الخميس، 23 يوليو 2026

حوار مع العالم الكتابي بروس ميتزجر، حول النقد النصي ومصداقية العهد الجديد - ج2

 


لتحميل الدراسة كاملة

https://drive.google.com/file/d/1s4OrcVNGBRrkV-VIsOdHyEo_R2Rpf5o1/view?usp=sharing


درجة عالية من الإجماع

 

فسألته: "كيف قرر قادة الكنيسة الأوائل، أي الكتب تعتبر موثوق بها، وأخرى لاتؤخذ؟ ما المعايير التي استخدموها ليقرروا أي الوثائق سيتضمنها العهد الجديد؟

 

فقال "بصفة أساسية، كان لدى الكنيسة الأولى ثلاثة معايير:

 

"أولاً، يجب أن يكون لدى الكتب سلطة رسولية، بمعنى أن يكون قد كتبها إما الرسل أنفسهم، أو من كانوا شهود عيان لما كتبوا عنه، أو من قِبَل أتباع الرسل. لذا ففي حالة مرقس ولوقا، مع أنهما لم يكونا من بين التلاميذ الأثنى عشر، فبحسب التقليد أن مرقس كان مساعداً لبطرس، وكان لوقا مرافقاً لبولس.

 

"ثانياً، كان هناك معيار الالتزام الذي دُعي قانون الإيمان. بمعنى هل كانت الوثيقة مطابقة للمعتقدات المسيحية الأساسية التي تعترف بها الكنيسة كمعيارية؟

 

وثالثاً، كان هناك معيار قبول الوثيقة، وهل استخدمتها الكنيسة بشكل مستمر وعام.

 

فسألته "هل طبقوا تلك المعايير فقط وتركوا الأجزاء التافهة تسقط وتتلاشى حيثما كانت؟".

 

فأجاب: "حسناً، لن يكون من الدقة القول بأن هذه المعايير طُبقت ببساطة بأسلوب آلي، لقد كانت هناك أراء مختلفة جداً حول أي من المعايير يجب أن تُعطى أهمية أكبر".

"لكن من الجدير بالملاحظة أنه مع أن حواشي المعيار ظلت غير مقررة لفترة، إلا أنه كانت هناك درجة عالية من الإجماع فيما يتعلق بالجزء الأعظم من العهد الجديد خلال القرنين الأولين. وكان هذا صحيحاً بين الكنائس المختلفة والمنتشرة في أماكن كثيرة على نطاق واسع".

 

فقلت له: "إذن، فإن الأربعة أناجيل التي عندنا في العهد الجديد اليوم قيست بهذه المعايير، بينما الأناجيل الأخرى لم تطبق عليها هذه المعايير؟".

 

فقال لي: "نعم لقد كانت، لو جاز لي أن أعبر عنها بهذه الطريقة، إنها كانت مسألة "البقاء للأصلح". وعند الحديث عن قانونية الأسفار، إعتاد آرثر داربي نوك أن يقول لطلابه في هارفارد "إن الطريق الأكثر إستخداماً للسفر في أوربا هي أحسن الطرق، ولهذا السبب تُستخدم للسفر بكثرة" وهذا تشبيه جيد. فالمنقذ البريطاني وليم باركلي قالها بهذه الطريقة: "إن الحقيقة المجردة تقول أن أسفار العهد الجديد أصبحت قانونية لأن أحداً لم يستطع أن يمنع ذلك".

"يمكننا أن نثق أنه لا توجد أي كتب قديمة أخرى يمكن مقارنتها بالعهد الجديد من ناحية الأهمية التاريخية أو العقيدة المسيحية. وعندما يدرس أحد التاريخ القديم لقانونية الأسفار، سيخرج مقتنعاً بأن العهد الجديد يحتوي على أفضل المصادر لتاريخ حياة يسوع. وأولئك الذين أدركوا حدود القانون لديهم وجهة نظر واضحة وموازنة عن إنجيل المسيح".

"فقط اقرأ هذه الوثائق الأخرى بنفسك. فقد كتبت في وقت متأخر عن الأناجيل الأربعة، في القرن الثاني، والثالث، والرابع، والخامس، وحتى السادس، بعد يسوع بفترة طويلة، وتعتبر عامية وتافهة جداً وتصنع أسماء مثل: إنجيل بطرس، وإنجيل مريم، إلا أنها غير ذات علاقة بمؤلفيها الحقيقيين. ومن ناحية أخرى، فالأربع أناجيل في العهد الجديد قد حازت القبول بسهولة وبإجماع ملحوظ لكونها موثوق بها في القصة التي أخبروا".

 

ومع ذلك، عرفت بأن بعض العلماء المتحررين، وبشكل خاص أعضاء حلقة يسوع الدراسية المنتشرة بشكل جيد، يعتقدون بأن إنجيل توما يجب أن يُرفع إلى منزلة رفيعة مساوية للأناجيل الأربعة التقليدية. فهل يقع هذا الإنجيل الغامض ضحية الحروب السياسية داخل الكنيسة، وفي النهاية يُستثنى بسبب تعاليمه غير مقبولة شعبياً؟ فقررت بأنني من الأفضل أن أتقصى مع متزجر حول هذه النقطة.

 


كلمات يسوع "السرية"

 

فسألته: "دكتور متزجر، إنجيل توما، الذي كان بين وثائق نجع حمادي التي وجدت في مصر سنة ١٩٤٥، يدعى بأنها تحتوي على "الكلمات السرية التي قالها يسوع وهو حي وكتبها ديداموس يهوذا توما. لماذا استبعدتها الكنيسة؟".

 

وإذ كان متزجر له معرفة تامة بالكتاب، فقال: "إنجيل توما ظهر إلى النور في نسخة باللغة القبطية في القرن الخامس الميلادي، وقد تُرجم إلى اللغة الإنجليزية. وهو يحتوي على ١١٤ مثلاً منسوبة إلى يسوع ولكن لا يشتمل على أي قصة لما عمله يسوع، ويبدو أنه قد كتب في سوريا باللغة اليونانية سنة ١٤٠م. وفي بعض الحالات أظن أن هذا الإنجيل يذكر بطريقة صحيحة ما قاله يسوع مع تعديلات طفيفة".

 

كان هذا تصريح مثير بالتأكيد، فقلت له: "من فضلك توسع في الشرح".

 

"على سبيل المثال، في إنجيل توما يقول يسوع "مدينة مبنية على تل عالٍ لا يمكن أن تُخفى". فهنا أضيفت الصفة "عالٍ" ولكن باقي العبارة تقرأ كما ذكرت في إنجيل متى. أو يقول يسوع "أعطوا لقيصر الأشياء التي لقيصر، وأعطوا لله الأشياء التي لله، وأعطوني الأشياء التي لي" ففي هذه الحالة أضيفت العبارة الأخيرة.

"ومع ذلك، في إنجيل توما هناك بعض الأشياء المخالفة كلياً للأناجيل القانونية. فيقول يسوع "شقوا الخشب؛ سأكون هناك. ارفعوا حجراً، ستجدوني هناك" تلك هي عقيدة وحدة الوجود، الفكرة بأن يسوع متحد بمادة هذا العالم، وذلك على نقيض أي شيء في الأناجيل القانونية.

"ويختتم إنجيل توما بقول ملاحظة: "دعوا مريم تبتعد عنا، لأن النساء لسن مستحقات الحياة". ويحكي عن يسوع أنه قال "أنظروا، سأقودها لكي أحولها إلى ذكر، لكي تصبح هي أيضاً روحاً حية، تشبهكم أيها الذكور. لأن كل إمرأة تصبح رجلاً ستدخل ملكوت السموات".

 

إرتفعت حواجب متزجر حدّة كأنه مكسور لما قاله توّاً. ثم قال مؤكداً "هذا ليس يسوع الذي نعرفه من الأناجيل القانونية الأربعة!"

 

فسألته: "ماذا عن التهمة بأن توما استبعد عمداً بواسطة مجامع الكنيسة بناء على نوع من المؤامرة لإسكاته؟".

 

فأجاب متزجر قائلاً: "هذا كلام غير دقيق من الناحية التاريخية، إذ أن المجامع والمجالس الكنسية عقدت في القرن الخامس وما بعده وكانت تُصدّق على ما سبق وقبله المسيحيون كبيرهم وصغيرهم على حد سواء. وليس من الحق أن نقول أن إنجيل توما قد استُبعد بأمر من مجمع؛ فالطريقة الصحيحة للتعبير عن ذلك أن نقول إن إنجيل توما استُبعد نفسه! إذ إنه لم يتوافق مع الشهادات الأخرى عن يسوع التي قبلها المسيحيون الأوائل واعتبروها جديرة بالثقة".

 

فسألته: "أفَكُلّما أنت تختلف مع أي شخص يحاول رفع إنجيل توما إلى نفس تلك المنزلة التي للأناجيل الأربعة؟".

 

فأجاب: "نعم، أختلف كثيراً جداً. وأعتقد أن الكنيسة الأولى قد مارست فعل متخلّ بذكاء. ويبدو لي أننا باهتمامنا به الآن نكون قد قبلنا شيئاً أقل صحة من الأناجيل الأخرى. والآن لا تفهمني بشكل خاطئ: فأنا أعتقد بأن إنجيل توما وثيقة مثيرة، لكنه مخترع بمذهب وحدة الوجود وبيانات معادية للإيمان بالمسواة بين الجنسين وهو ما يستحق بالتأكيد أن نقدم القدم اليمنى لتفكيكه، إذا ما كنت تعرف ما أعني.

"يجب أن تفهم بأن القانون الكنسي لم يكن نتيجة سلسلة من المجادلات المتعلقة بسياسات الكنيسة. فالقانون الكنسي هو بالأحرى الافتراق الذي حدث بسبب البصيرة الحدسية للمؤمنين المسيحيين. فقد استطاعوا أن يسمعوا صوت الراعي الصالح في إنجيل يوحنا؛ وبإمكانهم أن يسمعوه بالكاد بطريقة مكتومة ومشوهة في إنجيل توما، مختلطاً بأشياء أخرى كثيرة.

عندما صدر القرار بالقانون الكنسي، فإنه صدّق فقط على الإحساس العام الذي سبق أن قررته الكنيسة. فعليك أن تدرك أن القانون الكنسي هو عبارة عن قائمة بالكتب الرسمية الموثوق بها أكثر من كونه قائمة رسمية بالكتب. فهذه الوثائق لم تستمد سلطتها من أنها قد اختيرت؛ فكل منها له سلطة رسمية قبل تجميعها مع بعضها. فالكنيسة الأولى إستمعت فقط وأحست بأنها جديرة بالثقة.

"فالآن، لو قال شخص بأن القانون الكنسي ظهر فقط بعدما أصدرت مجالس ومجامع الكنيسة هذه البيانات، فإن ذلك سيكون كالقول "هيا نأتِ بالعديد من أکاديميات موسيقية لتصدر تصريحاً بأن موسيقى باخ وبيتهوفن رائعة"، سأقول "شكراً لكم على لاشيء! فقد عرفنا ذلك قبل تصريحكم. ونحن نعرفها بسبب الحساسية التي لدينا لما هو موسيقى جيدة وما هو غير ذلك. وهو نفس الشيء مع القانون الكنسي".

رغم ذلك، فقد أشرت بأن بعض أسفار العهد الجديد، خاصة يعقوب، والعبرانيين، والرؤيا، أخذت ببطء أكثر في القانون الكنسي من الأسفار الأخرى. فسألته: "من ثم، هل يجب أن نشك فيها لهذا السبب؟".

 

فأجاب: "في رأيي، أن هذا يرينا إلى أي حد كانت الكنيسة الأولى حذرة. فلم يكونوا متسرعين بإدخال كل وثيقة تصادف أن بها أي شئ عن يسوع. وهذا يرينا التروي والتأمل والتحليل الدقيق.

"بالطبع، حتى يومنا هذا. هناك من الكنيسة السورية ترفض قبول سفر الرؤيا ومع ذلك فأناس الذين ينتمون إلى هذه الكنيسة مسيحيين مؤمنين. ومن وجهة نظري، إنني أقبل سفر الرؤيا كجزء رائع من الكتاب المقدس".

ثم هز رأسه قائلاً: "أظن أنهم يفقدون أنفسهم بعدم قبوله".

 


العهد الجديد "لا نظير له"

 

لقد كان متزجر مقتنع. فلم تبق عندي أي شكوك تتعلق بسواء نص العهد الجديد إن كان قد حفظ بشكل موثوق حتى وصل إلينا عبر القرون. أحد أسلاف متزجر البارزين في معهد برينستون اللاهوتي، بنيامين وارفيلد، الحائز على أربعة دكتوراة وقدم بتدريس علم اللاهوت النظامي حتى وفاته سنة ١٩٢١، عبر عن فكرة العهد الجديد الذي لا نظير له بقوله:

"لو قارنا الحالة الحالية لنص العهد الجديد بتلك التي لأي كتب قديمة أخرى، فلابد أن... نعلن بأنه صحيح بشكل رائع. فالرعاية التي نُسخ بها العهد الجديد كانت عناية فائقة، والتي بلا شك ناتجة عن الوقار الحقيقي لكلماته المقدسة... فالعهد الجديد لا نظير له بين الكتب القديمة في نقاوة نصوصه كما نقلت فعلاً ونقلت مستخدمة".[1]

من ناحية الوثائق التي قبلت في العهد الجديد، فعلى العموم لم يكن هناك أي خلاف جدي حول الطبيعة الموثوقة لعشرون من السبع والعشرون سفراً للعهد الجديد من متى إلى فيلمون بالإضافة إلى رسالة بطرس الأولى ورسالة يوحنا الأولى. وهذا طبعاً يشمل الأناجيل الأربعة التي تعالج سيرة حياة يسوع.[2] والسبعة أسفار الباقية، ولو أنها كانت موضع شك من قبل بعض قادة الكنيسة الأوائل، "تم إعتراف الكنيسة بها أخيراً بصورتها الكاملة على العموم" بحسب قول جيسلر ونيكس.[3]

أما من ناحية "الأسفار المزيفة pseudepigraphia" وتكاثر الأناجيل، والرسائل، وأسفار الرؤى في القرون القليلة الأولى بعد يسوع، وتشتمل أناجيل نيقوديموس، وبرنابا، وبرثولماوس، وتدواوس، ورسالة بولس إلى اللاودكيين، ورسالة اسطفانوس وغيرها... كلها "خيالية وضلالية ... غير أصلية وغير ذات قيمة ككل" وفي الواقع "لا يوجد أب أرثوذكسي أو قانون كنسي أو مجمع" إعتبرها رسمية وجديرة بالقبول أو تستحق الإدراج في العهد الجديد.

في الحقيقة، لقد قبلت تحدي متزجر بقراءة العديد منها بنفسي. فبمقارنتها بتلك التي نالت عناية التدقيق، والاعتدال، وشهود العيان التي نجدها في إنجيل متى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا، فإن هاء الأسفار تستحق فعلاً الوصف الذي وصفها به يوسابيوس، مؤرخ الكنيسة الأول: "بأنها سخيفة كلياً، وعذيمة التقوى".[4] فهي بعيدة جداً عن رسالة يسوع ولا تساهم بأي شئ ذو معنى في عملية البحث والتحقيق التي أقوم بها، لكونها كُتبت في وقت متأخر في القرن الخامس، والسادس، وخصائصها غالباً أسطورية مما يؤهلها لتكون غير موثوقة من الناحية التاريخية.

 

فلما أوشكنا، شكرت الدكتور متزجر لوقته وخبرته وسعة إطلاعه. ابتسم بطفاء وعرض علي توصيلي إلى الطابق السفلي. لم أرد أن أستهلك المزيد من وقته بعد ظهر يوم السبت، لكن فضولي لم يدعني أُغادر برينستون بدون إرضاء نفسي حول مسألة واحدة باقية.

 

"كل عقود السنين هذه من الثقافة، والدراسة، وتأليف الكتب الدراسية، والتنقيب في التفاصيل الدقيقة لنصوص العهد الجديد— ماذا كان تأثير كل هذا على إيمانك الشخصي؟"

 

فقال وقد بدا سعيداً بمناقشة هذا الموضوع "آه، لقد زاد أساس إيماني الشخصي أن أرى العزم الذي أوصل هذه الكتب إلينا، بأعداد وفيرة من النسخ، التي بعضها تعتبر قديمة جداً، جداً".

 

فبدأت أقول له "وهكذا فإن العلم لم يُضعف إيمانك...".

 

فهب واقفاً قبل أن أتمكن من إكمال جملتي وقال مؤكداً "بالعكس، لقد قمت فقد كنت طوال حياتي أسأل أسئلة، وقمت بالحفر والتنقيب في نصوص الإنجيل، ودرستها بدقة وعناية، والآن أعرف بثقة أن إيماني بيسوع قد وضع في المكان الصحيح".

 

وهنا توقف عن الكلام فيما كانت عيناه تفحص وجهي، ثم أضاف للتأكيد "وضع جيداً في المكان الصحيح".

 

لمزيد من الأدلة

مصادر أخرى حول هذا الموضوع

 

Bruce, F. F. The Canon of Scripture. Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1988.

Geisler, Norman L., and William E. Nix. A General Introduction to the Bible. 1968; reprint, Chicago: Moody Press, 1980.

Metzger, Bruce M. The Canon of the New Testament. Oxford: Clarendon Press, 1987.

_______. The Text of the New Testament. New York: Oxford Univ. Press, 1992.

Patzia, Arthur G. The Making of the New Testament. Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1995.

 



[1] Benjamin B. Warfield, Introduction to Textual Criticism of the New Testament (London: Hodder & Stoughton, 1907), 12—13

[2] Geisler and Nix, A General Introduction to the Bible, 195. They note that some include Philemon, 1 Peter, and 1 John among the disputed books, but «it is probably better to refer to these as omitted rather than disputed books

[3] Ibid., 199. This does not include the Apocrypha, which were accepted by particular churches for a particular period of time and today are considered valuable though not canonical. Examples: Shepherd of Hermas, Epistle to the Corinthians, Epistle of Pseudo-Barnabas, Didache, Apocalypse of Peter, The Acts of Paul and Thecla, and Ancient Homily or the Second Epistle of Clement

[4] Ibid


ليست هناك تعليقات: