال الرسل وبولس (والذي يعكس استخدامه هنا يقينًا استخدامًا مسيحيًا سابقًا لبولس)، المسيحيون هم أولئك الذين "يدعون باسم ربنا يسوع المسيح" (1 كورنثوس 1: 2؛ قارن رومية 10: 12-14؛ أعمال 9: 14، 21؛ 22: 16؛ 2 تيموثاوس 2: 22؛ راعي هيرماس، التشبيه 9: 14: 3).[8] وهذه العبارة، المأخوذة بلا شك إلى الاستخدام المسيحي خاصة من يوئيل 2: 32 (أعمال 2: 21؛ رومية 10: 13)،[9] تشير بانتظام في العهد القديم إلى عبادة الله (مثل تكوين 4: 26؛ 12: 8؛ 13: 4؛ مزامير 105: 1).

 

تقديم العبادة الليتورجية له

 

ثانيًا، يصور أعمال 13: 2 الأنبياء والمعلمين في أنطاكية وهم "يتعبدون [leitourgountōn - ليتورجونتون] للرب [يسوع]." وهذا الفعل، الذي كان يشير في الاستخدام اليهودي إلى الخدمة الطقسية لله، لابد أن يشير هنا، بالارتباط مع "الصوم"، إلى الصلاة بأوسع معانيها مع كون يسوع محورها.

 

لم تكن عبادة يسوع نتيجة تأثر بالهيلينية!

 

بما أن ألوهية يسوع هي التي جعلته موضوعًا للاهتمام الديني في العبادة المسيحية منذ البداية، فإن الانتقال من الصلاة والإكرام إلى العبادة الإلهية الصريحة ليسوع لم يكن صعبًا أو واعيًا بذاته للغاية. لقد كانت عملية سلسة؛ ولا يوجد دليل على أن أحدًا احتج عليها أو قاومها، رغم أن القضايا التي أثارتها بالنسبة للإيمان والتعبد التوحيدي كان لابد من مواجهتها فكريًا بعد ذلك بقليل. بالتأكيد، فإن الرأي القائل بأن هذا الانتقال تزامن مع حركة المسيحية من بيئة يهودية إلى بيئة هيلينستية وثنية هو رأي خاطئ.[10]

1- فإلى جانب اشتماله على تقسيم مفرط في المنهجية بين المسيحية اليهودية والهيلينستية،

2- وإهماله للهيمنة المستمرة للقيادة المسيحية اليهودية في كنائس إرسالية الأمم في فترة العهد الجديد،

3- يتهاوى هذا الرأي أمام حقيقة أن اثنين من أعمال العهد الجديد التي تظهر فيها عبادة يسوع بأوضح صورها — إنجيل متى وسفر الرؤيا — يظلان ضمن إطار فكري يهودي خالص.

إن كون عبادة يسوع لم تنتج عن إهمال الأمم للتوحيد اليهودي، بل نشأت داخل إيمان توحيدي يهودي وكان لابد من ملاءمتها داخله، وهو الإيمان الذي انتقل إلى المسيحية الأممية جنباً إلى جنب معها، هو أمر ذو أهمية قصوى لمسار التطور الكريستولوجي اللاحق.

إن أهمية سفر الرؤيا، والذي يُشدد فيه على أن يسوع مستحق للعبادة الإلهية الصريحة.

 

السجود التعبدي ليسوع

 

أما بالنسبة لإنجيل متى، فالقضية تدور حول تركيزه على السجود (proskynēsis - بروسكينيسيس) (الانحناء، السجود أمام شخص ما كتعبير عن الإكرام أو العبادة) المقدم ليسوع. يستخدم متى الفعل (proskynein - بروسكينين) مع كون يسوع مفعولاً به 10 مرات (في حين يستخدمه مرقس بهذا الشكل مرتين فقط، ولوقا مرة واحدة فقط في 24: 52 قراءة أخرى). وفي 5 من هذه المرات العشر لا يوجد موازٍ في الأناجيل الإزائية (متى 2: 2، 8، 11؛ 28: 9، 17). وفي 3 منها، يقدم متى كلمة (proskynein - بروسكينين) حيث يورد مرقس الإيماءة الجسدية دون هذه الكلمة (متى 8: 2 = مرقس 1: 40؛ متى 9: 18 = مرقس 5: 22؛ متى 15: 25 = مرقس 7: 25). وفي المرتين الباقيتين يقدم متى الكلمة حيث لا يملك موازي مرقس حتى الإيماءة (متى 14: 33 = مرقس 6: 51؛ متى 20: 20 = مرقس 10: 35). وهناك أيضًا مناسبتان يملك فيهما مرقس الكلمة ولكن متى لا يذكر حتى الإيماءة، وواحدة يملك فيها مرقس الإيماءة ولكن متى لا يذكرها (مرقس 5: 6 = متى 8: 29؛ مرقس 15: 19 = متى 27: 30؛ مرقس 10: 17 = متى 19: 16). ومع ذلك، في هذه المناسبات الثلاث كانت العبادة (من قبل الشياطين، والجنود المستهزئين، والشاب الغني) ستُعتبر غير كافية بحسب متى.

ولذلك، تشير الأدلة إلى أن متى يستخدم (proskynein - بروسكينين) بطريقة شبه اصطلاحية للسجود المستحق ليسوع، ويؤكد على أنه يعبر عن الاستجابة اللائقة بيسوع. صحيح أن كلمة (proskynein - بروسكينين) وكذلك الإيماءة التي تصفها يمكن استخدامها للإكرام الموجه للبشر، دون أي إيحاء بعبادة الأوثان (متى 18: 26؛ رؤيا 3: 9؛ الترجمة السبعينية تكوين 18: 2؛ 19: 1؛ 23: 7، 12؛ 33: 6-7؛ 1 صموئيل 28: 14؛ 1 ملوك 2: 19؛ إشعياء 45: 14، إلخ). لكن الغالبية العظمى من الاستخدامات السبعينية للكلمة تشير إلى عبادة الله أو الآلهة الكاذبة، وقد أصبحت الإيماءة محل شائبة كبيرة لدى اليهود في السياقات التي قد تنطوي على عبادة وثنية لإنسان أو ملاك (تتمة استير 13: 12-14 [قارن استير 3: 2]؛ رؤيا صفنيا 6: 14-15؛ فيلون، De decalogo 64؛ Legatio ad Gaium 116؛ متى 4: 9؛ لوقا 4: 7؛ أعمال 10: 25-26؛ رؤيا 19: 10؛ 22: 8-9؛ قارن أيضًا استشهاد بوليكاربوس 17: 3).[11]

وهكذا، بينما في مرقس ولوقا قد لا تكون إيماءة السجود ليسوع أكثر من علامة احترام لمعلم مكرم، فإن استخدام متى الثابت لكلمة (proskynein - بروسكينين) وتأكيده على هذه النقطة يظهران أنه يقصد نوعًا من الإكرام، لو قُدم لأي إنسان آخر، لكان قد اعتبره عبادة أوثان.

ويزداد هذا تعزيزًا بحقيقة أن استخداماته التي لا موازي لها تميل إلى أن تكون في سياقات استعلانية (ظهور إلهي) (متى 2: 2، 8، 11؛ 14: 33؛ 28: 9، 17). وبإقرانه مع تأكيده على حضور المسيح الممجد بين شعبه (18: 20؛ 28: 20)،[12] لابد أن استخدام متى يعكس ممارسة عبادة يسوع في كنيسته.

وبالنظر إلى أصل عبادة يسوع في المسيحية اليهودية، يصفها هورنادو[13] بأنها "تطور جديد بشكل ملحوظ ولكنه داخلي في جوهره ضمن التقليد التوحيدي اليهودي." إن العبادة المسيحية شكلت "طفرة" جديدة (بحسب هورنادو) للعبادة التوحيدية اليهودية، بدلاً من كونها تخليًا عن التوحيد اليهودي.



[1] Richard Bauckham, "Jesus (Person): The Worship of Jesus", The Anchor Yale Bible Dictionary, ed. David Noel Freedman (New York: Doubleday, 1996). 3:812-813

[2] Hengel, M. 1983. Hymns and Christology. Pp. 78–96 in Between Jesus and Paul. Trans. J. Bowden. London

[3] عن الأصل المعتاد مبكرًا جدًا لعبادة يسوع، انظر بشكل خاص:

Hurtado, L. W. 1988. One God, One Lord: Early Jewish Devotion and Ancient Jewish Monotheism. Philadelphia.

[4] «إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُحِبُّ الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا! مَارَانَ أَثَا». (1 كو 16: 22)

«لِتَأْتِ النِّعْمَةُ وَلْيَذْهَبْ هَذَا الْعَالَمُ. أُوصَنَّا لإِلَهِ دَاوُدَ. إِنْ كَانَ أَحَدٌ قُدُّوسًا فَلْيَأْتِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلْيَتُبْ. مَارَانَ أَثَا. آمِينَ». (ديداخي 10: 6)

"يَقُولُ الشَّاهِدُ بِهَذَا: «نَعَمْ! أَنَا آتِي سَرِيعًا». آمِينَ. تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ." (رؤ 22: 20).

[5] «مِنْ جِهَةِ هَذَا تَضَرَّعْتُ إِلَى الرَّبِّ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ أَنْ يُفَارِقَنِي.» (2 كو 12: 8) «وَاللهُ نَفْسُهُ أَبُونَا وَرَبُّنَا يَسُوعُ الْمَسِيحُ يَهْدِي طَرِيقَنَا إِلَيْكُمْ. وَالرَّبُّ يُنْمِيكُمْ وَيَزِيدُكُمْ فِي الْمَحَبَّةِ بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ وَلِلْجَمِيعِ، كَمَا نَحْنُ أَيْضًا لَكُمْ، لِكَيْ يُثَبِّتَ قُلُوبَكُمْ بِلاَ لَوْمٍ فِي الْقَدَاسَةِ، أَمَامَ اللهِ أَبِينَا فِي مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَ جَمِيعِ قِدِّيسِيهِ.» (1 تس 3: 11-13) «وَرَبُّنَا نَفْسُهُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، وَاللهُ أَبُونَا الَّذِي أَحَبَّنَا وَأَعْطَانَا عَزَاءً أَبَدِيًّا وَرَجَاءً صَالِحًا بِالنِّعْمَةِ، يُعَزِّي قُلُوبَكُمْ وَيُثَبِّتُكُمْ فِي كُلِّ كَلاَمٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ.» (2 تس 2: 16-17) «وَإِلَهُ السَّلاَمِ سَيَسْحَقُ الشَّيْطَانَ تَحْتَ أَرْجُلِكُمْ سَرِيعًا. نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَكُمْ. آمِينَ.» (رو 16: 20) «نِعْمَةُ الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَكُمْ.» (1 كو 16: 23) «نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَ رُوحِكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ. آمِينَ.» (غل 6: 18) «نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمِينَ.» (في 4: 23) «نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَكُمْ. آمِينَ.» (1 تس 5: 28) «نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمِينَ.» (2 تس 3: 18) «نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَ رُوحِكُمْ. آمِينَ.» (فل 25)

[6] «وَصَلَّوْا قَائِلِينَ: «أَيُّهَا الرَّبُّ الْعَارِفُ قُلُوبَ الْجَمِيعِ، عَيِّنْ أَنْتَ مِنْ هَذَيْنِ الاثْنَيْنِ أَيَّهُمَا اخْتَرْتَهُ» (أع 1: 24) «فَكَانُوا يَرْجُمُونَ اسْتِفَانُوسَ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ: «أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي». ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «يَا رَبُّ، لَا تُقِمْ لَهُمْ هَذِهِ الْخَطِيَّةَ». وَإِذْ قَالَ هَذَا رَقَدَ.» (أع 7: 59-60) «وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ، قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ: «أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ».» (أع 13: 2) «وَأَنَا أَشْكُرُ الْمَسِيحَ يَسُوعَ رَبَّنَا الَّذِي قَوَّانِي، أَنَّهُ حَسِبَنِي أَمِينًا، إِذْ جَعَلَنِي لِلْخِدْمَةِ،» (1 تي 1: 12) «لِيُعْطِ الرَّبُّ رَحْمَةً لِبَيْتِ أُنِيسِيفُورُسَ، لأَنَّهُ مِرَارًا كَثِيرَةً أَرَاحَنِي وَلَمْ يَخْجَلْ بِسِلْسِلَتِي، بَلْ لَمَّا كَانَ فِي رُومِيَةَ، طَلَبَنِي بِأَوْفَرِ اجْتِهَادٍ فَوَجَدَنِي. لِيُعْطِهِ الرَّبُّ أَنْ يَجِدَ رَحْمَةً مِنَ الرَّبِّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَكُلُّ مَا كَانَ يَخْدِمُ فِي أَفَسُسَ أَنْتَ تَعْرِفُهُ جَيِّدًا.» (2 تي 1: 16-18) «اَلرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ مَعَ رُوحِكَ. النِّعْمَةُ مَعَكُمْ. آمِينَ.» (2 تي 4: 22)

[7] «إِنْ سَأَلْتُمْ شَيْئًا بِاسْمِي فَإِنِّي أَفْعَلُهُ.» (يو 14: 14)

[8] «إِلَى كَنِيسَةِ اللهِ الَّتِي فِي كُورِنْثُوسَ، الْمُقَدَّسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الْمَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ، مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لَهُمْ وَلَنَا.» (1 كو 1: 2) «لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْيَهُودِيِّ وَالْيُونَانِيِّ، لأَنَّ رَبًّا وَاحِدًا لِلْجَمِيعِ، غَنِيًّا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِهِ. لأَنَّ «كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ». فَكَيْفَ يَدْعُونَ بِمَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟» (رو 10: 12-14) «وَهَهُنَا لَهُ سُلْطَانٌ مِنْ قِبَلِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ أَنْ يُوثِقَ جَمِيعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِكَ.» (أع 9: 14) «فَبُهِتَ جَمِيعُ الَّذِينَ كَانُوا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا: أَلَيْسَ هَذَا هُوَ الَّذِي أَهْلَكَ فِي أُورُشَلِيمَ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِهَذَا الاسْمِ؟ وَقَدْ جَاءَ إِلَى ههُنَا لِهَذَا لِيَسُوقَهُمْ مُوثَقِينَ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ.» (أع 9: 21) «وَالآنَ لِمَاذَا تَتَوَانَى؟ قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ دَاعِيًا بِاسْمِ الرَّبِّ.» (أع 22: 16) «وَاهْرُبْ مِنَ الشَّهَوَاتِ الشَّبَابِيَّةِ، وَاتْبَعِ الْبِرَّ وَالإِيمَانَ وَالْمَحَبَّةَ وَالسَّلاَمَ، مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الرَّبَّ مِنْ قَلْبٍ نَقِيٍّ.» (2 تي 2: 22)

[9] «وَيَكُونُ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَنْجُو. لأَنَّهُ فِي جَبَلِ صِهْيَوْنَ وَفِي أُورُشَلِيمَ تَكُونُ نَجَاةٌ، كَمَا قَالَ الرَّبُّ، وَبَيْنَ الْبَاقِينَ مَنْ يَدْعُوهُ الرَّبُّ.» (يؤ 2: 32) «وَيَكُونُ كُلُّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ.» (أع 2: 21) «لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ.» (رو 10: 13)

[10] Bousset, W. 1913. Kyrios Christos: Geschichte des Christusglaube von den Anfängen des Christentums bis Irenaeus. Göttingen, 92- 125.

[11] «فَالآنَ أَيُّهَا الرَّبُّ الْمَلِكُ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ، ارْحَمْ شَعْبَكَ، لأَنَّ أَعْدَاءَنَا يَطْلُبُونَ أَنْ يُهْلِكُونَا، وَيَسْتَأْصِلُوا مِيرَاثَكَ، لاَ تُهْمِلْ نَصِيبَكَ الَّذِي افْتَدَيْتَهُ لَكَ مِنْ مِصْرَ. وَاسْتَجِبْ لِتَضَرُّعِي وَاعْطِفْ عَلَى نَصِيبِكَ وَمِيرَاثِكَ وَحَوِّلْ حُزْنَنَا فَرَحًا لِنَحْيَا وَنُسَبِّحَ اسْمَكَ أَيُّهَا الرَّبُّ، وَلاَ تَسْدُ أَفْوَاهَ الْمُرَنِّمِينَ لَكَ». (تتمة استير 13: 12-14) «فَقَالَ جَمِيعُ عَبِيدِ الْمَلِكِ الَّذِينَ بِبَابِ الْمَلِكِ: يَنْحَنُونَ وَيَسْجُدُونَ لَهَامَانَ، لأَنَّ الْمَلِكَ هكَذَا أَمَرَ بِشَأْنِهِ. وَأَمَّا مُرْدَخَايُ فَلَمْ يَنْحَنِ وَلَمْ يَسْجُدْ.» (أس 3: 2) «وَقَالَ لَهُ: «أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ سَجَدْتَ لِي وَعَبَدْتَنِي».» (مت 4: 9) «فَإِنْ سَجَدْتَ أَمَامِي يَكُونُ لَكَ الْجَمِيعُ». (لو 4: 7) «فَلَمَّا دَخَلَ بُطْرُسُ، اسْتَقْبَلَهُ كَرْنِيلِيُوسُ وَسَقَطَ عِنْدَ رِجْلَيْهِ سَاجِدًا. فَأَقَامَهُ بُطْرُسُ قَائِلًا: «قُمْ، أَنَا أَيْضًا إِنْسَانٌ».» (أع 10: 25-26) «فَسَقَطْتُ أَمَامَ رِجْلَيْهِ لِأَسْجُدَ لَهُ، فَقَالَ لِي: «انْظُرْ! لاَ تَفْعَلْ! أَنَا عَبْدٌ مَعَكَ وَمَعَ إِخْوَتِكَ الَّذِينَ عِنْدَهُمْ شَهَادَةُ يَسُوعَ. اسْجُدْ لِلَّهِ! فَإِنَّ شَهَادَةَ يَسُوعَ هِيَ رُوحُ النُّبُوَّةِ».» (رؤ 19: 10) «وَأَنَا يُوحَنَّا الَّذِي كَانَ يَرَى وَيَسْمَعُ هذَا. وَلَمَّا سَمِعْتُ وَرَأَيْتُ، خَرَرْتُ لِأَسْجُدَ أَمَامَ رِجْلَيِ الْمَلاَكِ الَّذِي كَانَ يُرِينِي هذَا. فَقَالَ لِي: «انْظُرْ! لاَ تَفْعَلْ! لأَنِّي عَبْدٌ مَعَكَ وَمَعَ إِخْوَتِكَ الأَنْبِيَاءِ وَمَعَ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ كَلاَمَ هذَا الْكِتَابِ. اسْجُدْ لِلَّهِ!».» (رؤ 22: 8-9)

[12] «قَائِلِينَ: «أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ».» (مت 2: 2) «فَأَرْسَلَهُمْ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ وَقَالَ: «اذْهَبُوا وَافْحَصُوا بِالتَّدْقِيقِ عَنِ الصَّبِيِّ، وَمَتَى وَجَدْتُمُوهُ فَأَخْبِرُونِي، لِكَيْ أَذْهَبَ أَنَا أَيْضًا وَأَسْجُدَ لَهُ».» (مت 2: 8) «وَدَخَلُوا الْبَيْتَ وَرَأَوُا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ، فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ، ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا: ذَهَبًا وَلُبَانًا وَمُرًّا.» (مت 2: 11) «فَالَّذِينَ فِي السَّفِينَةِ جَاءُوا وَسَجَدُوا لَهُ قَائِلِينَ: «بِالْحَقِيقَةِ أَنْتَ ابْنُ اللهِ!».» (مت 14: 33) «وَفِيمَا هُمَا مُنْطَلِقَتَانِ لِتُخْبِرَا تَلاَمِيذَهُ إِذَا يَسُوعُ لاَقَاهُمَا وَقَالَ: «سَلاَمٌ لَكُمَا». فَتَقَدَّمَتَا وَأَمْسَكَتَا بِقَدَمَيْهِ وَسَجَدَتَا لَهُ.» (مت 28: 9) «وَلَمَّا رَأَوْهُ سَجَدُوا لَهُ، وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ شَكُّوا.» (مت 28: 17)

«لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ». (مت 18: 20) «وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ». آمِينَ. (مت 28: 20)

[13] Hurtado, L. W. 1988. One God, One Lord: Early Jewish Devotion and Ancient Jewish Monotheism. Philadelphia, 100.


الأربعاء، 19 أغسطس 2026

المُرسِل والمُرسَل متساويان. لماذا يُقال إن الابن مُرسَل من الآب. للقديس أغسطينوس

 



المُرسِل والمُرسَل متساويان. لماذا يُقال إن الابن مُرسَل من الآب.[1]

 

27. ولكن إن قيل إن الابن قد أُرسِل من الآب لهذا السبب، وهو أن أحدهما هو الآب، والآخر هو الابن، فهذا لا يمنعنا بأي حال من الأحوال من أن نؤمن بأن الابن واحد، ومساوٍ في الجوهر، ومشارك في الأزلية للآب، ومع ذلك قد أُرسِل كـ ابن من الآب. ليس لأن أحدهما أعظم، والآخر أصغر؛ بل لأن أحدهما هو الآب، والآخر هو الابن؛ أحدهما هو الوالد، والآخر هو المولود؛ أحدهما هو ذاك الذي منه مَن أُرسِل؛ والآخر هو ذاك الذي من ذاك الذي يُرسِل. لأن الابن هو من الآب، ليس الآب من الابن. ووفقاً لهذه الطريقة يمكننا الآن أن نفهم أن الابن لا يُقال إنه قد أُرسِل فقط لأن "الكلمة صار جسداً"،[2] بل أُرسِل لكي يصير الكلمة جسداً، ولكي يتمم من خلال حضوره الجسدي تلك الأمور التي كُتِبَت؛ أي إنه ليس فقط يُفهم أنه أُرسِل كـ إنسان، وهو ما صار إليه الكلمة، بل إن الكلمة أيضاً قد أُرسِل لكي يصير إنساناً؛ لأنه لم يُرسَل من جهة عدم مساواة في القدرة، أو الجوهر، أو أي شيء لم يكن فيه مساوياً للآب؛ بل من جهة هذا، وهو أن الابن هو من الآب، ليس الآب من الابن؛ لأن الابن هو كلمة الآب، الذي يُدعى أيضاً حكمته. فأي عجب إذن إذا كان قد أُرسِل، ليس لأنه غير مساوٍ للآب، بل لأنه "بُخَارُ قُوَّةِ اللهِ، وَصُدُورُ مجْدِ القدِيرِ الخَالِصُ"؟ لأنه هناك، ذاك الذي يصدر، وذاك الذي يصدر منه، هما من جوهر واحد بعينه. لأنه لا يصدر كما يصدر الماء من منفذ في الأرض أو الحجر، بل كما يصدر النور من النور. فعبارة "لأَنَّهَ ضِيَاءُ النُّورِ الأَبَدِيِّ"، ما هي إلا: إنه نور من نور أبدي؟ إذ ما هو ضياء النور إلا النور نفسه؟ وهكذا فهو واحد في الأزلية مع النور الذي منه النور. ولكن يُفضَّل أن يُقال "ضياء النور" على أن يُقال "نور النور"؛ لئلا يُظَن أن ما يصدر هو أكثر ظلمة من ذاك الذي يصدر منه. فعندما يسمع المرء عن ضياء النور باعتباره النور نفسه، فمن الأسهل أن يؤمن بأن الأول يضيء بواسطة الثاني، من أن يؤمن بأن الثاني أقل إضاءة. ولكن لأنه لم تكن هناك حاجة إلى تحذير الناس لئلا يظنوا أن النور الذي ولد الآخر هو أقل (إذ لم يجرؤ أي مبتدع قط على قول هذا، ولا يُظَن أن أحداً سيجرؤ على فعل ذلك)، فإن الكتاب المقدس يواجه ذلك الفكر الآخر، الذي قد يبدو فيه النور الصادر أكثر ظلمة من ذاك الذي يصدر منه؛ وقد أزال هذا الظن بقوله: "إِنَّهَ ضِيَاءُ ذلِكَ النُّورِ"، أي النور الأبدي، وبذلك يظهره مساوياً. لأنه لو كان أقل، لكان ظلمته لا ضياءه؛ ولو كان أعظم، لما أمكنه أن يصدر منه، إذ لا يمكنه أن يتجاوز ذاك الذي صَدَرَ منه. لذلك، ولأنه يصدر منه، فهو ليس أعظم مما هو عليه؛ ولأنه ليس ظلمته بل ضياؤه، فهو ليس أقل مما هو عليه: لذلك فهو مساوٍ. ولا ينبغي لهذا أن يزعجنا، من أنه يُدعى صدوراً خالصاً صائراً من مجد القدير، وكأنه هو نفسه ليس قديرًا، بل صدور من القدير؛ لأنه سرعان ما يُقال عنه بعد ذلك: "وَبِمَا أَنَّهَا وَاحِدَةٌ تَقْدِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ".[3] ومن هو قدير إلا ذاك الذي يقدر على كل شيء؟ وهو يُرسَل إذن من ذاك الذي يصدر منه؛ إذ هكذا تُطلب من قبل ذاك الذي أحبها واشتهاها. يقول: "أَرْسِلْهَا مِنَ السَّمَاوَاتِ الْمُقَدَّسَةِ، وَٱبْعَثْهَا مِنْ عَرْشِ مَجْدِكَ، لِكَيْ تَكُونَ مَعِي وَتَعْمَلَ مَعِي"؛[4] أي تعلمني أن أعمل [بجد] لكي لا أعمل [بمشقة]. لأن أتعابها هي فضائل. ولكنها تُرسَل بطريقة واحدة لكي تكون مع الإنسان؛ وقُد أُرسِلَت بطريقة أخرى لكي تصير هي نفسها إنساناً. لأنها "فِي كُلِّ جِيلٍ تَنْتَقِلُ إِلَى النُّفُوسِ الْقِدِّيسَةِ، فَتُنشِئُ أُصْدِقَاءَ لِلَّهِ وَأَنْبِيَاءَ"؛[5] وهكذا هي أيضاً تملأ الملائكة القديسين، وتعمل كل الأمور اللائقة بفيوضات الخدمة هذه بواسطتهم.[6] ولكن لما جاء ملء الزمان، أُرسِلَت،[7] لا لتملأ ملائكة، ولا لتكون ملاكاً، إلا بقدر ما أعلنت مشورة الآب، التي كانت مشورتها هي أيضاً؛ ولا لتكون مجدداً مع البشر أو في البشر، لأن هذا أيضاً قد حدث من قبل، سواء في الآباء أو في الأنبياء؛ بل لكي يصير الكلمة نفسه جسداً، أي يصير إنساناً. وفي هذا السر المستقبلي، حين يُعلَن، كان خلاص أولئك الرجال الحكماء والقديسين أيضاً، الذين وُلِدُوا من نساء قبل أن يُولَد هو من العذراء؛ وفيه، حين تُكُمِّل وأُعلِن، خلاص جميع الذين يؤمنون، ويرجون، ويحبون. لأن هذا هو "عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: ... ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ (أي السر/الكلمة)، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ".[8]

28. لذلك فإن كلمة الله يُرسَل من ذاك الذي هو كلمته؛ يُرسَل من ذاك الذي منه وُلِد (genitum - جينيتوم)؛ يُرسِل مَن وَلَد، ويُرسَل ما وُلِد. وهو يُرسَل حينئذ إلى كل واحد، حين يُدرَك ويُحَس به من كل واحد، بقدر ما يمكن أن يُدرَك ويُحَس به، بنسبة استيعاب النفس العاقلة، إما متقدمة نحو الله، أو كاملة بالفعل في الله.

فالابن إذن لا يُقال بالمعنى الدقيق إنه قد أُرسِل من حيث إنه مولود من الآب؛ بل إما من حيث إن الكلمة المتجسد ظهر للعالم، ومن هنا يقول: "خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ، وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ"؛[9] أو من حيث إنه من وقت إلى آخر يُدرَك بالذهن من قِبَل كل واحد، بحسب القول: "أَرْسِلْهَا لِكَيْ تَكُونَ مَعِي وَتَعْمَلَ مَعِي".[10] فما وُلِد (natum - ناتوم) من الأزل هو أزلي، "لأَنَّهَا ضِيَاءُ النُّورِ الأَبَدِيِّ"؛ أما ما يُرسَل من وقت إلى آخر، فهو ما يُدرَك من قِبَل كل واحد. ولكن لما أُظهِر ابن الله في الجسد، أُرسِل إلى هذا العالم في ملء الزمان، مولوداً من امرأة. "لأَنَّهُ إِذْ كَانَ الْعَالَمُ فِي حِكْمَةِ اللهِ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ بِالْحِكْمَةِ" (إذ "النُّورُ يُضِيءُ فِي الظُلْمَةِ، وَالظُلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ")، "اسْتَحْسَنَ اللهُ أَنْ يُخَلِّصَ الْمُؤْمِنِينَ بِجَهَالَةِ الْكِرَازَةِ"،[11] وأن يصير الكلمة جسداً، ويحل بيننا.[12]

لكن، عندما يخرج من وقت إلى آخر ويُدرَك بالذهن من قِبَل كل واحد، يُقال عنه بالفعل إنه أُرسِل، ولكن ليس إلى هذا العالم؛ لأنه لا يظهر حسياً، أي إنه لا يقدم نفسه للحواس الجسدية. لأننا نحن أنفسنا لسنا في هذا العالم، من جهة إدراكنا بالذهن بقدر ما نستطيع لما هو أزلي؛ وأرواح جميع الأبرار ليست في هذا العالم، حتى أولئك الذين يحيون بعدُ في الجسد، بقدر ما لديهم من تمييز في الأمور الإلهية. أما الآب فلا يُقال إنه يُرسَل، عندما يُدرَك من وقت إلى آخر من قبل أي أحد، لأنه ليس لديه مَن يكون منه، أو مَن يصدر منه؛ إذ تقول الحكمة: "أَنَا خَرَجْتُ مِنْ فَمِ الْعَلِيِّ"،[13] ويُقال عن الروح القدس: "الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ"،[14] أما الآب فليس من أحد.

29. وكما أن الآب وَلَد، والابن وُلِد؛ هكذا الآب أَرْسَل، والابن أُرْسِل. ولكن بطريقة مماثلة للذي وَلَد والذي وُلِد، هكذا فإن كلاً من الذي أَرْسَل والذي أُرْسِل هما واحد، إذ إن الآب والابن هما واحد.[15] وهكذا أيضاً الروح القدس هو واحد معهما، إذ إن هؤلاء الثلاثة هم واحد. لأنه كما أن ولادة الابن تقتضي أن يكون من الآب؛ هكذا إرسال الابن يعني أن يُعرَف أنه من الآب. وكما أن كون الروح القدس عطية الله يعني أنه ينبثق من الآب؛ هكذا إرساله يعني أن يُعرَف أنه ينبثق من الآب. ولا يمكننا أن نقول إن الروح القدس لا ينبثق أيضاً من الابن، إذ إن الروح نفسه لا يُقال بغير سبب إنه روح الآب والابن معاً. ولا أرى ما الذي قصد أن يشير إليه أيضاً، عندما نفخ في وجه التلاميذ، وقال: "اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ".[16] لأن تلك النفخة الجسدية، الصادرة من الجسد مع الشعور باللمس الجسدي، لم تكن جوهر الروح القدس، بل إعلاناً بعلامة لائقة، أن الروح القدس ينبثق ليس فقط من الآب، بل أيضاً من الابن. لأن أكثر المجانين جنوناً لن يقول إن الروح الذي أعطاه عندما نفخ فيهم كان روحاً، والروح الذي أرسله بعد صعوده كان روحاً آخر.[17] لأن روح الله واحد، روح الآب والابن، الروح القدس، الذي يعمل الكل في الكل.[18] ولكن إعطاءه مرتين كان بالتأكيد تدبيراً ذا دلالة، وسوف نناقشه في موضعه، بقدر ما يمنح الرب. إذن إن ما يقوله الرب: "الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ"،[19] يظهر الروح أنه من الآب والابن معاً؛ لأنه أيضاً، عندما قال: "الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ"، أضاف أيضاً: "بِاسْمِي".[20] ومع ذلك لم يقل: الذي سيرسله الآب مني، كما قال: "الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ"، مظهراً بذلك أن الآب هو المبدأ (principium - برينكيبويوم) لكل اللاهوت، أو إن كان يُعَبَّر عنها بأفضل من ذلك، الألوهة.[21] فهو إذن، الذي ينبثق من الآب ومن الابن، يُرَد إلى ذاك الذي منه وُلِد الابن (natus - ناتوس). وما يقوله البشير: "لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ، لأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ تُمُجِّدَ بَعْدُ"؛[22] كيف يُفهَم هذا، إلا لأن الإعطاء أو الإرسال الخاص للروح القدس بعد تمجيد المسيح كان ليكون بنحو لم يكن مثله قط من قبل؟ لأنه لم يكن قبل ذلك غير موجود مطلقاً، بل لم يكن بمثل هذا النحو. لأنه لو لم يكن الروح القدس قد أُعطي من قبل، فبماذا أُمتُلئ الأنبياء الذين تكلموا؟ بينما صريح الكتاب المقدس يظهر في مواضع كثيرة أنهم تكلموا بالروح القدس. بينما يُقال أيضاً عن يوحنا المعمدان: "وَمِنَ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ". وأبوه زكريا وُجِد أنه امتلأ من الروح القدس حتى قال مثل هذه الأمور عنه. ومريم أيضاً امتلأت من الروح القدس، حتى تنبأت بمثل هذه الأمور عن الرب الذي كانت تحمله في بطنها.[23] وسمعان وحنة امتلآ من الروح القدس، حتى اعترفا بعظمة الطفل الصغير المسيح.[24] كيف إذن "لَمْ يَكُنِ الرُّوحُ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ، لأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ تُمُجِّدَ بَعْدُ"، إلا لأن ذلك الإعطاء، أو المنح، أو إرسالية الروح القدس كانت لتكون لها خصوصية معينة في مجيئها ذاته، لم تكن قط من قبل؟ لأننا لا نقرأ في أي مكان أن الناس تكلموا بألسنة لم يكونوا يعرفونها، بواسطة حلول الروح القدس عليهم؛ كما حدث حينئذ، عندما كان من الضروري أن يصير مجيئه واضحاً بعلامات منظورة، لإظهار أن العالم كله، وجميع الأمم المقامة بألسنة مختلفة، ينبغي أن تؤمن بالمسيح من خلال عطية الروح القدس، لتتميم ما يُنْشَد في المزمور: "لاَ قَوْلَ وَلاَ كَلاَمَ. لاَ يُسْمَعُ صَوْتُهُمْ. فِي كُلِّ الأَرْضِ خَرَجَ مَنْطِقُهُمْ، وَإِلَى أَقْصَى الْمَسْكُونَةِ كَلِمَاتُهُمْ".[25]

 



[1] عن الثالوث القدوس — القديس أوغسطينوس. https://biblehub.com/library/augustine/on_the_holy_trinity/chapter_20_the_sender_and_the.htm

[2] يوحنا 1: 3، 18، 14

[3] حكمة سليمان 7: 25-27

[4] حكمة سليمان 9: 10

[5] حكمة سليمان 7: 27

[6] [الإشارة هي إلى الحكمة في سفر الأمثال، وفي سفر الحكمة]

[7] غلاطية 4: 4

[8] 1 تيموثاوس 3: 16

[9] يوحنا 16: 28

[10] حكمة سليمان 9: 10

[11] 1 كورنثوس 1: 21

[12] يوحنا 1: 5، 14

[13] يشوع بن سيراخ 24: 3

[14] يوحنا 15: 26

[15] يوحنا 10: 30

[16] يوحنا 20: 22

[17] أعمال الرسل 2: 1-4

[18] 1 كورنثوس 12: 6

[19] يوحنا 15: 26

[20] يوحنا 14: 26

[21] المصطلح "مبدأ" يُستخدم "على سبيل الإضافة، وليس بحسب الجوهر"، كما يقول أغسطينوس. فالآب هو "مبدأ كل اللاهوت"، بالإشارة إلى التمايزات الأقنومية للآب والابن والروح القدس--إذ إن الابن من الآب، والروح القدس من الآب والابن. والعلاقات الثالوثية أو أوجه الجوهر "تبدأ" مع الأقنوم الأول، وليس الثاني أو الثالث. وعبارة "كل اللاهوت"، في التصريح أعلاه، وُضِعَت بدلاً من "الثالوث"، وليس بدلاً من "الجوهر". وأغسطينوس لا يقول إن الآب هو "مبدأ" (principium) الجوهر الإلهي مقسوماً تجريدياً، بل فقط للجوهر من حيث هو مثلث الأقانيم. وبهذا المعنى، يُسمي كتاب الثالوث: الآب "fons trinitatis" (ينبوع الثالوث)، وأحياناً "fons deitatis" (ينبوع اللاهوت). وتوريتين يستخدم هذه الصيغة الأخيرة (iii. xxx. i. 8)؛ وكذلك أُوين (Communion with Trinity, Ch. iii)؛ وهُوكِر (Polity, v. liv). ولكن في هذه الحالة، يجب إضافة الجملة الاحترازية لتوريتين: "fons deitatis, si modus subsistendi spectatur" (ينبوع اللاهوت، إذا ما نُظِر إلى طريقة القوام). وعبارة "fons trinitatis" أو "principium trinitatis" هي أقل عرضة لسوء الفهم، وأكثر دقة من "fons deitatis" أو "principium deitatis".--W.G.T.S.

[22] يوحنا 7: 39

[23] لوقا 1: 15، 41-79

[24] لوقا 2: 25-38

[25] المزامير 19: 3، 4