الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

هل حُرِّفَ الكتاب المقدس؟ ما رأي العلماء؟!

 

 

ديف ميلر[1]

ماذا قال أبرز علماء النقد النصي للعهد الجديد في العالم حول ما إذا كان لدينا الكتاب المقدس كما أراده الله؟

 

ف. ف. بروس (1910-1990)

أستاذ اللغة اليونانية: جامعة إدنبرة وجامعة ليدز- رئيس قسم التاريخ والأدب الكتابي بجامعة شيفيلد- دكتوراه فخرية في اللاهوت من جامعة أبردين- أستاذ رايلاندز للنقد والتفسير الكتابي بجامعة مانشستر- مؤلف أكثر من 40 كتابًا- محرر كل من The Evangelical Quarterly و Palestine Exploration Quarterly

 

"القراءات المتباينة التي لا يزال ينتابها الشك بين نقاد النص للعهد الجديد لا تمس أي مسألة جوهرية تتعلق بحقيقة تاريخية أو بالإيمان والممارسة المسيحية."[2]

 

"في ضوء التراكم المحتوم لمثل هذه الأخطاء على مدى قرون عديدة، قد يُظن أن النصوص الأصلية لوثائق العهد الجديد قد حُرِّفت بشكل يستحيل معه استردادها. وبالفعل، يصر بعض الكُتَّاب على احتمالية حدوث ذلك إلى درجة تشعر معها أحيانًا أنهم يودون لو كان الأمر كذلك. لكنهم مخطئون. فلا توجد مجموعة من الأدبيات القديمة في العالم تتمتع بمثل هذا الغنى من التوثيق النصي الجيد كما هو حال العهد الجديد."[3]

 

"ينبغي قول شيء آخر، وقوله بتأكيد شديد. لقد كنا نناقش أنماطًا نصية مختلفة، ونراجع دعاواها المتنافسة لتكون أفضل ما يُمثِّل العهد الجديد الأصلي. لكن لا توجد اختلافات واسعة بين هذه الأنماط من نوع يمكن أن يُشكِّل أي فارق لمسؤولية الكنيسة في أن تكون شاهدًا وحارسًا للكتب المقدسة."[4]

 

"إذا كانت القراءات المتباينة كثيرة جدًا، فهذا لأن الشهود كثيرون جدًا. لكن جميع الشهود، وجميع الأنماط التي يمثلونها، يتفقون على كل بند من بنود الإيمان والممارسة المسيحية."[5]

 

"إذا كان مجرد عدد المخطوطات يزيد من إجمالي القراءات، التي انتجها النُسَّاخ، فإنه يوفر في الوقت نفسه الوسائل لفحصها وضبطها."[6]

 

بروس متزجر (1914-2007)

عالم في اللغة اليونانية والنقد النصي للعهد الجديد- أستاذ متفرغ في سيمينار برينستون اللاهوتي (46 عامًا)- حجة معترف به في النص اليوناني للعهد الجديد- خدم في مجلس إدارة جمعية الكتاب المقدس الأمريكية- القوة المحركة لسلسلة النصوص اليونانية لجمعيات الكتاب المقدس المتحدة- رئيس لجنة ترجمة NRSV للكتاب المقدس- يُعتبر على نطاق واسع واحدًا من أكثر علماء العهد الجديد تأثيرًا في القرن العشرين

 

"حـتى لو لم تكن لدينا مخطوطات يونانية اليوم، فمن خلال تجميع المعلومات من هذه الترجمات من تاريخ مبكر نسبيًا، يمكننا في الواقع إعادة إنتاج محتويات العهد الجديد. بالإضافة إلى ذلك، حتى لو فقدنا جميع المخطوطات اليونانية والترجمات المبكرة، فسيظل بإمكاننا إعادة إنتاج محتويات العهد الجديد من تعدد الاقتباسات في التفاسير، والمواعظ، والرسائل، وما إلى ذلك لآباء الكنيسة الأوائل."[7]

 

بروك فوس وستكوت (1825-1901)

عالم كتابي، ولاهوتي، وناقد نصي- أسقف دورهام- شغل كرسي ريجيوس للأستاذية في اللاهوت بجامعة كامبريدج- شارك في تحرير The New Testament in the Original Greek

 

فينتون جون أنتوني هورت (1828-1892)

ناقد نصي- لاهوتي أيرلندي- أستاذ بجامعة كامبريدج- شارك في تحرير The New Testament in the Original Greek

 

"فيما يتعلق بالجزء الأكبر من كلمات العهد الجديد... لا يوجد أي اختلاف أو سبب آخر للشك."[8]

 

"إن مقدار ما يمكن أن يسمى بأي معنى اختلافًا جوهريًا ليس سوى كسر صغير من إجمالي الاختلاف المتبقي، ولا يمكن أن يُشكِّل أكثر من جزء من ألف جزء من النص بأكمله."[9]

 

"بما أن هناك سببًا للشك في أن انطباعًا مبالغًا فيه يسود بشأن مدى القراءت والتغييرات النصية المُحتملة في العهد الجديد... فإننا نرغب في أن نوضِّح جليًا مسبقًا كم من العهد الجديد يقف في غير حاجة إلى جهود ناقد النص."[10]

 

"فـي تنوع ووفرة الأدلة التي يستند إليها، يقف نص العهد الجديد فريدًا بشكل مطلق ولا يدانيه شيء بين الكتابات النثرية القديمة."[11]

 

"إن أسفار العهد الجديد كما هي محفوظة في المخطوطات الموجودة تخاطبنا يقينًا في كل جانب هام بلغة مطابقة لتلك التي خاطبت بها أولئك الذين كتبت من أجلهم في الأصل."[12]

 

"إن الكلمات التي لا تزال في رأينا محل شك لا يمكن أن تزيد عن جزء من ألف جزء من العهد الجديد بأكمله."[13]

 

ج. و. مكجارفي (1829-1911)

خادم، ومؤلف- درّس 46 عامًا في كلية الكتاب المقدس في ليكسينغتون، كينتاكي- شغل منصب الرئيس من 1895 إلى 1911

 

"إن كل السلطان والقيمة التي كانت تمتلكها هذه الأسفار عندما كتبت لأول مرة، لا تزال ملكًا لها."[14]

 

بنجامين وارفيلد (1852-1921)

أستاذ اللاهوت في سيمينار برينستون (1887 إلى 1921)- آخر اللاهوتيين الكبار في برينستون

 

"هكذا كانت عناية الله في الحفظ لكنيسته في كل عصر نصًا دقيقًا بدرجة كافية من الأسفار المقدسة، حتى إنه لا يقتصر الأمر على أن العهد الجديد لا يدانيه أحد بين الكتابات القديمة في نقاوة نصه كما تم انتقاله واستخدامه بالفعل، بل أيضًا في وفرة الشهادة التي وصلت إلينا لتهذيب الأخطاء النسخية النادرة نسبيا."[15]

 

"إن الجزء الأكبر من العهد الجديد... قد تم انتقاله إلينا بدون أي اختلاف، أو تقريبًا بلا اختلاف."[16]

 

ريتشارد بنتلي (1662-1742)

عالم كلاسيكي إنجليزي، وناقد، ولاهوتي- رئيس كلية ترينيتي، كامبريدج- أول إنجليزي يُصنّف مع أبطال التعلم الكلاسيكي الكبار- مشهور بنقده الأدبي والنصي- "مؤسس الفيلولوجيا التاريخية"- يُنسب إليه إنشاء المدرسة الإنجليزية للهيلينية

 

"إن النص الحقيقي للكتبة القديسين لا يكمن الآن (منذ أن فقدت النسخ الأصلية منذ زمن طويل) في أي مخطوطة أو طبعة مفردة، بل هو متفرق فيها جميعًا. وهو دقيق بدرجة كافية بالفعل حتى في أسوأ مخطوطة موجودة حاليًا؛ ولا يوجد بند واحد من الإيمان أو المبدأ الأخلاقي قد تم تحريفه أو ضياعه فيها."[17]

 

"اجعل قراءاتك المتباينة البالغة ثلاثين ألفًا أضعافًا مضاعفة، إذا كان لعدد النسخ أن يصل إلى هذا المجموع؛ فكلما زادت كان ذلك أفضل للقارئ الجاد والعارف بالفحوى، والذي هو بعيد كل البعد عن أن يتزعزع إيمانه المسيحي، بل على العكس من ذلك، تزيد من تثبيته."[18]

 

صموئيل دافيدسون (1806-1898)

عالم كتابي أيرلندي- أستاذ النقد الكتابي في الكلية الملكية ببلفاست- أستاذ النقد الكتابي في كلية لانكشاير المستقلة في مانشستر- مؤلف— A Treatise on Biblical Criticism- Lectures on Ecclesiastical Polity- An Introduction to the New Testament- The Hebrew Text of the Old Testament Revised- Text of the O.T. & Interpretation of the Bible- Introduction to the Old Testament- On a Fresh Revision of the Old Testament- Canon of the Bible

 

"بعد أن أظهرنا المحاولات المختلفة التي بذلت لاستعادة [النص] إلى نقائه الأصلي، قد نضيف كلمات قليلة حول النتيجة العامة التي تم الحصول عليها. لقد كان التأثير هو إثبات أصالة نص العهد الجديد في جميع التفاصيل الهامة. لم يتم استخراج عقائد جديدة بمساعدته؛ ولم يتم استدعاء أي حقائق تاريخية بوساطته من ظلامها. كل عقائد المسيحية وواجباتها تظل غير متأثرة.... إن أبحاث النقد الحديث... قد أثبتت أمرًا واحدًا—وهو أنه في سجلات الوحي لا يوجد تحريف. لقد أظهرت بنجاح أنه على مدى قرون عديدة قد تم حفظ نص السفر المقدس بعناية كبيرة؛ وأنه لم يتم العبث به بأيدٍ جرئية.... لقد كان النقد يتدرج... في إثبات الأمان الثابت للأساس الذي يمكن للإيمان المسيحي أن يستند عليه بأمان. يجب أن نعتبر الأسفار المقدسة كما هي الآن إلهية في أصلها.... يـمكننا القول بحق إن الأسفار المقدسة تستمر كما كانت عندما صدرت من الكُتّاب أنفسهم. ومن ثم لا داعي لأن ينزعج أحد عندما يسمع عن التجميع الهائل للقراءات المتباينة التي جمعها فاحصو المخطوطات والمحررون النقديون. فالغالبية العظمى منها من نوع تافه، يشبه الاختلافات في ترتيب الكلمات والتعبير عن المترادفات التي يظهرها الكُتّاب ذوو الأذواق المختلفة. وإذ نثق في النزاهة العامة لسجلاتنا الدينية، يمكننا النظر إلى ربع أو نصف مليون من القراءات المتباينة بهدوء، لأنها غير مهمة لدرجة أنها لا تؤثر على الإيمان الديني.... يجب اعتبار الأسفار المقدسة الحالية غير متضررة في انتقالها عبر أعصار كثيرة."[19]

 

فريدريك هـ. أ. سكريفنر (1813-1891)

ناقد نصي هام للعهد الجديد- عضو لجنة مراجعة العهد الجديد الإنجليزية (النسخة المنقحة)- تخرج من كلية ترينيتي، كامبريدج- درّس اللغات الكلاسيكية في عدة مدارس في جنوب إنجلترا- حرر كودكس بيزا Codex Bezae Cantabrigiensis D- حرر طبعات عديدة من العهد الجديد اليوناني- قابل المخطوطة السينائية א مع النص المعتمد Textus Receptus- أول من ميز النص المعتمد Textus Receptus عن النص البيزنطي

 

"حـقيقة واحدة عظيمة معترف بها من الجميع—وهي الخلو التام للكتب المقدسة من مجرد شبهة التحريف؛ والمطابقة المطلقة لشهادة كل نسخة معروفة فيما يتعلق بالعقيدة، والروح، والاتجاه الرئيسي لكل حجة وكل رواية عبر الكتاب الموحى به بأكمله.... هكذا حفظت عناية الله كنوز كلمته المكتوبة من الضرر، بالقدر الذي يلزم للاطمئنان الهادئ لكنيسته وشعبه."[20]

 

سير فريدريك جورج كينيون (1863-1952)

عالم عالمي مرموق في علم البرديات وشؤون الكتاب المقدس والعلوم الكلاسيكية- شغل سلسلة من المناصب في المتحف البريطاني- رئيس الأكاديمية البريطانية من 1917 إلى 1921- رئيس المدرسة البريطانية للآثار في أورشليم

 

"كلمة تحذير واحدة... يجب التأكيد عليها في الختام. لا توجد عقيدة أساسية للإيمان المسيحي تستند إلى قراءة متنازع عليها. إن الإشارات المستمرة إلى الأخطاء واختلافات القراءة... قد تثير الشك حول ما إذا كان المضمون، وكذلك اللغة، في الكتاب المقدس غير مفتوح للتساؤل. لا، يُمكن التأكيد بشدة كافية على أن نص الكتاب المقدس مؤكد في مضمونه. خاصة هو الحال مع العهد الجديد. إن عدد مخطوطات العهد الجديد، والترجمات المبكرة منه، والاقتباسات منه عند أقدم كُتَّاب الكنيسة كبير جدًا، لدرجة أنه من المؤكد عمليًا أن القراءة الصحيحة لكل نص مشكوك فيه محفوظة في واحد أو آخر من هذه السلطات القديمة. وهذا ما لا يمكن قوله عن أي كتاب قديم آخر في العالم."[21]

 

"صحيح (ولا يمكن التأكيد عليه بأكثر مما ينبغي) أنه لا توجد واحدة من الحقائق الأساسية للمسيحية تستند إلى نصوص أصالتها مشكوك فيها."[22]

 

"إن الفاصل الزمني إذن بين تواريخ التأليف الأصلي وأقدم الأدلة الموجودة يصبح صغيرًا جدًا لدرجة أنه في الواقع لا يذكر، وقد تم الآن إزالة الأساس الأخير لأي شك في أن الأسفار المقدسة قد وصلت إلينا جوهريًا كما كتبت."[23]

 

"كل من الأصالة والنزاهة العامة لأسفار العهد الجديد يمكن اعتبارها مثبتة بشكل نهائي."[24]

 

"يمكن للمسيحي أن يأخذ الكتاب المقدس بأكمله في يده ويقول دون خوف أو تردد إنه يمسك فيه بكلمة الله الحقيقية، المثبتة بأمانة من جيل إلى جيل عبر القرون."[25]

 

ملخص/نتائج

 

إن طبيعة هذا الموضوع هي بحيث لا يهم أن نأخذ في الاعتبار ما قاله العلماء منذ قرن أو أكثر—لأنه إذا كانت نزاهة النص الكتابي قد تم إثباتها والتحقق منها في ذلك الوقت، فإنها تظل كذلك اليوم.

يمكننا أن نؤكد بثقة أن لدينا 999/1000 من العهد الجديد الأصلي سليمًا؛ والـ 1/1000 المتبقي لا يترتب عليه أي نتيجة.

لم يتم تحريف الكتاب المقدس في انتقاله النصي من الرسل حتى وصل إلينا كما هو.



[1] Miller, Dave. Has the Bible Been Corrupted?—What the Scholars Say. Apologetics Press, August 12, 2025.

Available at: https://apologeticspress.org/has-the-bible-been-corrupted-what-the-scholars-say

[2] F.F. Bruce (1975 reprint), The New Testament Documents: Are They Reliable? (Grand Rapids, MI: Eerdmans), pp. 19-20

[3] F.F. Bruce (1963), The Books and the Parchments (Westwood, NJ: Fleming H. Revell), p. 178

[4] Ibid., p 189

[5] Ibid

[6] Ibid., p. 181

[7] Interview in Lee Strobel (1998), The Case for Christ (Grand Rapids, MI: Zondervan), p. 59

[8] B.F. Westcott and F.J.A. Hort (1882), The New Testament in the Original Greek (New York: Harper & Brothers), p. 2

[9] Ibid

[10] Ibid., pp. 2-3

[11] Ibid., p. 278

[12] Ibid., p. 284

[13] Ibid., p. 565

[14] J.W. McGarvey (1974 reprint), Evidences of Christianity (Nashville, TN: Gospel Advocate), p. 17

[15] Benjamin B. Warfield (1886), An Introduction to the Textual Criticism of the New Testament (London: Hodder & Stoughton), pp. 12-13

[16] Ibid., p. 13

[17] Richard Bentley (1725), Remarks Upon a Late Discourse of Free Thinking (Cambridge: Cornelius Crownfield), p. 68-69

[18] Ibid., p. 76

[19] Samuel Davidson (1853), A Treatise on Biblical Criticism (Boston, MA: Gould & Lincoln), pp. 147-148

[20] Frederic H.A. Scrivener (1861), A Plain Introduction to the Criticism of the New Testament (Cambridge: Deighton, Bell, & Co.), pp. 6-7

[21] Sir Frederic Kenyon (1895), Our Bible and the Ancient Manuscripts (London: Eyre & Spottiswoode), pp. 10-11

[22] Ibid., pp. 3-4

[23] Sir Frederic Kenyon (1940), The Bible and Archaeology (New York: Harper & Row), pp. 288-289

[24] Ibid., pp. 288-289

[25] Our Bible…, pp. 10-11


ما معنى أن المسيح صار خطية لأجلنا؟

 

 

ما معنى أن المسيح صار خطية لأجلنا؟[1]

"لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ." (2 كو 5: 21).

 

1. مقدمة إلى المفهوم

تُستمد عبارة "جعل المسيح خطية لأجلنا" مباشرة من 2 كورنثوس 5: 21: "لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ." طالما شكَّل هذا النص ركيزة أساسية في التعليم المسيحي حول الكفارة والخلاص، مسلطًا الضوء على كيفية اتخاذ المسيح الفادي الكامل والخالي من الخطية عقوبة الخطية البشرية على نفسه. ومع ذلك، قد تبدو هذه الصياغة غامضة في البداية؛ فكيف يمكن للقدوس الكامل أن "يصير" خطية؟ يُفهم هذا التعليم على أفضل وجه بأن المسيح حمل عبء إدانة البشرية كاملاً وقدم نفسه ذبيحة فائقة.

فيما يلي دراسة تفصيلية عبر أقسام مستقلة، تهدف إلى إيضاح وتجلية الأبعاد العميقة لهذه العقيدة.

 

2. تعريف "الخطية" والوضع البشري

 

يوجد جميع البشر تحت ثقل الخطية. يصف الكتاب المقدس كيف أن "الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ" (رومية 3: 23). ليست الخطية مجرد فعل، بل هي حالة تمرد ضد الله تؤدي إلى الانفصال الروحي والموت (رومية 6: 23). في نظام الذبائح في العهد القديم، تطلبت خطورة الخطية تقديم ذبائح حيوانية لإبراز ضرورة بذل الحياة لأجل الكفارة (لاويين 17: 11). غير أن هذه الذبائح كانت تشير إلى ذبيحة أعظم وكافية للجميع.

في العهد الجديد، قُدِّم الحل النهائي لأزمة البشرية في المسيح، الذي هو إله تام وإنسان تام. هو "لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً" (1 بطرس 2: 22)، ولكنه احتمل طوعًا العقوبة التي تستحقها الخطية.

 

3. خلفية العهد القديم: الكفارة البدلية

 

تحت شريعة موسى، أُوضحت الكفارة البدلية بجلاء من خلال الذبائح. كان كائن بريء (ذبيح) يحمل العقاب رمزيًا بدلاً عن المذنب. يذكر سفر اللاويين الأصحاح 16 يوم الكفارة (Yom Kippur يوم كيبور)، حيث يذبح الكاهن الأعظم تيسًا عن خطايا الشعب، ويرسل تيسًا آخر—"تيس العزازيل"—إلى البرية، حاملاً آثامهم رمزيًا.

كانت هذه الذبائح ظلاً للذبيحة الكاملة. تذكر الرسالة إلى العبرانيين 10: 1 أن "الشَّرِيعَةَ، إِذْ لَهَا ظِلُّ الْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ لاَ نَفْسُ صُورَةِ الأَشْيَاءِ." المسيح هو الحقيقة التي كانت تشير إليها كل تلك الذبائح، متألمًا ومتممًا بتقديم ذاته مرة واحدة ما كانت تمثله ذبائح لا حصر لها.

 

4. معنى "صار خطية"

 

عندما تذكر 2 كورنثوس 5: 21 "جَعَلَ... خَطِيَّةً"، فهذا لا يعني أن المسيح كف عن أن يكون بارًا أو كلي الكمال. بل بالأحرى، بالمعنى القضائي، حُسبت—أو نُسبت—جميع الخطايا إليه (إشعياء 53: 6: "وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا"). "الاحتساب" (Imputation إمبيوتيشن) هو مصطلح لاهوتي أساسي يعني نسب شيء ما إلى حساب شخص آخر.

 

أ. خلو المسيح من الخطية

 

هو "لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً" (2 كورنثوس 5: 21). يؤكد هذا على أن يسوع ظل كامل الصلاح أخلاقيًا. في 1 بطرس 2: 22، "الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ". هذه البراءة جعلته وحدها المؤهل لتحمُّل عقوبة خطايا العالم.[2]

 

ب. نقل الإدانة

وُضعت آثامنا عليه. تذكر الرسالة إلى الغلاطية 3: 13: "اَلْمَسِيحُ اشْتَرَانَا مِنْ لَعْنَةِ الشَّرِيعَةِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا". تعني هذه الصياغة أنه اتخذ اللعنة التي تحق للبشرية بحق على نفسه، حملها ولما تكن فيه كما هي فينا بسبب خطايانا.[3]

 

ج. البدلية القضائية

 

يتضمن مفهوم "صار خطية" تبادلاً: اتخاذ يسوع لخطايانا على نفسه، ونوال المؤمنين لبره (2 كورنثوس 5: 21). تشبه هذه المعاملة القانونية التي يتطوع فيها شخص لدفع دين آخر.[4]

 

5. الموضوعات الكتابية التي تدعم المفهوم

 

أ. رمزية حمل الفصح

خلال خروج بني إسرائيل من مصر، ذُبح حمل بلا عيب لكي يحمي دمه البيت من القضاء (خروج 12: 5-7، 13). دعى يوحنا المعمدان يسوع "حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!" (يوحنا 1: 29). يربط هذا بين ظل العهد القديم (الحمل) وتحقيق العهد الجديد (المسيح).

 

ب. النبوات في إشعياء 53

أنبأ إشعياء: "وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا... وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إشعياء 53: 5-6). تُعرف هذه النبوة، التي كُتبت قبل المسيح بقرون، على نطاق واسع بأنها التنبؤ المباشر بآلامه الكفارية وتصور "العبد المتألم" حاملاً خطية الكثيرين.

 

ج. شرح الرسول بولس للكفارة

في رومية 5: 8، يوضح بولس أن "اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا." يحدد الرسول موت يسوع الذبائحي باعتباره الإعلان الأسمى عن المحبة والنعمة الإلهية.

 

6. التأثير العالمي والأزلي

 

أ. النصرة على الموت

لأن أجرة الخطية هي موت (رومية 6: 23)، فإن ذبيحة المسيح وقيامته كسرتا شوكة الموت لكل من يؤمن (1 كورنثوس 15: 54-57). قيامته هي التأكيد المحوري على أن ذبيحته كانت مقبولة أمام الله.

 

ب. المصالحة والسلام

بالإضافة إلى إزالة الخطية، فإن عمل المسيح "يصالحنا" مع الله (رومية 5: 10). وينتج عن إتمام تلك المصالحة سلام حقيقي: "لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (رومية 5: 1).

 

ج. الحياة اليومية والتقديس

يختبر المؤمنون تحولاً مستمرًا، يتشكلون تدريجيًا حسب صورة شخصه بواسطة الروح القدس. ورغم أن البر الكامل لنا في المسيح، فنحن ننمو أيضًا عملاً في القداسة بينما نعيش الحياة الجديدة المشتراة لأجلنا (أفسس 4: 22-24).

 

8. المفاهيم الخاطئة الشائعة

 

أ. المسيح لم يصر "خاطئًا" بالمعنى الحرفي

عبارة "جَعَلَ... خَطِيَّةً" لا تعني أن المسيح صار فاسدًا أخلاقيًا. بل تشير إلى أنه اتخذ العقوبة وحمل خطيتنا.

ب. أكثر من مجرد مثال أخلاقي

بينما تُشكِّل حياة يسوع النموذج الأسمى للمحبة والفضيلة، فإن هذا التعليم يتجاوز مجرد القدوة الأخلاقية. إنه يؤكد على كفارة حقيقية أنجزت غفرانًا فعليًا.

ج. لا يقر الاستمرار في الخطية

حمله للخطية لا يشجع المؤمنين على العيش في الخطية أو الاستهانة بالنعمة. تدعو الأسفار المقدسة المؤمنين إلى السعي للقداسة بدافع الشكر على الذبيحة المقدمة من الله لأجل خلاصهم (رومية 6: 1-2).

 



[1] BibleHub. "What does it mean Jesus became sin for us?" https://biblehub.com/q/what_means_jesus_became_sin_for_us.htm

[2] "الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلَا وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ»، الَّذِي إِذْ شُتِمَ لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضًا، وَإِذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ بَلْ كَانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقْضِي بِعَدْلٍ. الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ." (1بط 2: 22-24)

"وَتَعْلَمُونَ أَنَّ ذَاكَ أُظْهِرَ لِكَيْ يَرْفَعَ خَطَايَانَا، وَلَيْسَ فِيهِ خَطِيَّةٌ." (1يو 3: 5)

"لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ." (عب 4: 15)

"لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هَذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرٍّ وَلَا دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ" (عب 7: 26)

"وَلكِنْ أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ، وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ." (أع 3: 14)

[3] "فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ، مُمَاتًا فِي الْجَسَدِ وَلكِنْ مُحْيًى فِي الرُّوحِ،" (1بط 3: 18)

"يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هَذَا لِكَيْ لَا تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا." (1يو 2: 1-2)

[4] "لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً، هَكَذَا أَيْضًا بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَارًا." (رو 5: 19)

"وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ وَبِرًّا وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً." (1كو 1: 30)

"لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولًا. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا." (إش 53: 4-6)


لماذا صار الكلمة جسدًا؟

 


مع قانون الإيمان النيقاوي، نجيب معترفين: "من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء؛ وبقدرة الروح القدس، تجسد من مريم العذراء، وصار إنسانًا."

 

صار الكلمة جسدًا من أجلنا لكي يخلصنا بمصالحته لنا مع الله، الذي "أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا": "الآبَ قَدْ أَرْسَلَ الابْنَ مُخَلِّصًا لِلْعَالَمِ"، و"ذَاكَ أُظْهِرَ لِكَيْ يَرْفَعَ خَطَايَانَا".[1]

 

كانت طبيعتنا مريضة فتطلبت أن تُشفى؛ وساقطة، فتطلبت أن تُقام؛ وميتة، فتطلبت أن تقوم. كنا قد فقدنا امتلاك الخير، وكان من الضروري أن يُرد إلينا. ومحبوسين في الظلمة، كان من الضروري أن يُؤتى إلينا بالنور؛ وأسرى، كنا ننتظر مخلصًا؛ وسجناء، نحتاج معونة؛ وعبيدًا، نحتاج محررًا. أفهذه أمور صغرى أو غير ذات بال؟ ألم تحرك الله لينزل إلى الطبيعة البشرية ويزورها، إذ كانت البشرية في حالة في غاية البؤس والشقاء؟[2]

 

صار الكلمة جسدًا لكي نعرف هكذا محبة الله: "بِهَذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ اللهِ فِينَا: أَنَّ اللهَ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ."[3] "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ."[4]

 

صار الكلمة جسدًا ليكون نموذجنا في القداسة: "اِحْمِلُوا نيري عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي". "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي."[5] وعلى جبل التجلي، يوصي الآب: "لَهُ اسْمَعُوا!"[6] يسوع هو النموذج للتطويبات والمعيار للشريعة الجديدة: "حَتَّى كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا."[7] وهذه المحبة تتضمن تقديم شخص مؤثر اقتداءً بمثاله.[8]

 

صار الكلمة جسدًا لكي يجعلنا "شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ":[9] "ولهذا السبب صار الكلمة إنسانًا، وابن الله صار ابن الإنسان: لكي يدخل الإنسان في شركة مع الكلمة وبذلك ينال البنوة الإلهية، فيصير ابنًا لله."[10] "لأن ابن الله صار إنسانًا لكي نصير نحن آلهة."[11] "إن ابن الله الوحيد، إذ أراد أن يجعلنا شركاء في لاهوته، اتخذ طبيعتنا، لكي، وهو متأنس، يجعل البشر آلهة."[12]

 



[1] 1 يوحنا 4: 10؛ 4: 14؛ 3: 5.

[2] St. Gregory of Nyssa, Or. catech. 15: PG 45, 48B

[3] 1 يوحنا 4: 9.

[4] يوحنا 3: 16.

[5] متى 11: 29؛ يوحنا 14: 6.

[6] مرقس 9: 7؛ متى 17: 5.

[7] يوحنا 15: 12.

[8] يوحنا 15: 13.

[9] 2 بطرس 1: 4.

[10] St. Irenaeus, Adv. haeres. 3, 19, 1: PG 7/1, 939

[11] St. Athanasius, De inc. 54, 3: PG 25, 192B

[12] St. Thomas Aquinas, Opusc. 57 in festo Corp. Chr. 1