المشكلة: في يوحنا 8: 14 قال يسوع: "وَإِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ
لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي حَقٌّ". ولكن هنا في يوحنا 5: 31 يبدو أنه يقول العكس
تمامًا، أي: "إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي لَيْسَتْ
حَقًّا".
في وقت سابق، قَبِلَ يسوع، على سبيل الجدال، الاعتقاد اليهودي بأن
شهادة المرء لنفسه غير شرعية (يوحنا 5: 31). وهنا أشار صراحة إلى ما كان صحيحًا
طوال الوقت، وهو أنه في الحقيقة يشهد بالحق عن نفسه، سواء دعمه أي شخص آخر أم لا.
وفي العدد 18 مضى ليقدم شاهدًا آخر[1].[2]
فهنا يستشهد يسوع بمبدأ العهد القديم، وهو أمر مركزي في الشريعة
اليهودية اللاحقة (سواء شريعة الربانيين "rabbis"
أو شريعة مخطوطات البحر الميت "Dead Sea Scrolls")،
ومفاده أن هناك حاجة إلى شاهدين لإثبات قضية (عقوبتها الإعدام) (تثنية 17: 6؛ 19:
15)[3].[4]
أي أن كل ما قاله يسوع كان حقًا في الواقع، ولكن من الناحية الرسمية
لم يكن يُعتبر حقًا إلا إذا تأيد بـ "شاهدين أو ثلاثة شهود" (تثنية 19:
15). وبما أن يسوع هو "الحق" المتجسد (يوحنا 14: 6)، فإن كل ما قاله كان
حقًا. ومع ذلك، بما أنه يحاول إثبات دعاويه لليهود، فإنه يلاحظ أنه ليس عليهم قبول
كلماته بمفردها، بل أيضًا شهادة الكتب والآب.[5]
فقد كانت شريعة موسى تتطلب شاهدين لتثبيت أي قضية (تثنية 19: 15؛
قارن تثنية 17: 6)، وجاء التفسير اليهودي اللاحق ليجعل هذا الشرط أكثر صرامة؛ وهنا
يَعمد يسوع إلى استخدام الحجة اليهودية القياسية "كم بالأحرى": إن كانت
شهادة رجلين حقًا، فكم بالأحرى شهادة الآب والابن؟[6]
الخلاصة:
قد يبدو قول يسوع في (يو5: 14) مناقضًا لما يقوله لاحقًا (قارن يوحنا
8: 13 وما يليه). ولكن لا يوجد أي تناقض؛ فهو يشير هنا إلى تلك الدعاوي التي كان
يمكن أن يقدّمها بدافع من توكيد الذات. غير أن شهادته تتحد مع شهادة الآب، ولهذا
فهو يثق به.[7]
ويتوافق تصريح يسوع مع تعليم العهد القديم بشأن الحاجة إلى شهود
متعددين (تثنية 17: 6؛ 19: 15؛ قارن عدد 35: 30).[8]
وعبارة "أنا هو" تمثل إدراج الضمير اليوناني "egō"
(إيجو)، وهو ما يجعل الفعل "أشهد" توكيديًا، ويوضح أن مثل هذه الشهادة
لا تُعتبر مقبولة في المحكمة.[9]
فلم يكن يسوع بحاجة إلى أن يشهد لنفسه لأن مشيئته كانت مطابقة لمشيئة
الآب (يو8: 31-32).[10]
وفي حالته، فإن شهادته لنفسه ستكون شهادة زور لأنها تعني أنه بحاجة إلى التمييز
بين نفسه وبين الآب. وهذا لا يتعارض مع يوحنا 8: 14، حيث لم يكن يسوع يضع في
الاعتبار الفرضية المستحيلة المتمثلة في تعارض شهادته مع شهادة الآب. وهنا، فإن
"الآخَرُ" الذي يشهد هو الآب الذي شهادته أيضًا حق دائمًا.[11]
وقد قدَّم يسوع خمسة شهود على حقيقة شخصه الإلهي وسلطانه: نفسه
(يوحنا 5 : 30–31)، يوحنا المعمدان (يوحنا 5: 33–35)، أعماله أو معجزاته (يوحنا 5:
36)، الآب (يوحنا 5: 37–38)، وأسفار العهد القديم (يوحنا 5: 39–47). أعظم الشهود
الخمسة هو سلطان الآب (يوحنا 5: 36).[12]
كل هؤلاء يركِّزون على يسوع كمصدر الحياة الأبدية.[13]
[1] "أَنَا
هُوَ الشَّاهِدُ لِنَفْسِي، وَيَشْهَدُ لِي الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي»." (يو
8: 18).
[2] Ted
Cabal, Chad Owen Brand, E. Ray Clendenen, Paul Copan, J.P. Moreland and Doug
Powell, The Apologetics Study Bible: Real Questions, Straight Answers, Stronger
Faith (Nashville, TN: Holman Bible Publishers, 2007). 1587
[3] «عَلَى
فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يُقْتَلُ الَّذِي يُقْتَلُ. لاَ يُقْتَلْ
عَلَى فَمِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ.» (تثنية 17 : 6)
«لاَ يَقُومُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى إِنْسَانٍ
فِي ذَنْبٍ أَوْ خَطِيَّةٍ مَا. فِي جَمِيعِ خَطِيَّةٍ يُذْنَبُ بِهَا. عَلَى فَمِ
شَاهِدَيْنِ أَوْ عَلَى فَمِ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يَقُومُ الأَمْرُ.» (تثنية 19 :
15)
[4] Craig
S. Keener and InterVarsity Press, The IVP Bible Background Commentary : New
Testament (Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1993). Jn 5:31
[5] Norman
L. Geisler and Thomas A. Howe, When Critics Ask : A Popular Handbook on Bible
Difficulties (Wheaton, Ill.: Victor Books, 1992). 410
[6] Craig
S. Keener and InterVarsity Press, The IVP Bible Background Commentary : New
Testament (Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1993). Jn 8:13
[7] F.
F. Bruce, New International Bible Commentary (Grand Rapids, MI: Zondervan
Publishing House, 1979). 1242
[8] «عَلَى
فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يُقْتَلُ الَّذِي يُقْتَلُ. لاَ يُقْتَلْ
عَلَى فَمِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ.» (تثنية 17 : 6)
«لاَ يَقُومُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى إِنْسَانٍ
فِي ذَنْبٍ أَوْ خَطِيَّةٍ مَا. فِي جَمِيعِ خَطِيَّةٍ يُذْنَبُ بِهَا. عَلَى فَمِ
شَاهِدَيْنِ أَوْ عَلَى فَمِ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يَقُومُ الأَمْرُ.» (تثنية 19 :
15)
«كُلُّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا فَقَتَلُ
الْقَاتِلِ عَلَى فَمِ شُهُودٍ. وَشَاهِدٌ وَاحِدٌ لاَ يَشْهَدْ عَلَى نَفْسٍ
لِلْمَوْتِ.» (عدد 35 : 30)
[9] Crossway
Bibles, The ESV Study Bible (Wheaton, IL: Crossway Bibles, 2008). 2032
[10] «فَقَالَ
يَسُوعُ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ: إِنَّكُمْ إِنْ ثَبَتُّمْ فِي
كَلاَمِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تَلاَمِيذِي، وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ،
وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ.» (يوحنا 8 : 31–32).
[11] D.
A. Carson, New Bible Commentary: 21st Century Edition, 4th ed. (Leicester,
England; Downers Grove, Ill., USA: Inter-Varsity Press, 1994). Jn 5:19
[12] «لأَنِّي
لاَ أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي. إِنْ كُنْتُ
أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي لَيْسَتْ حَقًّا.» (يوحنا 5 : 30–31)
«أَنْتُمْ أَرْسَلْتُمْ إِلَى يُوحَنَّا
فَشَهِدَ لِلْحَقِّ. وَأَمَّا أَنَا فَلَيْسَ قَبُولُ شَهَادَةِ الإِنْسَانِ،
وَلَكِنِّي أَقُولُ هَذَا لِتَخْلُصُوا أَنْتُمْ. كَانَ هُوَ السِّرَاجَ
الْمُوقَدَ الْمُنِيرَ، وَأَنْتُمْ أَرَدْتُّمْ أَنْ تَبْتَهِجُوا بِسَاعَةٍ فِي
نُورِهِ.» (يوحنا 5 : 33–35)
«وَأَمَّا أَنَا فَلِي شَهَادَةٌ أَعْظَمُ مِنْ
يُوحَنَّا، لأَنَّ الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هذِهِ
الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ
قَدْ أَرْسَلَنِي.» (يوحنا 5 : 36)
«وَالآبُ نَفْسُهُ الَّذِي أَرْسَلَنِي
يَشْهَدُ لِي» (يوحنا 5 : 37–38)
«تَفْتَشُونَ الْكُتُبَ، لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ
أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي. وَلَكِنْ
لَسْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ لِتَكُونَ لَكُمْ حَيَاةٌ. مَجْدًا
مِنَ النَّاسِ لَسْتُ أَقْبَلُ. وَلَكِنِّي قَدْ عَرَفْتُكُمْ: أَنَّ لَيْسَتْ
لَكُمْ مَحَبَّةُ اللهِ فِي أَنْفُسِكُمْ. أَنَا قَدْ أَتَيْتُ بِاسْمِ أَبِي
وَلَسْتُمْ تَقْبَلُونَنِي. إِنْ أَتَى آخَرُ بِاسْمِ نَفْسِهِ فَذلِكَ
تَقْبَلُونَهُ. كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تُؤْمِنُوا وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ
مَجْدًا بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَالْمَجْدَ الَّذِي مِنَ الإِلَهِ الْوَاحِدِ
لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ؟ لاَ تَظُنُّوا أَنِّي أَشْكُوكُمْ إِلَى الآبِ. يُوجَدُ
الَّذِي يَشْكُوكُمْ وَهُوَ مُوسَى الَّذِي عَلَيْهِ رَجَاؤُكُمْ. لأَنَّكُمْ لَوْ
كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ مُوسَى لَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي، لأَنَّهُ هُوَ كَتَبَ
عَنِّي. فَإِنْ كُنْتُمْ لَسْتُمْ تُصَدِّقُونَ كُتُبَهُ، فَكَيْفَ تُصَدِّقُونَ
كَلاَمِي؟» (يوحنا 5 : 39–47)
[13] Robert
B. Hughes and J. Carl Laney, Tyndale Concise Bible Commentary, The Tyndale
reference library (Wheaton, Ill.: Tyndale House Publishers, 2001). 472

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق