الأحد، 19 يوليو 2026

مختصر كتاب طبيعة المسيح لقداسة البابا شنودة الثالث

 


 

السيد المسيح هو الإله الكلمة المتجسد، له لاهوت كامل، وناسوت كامل، لاهوته متحد بناسوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير، اتحادًا كاملًا أقنوميًا جوهريًا، تعجز اللغة أن تعبر عنه، حتى قيل عنه إنه سر عظيم "عظيم هو سر التقوى، الله ظهر في الجسد" (1 تي 3: 16).

 

وهذا الاتحاد دائم لا ينفصل مطلقًا ولا يفترق. نقول عنه في القداس الإلهي "إن لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين".

 

الطبيعة اللاهوتية (الله الكلمة) اتحدت بالطبيعة الناسوتية التي أخذها الكلمة (اللوجوس) من العذراء مريم بعمل الروح القدس. الروح القدس طهَّر وقَدَّس مستودع العذراء طهارة كاملة حتى لا يرث المولود منها شيئًا من الخطية الأصلية، وكون من دمائها جسدًا اتحد به ابن الله الوحيد. وقد تم هذا الاتحاد منذ اللحظة الأولى للحبل المقدس في رحم السيدة العذراء.

 

وتعبير "أصحاب الطبيعة الواحدة" Monophysites أُسيء فهمه عن قصد أو غير قصد خلال فترات التاريخ، فاضطهدت بالذات الكنيسة القبطية والكنيسة السريانية اضطهادات مروعة بسبب اعتقادها، وبخاصة في الفترة من مجمع خلقيدونية سنة 451 حتى بدء دخول الإسلام مصر وسوريا (حوالي 641 م.).

واستمر المفهوم الخاطئ خلال التاريخ، كما لو كنا نؤمن بطبيعة واحدة للمسيح وننكر وجود الطبيعة الأخرى.

 

إنما عبارة "طبيعة واحدة" المقصود بها ليس الطبيعة اللاهوتية وحدها، ولا الطبيعة البشرية وحدها، إنما اتحاد هاتين الطبيعتين في طبيعة واحدة هي (طبيعة الكلمة المتجسد).

 

وذلك مثلما نتحدث عن الطبيعة البشرية وهى عبارة عن اتحاد طبيعتين هما النفس والجسد. فالطبيعة البشرية ليست هي النفس وحدها، ولا الجسد وحدة، إنما اتحادهما معًا في طبيعة واحدة تسمى الطبيعة البشرية.

وكما أن الطبيعة البشرية يمكن أن يقال عنها أنها طبيعة واحدة من طبيعتين، كذلك نقول عن الكلمة المتجسد أنه طبيعة واحدة من طبيعتين.

ومع أن الإنسان تَكَوَّن من هاتين الطبيعتين، إلا أننا لا نقول عنه مطلقًا أنه اثنان، بل إنسان واحد. وكل أعماله ننسبها إلى هذه الطبيعة الواحدة.

وليس إلى النفس فقط، ولا إلى الجسد فقط. فنقول أكل فلان أو جاع أو تعب أو نام أو تألم ولا نقول إن جسد فلان هو الذي أكل أو جاع أو تعب أو نام أو تألم.

والمفهوم طبعًا أنه جاع أو نام بالجسد..

لكننا ننسب هذا الأمر إلى الإنسان كله، وليس إلى جسده فقط..

كذلك كل ما كان يفعله المسيح كان ينسب إليه كله، وليس إلى لاهوته وحده أو إلى ناسوته وحده.

 

إن المسيح ليس ابنين، أحدهما ابن لله المعبود، والآخر إنسان غير معبود.

ونحن لا نفصل بين لاهوته ناسوته. وكما قال القديس أثناسيوس الرسولي عن السيد المسيح "ليس هو طبيعتين نسجد للواحدة، ولا نسجد للأخرى، بل طبيعة واحدة هي الكلمة المتجسد، المسجود له مع جسده سجودًا واحدًا".

ولذلك فإن شعائر العبادة لا تقدم للاهوت وحده دون الناسوت، إذ لا يوجد فصل، بل العبادة هي لهذا الإله المتجسد.

 

إنها طبيعة واحدة μία φύσις τοῦ θεοῦ λόγου σεσαρκωμένη ولكن لها كل خواص الطبيعتين:

كل خواص اللاهوت وكل خواص الناسوت. فيها الناسوت لم يصر لاهوتًا، بل ظل ناسوتًا، ولكنه ناسوت الله الكلمة. والكلمة لم يتحول إلى ناسوت، بل بقى كما اللاهوت مع الناسوت في الجوهر وفي الأقنوم وفي الطبيعة، بدون انفصال.

 

حقًا إن اللاهوت غير قابل للآلام. ولكن الناسوت حينما وقع عليه الألم، كان متحدًا باللاهوت.

فهل تألم اللاهوت إذن؟

نقول إنه بجوهره غير قابل للألم.. ولكن المسيح تألم بالجسد، وصلب بالجسد. ونقول في قطع الساعة التاسعة "يا من ذاق الموت بالجسد في وقت الساعة التاسعة..".

مات بالجسد، الجسد المتحد باللاهوت. فصار موته يعطى عدم محدودية للكفارة.

وقد قدم لنا الآباء مثالًا جميلًا لهذا الموضوع وهو الحديد المحمى بالنار.

مثال اللاهوت المتحد بالناسوت: فقالوا إن المطرقة وهى تطرق الحديد إنما تضرب الحديد المحمى بالنار فتقع على الاثنين. ولكن الحديد يتثنى (يتألم) بينما النار لا يضرها الطرق بشيء. ومع ذلك فهي متحدة بالحديد أثناء طرقه.

 

وثيقة الوحدة مع الكاثوليك:

نؤمن أن ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، الكلمة (اللوجوس) المتجسد، هو كامل في لاهوته وكامل في ناسوته. وجعل ناسوته واحدًا مع لاهوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ولا تشويش. ولاهوته لم ينفصل عن ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين.

وفي نفس الوقت، نحرم تعاليم كل من نسطور وأوطاخي.

 


ليست هناك تعليقات: