من كتب إنجيل متى؟[1]
غالباً ما يؤكد العلماء أن الأناجيل الأربعة مجهولة المؤلف، أي إن
المؤلفين لا يعرّفون عن أنفسهم بأسمائهم. هذا الادعاء صحيح من الناحية الفنية إذا
كان معيار المقارنة هو، على سبيل المثال، رسالة بولس إلى أهل رومية، حيث توضح
الأسطر الافتتاحية بوضوح كلاً من الكاتب والقراء الأولين. إن الأناجيل بحسب متى،
ومرقس، ولوقا، ويوحنا لا تذكر صراحة قط من كتبها.
ومع ذلك، ليس لدينا أي دليل على أن هذه الأناجيل قد تداولت في أي وقت
مضى بدون عناوين مثل "بحسب متى". ويُرجَّح أن العناوين كانت جزءاً من
الأعمال منذ البداية، وتعبير "بحسب" يقدم الشخص المفهوم أنه الكاتب. لقد
تداول الإنجيل الواحد في أربعة أشكال متميزة: "بحسب متى"، و"بحسب
مرقس"، و"بحسب لوقا"، و"بحسب يوحنا".
كاتب إنجيل متى على الأرجح هو الرسول، "متى العشار" (متى
10: 3). وعلى مستوى ما، يتوقف القليل جداً على مسألة كتابة هذا الإنجيل؛ فلا
معناه ولا سلطانه يتغيران كثيراً إذا تقرر أن كاتبه لم يكن رسولاً.
ماذا تقول الكنيسة الأولى؟[2]
لذلك، يجب أن نتطلع إلى سجلات تاريخ الكنيسة لنجد أدلة على كاتب
الأناجيل. ينسب أقدم تقليد كنسي بالإجماع الإنجيل الأول إلى متى، العشار الذي دُعي
ليكون واحداً من تلاميذ يسوع الاثني عشر الأصليين.
وتظهر "الديداخي"، التي كُتبت نحو نهاية القرن
الأول، معرفة مباشرة بالإنجيل الأول، حيث تقتبس منه أكثر من أي من الأناجيل
الثلاثة الأخرى (على سبيل المثال، اقتباس الصلاة الربانية: قارن Did. 8:2؛
متى 6: 9-11).[3]
وبعد ذلك ببضع سنوات، تذكر رسالة برنابا من كتابات الآباء الرسوليين الإنجيل
الأول باعتباره كتاباً مقدسة موحى بها من الله (Barnabas
4.14
[متى 22: 14]).[4]
ويعود أول ذكر صريح لهذا الإنجيل إلى النصف الثاني من القرن الثاني،
بواسطة بابياس، أسقف هيرابوليس في آسيا الصغرى (نحو 135)، ثم بعد ذلك بوقت ما في
القرن الثاني بواسطة إيرينئوس، أسقف ليون في غاليا (نحو 175).
ادعى بابياس (نحو 60-130) أنه كان سامعاً ليوحنا الرسول، وكان لاحقاً
رفيقاً لبوليكاربوس (Irenaeus, Against Heresies 5.33.4).
وقد اقتبس منه مؤرخ الكنيسة يوسابيوس (نحو 325) وأيده قائلاً:
"أما متى فقد سجل الأقوال باللهجة العبرانية [الآرامية] وكل شخص فسرها كما استطاع" (Eusebius, Eccl. Hist. 3.39.16).
ولد إيرينئوس في آسيا الصغرى تقريباً عام 135، وتتلمذ على يد
بوليكاربوس أسقف سميرنا، ووفقاً للتقليد مات شهيداً نحو عام 200. وفي واحد من كتبه
الخمسة الخالدة ضد الهرطقات الغنوسية (نحو 175)، يصرح إيرينئوس:
"أصدر متى أيضاً إنجيلاً مكتوباً بين العبرانيين بلهجتهم الخاصة، بينما كان بطرس وبولس يكرزان في روما ويضعان أصول الكنيسة" (Against Heresies 3.1.1).
هؤلاء القادة الكنسيون إما عرفوا الجماعة الرسولية مباشرة أو تعلموا
على يد أولئك المرتبطين بالرُّسُل؛ وبذلك كانوا على دراية مباشرة بأصول الأناجيل.
وفي حين أن المعنى الكامل لتصريحاتهم لا يزال مفتوحاً للنقاش، لم يبقَ أي تقليد
منافس ينسب الإنجيل الأول إلى أي كاتب آخر، إن كان قد وجد أي تقليد كهذا أساساً.
ويستشهد الكُتّاب اللاحقون (مثل هيبوليتوس، وترتليان، وكبريانوس، ونوفاتيان)
بإنجيل متى بانتظام باعتباره كتباً مقدسة موحى بها على نفس مستوى العهد القديم.[5]
لا يمكن التغاضي بتهوين عن شهادة آباء الكنيسة الأوائل بشأن التأليف
الرسولي للأناجيل إزائية (متى، ومرقس، ولوقا).[6]
فجميع الأدلة تدعم بانتظام الإيمان بأن متى (العشار الذي تحول إلى تلميذ)، ومرقس
(رفيق بطرس وبولس)، ولوقا ("الطبيب الحبيب" لبولس) كانوا هم كتاب
الأناجيل المنسوبة إليهم.
ومن الصعب تصور لماذا قد ينسب المسيحيون في وقت
مبكر من القرن الثاني هذه الأناجيل المجهولة الكاتب لولا ذلك إلى ثلاثة مرشحين غير
محتملين إطلاقاً إذا لم يكونوا قد كتبوها بالفعل. فلم يكن مرقس ولوقا من بين رسل يسوع
الاثني عشر. ومرقس يشتهر بالتخلي عن بولس (أعمال 13: 13؛ قارن أعمال 15: 37-40)،[7]
ولوقا مجهول بشكل خاص، حيث لا يُذكر باسمه إلا مرة واحدة فقط في العهد الجديد
(كولوسي 4: 14).[8]
ومتى، رغم أنه رسول، يشتهر أيضاً بصفة سلبية—ماضيه غير الأخلاقي كعشار (متى 9:
9-13).[9]
وكان العشارون يُعتبرون خائنين لأمتهم.
وبالمقابل، اختارت الأناجيل المنحولة بانتظام
شخصيات أكثر شهرة وقدوة—مثل فيلبس، أو بطرس، أو يعقوب، أو برثولماوس، أو
مريم—لكتابها الخياليين.[10]
وحتى توما، رغم شكوكه الشهيرة في قيامة يسوع (يوحنا 20: 25)،[11]
يبدو شخصاً أكثر احتمالاً لأن يُنسب إليه إنجيل من متى أو مرقس أو لوقا، لأنه قدم
في النهاية إعلاناً عميقاً للإيمان بـ يسوع القائم (قارن يوحنا 20: 28).[12]
وهذا يتوافق مع إنجيل توما الغنوسي الذي يدعي أنه كُتب بواسطة توما الرسول. إن
النسبة الكاذبة للإنجيل الأول إلى رسول مجهول نسبياً مثل متى تبدو غير محتملة حتى
تاريخ لاحق، عندما أصبح إضفاء الطابع القانوني على الرُّسُل أمراً شائعاً.
ينكر بعض العلماء المعاصرين تأليف متى للإنجيل الأول على أساس أنهم يؤيدون أسبقية مرقس ولا يمكنهم تصور كيف لرسول (متى) أن يستعير من غير رسول (مرقس). ولكن حتى لو كان لـ متى إمكانية الوصول إلى إنجيل مرقس، فإن مرقس يمثل رواية بطرس الموثوقة وبكل تأكيد لن يزيد ذلك الرواية إلا وزناً رسوليةً أعظم.
أين كُتب إنجيل متى؟
لا يمكننا أن نكون متأكدين من المكان الذي كتب فيه متى هذا الإنجيل. و"سورية"
هي الاقتراح الأكثر ترجيحاً، لأن أنطاكية سورية كان بها عدد كبير من السكان
اليهود وكانت المركز الأول للكرزة بين الأمم، ولكن لا يتوقف شيء ذو أهمية على
هذا الاستنتاج.
متى كُتب إنجيل متى؟
يرى العديد من العلماء المعاصرين أن إنجيل متى كُتب بين عامي 80 و100
ميلادية، لكن معظم أسباب هذا التاريخ تعتمد على شبكة من الأحكام المتنازع عليها. وتشير
غالبية الأدلة إلى أن إنجيل متى نُشر قبل عام 70 ميلادية بفترة ليست طويلة. على
سبيل المثال، آباء الكنيسة الأوائل أجمعوا على إعطاء إنجيل متى تاريخاً مبكراً.
علاوة على ذلك، يمكن اعتبار بعض أقوال يسوع مؤشراً على أن الهيكل، الذي دُمر عام
70 ميلادية، كان لا يزال قائماً عندما كتب متى (متى 5: 23-24؛ متى 12: 5-7؛ متى
23: 16-22؛ قارن متى 26: 60-61).[13]
[1] D.
A. Carson and Douglas J. Moo, Introducing the New Testament: A Short Guide to
Its History and Message (Grand Rapids, MI: Zondervan, 2010). 24
[2] Michael
J. Wilkins, The NIV Application Commentary: Matthew (Grand Rapids, MI:
Zondervan Publishing House, 2004). 21
[3] متى 6:
9-11: «فَصَلُّوا أَنْتُمْ هَكَذَا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ،
لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي
السَّمَاءِ كَذَلِكَ عَلَى الأَرْضِ. خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ.
[4] متى
22: 14: «لأَنَّ كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُخْتَارُونَ».
[5] Simonetti,
Matthew 1–13, xxxvii
[6] وكذلك
يوحنا وإنجيله، ولكننا نتعامل هنا فقط مع الأناجيل الإزائية، التي تعالج قضايا
متشابهة.
[7] أعمال
13: 13: «ثُمَّ أَبْحَرَمِنْ بَافُوسَ بُولُسُ وَوَلِيُّهُ وَأَتَوْا إِلَى
بَرْجَةِ بَمْفِيلِيَّةَ. وَأَمَّا يُوحَنَّا فَانْفَصَلَ عَنْهُمْ وَرَجَعَ إِلَى
أُورُشَلِيمَ.»
أعمال 15: 37-40: «فَأَشَارَ بَرْنَابَا أَنْ
يَأْخُذَا مَعَهُمَا أَيْضًا يُوحَنَّا الَّذِي يُدْعَى مَرْقُسَ، وَأَمَّا
بُولُسُ فَكَانَ يَسْتَحْسِنُ أَنَّ الَّذِي مُفَارَقَهُمَا مِنْ بَمْفِيلِيَّةَ
وَلَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمَا إِلَى الْعَمَلِ، لاَ يَأْخُذَانِهِ مَعَهُمَا.
فَحَصَلَ بَيْنَهُمَا مُشَاجَرَةٌ حَتَّى مُفَارَقَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ.
وَبَرْنَابَا أَخَذَ مَرْقُسَ وَسَافَرَ فِي الْبَحْرِ إِلَى قُبْرُصَ. وَأَمَّا
بُولُسُ فَاخْتَارَ سِيلاَ وَخَرَجَ مُسْتَوْدَعًا مِنَ الإِخْوَةِ إِلَى نِعْمَةِ
اللهِ.»
[8] كولوسي
4: 14: «يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ لُوقَا الطَّبِيبُ الْحَبِيبُ، وَدِيمَاسُ.»
[9] متى 9:
9-13: «وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاكَ، رَأَى إِنْسَانًا جَالِسًا ..
اسْمُهُ مَتَّى. فَقَالَ لَهُ: «اتْبَعْنِي». فَقَامَ وَتَبِعَهُ. وَبَيْنَمَا
هُوَ مُتَّكِئٌ فِي الْبَيْتِ، إِذَا عَشَّارُونَ وَخُطَاةٌ كَثِيرُونَ قَدْ
جَاءُوا وَاتَّكَأُوا مَعَ يَسُوعَ وَتَلاَمِيذِهِ. فَلَمَّا نَظَرَ
الْفَرَّيْسِيُّونَ قَالُوا لِتَلاَمِيذِهِ: «لِمَاذَا يَأْكُلُ مُعَلِّمُكُمْ
مَعَ الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ؟» فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ قَالَ لَهُمْ: «لاَ
يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. فَاذْهَبُوا وَتَعَلَّمُوا
مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدْعُوَ
أَبْرَارًا بَلِ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ».
[10]
للحصول على المجموعة الكاملة للأناجيل المنحولة، انظر:
Wilhelm Schneemelcher, ed., New Testament Apocrypha, rev. ed. vol. 1
(Louisville: Westminster John Knox, 1990).
[11] يوحنا
20: 25: «فَقَالَ لَهُ التَّلاَمِيذُ الآخَرُونَ: «قَدْ رَأَيْنَا الرَّبَّ!».
فَقَالَ لَهُمْ: «إِنْ لَمْ أَرَ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ
إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لاَ أُؤْمِنْ».
[12] يوحنا
20: 28: «أَجَابَ تُومَا وَقَالَ لَهُ: «رَبِّي وَإِلَهِي!».
[13] متى 5:
23-24: «فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ
أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ
الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَالِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ
وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ.»
متى
12: 5-7: «أَوْ أَمَا قَرَأْتُمْ فِي النَّامُوسِ أَنَّ الْكَهَنَةَ فِي السَّبْتِ
فِي الْهَيْكَلِ يُدَنِّسُونَ السَّبْتَ وَهُمْ بُرَآءُ؟ وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ:
إِنَّ هَهُنَا أَعْظَمَ مِنَ الْهَيْكَلِ! فَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا هُوَ: إِنِّي
أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، لَمَا حَكَمْتُمْ عَلَى الأَبْرِيَاءِ!»
متى
23: 16-22: «وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْقُدَاةُ الْعُمْيَانُ، الْقَائِلُونَ: مَنْ
حَلَفَ بِالْهَيْكَلِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَكِنْ مَنْ حَلَفَ بِذَهَبِ
الْهَيْكَلِ يَلْتَزِمُ! أَيُّهَا الْجُهَّالُ وَالْعُمْيَانُ، أَيُّمَا أَعْظَمُ:
أَلذَّهَبُ أَمِ الْهَيْكَلُ الَّذِي يُقَدِّسُ الذَّهَبَ؟ وَمَنْ حَلَفَ
بِالْمَذْبَحِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَكِنْ مَنْ حَلَفَ بِالْقُرْبَانِ الَّذِي
عَلَيْهِ يَلْتَزِمُ! أَيُّهَا الْجُهَّالُ وَالْعُمْيَانُ، أَيُّمَا أَعْظَمُ:
أَالْقُرْبَانُ أَمِ الْمَذْبَحُ الَّذِي يُقَدِّسُ الْقُرْبَانَ؟ فَإِنَّ مَنْ
حَلَفَ بِالْمَذْبَحِ فَقَدْ حَلَفَ بِهِ وَبِكُلِّ مَا عَلَيْهِ، وَمَنْ حَلَفَ
بِالْهَيْكَلِ فَقَدْ حَلَفَ بِهِ وَبِالسَّاكِنِ فِيهِ، وَمَنْ حَلَفَ
بِالسَّمَاءِ فَقَدْ حَلَفَ بِعَرْشِ اللهِ وَبِالْجَالِسِ عَلَيْهِ.»
متى
26: 60-61: «فَلَمْ يَجِدُوا. وَمَعَ أَنَّهُ جَاءَ شُهُودُ زُورٍ كَثِيرُونَ،
لَمْ يَجِدُوا. وَلَكِنْ أَخِيرًا جَاءَ شَاهِدَا زُورٍ وَقَالاَ: هَذَا قَالَ:
إِنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَهْدِمَ هَيْكَلَ اللهِ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ
أَبْنِيهِ.»

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق