الأحد، 26 يوليو 2026

لقب ابن الإنسان عن المسيح ومعناه المسياني

 



أكثر الألقاب التي استخدمها المسيح عن نفسه، هو " ابن الإنسان ".


ولكن لم يستخدم أحد آخر هذا اللقب. وقد استخدمه المسيح في مناسبات عديدة، فأحياناً كان يرتبط ارتباطاً مباشراً بخدمته العامة، كما في قوله: إن " ابن الإنسان " هو "رب السبت"

(مر 2: 28). أو أن " لابن الإنسان سلطاناً... أن يغفر الخطايا " (مر 2: 10). وأحياناً يرتبط ارتباطاً مباشراً بآلامه، كما في قوله " إن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً ويرفض " (مر 8: 31). وفي أحيان أخرى في الإشارة إلى مجيئه في المستقبل، كما في قوله لرئيس الكهنة: " سوف تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً في سحاب السماء" (مرقس 14: 62). فماذا كان يعني الرب يسوع بهذا اللقب، ولماذا استخدمه؟

لقد سبق أن استخدم لقب "ابن الإنسان" أو "ابن آدم" من قبل، ولكنه في مز 8: 4 يشير إلى الإنسان. وفي نبوة حزقيال يشير "ابن آدم" إلى النبي حزقيال نفسه. ولكن نجد استخداماً مختلفاً في نبوة (دانيال 7: 13) حيث نقرأ:

"وإذا مع سحب السماء مثل ابن الإنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه"، وهي عبارة قوية الشبه بما جاء في إنجيل (مرقس 14: 62). كما ورد هذا اللقب في بعض الكتابات الأبوكريفية (مثل تشبيهات سفر أخنوخ) حيث يشير إلى كائن سابق الوجود، سيأتي ليدين أعداء الله ويقضي عليهم. من كل هذا يتضح لنا أن استخدام المسيح للقب "ابن الإنسان" استخدام فريد لا نظير له.

والأقوال التي تتضمن لقب "ابن الإنسان" موزعة في الأناجيل الأربعة دون أي اختلافات تُذكر. ولكن ما يدعو للدهشة هو أنه بينما يرد ذكر هذا اللقب كثيراً في الأناجيل على فم المسيح نفسه، فإن أحداً من كُتَّاب أسفار العهد الجديد أو المسيحيين الأوائل لم يستخدمه، ولا يظهر سوى مرة واحدة في سفر أعمال الرسل 7: 56، حيث يستخدمه استفانوس، ومن هنا يتضح أن هذا اللقب كان له معناه الخاص عند المسيح، لم يكن عند الآخرين. مما لاشك فيه أنه كان يشير به إلى نفسه، وليس لأحد آخر كما يثبت ذلك من الدراسة الدقيقة لكل الأقوال التي جاء بها لقب "ابن الإنسان". والأرجح أنه استخدم هذا اللقب لأنه أراد أن يتجنب استخدام كلمة "مسيا" التي كانت تحمل مضموناً سياسياً. ولكن ماذا كان يقصد المسيح من لقب "ابن الإنسان؟"، إنه لقب غني بفكرة "الناسوت"، ويمكن أن تكون الإشارة إلى ابن الإنسان في نبوة دانيال، كما لعل فيها إشارة إلى فكرة "العبد المتألم" (إش 53). والأرجح أن الكنيسة الأولى فضلت استخدام اللقب، "المسيح" (المسيا) لأنه اللقب الذي يشير إلى المخلص الملكي، فبعد موت المسيح لم يعد هناك خوف من سوء الفهم السياسي.

 

وكلمة "المسيح" (مسيَّا) لم يستخدمها الرب يسوع أبداً في تعليمه. والمرة الهامة التي قبل فيها وصفه "بالمسيح" كانت عندما قال له بطرس في قيصرية فيلبس:

"أنت المسيح ابن الله الحي" (مت 16: 16)، وقد سجلت هذا الاعتراف الأناجيل الثلاثة الأولى. ويسجل متى تعليق المسيح على هذا الاعتراف بالقول "طوبى لك يا سمعان ابن يونا، إن لحماً ودماً لم يعلن لك، لكن أبي الذي في السموات" (مت 16: 17). فواضح أن الرب قبل هذا الاعتراف واعتبره إعلاناً من الله. وثمة مرة أخرى لم يرفض فيها هذا اللقب، وذلك في إجابته على سؤال رئيس الكهنة: "أأنت المسيح ابن المبارك؟" (مر 14: 16). وفي إنجيل يوحنا يقول أندراوس لأخيه بطرس: "قد وجدنا مسيا الذي تفسيره المسيح" (يو 1: 41). كما أن المرأة السامرية قالت له: "أنا أعلم أن مسيا الذي يقال له المسيح يأتي"... فقال لها يسوع "أنا الذي أكلمك هو" (يو 4: 25، 26).

لقد كان هناك توقع كبير عند اليهود أن مخلصاً سيأتي للقضاء على أعدائهم من الرومان، ولكن كانت تختلف آراؤهم حوله (فمن قائل إنه قائد عسكري، وقائل إنه محارب سماوي)، وكذلك اختلفت الآراء حول طرقه (فكان الغيورون يعتقدون أن الخلاص لن يأتي إلا بثورة مسلحة). ومن ذلك يمكن أن نفهم لماذا لم يتكلم الرب يسوع عن مسيانيته.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دائرة المعارف الكتابية

ليست هناك تعليقات: