الأربعاء، 12 أغسطس 2026

ماذا قصد يسوع بقوله إن البشر «آلهة» (يوحنا 10: 34)؟

 


 

ماذا قصد يسوع بقوله إن البشر «آلهة» (يوحنا 10: 34)؟[1]

 

تقرأ يوحنا 10: 34: «أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَلَيْسَ مَكْتُوبًا فِي نَامُوسِكُمْ: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ؟»». وجاءت هذه الملاحظة فور إعداد اليهود للحجارة ليرجموا الرب بسبب إقراره في ع 30: «أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ». وقد فهم جمهور يسوع بحق أنه يؤكد لاهوته، بعبارات توحي بالثالوث. ولذلك خلصوا إلى أنه قد جدف على الله؛ لأنه بينما كان مجرد إنسان (كما توهموا)، كان يجعل نفسه إلهًا (ع 33). ولردع عدائهم ورفضهم، استشهد يسوع بمزمور 82: 6، الذي يقرأ كالتالي: «أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ، وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ».

 

وفي استشهاده بمزمور 82: 6، كان يسوع يحتج بآية من الكتب المقدسة المعصومة تطلق اسم أو لقب «إله» على أناس معينين، ليس على كل البشر بالطبع، بل فقط «أُولئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ» (يوحنا 10: 35). وقد أُضيف بعد إلهي إلى أولئك الذين أُفرزوا على نحو خاص من الله ليكونوا حاملي حقائق خلاصه ومدبري شريعته المقدسة. ففي مزمور 82 يخاطب الله قضاة ومدبرين أُفرزوا لخدمة ممثلين عنه في تعليم وشريعة قداسته وإجرائها. وللأمانة، فإن بعض هؤلاء القضاة المفوَّضين رسميًا مارسوا خدمتهم بظلم وأظهروا محاباة للأغنياء، مع كونهم على باطل (ع 2). ويعبر المزمور في جوهره عن دينونة هؤلاء القضاة الظالمين، قائلاً بما معناه: (على الرغم من أن لكم وضع وكلاء الله، ودُعيتم على اسمه، إلا أنه بسبب عدم أمانتكم للواجب المقدس ستموتون كالبشر وتسقطون كأحد رؤساء العالم غير المخلص).

 

وفي استخدام مزمور 82: 6 كحجة رابينية شهيرة تُدعى: من الأدنى إلى الأعلى (a fortiori)، لتأكيد وضعه الفريد كابن الله، يضع يسوع تمييزًا أو تباينًا جوهريًا بينه وبين البشرية المفتداة، قائلاً في يوحنا 10: 35- 36: «إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لأُولئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ، فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ، أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ، لأَنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ اللهِ؟». أي إن مؤمني العهد القديم الذين دخلوا في علاقة عهد مع الله على أساس وعوده المنعمة قد نالوا وضع العضوية في الله. لقد تبناهم الله الآب. ولم يكن هذا وضعًا جوهريًا وأزليًا يمتلكونه بحق أو على سبيل المكافأة على فضيلتهم وطاعتهم؛ بل كان مجرد إمتياز مُنح لهم بنعمة الله المحضة. فبنوتهم كانت مشتقة وليست موروثة.

 

وفي يوحنا 10: 36 يضع يسوع تمييزًا بين الخطاة المفتدين تحت العهد القديم وبين نفسه كابن أزلي يوجد مع الآب في المجدالابن الذي «قُدِّسَ» (أو أُفرز رسميا) لمهمته كمسيح وفادي شعب الله. وبعد أن قُدِّس هكذا في السماء، أرسله الآب إلى الأرض، إلى العالم الغارق في الخطيئة والراغب في مخلص.

وطوال إنجيل يوحنا، يُلقى تأكيد خاص على وضع يسوع بصفته المُرْسَل من الله الآب (يوحنا 4: 34؛ 5: 23- 24، 30؛ 6: 38- 40، 44، 57؛ 7: 16، 18؛ يوحنا 8: 16، 18؛ 9: 4؛ 10: 36؛ 11: 42؛ 12: 45، 49؛ 14: 24؛ 15: 21؛ 16: 5؛ يوحنا 17: 3، 18، 21، 23، 25؛ 20: 21). وبهذا المعنى فهو فريد مطلقًا، لأنه حتى وإن كان أنبياء مثل يوحنا المعمدان قد أُرْسِلُوا من الله إلى الناس (يوحنا 1: 6)، فقد أُرْسِلُوا من الأرض إلى الأرض؛ المسيح وحده هو من أُرْسِل من السماء (موطنه الخاص) إلى الأرض. وبهذا المعنى فهو ابن الله بمقتضى وضعه الذاتي كإله؛ أما المؤمنون فهم أبناء الله فقط بالدعوة المنعمة من الله وبفعل التبني. ولا يعني ربنا هنا بأي حال من الأحوال أننا أبناء الله مثله تمامًا—باستثناء مستوى أقل من القداسة والفضيلة. لا يوجد فهم خاطئ أشد انحرافًا من ذلك. لكن ما يؤكده هنا هو أنه لا ينبغي لسامعيه أن ينزعجوا من نسبة اللاهوت إلى نفسه، بينما الكتب المقدسة ذاتها تمنحهم وضع الألوهة بتبني النعمة.

 

وهناك ملاحظة إضافية جديرة بالذكر بشأن هذا الاستخدام العارض لكلمة إلوهيم Elohim (إلوهيم) في العهد القديم للإشارة إلى المؤمنين تحت العهد. يبدو أن هذا يعمل بقياس المسميات القومية مثل بني إسرائيل benê Yiśrāʾēl، بني عمون benê ʿAmmôn، بني يهوذا benê Yehûdāh، بني بابل benê Bāḇel، إلخ. وكل هذه القبائل أو الأمم كان يمكن أيضًا الإشارة إليها بدون بني benê (بني)، مثل إسرائيل، عمون، أو يهوذا. وبناءً على هذا القياس، فإن التركيب بني إلوهيم benê ʾelōhîm يمكن اختصاره إلى إلوهيم ʾelōhîm بمفردها—أي فرد من أبناء (أو شعب) الله. (والنصوص الأخرى من هذه الفئة، التي تشير إلى حكام وقضاة إسرائيل كنموذج لممثلي الله على الأرض، تشمل خروج 21: 6؛ 22: 7- 8، 27؛ مزمور 8: 5؛ 82: 1؛ 138: 1 [أو غير ذلك «الملائكة»]. مزمور 82: 1ب [جاء في هامش NASB National American Standard Bible: «آلهة»، لكن «حكام» في النص] تنتمي إلى هذه الفئة نفسها).

 

إن ادعاءات يسوع بأنه واحد مع الله تجاوزت الحدود التي آمن بعض القادة اليهود أنه لا ينبغي لأي إنسان أن يتخطاها على الإطلاق، لئلا يتعدى الشخص وينسب لنفسه حقوقًا وحقوقًا إلهية حصرية. وإن أراد البعض رجم يسوع (العددين 31- 33) لهو دليل على أن ادعاءه كان أكثر من مُجرد كونه واحدًا مع الله في الفكر أو الإرادة أو القصد.[2]

 



[1] Gleason L. Archer, New International Encyclopedia of Bible Difficulties, Zondervan's Understand the Bible Reference Series (Grand Rapids, MI: Zondervan Publishing House, 1982). 373

[2] Ted Cabal, Chad Owen Brand, E. Ray Clendenen, Paul Copan, J.P. Moreland and Doug Powell, The Apologetics Study Bible: Real Questions, Straight Answers, Stronger Faith (Nashville, TN: Holman Bible Publishers, 2007). 1592


هل الله قائم في مجمع الآلهة تعني الشرك؟ مز 82: 6؛ يو10: 34

 


 

أَللهُ قَائِمٌ فِي مَجْمَعِ ٱلآلِهَةِ؟[1]

 

من المدهش أن نجد نصًا كتابيًا يبدو وكأنه يقر بالوجود الضمني للآلهة التي تنافس يهوه. يتأمل المرنم آساف ألوهيم (Elohim) وهو يرأس مجمعًا عظيمًا ويقضي بين من يسميهم النص "آلهة". فهل يؤكد هذا النص وجود الشرك؟

 

أمامنا قاعة محكمة. والقضية المطروحة أمام المحكمة هي المشكلة المزعجة والمتكررة أبدًا: مشكلة الأشرار والظلم الذي يبدو وكأنه يجرف كل شيء في طريقه.

 

في مخاطبة "الآلهة" (بالعبرية: ˒elōhîm - ألوهيم)، لا يقر الله بالآلهة الوثنية ولا يعترف بوجود كائنات أخرى فائقة للطبيعة مثله؛ بل هو يخاطب القضاة والحكام الأرضيين لشريعته الذين أقامهم ليمثلوه. يضع ربنا شريعته بين يدي هؤلاء المدبرين، الذين يعملون كحكام في الدولة المعينة إلهيًا، لتقديم قسط من الفرج العاجل من مظالم الحياة وشرورها.

 

إن استخدام كلمة ˒elōhîm (ألوهيم) هذا ليس غريبًا كما قد يبدو في الوهلة الأولى. فنصوص أخرى تشير إلى هذه الفئة من حكام إسرائيل وقضاتها كممثلي الله على الأرض. ففي سفر الخروج 21: 6، وبإستخدام ذات الكلمة، يُؤمر العبد الذي يختار طوعًا أن يُستعبد مدى الحياة أن يُؤتى به «إِلَى ٱلْلَّهِ». وبالمثل، في سفر الخروج 22: 8، يُنصح صاحب البيت الذي يشتكي من السرقة، حتى عندما لا يُعثر على السارق، أن «يُقَدَّمَ أَصْحَابُ ٱلْبَيْتِ إِلَى ٱلْلَّهِ». وبإستخدام الكلمة عينها، ألمح المرنم في مزمور 138: 1 «أَحْمَدُكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِي. قُدَّامَ ٱلآلِهَةِ أُرَنِّمُ لَكَ».

 

لذلك، لا ينبغي أن يكون مستغربًا على الإطلاق أن يستعمل مزمور 82: 1 هذه الكلمة عينها للإشارة إلى السلطات التنفيذية أو القضائية للحكومة. وفي الواقع، يجعل مزمور 82: 6 الأمر جليًا كالنهر بفرضه أن جميع المؤمنين الذين هم «بَنُو ٱلْعَلِيِّ» هم «آلِهَةٌ».

 

وفي يوحنا 10: 34، عندما اتُّهم بالتجديف، احتج ربنا بمزمور 82: 6 قائلًا: «أَلَيْسَ مَكْتُوبًا فِي نَامُوسِكُمْ: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ؟». وبفعل ذلك، أوضح يسوع أنه يمكن إطلاق هذا اللقب على أناس معينين «صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ ٱللهِ» (يوحنا 10: 35)، ومن ثم لا يمكن تقديم اعتراضات ظاهرية ضد ادعائه بأنه إلهي. لقد كان هناك انتساب مشروع لكلمة ˒elōhîm (ألوهيم) لأولئك الذين أُعدوا خصيصًا من الله لإدارة شريعته وكلمته للشعب.

 

ومنذ سفر التكوين 9: 6، نقل الله إلى البشر تنفيذ امتيازه الشخصي في تقرير الحياة والموت، وأنشأ بينهم مكتبًا يحمل السيف. لقد نقل الله ممارسة سلطانه إلى هؤلاء "الآلهة" المرؤوسين دون أن يتجرد بذلك من القول الأخير.

 

إن الله يجلس الآن ليدين هؤلاء الحكام، لأن كل ما يفعلونه يجري أمام عينيه. والسؤال المطروح من العلي هو: "إلى متى تقضون بالجور وترفعون وجوه الأشرار؟" هذا هو المجمع العظيم الذي يرأسه ربنا والذين يسائلهم الآن عن معالجتهم الرديئة لشواغل المظلومين. ولكن ليس ثمة أي إشارة إلى الإيمان بآلهة أو إلهات متعددة. ولا يلمح الله بذلك إلى أن لديهم الطبيعة الإلهية الحصرية للثالوث. إنها مجرد حالة تتطلب فيها كلمة واحدة، وهي ˒elōhîm (ألوهيم)، أن تؤدي وظيفة مزدوجة، متضمنة ليس فقط الإشارة إلى الله، بل وأيضًا إلى خدامه الخواص المعينين للمهام الفريدة الموصوفة في هذه السياقات.

 

الخلاصة

 

تعتتقد مجموعة متنوعة من الشيع التابعة لحركة العصر الجديد (New Age) والجماعات الدينية شبه المسيحية أن البشر إلهيون. وغالبًا ما يشيرون إلى هذه الآية كدعم لرأيهم. في الواقع، إن هذه الآية هي إشارة إلى مزمور 82: 6، وهو مزمور لآساف، يصف قضاة العهد القديم الذين يقفون في مكان الله ليدينوا شعبه. وبكونهم ممثليه، فهم يمتلكون سلطة مفوضة للتكلم نيابة عنه. وفي مزمور 82: 7، يقال إن هؤلاء الآلهة/القضاة سيواجهون الموت بسبب أحكامهم الظالمة، مما يظهر بشكل قاطع أنهم بشر وليسوا كائنات إلهية. والكلمة المترجمة "آلهة" (elohim - ألوهيم) في مزمور 82: 6 تترجم «ٱلْلَّهِ» [أي القضاة] في خروج 21: 6 وخروج 22: 8.[2]

هذا ليس إقرارًا بالشرك أو ادعاءً بأن الكائنات البشرية هي آلهة؛ بل هو برهان "من الأدنى إلى الأعلى". لقد دُعيَّ القضاة البشر في إسرائيل "آلهة" بسبب أدوارهم السامية (وإن كانت مُساء استخدامها) في مزمور 82: 6، ولذا لم يكن ممكناً تلقائياً أن تُعد دعوى يسوع بأنه ابن الله تجديفاً.



[1] Walter C. Kaiser, Jr., Peter H. Davids, F. F. Bruce, Manfred T. Brauch and Walter C. Kaiser, Hard Sayings of the Bible (Downers Grove, Il: InterVarsity, 1997). 279

[2] Ted Cabal, Chad Owen Brand, E. Ray Clendenen, Paul Copan, J.P. Moreland and Doug Powell, The Apologetics Study Bible: Real Questions, Straight Answers, Stronger Faith (Nashville, TN: Holman Bible Publishers, 2007). 1592


الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

عندما تجسد أقنوم الابن ألاَ يعتبر هذا انفصال عن أقنومي الآب والروح القدس؟

 



يجيب على هذا بطرس ديناسيوس في رده على اعتراضات "أيوب بك صبري" الذي أنكر الإيمان ونشر اعتراضاته بجريدة مكارم الأخلاق لصاحبها أحمد أفندي الشريف فيقول:

"وأما قوله بأن حلول الأقنوم الإلهي في الناسوت مع كونه واحدًا في الجوهر مع الآب والروح يقتضي تجزئة الجوهر الإلهي،

فأجيب عليه:

حاشا..

لأن الجوهر الإلهي هو روح غير قابل للتجزئة ومع ذلك لما حلَّ ابن الله في الناسوت لم ينفصل عن الجوهر الإلهي،

وإن قيل كيف ذلك؟

فأجيبه ذلك فوق "كيف"، وليس هو وحده فوق "كيف". بل يوجد فينا أشياء فوق "كيف". فان قيل وما هي؟ أجبته هو الروح الإنساني.

ومع ذلك يكون روحًا واحدًا، وإن قيل أنه متجزئ في الجسد فأقول الروح لا يقبل التجزؤ، وإن قيل انه متمدّد فيه فأقول أن التمدُّد هو من خصائص المادة والروح ليس بمادة.

كذا لو قُطِع جزء من الجسد فهل يُقطع معه الروح كله أو جزء منه، فان كان كله فتكون أجزاء الجسد الأخرى باقية بدون روح وذلك مُحال، وإن كان يُقطع جزء منه مع الجزء المقطوع من الجسد، فيكون الروح متجزئ، وقد بينَّا سابقًا أن الروح لا يتجزأ وزيادة على ذلك يكون الباقي في الجسد الحي ليس روحًا كاملًا، وهذا لا يسلم به أحد. فها قد رأيت أن حلول الروح في الجسد كله وإتحاده به لا يمكن إدراكه ومع ذلك نحن ملزمون أن نعتقد بهذه الحقيقة وإن كنا غير قادرين على إدراك كيفيتها، فان كنا لا نقدر أن ندرك كيفية حلول الروح المحدَّد في الجسد المحدود نظيره فهل نقدر أن ندرك كيفية حلول اللاهوت غير المحدود في الناسوت المحدود"

(القول الصريح في تثبيت الأقانيم وتجسد المسيح طبعة 1891م ص 124 ، 125 [كتاب حتمية التجسد الإلهي - أ. حلمي القمص يعقوب، 55- س37]).