الجمعة، 31 يوليو 2026

نصوص كتابية عن تجسد الله

 


إشعياء ٧: ١٤ 

«هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ.»

 

إشعياء ٩: ٦ 

«لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَيُعْطَى لَنَا ابْنٌ، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ: عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلَهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ.»

 

ميخا ٥: ٢ 

«أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ... مِنْكِ يَخْرُجُ لِي مَنْ يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ.»

 

يوحنا ١: ١٤ 

«وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا.»

 

متى ١: ٢٣ 

«هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ، الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اللهُ مَعَنَا.»

 

لوقا ١: ٣٥ 

«فَأَجَابَ الْمَلاَكُ: اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذَلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ.»

 

فيلبي ٢: ٦-٧ 

«الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خِلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ.»

 

عبرانيين ٢: ١٤ 

«فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ، اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ فِيهِمْ، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسُ.»


الروح القدس للقديس باسليوس، الفصل 18، هل الله خاضع للأعداد؟!

 


كيف نحفظ العقيدة التقية لوحدة الأصل (Monarchia) في اعترافنا بالأقانيم الثلاثة. وفيه أيضاً دحض للذين يزعمون أن الروح يُعدُّ مرتبة أدنَى (subnumerated).

 

44. عند تسليمه صيغة الآب والابن والروح القدس، «عَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ» (متى 28: 19)، لم يربط ربنا العطية بالعدد. فلم يقل إلى أول وثانٍ وثالث، ولا حتى إلى واحد واثنين وثلاثة، بل وهبنا عطية معرفة الإيمان الذي يؤدي إلى الخلاص، بوساطة الأسماء المقدسة. حتى إن ما يخلصنا هو إيماننا. فالعدد قد أُبتكر كرمز مشير إلى كمية الأشياء. لكن هؤلاء القوم، الذين يجلبون الهلاك على أنفسهم من كل مصدر ممكن، قد وجهوا حتى القدرة على العد ضد الإيمان. لا شيء آخر يتغير نتيجة لإضافة العدد، ومع ذلك فإن هؤلاء القوم في حالة الطبيعة الإلهية يقدمون الإكرام للعدد، لئلا يتجاوزوا حدود الإكرام الواجب للباراقليط. ولكن، يا أيها السادة الأفاضل، دعوا ما لا يُدنَى منه يكون كلياً فوق العدد ويتجاوزه، كما كتبت الهيبة القديمة للعبرانيين الاسم الإلهي الذي لا يُنطق به بحروف خاصة، محاولةً بذلك إظهار تفوقه غير المحدود.[1] عُدّوا، إن كان يجب عليكم ذلك؛ ولكن لا يجب عليكم بالعد أن تُلحقوا الضرر بالإيمان. إما أن يُكرم ما لا يُعبر عنه بالصمت؛ أو لتُعدّ الأشياء المقدسة باتساق مع الإيمان الحقيقي. هناك إله واحد وآب، ومولود واحد وحيد، وروح قدس واحد. نحن نكرز بكل أقنوم من الأقانيم بمفرده؛ وعندما يتحتم علينا العد، لا ندع الحساب الجاهل يجرفنا إلى فكرة تعدد الآلهة.


45. لأننا لا نعد عن طريق الإضافة، متدرجين بالزيادة من الوحدة إلى الكثرة، وقائلين واحد واثنين وثلاثة — ولا حتى أول وثانٍ وثالث. لأن «أَنَا هُوَ الأَوَّلُ وَأَنَا الآخِرُ» (إشعياء 44: 6). وحتى الآن لم نسمع قط، ولا في الوقت الحاضر، بإله ثانٍ. وإذ نعبد إلهاً من إله، فنحن نعترف بتمايز الأقانيم، وفي الوقت نفسه نتمسك بوحدة الأصل (Monarchy). نحن لا نبتذل اللاهوت في كثرة منقسمة، لأن صورة واحدة، إن جاز التعبير، متحدة في اللاهوت غير المتغير، تُرى في الله الآب وفي الله الابن الوحيد. لأن الابن في الآب والآب في الابن؛ إذ كما هو الأخير، هكذا هو الأول، وكما هو الأول، هكذا هو الأخير؛ وهنا تكون الوحدة. بحيث إنه وفقاً لتمايز الأقانيم، كلاهما واحد وواحد، ووفقاً لشركة الطبيعة، هما واحد. كيف إذن، إن كانا واحداً وواحد، لا يوجد إلهان؟ لأننا نتكلم عن ملك، وعن صورة الملك، وليس عن ملكين. فالجلال غير منقسم إلى اثنين، ولا المجد متجزئ. فالسيادة والسلطان علينا واحد، وهكذا فإن تمجيدنا لله ليس متعدد بل واحد؛ لأن الإكرام المدفوع للصورة ينتقل إلى الأصل. وما تكونه الصورة في إحدى الحالتين بداعي المحاكاة، يكونه الابن في الحالة الأخرى بالطبيعة؛ وكما أن الشبه في الأعمال الفنية يعتمد على الشكل، هكذا في حالة الطبيعة الإلهية غير المركبة يتكون الاتحاد في شركة اللاهوت. والأكثر من ذلك، واحد هو الروح القدس، ونتكلم عنه بمفرده، مقترناً كما هو بالآب الواحد من خلال الابن الواحد، ومتمماً بنفسه الثالوث المعبود والمبارك. وإن علاقته الحميمة بالآب والابن مُعلنة بالقدر الكافي من حقيقة أنه لا يُصنف في كثرة الخليقة، بل يُتكلم عنه بمفرده؛ لأنه ليس واحداً من كثيرين، بل هو واحد متفرد. فكما أن هناك أباً واحداً وابناً واحداً، هكذا هناك روح قدس واحد. وبناءً على ذلك، فهو بعيد كل البعد عن الطبيعة المخلوقة كما يتطلب العقل أن ينفصل المفرد عن الأجسام المركبة والمتعددة؛ وهو متحد بالآب وبالابن بالأسلوب الذي تتحد به الوحدة بالوحدة.


46. وليس هذا هو المصدر الوحيد الذي نستمد منه براهيننا على الشركة الطبيعية، بل من حقيقة أنه يُقال بالإضافة إلى ذلك إنه من الله «الَّذِي هُوَ مِنَ اللهِ» (2 كورنثوس 1: 12)؛ ليس بالفعل بالمعنى الذي به كل الأشياء هي من الله، بل بمعنى الصدور من الله، ليس بالولادة مثل الابن، بل كنسمة فمه. ولكن ليس الفم بأي حال من الأحوال عضواً، ولا الروح نسمة تتلاشى؛ بل كلمة الفم تُستخدم بقدر ما يمكن أن تكون ملائمة لله، والروح هو جوهر له حياة، وموهوب بالسلطان الأسمى للتقديس. وهكذا تتضح العلاقة الوثيقة، بينما يُحفظ أسلوب الوجود الذي لا يُعبر عنه. وهو علاوة على ذلك يُسمى «روح المسيح»، كونه بالطبيعة وثيق الصلة به. ولذلك « وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ» (رومية 8: 9). ومن ثم فهو وحده يُمجد الرب باستحقاق، لأنه قيل: «ذَاكَ يُمَجِّدُنِي» (يوحنا 16: 14)، ليس كالمخلوق، بل كـ «رُوحُ الْحَقِّ» (يوحنا 14: 17)، مظهراً بوضوح الحق في نفسه، وكروح الحكمة، في عظمته الخاصة معلناً المسيح «قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ» (1 كورنثوس 1: 24). وبصفته باراقليطاً فهو يعبر في نفسه عن صلاح المُعزي الذي أرسله، وفي كرامته الخاصة يُظهر جلال من صدر عنه. فهناك إذن مجد طبيعي من جهة، كما أن النور هو مجد الشمس؛ ومن جهة أخرى مجد ممنوح قضائياً وبإرادة حرة من الخارج على المستحقين. والأخير على نوعين. فالابن، كما قيل، يكرم أباه، والعبد سيده «الاِبْنُ يُكْرِمُ أَبَاهُ، وَالْعَبْدُ يُكْرِمُ سَيِّدَهُ» (ملاخي 1: 6). ومن هذين الاثنين، فإن أحدهما، يُعطى بواسطة المخلوق؛ والآخر، الذي يمكن تسميته بالحميم، يُتَمَّم بواسطة الروح. لأنه، كما قال ربنا عن نفسه: «أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى الأَرْضِ. الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ.» (يوحنا 17: 4)؛ هكذا عن الباراقليط يقول: «ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ» (يوحنا 16: 14). وكما أُن الابن يُمجَّد من الآب عندما يقول: «مَجَّدْتُ، وَأُمَجِّدُ أَيْضًا!» (يوحنا 12: 28)، هكذا يُمَجَّد الروح من خلال شركته مع كل من الآب والابن، ومن خلال شهادة الابن الوحيد عندما يقول: «كُلُّ خَطِيَّةٍ وَتَجْدِيفٍ يُغْفَرُ لِلنَّاسِ، وَأَمَّا التَّجْدِيفُ عَلَى الرُّوحِ فَلَنْ يُغْفَرَ لِلنَّاسِ» (متى 12: 31).


47. وعندما نثبت أعيننا، بوساطة القوة التي تنيرنا، على جمال صورة الله غير المنظور، ونُقاد من خلال الصورة إلى الجمال الأسمى لمشهد الأصل، فحينئذٍ، أظن، يكون معنا بلا انفصال روح المعرفة، واهباً في نفسه للذين يحبون رؤية الحق القوة على معاينة الصورة، لا جاعلاً العرض من الخارج، بل في نفسه قائداً إلى المعرفة الكاملة. لا أحد يعرف الآب إلا الابن. ولهذا «لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَسُوعُ رَبٌّ» إِلاَّ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ» (1 كورنثوس 12: 3). لأنه لم يقل من خلال الروح، بل بالروح، و«اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنَبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا» (يوحنا 4: 24)، كما هو مكتوب «بِنُورِكَ نَرَى نُوراً»، أي بإستنارة الروح، «النُّورُ الْحَقُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِياً إِلَى الْعَالَمِ» (يوحنا 1: 9). والنتيجة هي أنه يعرض في نفسه مجد الابن الوحيد، وعلى الساجدين الحقيقيين يهب في نفسه معرفة الله. وهكذا فإن طريق معرفة الله يمتد من روح واحد من خلال ابن واحد إلى آب واحد، وبالمثل فإن الصلاح الطبيعي والقداسة الذاتية والكرامة الملوكية تمتد من الآب من خلال الابن الوحيد إلى الروح. وهكذا يوجد اعتراف بالأقانيم وعقيدة وحدة الأصل (Monarchy) الحقيقية لا تُفقد. أما أولئك الذين يدعمون جعل الروح في مرتبة أدنى (sub-numeration) بالتحدث عن أول وثانٍ وثالث، فيجب إعلامهم أنهم يدخلون في اللاهوت النقي للمسيحيين تعدد الآلهة الخاص بالضلال الوثني. فلا يمكن تحقيق أي نتيجة أخرى بالحيلة الماكرة لجعل الروح في مرتبة أدنى سوى الاعتراف بإله أول وثانٍ وثالث. أما بالنسبة لنا فيكفي الترتيب الذي حدده الرب. ومن يربك هذا الترتيب فلن يكون أقل إثماً في تعدي الشريعة من الوثنيين غير المؤمنين.


وقد قيل الآن ما يكفي لإثبات، دحضاً لضلالهم، أن شركة الطبيعة لا تنحل بأي حال من الأحوال بأسلوب جعل الروح في مرتبة أدنى. ومع ذلك، دعونا نقدّم تنازلاً لخصمنا المشاكس وضعيّ العقل، ونسلم بأن ما هو ثانٍ لأي شيء يُقال عنه إنه في مرتبة أدنى له. الآن دعونا نرى ما يتبع ذلك. «الإِنْسَانُ الأَوَّلُ مِنَ الأَرْضِ أَرْضِيٌّ. الإِنْسَانُ الثَّانِي الرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ» (1 كورنثوس 15: 47). وأيضاً «لَكِنَّ لَيْسَ الرُّوحَانِيُّ أَوَّلاً بَلِ الْحَيَوَانِيُّ، وَبَعْدَ ذَلِكَ الرُّوحَانِيُّ» (1 كورنثوس 15: 46). فإن كان الثاني يوضع في مرتبة أدنى من الأول، وكان الموضوع في مرتبة أدنى أقل في الكرامة مما وُضع في مرتبة أدنى منه، فوفقاً لكم يكون الروحاني أقل في الإكرام من الجسداني، والإنسان السماوي من الأرضي.



[1] يقصد الاختصارات المقدسة التي كان يستخدمها اليهود عند نسخ العهد القديم، حيث لا يكتبون يهوه بل يكتبون اختصارًا بدلًا من الاسم الإلهي المباشر.


الخميس، 30 يوليو 2026

سفر التكوين وكتابات الشرق الأدنى القديم!

 


سفر التكوين وكتابات الشرق الأدنى القديم[1]

 

إن سفر التكوين 1-11 كما نقرأه هو تعليق، وغالبًا ما يكون نقديًا للغاية، على الأفكار الشائعة في العالم القديم حول العالم الطبيعي وفوق الطبيعي. يبدو أن كلاً من القصص الفردية وكذلك العمل النهائي المكتمل يمثلان جدالاً ضد العديد من المفاهيم المتلقاة عمومًا عن الآلهة والإنسان. لكن التوجه الجدلي الواضح لسفر التكوين 1-11 يجب ألا يحجب حقيقة أن الفكر الكتابي والفكر غير الكتابي يتفقان بوضوح في نقاط معينة. في الواقع، من المحتمل أن سفر التكوين والشرق الأدنى القديم يشتركان في الكثير مع بعضهما البعض أكثر مما يشترك أي منهما مع الفكر العلماني الحديث.


سفر التكوين 1-9 يسجل الخطوط العريضة المجردة لتاريخ العالم منذ خلقه حتى الطوفان، وهو ما يجد له موازيًا في ملحمة أتراهاسس وبشكل أكثر لفتًا للانتباه في قصة الطوفان السومرية. وضمن هذه الخطوط العريضة، تتشابه قصص الطوفان في جلجامش (ربما استُعيرت من نسخة مفقودة من ملحمة أتراهاسس) وفي سفر التكوين 6-9 بشكل مذهل. هذا لا يعني أن كاتب سفر التكوين قد سمع أو قرأ ملحمة جلجامش قط "فهذه التقاليد كانت جزءًا من الأثاث الفكري لذلك العصر في الشرق الأدنى، تمامًا كما أن معظم الناس اليوم لديهم فكرة ما عن كتاب أصل الأنواع لداروين رغم أنهم لم يقرؤوه قط.


لا يشترك سفر التكوين في الخطوط العريضة المشتركة للتاريخ البدائي مع جيرانه فحسب، بل يتفق أيضًا مع الثقافة المعاصرة في نقاط أخرى مختلفة. اتفق كلاهما على وجود عالم غير مرئي فوق طبيعي "وأن إلهًا أو آلهة كانت موجودة "وكانت شخصية "ويمكنها التفكير، والتحدث، والتواصل مع البشر "بل والتحكم في الشؤون البشرية. كما اتفق سفر التكوين مع اللاهوت الشرقي على أن الإنسان أكثر من مجرد مادة "فله بُعد إلهي روحي. تتحدث أتراهاسس عن صُنع الإنسان من خليط من الطين ولحم ودم إله ميت (A 1.208-60). هذا يوازي التكوين 2: 7 حيث يخلق الرب الإنسان من تراب الأرض وينفخ فيه نسمة حياة إلهية. وبالمثل، تتحدث النصوص المصرية عن خلق الإنسان على صورة الله (قارن تكوين 1: 26-27). كما أن الخلق كفعل فصل بين النور والظلمة، واليابسة والبحر، وبكلمة الله، كلها تجد لها موازيات في لاهوت الشرق الأدنى (انظر فيسترمان 1: 25-47).


ومع ذلك، تتضاءل هذه التشابهات بين الفكر الكتابي وغير الكتابي أمام الاختلافات. يشير ياكوبسن إلى أنه على الرغم من "اعتماد سفر التكوين المحتمل على النسخة الخاصة ببلاد ما بين النهرين للأصول"، يجب أن نلاحظ أيضًا كيف حُولت هذه المواد بشكل حاسم في السرد الكتابي، مما غيّر معناها وأهميتها الأصلية بشكل جذري.


تتخذ "Eridu Genesis" طوال الوقت... نظرة إيجابية ومتفائلة للوجود "فهي تؤمن بالتقدم. لم تكن الأمور جيدة في البداية كما أصبحت بعد ذلك...


أما في السرد الكتابي فالأمر على العكس من ذلك. بدأت الأمور مثالية من يد الله ثم ساءت باطراد بسبب خطية الإنسان حتى اضطر الله أخيرًا إلى إبادة البشرية جمعاء باستثناء نوح التقي الذي سينجب نسلًا جديدًا وأفضل.


لا يمكن أن يكون الحكم الأخلاقي المُقَدَّم هنا، ووجهة النظر المتشائمة التي تلته، أكثر اختلافًا عن فحوى القصة السومرية "فقط التأكيد على أن مثل هذا الطوفان لن يتكرر هو المشترك بينهما (JBL 100 [1981] 529).


من اللافت للنظر أن ياكوبسن يصل إلى هذا التناقض من خلال مقارنة "Eridu Genesis"، وهي قصة الطوفان الموسعة لديه، مع المصدر P، والذي يُنظر إليه عمومًا على أنه أكثر تفاؤلاً بشأن الوضع البشري من المصدري J. لكن سفر التكوين الكتابي كما هو يحتوي على كل أنواع الحوادث الأخرى التي توضح خطية الإنسان "السقوط (الأصحاح 3)، وقايين وهابيل (الأصحاح 4)، وأبناء الله (6: 1-4)، ولعنة حام (9: 20-29)، وبرج بابل (11: 1-9). هذه الأحداث، عند إضافتها إلى المخطط التفصيلي P لتاريخ العالم، تجعل الوضع أكثر سوادًا والتناقض مع قصة الطوفان السومرية أكثر صرامة. يتناقض سفر التكوين بشكل قاطع مع التفاؤل الإنساني لبلاد ما بين النهرين "فوضع البشرية من وجهة نظره ميئوس منه بدون الرحمة الإلهية.


يمكن رؤية العديد من الحلقات الفردية في تكوين 1-11 على أن لها توجهًا جدليًا متميزًا في حد ذاتها، ولا سيما ضد الأفكار الدينية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا ببلاد ما بين النهرين. على سبيل المثال، التكوين 11: 1-9، قصة برج بابل، هي سخرية من ادعاءات بابل بأنها مركز الحضارة وأن برج معبدها هو بوابة السماء (EE 6: 50-80) "فبابل لا تعني بوابة الله، بل "بلبلة" و"حماقة". وبدلاً من أن يصل قمة معبدها إلى السماء، فإنه منخفض لدرجة أن الله يضطر إلى النزول من السماء لمجرد رؤيته! (11: 4-9).


مارس البابليون والكنعانيون بغاء العبادة والزواج المقدس، وهي طقوس خصوبة يُفترض فيها عمومًا أن الآلهة لها اتحاد جنسي مع النساء. كان يُعتقد أن هذه الطقوس تعزز رفاهية الأمة من خلال ضمان خصوبة التربة. ومع ذلك، ينظر التكوين 6: 1-8 إلى مثل هذه العادات برعب مطلق "فبدلاً من تعزيز ازدهار البشرية، دفعت الله إلى إرسال الطوفان الذي دمر كل حياة، باستثناء عائلة نوح والحيوانات التي أدخلها الفلك.


لا توفر روايات بلاد ما بين النهرين عن الطوفان بعضًا من أقرب الموازيات بين الكتاب المقدس والأدب الشرقي فحسب، بل إنها ترسم أيضًا صورة مختلفة تمامًا للعلاقة بين العالمين البشري والإلهي. فهي تخبرنا أن الطوفان أُرسل من قِبَل الآلهة التي استاءت من ضجيج الإنسان واكتظاظ الأرض بالسكان. نجا "نوح" البابلي لأنه تصادف أنه يعبد إلهًا لم يؤيد قرار الطوفان. بمجرد أن بدأ الطوفان، خرج عن سيطرة الآلهة، وشعروا بالرعب منه. في المشهد الختامي، يظهر إنليل، الإله الأقوى، عند الذبيحة ويتفاجأ بوجود "نوح" لا يزال على قيد الحياة. بينما يحافظ سفر التكوين على قصة مشابهة إلى حد كبير، فإنه يرسم صورة مختلفة جدًا للفاعلين المعنيين. يوجد إله واحد فقط، وهو كلي المعرفة وكلي القدرة. أُرسل الطوفان بأمره وهو تحت سيطرته بالكامل. ففي حين أن آلهة بلاد ما بين النهرين دمرت البشرية بدافع النزوة وتصادف أن يكون "نوحهم" محظوظًا بما يكفي لعبادة الإله المناسب، يعلن سفر التكوين أن شر الإنسان أثار الطوفان وأن نوحًا خَلُصَ لأنه كان بارًا، وهي نقطة تجلت من خلال سلوكه طوال الطوفان. وأخيرًا، في حين بحثت آلهة بلاد ما بين النهرين بعد الطوفان عن وسائل للحد من النمو السكاني، شجعه الرب بشكل إيجابي. فقيل لنوح، كآدم "أثمروا واكثروا" (تكوين 9: 1، 7 "قارن 1: 28).


بطريقة مشابهة، يبدو أن التكوين 1-3 يتناول الأفكار الشائعة في العالم القديم ويعلق عليها. يؤكد التكوين 1 مرة أخرى على وحدانية الله في مقابل تعدد الآلهة السائد في كل مكان آخر في الشرق الأدنى القديم. ويصر بشكل خاص على أن الشمس والقمر والنجوم ووحوش البحر "وهي آلهة قوية وفقًا للميثولوجيا الوثنية" هي مجرد مخلوقات. قد يكون التكوين 1: 1 "في البدء خلق الله السموات والأرض" يؤكد على خلق المادة في مقابل الرأي السائد في ذلك الوقت بأن المادة كانت أزلية وأن الخلق تضمن فقط ترتيب المادة الموجودة مسبقًا. من المؤكد أن سفر التكوين يمنح الإنسان مكانة مختلفة تمامًا في النظام المخلوق عن تلك التي منحتها له الميثولوجيا الشرقية. وبحسب هذا الرأي، خُلِقَ الإنسان بواسطة الآلهة كفكرة لاحقة لتزويد الآلهة بالطعام (A 1.190-91 "EE 6: 35-37). بينما يرسم التكوين 1 صورة معاكسة تمامًا. فالإنسان هو قمة الخلق، وبدلاً من أن يزود الإنسان الآلهة بالطعام، زوّد الله الإنسان بالنباتات كطعام (1: 29). نفس موضوع اهتمام الرب برفاهية الإنسان واضح جدًا في التكوين 2. هنا يخلق الإنسان أولاً، ثم يوفر له جنة يسكن فيها، مع الحيوانات كرفقاء له، وأخيرًا، الزوجة. وأخيرًا، وفقًا لأحد التقاليد البابلية، كانت الأيام السابع والرابع عشر والتاسع عشر والحادي والعشرين والثامن والعشرين من كل شهر تعتبر غير محظوظة "بينما يعلن سفر التكوين أن اليوم السابع من كل أسبوع يوم مقدس، يوم راحة مكرس لله (2: 1-3).


يفتقر التكوين 2-3 إلى موازيات شرقية جيدة، على الرغم من أن ياكوبسن يرى أن قصة الطوفان السومرية بدأت بالحديث عن حقبة كان فيها البشر يمشون عراة ويتمتعون بالسلام مع البشر الآخرين والحيوانات. ولم يُنظر إلى هذا على أنه عصر مثالي، بل كوجود بائس ومحفوف بالفقر أنقذت منه الإلهة نينتور البشرية. أقرب مقارنة يمكن إجراؤها هي مع أسطورة أدابا (ANET, 100-103). ربما كان أدابا (لاحظ التشابه بين الاسم واسم آدم) هو الأول من بين حكماء بلاد ما بين النهرين السبعة. ذات يوم استُدعي أدابا إلى السماء وعُرض عليه هناك خبز وماء الحياة، لكنه رفض، بعد أن حذره إلهه الشخصي مسبقًا برفض مثل هذا العرض. إذا قرأنا قصة السقوط في ضوء هذا الموازي، نرى أن سفر التكوين قد يكون قائلًا إن الإنسان الأول، وبدلاً من إظهار حكمته بطاعة الله، أظهر خطيته بفعل ما كان محظورًا. من المؤكد أن التكوين 2-3 يضع مآثر الإنسان المبكر في ضوء سلبي للغاية عند مقارنتها بالتقليد السومري.


يُظهر السياق الشرقي القديم للتكوين 1-11 أنه يهتم بقضايا مختلفة نوعًا ما عن تلك التي تميل إلى شغل بال القراء المعاصرين. فهو يؤكد على وحدانية الله في مواجهة تعدد الآلهة، وعلى عدله بدلاً من نزواته، وعلى قوته في مقابل عجزه، وعلى اهتمامه بالبشرية بدلاً من استغلاله لها. وفي حين تمسكت بلاد ما بين النهرين بحكمة الإنسان البدائي، يسجل سفر التكوين عصيانه الخاطئ. ولأننا كمسيحيين نميل إلى افتراض هذه النقاط في لاهوتنا، فإننا غالبًا ما نفشل في إدراك الأصالة المذهلة لرسالة التكوين 1-11 ونركز على النقاط الفرعية التي قد تكون أقل أهمية. ولكن دراسة السياق الأوسع للتكوين 1-11 داخل السفر نفسه، وهيكل هذه الأصحاحات، تؤكد، كما أعتقد، على مركزية هذه المواضيع في الأصحاحات الافتتاحية.



[1] Gordon J. Wenham, Word Biblical Commentary : Genesis 1-15, Word Biblical Commentary (Dallas: Word, Incorporated, 2002). xlvii