كيف نحفظ العقيدة التقية لوحدة الأصل (Monarchia) في اعترافنا بالأقانيم الثلاثة. وفيه أيضاً دحض للذين يزعمون أن الروح يُعدُّ مرتبة أدنَى (subnumerated).
44. عند تسليمه صيغة الآب والابن والروح القدس، «عَمِّدُوهُمْ
بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ» (متى 28: 19)، لم يربط ربنا
العطية بالعدد. فلم يقل إلى أول وثانٍ وثالث، ولا حتى إلى واحد واثنين وثلاثة،
بل وهبنا عطية معرفة الإيمان الذي يؤدي إلى الخلاص، بوساطة الأسماء المقدسة. حتى
إن ما يخلصنا هو إيماننا. فالعدد قد أُبتكر كرمز مشير إلى كمية الأشياء.
لكن هؤلاء القوم، الذين يجلبون الهلاك على أنفسهم من كل مصدر ممكن، قد وجهوا حتى
القدرة على العد ضد الإيمان. لا شيء آخر يتغير نتيجة لإضافة العدد، ومع ذلك فإن
هؤلاء القوم في حالة الطبيعة الإلهية يقدمون الإكرام للعدد، لئلا يتجاوزوا حدود
الإكرام الواجب للباراقليط. ولكن، يا أيها السادة الأفاضل، دعوا ما لا يُدنَى
منه يكون كلياً فوق العدد ويتجاوزه، كما كتبت الهيبة القديمة للعبرانيين الاسم
الإلهي الذي لا يُنطق به بحروف خاصة، محاولةً بذلك إظهار تفوقه غير المحدود.[1]
عُدّوا، إن كان يجب عليكم ذلك؛ ولكن لا يجب عليكم بالعد أن تُلحقوا الضرر
بالإيمان. إما أن يُكرم ما لا يُعبر عنه بالصمت؛ أو لتُعدّ الأشياء المقدسة
باتساق مع الإيمان الحقيقي. هناك إله واحد وآب، ومولود واحد وحيد، وروح قدس
واحد. نحن نكرز بكل أقنوم من الأقانيم بمفرده؛ وعندما يتحتم علينا العد، لا ندع
الحساب الجاهل يجرفنا إلى فكرة تعدد الآلهة.
45. لأننا لا نعد عن طريق الإضافة، متدرجين بالزيادة من الوحدة
إلى الكثرة، وقائلين واحد واثنين وثلاثة — ولا حتى أول وثانٍ وثالث. لأن
«أَنَا هُوَ الأَوَّلُ وَأَنَا الآخِرُ» (إشعياء 44: 6). وحتى الآن لم نسمع قط،
ولا في الوقت الحاضر، بإله ثانٍ. وإذ نعبد إلهاً من إله، فنحن نعترف بتمايز
الأقانيم، وفي الوقت نفسه نتمسك بوحدة الأصل (Monarchy). نحن لا نبتذل اللاهوت في كثرة منقسمة،
لأن صورة واحدة، إن جاز التعبير، متحدة في اللاهوت غير المتغير، تُرى في الله
الآب وفي الله الابن الوحيد. لأن الابن في الآب والآب في الابن؛ إذ كما هو الأخير،
هكذا هو الأول، وكما هو الأول، هكذا هو الأخير؛ وهنا تكون الوحدة. بحيث إنه
وفقاً لتمايز الأقانيم، كلاهما واحد وواحد، ووفقاً لشركة الطبيعة، هما واحد. كيف
إذن، إن كانا واحداً وواحد، لا يوجد إلهان؟ لأننا نتكلم عن ملك، وعن صورة الملك،
وليس عن ملكين. فالجلال غير منقسم إلى اثنين، ولا المجد متجزئ. فالسيادة والسلطان
علينا واحد، وهكذا فإن تمجيدنا لله ليس متعدد بل واحد؛ لأن الإكرام المدفوع للصورة
ينتقل إلى الأصل. وما تكونه الصورة في إحدى الحالتين بداعي المحاكاة، يكونه الابن
في الحالة الأخرى بالطبيعة؛ وكما أن الشبه في الأعمال الفنية يعتمد على الشكل،
هكذا في حالة الطبيعة الإلهية غير المركبة يتكون الاتحاد في شركة اللاهوت.
والأكثر من ذلك، واحد هو الروح القدس، ونتكلم عنه بمفرده، مقترناً كما هو بالآب
الواحد من خلال الابن الواحد، ومتمماً بنفسه الثالوث المعبود والمبارك. وإن علاقته
الحميمة بالآب والابن مُعلنة بالقدر الكافي من حقيقة أنه لا يُصنف في كثرة
الخليقة، بل يُتكلم عنه بمفرده؛ لأنه ليس واحداً من كثيرين، بل هو واحد متفرد.
فكما أن هناك أباً واحداً وابناً واحداً، هكذا هناك روح قدس واحد. وبناءً على ذلك،
فهو بعيد كل البعد عن الطبيعة المخلوقة كما يتطلب العقل أن ينفصل المفرد عن
الأجسام المركبة والمتعددة؛ وهو متحد بالآب وبالابن بالأسلوب الذي تتحد به
الوحدة بالوحدة.
46. وليس هذا هو المصدر الوحيد الذي نستمد منه براهيننا على
الشركة الطبيعية، بل من حقيقة أنه يُقال بالإضافة إلى ذلك إنه من الله «الَّذِي
هُوَ مِنَ اللهِ» (2 كورنثوس 1: 12)؛ ليس بالفعل بالمعنى الذي به كل الأشياء هي من
الله، بل بمعنى الصدور من الله، ليس بالولادة مثل الابن، بل كنسمة فمه. ولكن ليس
الفم بأي حال من الأحوال عضواً، ولا الروح نسمة تتلاشى؛ بل كلمة الفم تُستخدم بقدر
ما يمكن أن تكون ملائمة لله، والروح هو جوهر له حياة، وموهوب بالسلطان الأسمى
للتقديس. وهكذا تتضح العلاقة الوثيقة، بينما يُحفظ أسلوب الوجود الذي لا
يُعبر عنه. وهو علاوة على ذلك يُسمى «روح المسيح»، كونه بالطبيعة وثيق الصلة
به. ولذلك « وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَذَلِكَ
لَيْسَ لَهُ» (رومية 8: 9). ومن ثم فهو وحده يُمجد الرب باستحقاق، لأنه قيل:
«ذَاكَ يُمَجِّدُنِي» (يوحنا 16: 14)، ليس كالمخلوق، بل كـ «رُوحُ الْحَقِّ»
(يوحنا 14: 17)، مظهراً بوضوح الحق في نفسه، وكروح الحكمة، في عظمته الخاصة معلناً
المسيح «قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ» (1 كورنثوس 1: 24). وبصفته باراقليطاً
فهو يعبر في نفسه عن صلاح المُعزي الذي أرسله، وفي كرامته الخاصة يُظهر جلال من
صدر عنه. فهناك إذن مجد طبيعي من جهة، كما أن النور هو مجد الشمس؛ ومن
جهة أخرى مجد ممنوح قضائياً وبإرادة حرة من الخارج على المستحقين. والأخير على
نوعين. فالابن، كما قيل، يكرم أباه، والعبد سيده «الاِبْنُ يُكْرِمُ أَبَاهُ،
وَالْعَبْدُ يُكْرِمُ سَيِّدَهُ» (ملاخي 1: 6). ومن هذين الاثنين، فإن أحدهما، يُعطى
بواسطة المخلوق؛ والآخر، الذي يمكن تسميته بالحميم، يُتَمَّم بواسطة الروح. لأنه، كما
قال ربنا عن نفسه: «أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى الأَرْضِ. الْعَمَلَ الَّذِي
أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ.» (يوحنا 17: 4)؛ هكذا عن الباراقليط
يقول: «ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ» (يوحنا
16: 14). وكما أُن الابن يُمجَّد من الآب عندما يقول: «مَجَّدْتُ، وَأُمَجِّدُ
أَيْضًا!» (يوحنا 12: 28)، هكذا يُمَجَّد الروح من خلال شركته مع كل من الآب
والابن، ومن خلال شهادة الابن الوحيد عندما يقول: «كُلُّ خَطِيَّةٍ وَتَجْدِيفٍ
يُغْفَرُ لِلنَّاسِ، وَأَمَّا التَّجْدِيفُ عَلَى الرُّوحِ فَلَنْ يُغْفَرَ
لِلنَّاسِ» (متى 12: 31).
47. وعندما نثبت أعيننا، بوساطة القوة التي تنيرنا، على جمال صورة
الله غير المنظور، ونُقاد من خلال الصورة إلى الجمال الأسمى لمشهد الأصل، فحينئذٍ،
أظن، يكون معنا بلا انفصال روح المعرفة، واهباً في نفسه للذين يحبون رؤية الحق
القوة على معاينة الصورة، لا جاعلاً العرض من الخارج، بل في نفسه قائداً إلى
المعرفة الكاملة. لا أحد يعرف الآب إلا الابن. ولهذا «لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ
يَقُولَ: «يَسُوعُ رَبٌّ» إِلاَّ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ» (1 كورنثوس 12: 3). لأنه
لم يقل من خلال الروح، بل بالروح، و«اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ
فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنَبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا» (يوحنا 4: 24)، كما هو مكتوب
«بِنُورِكَ نَرَى نُوراً»، أي بإستنارة الروح، «النُّورُ الْحَقُّ الَّذِي يُنِيرُ
كُلَّ إِنْسَانٍ آتِياً إِلَى الْعَالَمِ» (يوحنا 1: 9). والنتيجة هي أنه يعرض
في نفسه مجد الابن الوحيد، وعلى الساجدين الحقيقيين يهب في نفسه معرفة الله. وهكذا
فإن طريق معرفة الله يمتد من روح واحد من خلال ابن واحد إلى آب واحد، وبالمثل
فإن الصلاح الطبيعي والقداسة الذاتية والكرامة الملوكية تمتد من الآب من خلال
الابن الوحيد إلى الروح. وهكذا يوجد اعتراف بالأقانيم وعقيدة وحدة الأصل (Monarchy)
الحقيقية لا تُفقد. أما أولئك الذين يدعمون جعل الروح في مرتبة أدنى (sub-numeration)
بالتحدث عن أول وثانٍ وثالث، فيجب إعلامهم أنهم يدخلون في اللاهوت النقي للمسيحيين
تعدد الآلهة الخاص بالضلال الوثني. فلا يمكن تحقيق أي نتيجة أخرى
بالحيلة الماكرة لجعل الروح في مرتبة أدنى سوى الاعتراف بإله أول وثانٍ وثالث. أما
بالنسبة لنا فيكفي الترتيب الذي حدده الرب. ومن يربك هذا الترتيب فلن يكون أقل
إثماً في تعدي الشريعة من الوثنيين غير المؤمنين.
وقد قيل الآن ما يكفي لإثبات، دحضاً لضلالهم، أن شركة الطبيعة لا
تنحل بأي حال من الأحوال بأسلوب جعل الروح في مرتبة أدنى. ومع ذلك، دعونا نقدّم
تنازلاً لخصمنا المشاكس وضعيّ العقل، ونسلم بأن ما هو ثانٍ لأي شيء يُقال عنه إنه
في مرتبة أدنى له. الآن دعونا نرى ما يتبع ذلك. «الإِنْسَانُ الأَوَّلُ مِنَ
الأَرْضِ أَرْضِيٌّ. الإِنْسَانُ الثَّانِي الرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ» (1 كورنثوس
15: 47). وأيضاً «لَكِنَّ لَيْسَ الرُّوحَانِيُّ أَوَّلاً بَلِ الْحَيَوَانِيُّ،
وَبَعْدَ ذَلِكَ الرُّوحَانِيُّ» (1 كورنثوس 15: 46). فإن كان الثاني يوضع في
مرتبة أدنى من الأول، وكان الموضوع في مرتبة أدنى أقل في الكرامة مما وُضع في
مرتبة أدنى منه، فوفقاً لكم يكون الروحاني أقل في الإكرام من الجسداني، والإنسان
السماوي من الأرضي.
[1] يقصد الاختصارات
المقدسة التي كان يستخدمها اليهود عند نسخ العهد القديم، حيث لا يكتبون يهوه بل
يكتبون اختصارًا بدلًا من الاسم الإلهي المباشر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق