الأربعاء، 29 يوليو 2026

أصول الأسفار الكتابية

 


أصول الأسفار المقدسة[1]

 

في العرف الكتابي، تشير "الأصول" (autographs) إلى الوثائق الأصلية لأسفار الكتاب المقدس المتعددة.

 

فعلى سبيل المثال، عندما أملى بولس الرسالة إلى أهل رومية على ترتيوس وسلمها إلى فيبي لكي تحملها إلى روما، كانت النتيجة هي الأصل لرسالة رومية.

 

لقد بادت جميع هذه الكتابات الأصلية، وربما لا يزال بعضها موجودًا، ولكن عندئذٍ لا يمكن التعرف عليها بصفتها تلك. وهذه الكتابات الأصلية هي التي تعلن الكنيسة أنها وثائق موحى بها، أي أنها صادرة من الروح القدس، وخالية تمامًا من الخطأ، ومطلقة العصمة.

أما النسخ المنقولة عنها، والمعروفة بالخطوطات أو "الفروع" (apographs)، ورغم دقتها العالية، فإنها تتضمن بعض الاختلافات فيما بينها بسبب خباثة الهراطقة والأخطاء غير المقصودة الصادرة عن النساخ. ولكنها تعكس بدرجة عالية جدًا الرسالة الأصلية كما أُعطيت بالوحي، بحيث لا يحتاج المؤمنون إلى اليأس أو التخلي عن مفهوم عصمة الكتاب المقدس.

وبالمقابلة النصية، توصل العلماء إلى صياغة دقيقة جدًا لما كانت عليه الأصول. وهذا النوع من النقد ضروري وصحي حتى تطمئن الكنيسة في إعلان امتلاكها لكلمة الله النقية.

 

الكتاب المقدس العبري

 

إن عمل النساخ اليهود يعطي المسيحي ثقة في سلامة العهد القديم.

لقد وبخ ربنا المسيح ورسله اليهود مرارًا وتكرارًا على انحرافاتهم في الأمور الدينية، ولكنهم لم ينتقدوهم أو ينتقدوا قادتهم أبدًا بتنسيخ أو تحريف وثائق العهد القديم.

بل إنهم يحثون المستمعين على فحص وبحث هذه الوثائق الموحى بها، والتي نعلم أنه لم يكن متاحًا منها حتى ذلك الوقت سوى النسخ فقط.

فما الفائدة من اقتباس المسيح أو رسله من موسى والأنبياء إن كانت كتاباتهم محرفة. ولكنهم في الواقع يقتبسون منها بكثرة، ويفعلون ذلك بيقين دون أدنى تلميح إلى تحريف نصي.

ورغم أن قراءات مختلفة ربما تسللت إلى الخطوطات العبرية بسبب إهمال بعض النساخ، فإنها لا تكف عن كونها قانونًا للإيمان والممارسة. إلى جانب كونها في أمور قليلة الأهمية ولا تمس الإيمان والممارسة، فهي ليست عامة في جميع المخطوطات؛ أو أنها ليست مما يصعب تصحيحه من خلال المقابلة بين الأسفار المقدسة والمخطوطات المختلفة.

قبل اكتشاف مخطوطات البحر الميت في أواخر أربعينيات القرن العشرين، كان معظم العلماء يرون أن مخطوطات العهد القديم لا تعكس الأصول بأي درجة من الدقة. إذ تعود أحدث المخطوطات إلى القرن العاشر وما بعده فقط. لكن مخطوطات البحر الميت احتوت على العديد من أسفار العهد القديم التي ترجع إلى ما قبل عصر المسيح، وعجب العجاب، أنها كانت شبيهة جدًا في محتوياتها بالنص المازوري الذي يرجع للقرن العاشر الميلادي، أي بعدها بألف عام! إن عمل المازوريين أبعد ما يكون عن أن يكون دليلاً على تحريف المصادر، بل على العكس من ذلك، كان يستهدف الوقاية من الأخطاء، حتى لا يمكن تغيير أو إتلاف ولو نقطة صغيرة واحدة بعد ذلك.

لقد كان النساخ اليهود حريصين للغاية في نسخ العهد القديم، إلى حد أن حرصهم بلغ تدقيقًا مفرطًا. وكان المازوريون يجمعون كلمات كل سطر ويدونون العدد في الهامش لكي لا يُزاد شيء أو يُنقص. إن مثل هذا العمل المضني يدعو إلى الإعجاب والذهول بالنسبة لنا.

لقد آمنوا حقًا بأن عملهم في النسخ ذو أهمية قصوى؛ ولم يكن بإمكانهم أو رغبتهم أن يعبثوا به. فاليهود، بحسب وصف أوغسطينوس، إذ كانوا حَمَلة الأسفار لكنيسة العهد الجديد، قد أدوا مهمتهم على أكمل وجه. وكان أحد المؤهلات للعمل كناسخ هو الإيمان الكامل بالوحي ومحتوى العهد القديم.

ومن الناحية البشرية، ما كان بإمكانهم أداء مهامهم بصورة أفضل، خلال قرون طويلة لم تكن المطبعة قد اخترعت فيها بعد.

 

القراءات المختلفة

 

بالنسبة للعهد الجديد وحده، لدينا وفرة من المخطوطات، نحو 6,000 نسخة من العهد الجديد بكامله أو على الأقل أجزاء جوهرية منه.

وعند المقارنة بينها، تُلاحظ اختلافات معينة، تتراوح بين التهجئة المختلفة للكلمة نفسها (مثل اسم علم، مثل بيت حسدا / بيتثاثا) إلى عبارات كاملة مفقودة (أو مضافة).

إن الغرض والجهة الخاصة بالنقد النصي هما التثبت من النص الدقيق للسفر المقدس، بقدر الإمكان، كما كان موجودًا في الكتابات الأصلية.

لقد تم نسخ جميع المخطوطات يدويًا. والخط اليدوي، اعتمادًا على مهارة الناسخ، هو دائمًا أصعب في القراءة من الطباعة الحديثة. وأضف إلى ذلك رداءة جودة أدوات ومواد الكتابة البدائية التي كانت مستخدمة، فيصبح من السهل أن نرى كيف كان يمكن للنساخ، دون قصد، قراءة كلمة خطأ أثناء النسخ.

فالعديد من الحروف، وخاصة في الأبجدية العبرية، متشابهة جدًا في الشكل (مثل حرف الريش Resh مع الداليث Daleth)، وبالتالي يمكن التباسها بسهولة على الناسخ. وقد تكون هناك تغييرات أجراها ناسخ بقصد تصحيح أخطاء مفترضة في التهجئة أو القواعد، أو لتوفيق الروايات المتشابهة في الأناجيل.

ومثل هذه القراءات المختلفة لا تضع عقيدة مسيحية في خطر قط. فالرسالة الجوهرية تظل سليمة، على الرغم من الاختلافات في المخطوطات.



[1] TEC Malta. “The Autographs of Scripture.” Truth for Today (TFT105). TEC Malta, n.d. https://www.tecmalta.org/tft105.htm


ليست هناك تعليقات: