تعليقات علماء الكتاب المقدس
كريج كينر:
بعض الشخصيات في العهد القديم، وعلى رأسهم المرأة الصيدونية التي جاء إليها إيليا (1 ملوك 17: 18-19) والمرأة الشونمية مع أليشع (2 ملوك 4: 28)، وضعن احتياجهن أمام نبي ولم يقبلن بالرفض جواباً؛ فاستجاب الله لصلواتهن بالنعم. (وقد أُثر عن بعض المعلمين اليهود القريبين من عصر يسوع ممارستهم لهذا النوع عينيه من الجرأة المقدسة [chutzpah] في الصلاة لأجل المطر، وما إلى ذلك.) وحتى أولئك الذين كانوا الأكثر قرباً من الله، اقتربوا منه ببالغ الاحترام والمهابة حينما قدموا صلاة إلحاحية (تكوين 18: 22-32)؛ لكنهم رَفَضوا أيضاً أن يثنيهم شيء.[1]
ف ف بروس
وفيما كان في بيت معيّن في تلك المقاطعة، اقتربت من يسوع امرأة يونانية (أي أممية) وُلدت في فينيقية السورية (26)، والتجألت إليه أن يخرج الشيطان من ابنتها. غير أن يسوع رفض ذلك في البداية، مبيناً لها أن خدمته المعيّنة إنما هي بين اليهود، لا بين الأمم. والتعبير المجازي الذي استخدمه يسوع في إعلان هذه الحقيقة هو ذلك الذي يُمَثَّل فيه اليهود بالبنين، والأمم بالكلاب (حيث يشير اسم التصغير اليوناني kynarion «إلى أن الإشارة هي إلى الكلاب الصغيرة التي تُقتنى للأنُس في البيوت، وليس إلى كلاب الشوارع»؛ Cranfield, ad loc.)، بينما تُشَبَّه بركات خدمة يسوع بخبز البنين (27). وقد قَبِلَت المرأة الحقيقة التي أقرّها يسوع هنا؛ ولكنها بتعميق التشبيه الذي استخدمه قليلاً، لفتت الانتباه إلى أنه عندما يُعطى البنون طعامهم، تنال الكلاب بعض الفائدة الضئيلة من خلال الفتات الذي يسقط من البنين على الأرض (28). وبذلك، فإنها لم تكن ترغب في الانتقاص من امتيازات اليهود، ولكنها كانت مع ذلك تتوق إلى نيل رحمة عرضية، إن جاز التعبير، من يسوع. ونالت مرادها، إذ شفى يسوع ابنتها (29) دون حتى أن تقع عينُه على الصبية.[2]
تعليق ESV:
كثيراً ما كان اليهود يزينون إهانة الأمم بدعوتهم كلاباً، وهي التي كانت تُعدّ في فلسطين القديمة حيوانات مفترسة برية مشردة. غير أن الصيغة التي يستخدمها يسوع هنا (باليونانية kynarion، «كليب» أو «كلب صغير») تشير إلى مصطلح أكثر تودداً يُطلق على الحيوانات الأليفة المنزلية. فيسوع لا يهان المرأة هنا بل يمحص إيمانها.
15: 27 تُلِحُّ المرأة على يسوع بالإشارة ضمنياً إلى البركات الممتدة الموعود بها للأمم من خلال إبراهيم (قارن تكوين 12: 3)، والتي كانت على دراية بها.[3]
تعليق ر. ت. فرانس[4]
تعود قضيّة النجاسة للظهور هنا بصورة أكثر عملية؛ إذ انتقل يسوع، المعلم اليهودي، إلى تخوم الأمم، واعترضت طريقه امرأة أممية ابنتها مجنونة (بها شيطان). وقد تركز الحوار الناشئ عن ذلك حول مدى تطلع شخص أممي إلى نيل بركة ما من المسيح اليهودي (ابن داود).
تشبه هذه القصة بصرامة قصة خادم قائد المئة (8: 5-13)، ليس فقط من حيث إن الإيمان أُثيب بكلمة شفاء أُطلقت عن بُعد، بل أيضاً في الصراع العرقي الذي وضع ذلك الإيمان موضع المحك. وإذ يصف متى المرأة بأنها كنعانية، فإنه يحدد أبعاد القضية بحد ذاتها؛ إذ كان الكنعانيون هم الأعداء التقليديين لإسرائيل في العهد القديم.
وقد أُعقب صمتُ يسوع المثبط للعزيمة (23) بتصريح أكثر إحباطاً يركز فيه على البعد اليهودي لرسالته (24). وقد بدت كلماته وكأنها لا تدع مجالاً للرجاء، لكن المرأة أصرّت بالتفاتها إلى ابتهال بسيط للعماد والنجدة، لتواجه قولا أكثر إيلاماً يُشبّه الأمم بالكلاب (التي كانت تُعدّ عند اليهود حيوانات نجسة).
تبدو هذه اللغة قاسية إلى حد لا يُصدق، ولا سيما حين تصدر عن يسوع نفسه الذي سبق ورحّب بإيمان قائد المئة الأممي كعلامة على مشاركة الأمم مستقبلاً في بركات إسرائيل. ولعل الحرف المكتوب يخفي شائبة من التهكم أو التلطف الممازح في نبرة يسوع. وعلى أية حال، فقد كان يواجهها بنوع اللغة الذي يتوقع الأممي سماعه من يهودي، فارتفع إيمانها ليتسامى فوق هذا الاختبار. وقد أقرّت إجابتها في العدد 27 بأولوية رسالته لإسرائيل، لكنها مع ذلك طالبت بامتداد تلك الرسالة لتشمل الأمم. وبذلك تكون قد أدركت التدبير الذي كان الله يعمل بموجبه منذ دعوة إبراهيم (تكوين 12: 1-3)، والذي كان سيمد الكنيسة في الوقت المحدَّد إلى ما وراء حدود إسرائيل. ولأجل هذا الإيمان أُثيبت استحقاقاً.
تعليق تفسير تيندال[5]
لماذا جعل يسوع هذه المرأة تتوسل؟ هل كانت تطلب بركة مسيانية ("يا ابن داود"، 15: 22)؟ أثار صمت يسوع استجابة من تلاميذه: "اصْرِفْهَا" (15: 23). وقد استجابوا بناءً على افتراض أن البركات التي يجلبها يسوع كانت مقصورة على اليهود، وبذلك فشلوا في الاستجابة برأفة. ويبدو أن قول يسوع "لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ" (15: 24) يدعم طلب التلاميذ بصرفها.
ومع ذلك، كان يسوع ينوي تلبية حاجتها. ففي 15: 24، كان يوضح ببساطة نطاق إرساليته؛ إذ أُرسِل إلى إسرائيل فقط. أوضح يسوع الأولويات الموجودة في أي بيت (15: 25–26). إذ كان الأبناء يُطعمون دائمًا كأولوية قبل الحيوانات الأليفة في البيت. لم يكن يسوع يهدف إلى إهانة المرأة بدعوتها كلبًا؛ بل استخدم صيغة لكلمة كلب تعني "حيوانًا أليفًا".
بعد أن أوضح بجلاء الأولوية التي يحظى بها بني إسرائيل في خدمته، تابع يسوع تعليم التلاميذ والمرأة أن الأمم سينالون أيضًا بركات من حضوره. وكان مطالباتها بالبركة من خلال العهد الإبراهيمي، الذي وعد بأن جميع الأمم ستتبارك من خلال إسرائيل (قارن تكوين 12: 3). وبعد أن بيّن نقطته حول الأولوية في الخدمة المسيانية، شفاها يسوع. انتظر يسوع حتى أصبح واضحًا جليًا أن المرأة ستشترك بالإيمان في البركة التي سيمنحها إياها.
تفسير The Bible Knowledge Commentary[6]
هناك التقى بامرأة كنعانية. وقبل قرون، كان سُكَّان تلك المنطقة يُدْعَون كنعانيين (عدد 13: 29). وتوسلت إليه أن يرحم ابنتها المضروبة بالشرير (المجنونة). وخاطبته كـ رب، ابن داود، وهو لقب مسياني. ولكن حتى هذا التوسل لم يكن ليساعدها، لأن التوقيت لم يكن مناسباً. وعندما لم يجبها يسوع واستمرت في توسلها، حث التلاميذ يسوع على صرفها. ويبدو أنهم كانوا يسألون: "يا رب، لماذا لا تتقدم وتساعد هذه المرأة؟ إنها لن تستسلم حتى تفعل ذلك."
ذَكَّرَهُم يسوع: لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ. لقد جاء ليقدم لشبعه الخاص الملكوت الموعود به من خلال داود قبل قرون. ولذلك لم يكن من المناسب له أن يجلب البركات على الأمم قبل أن تقع البركات على إسرائيل. ولكن المرأة لم تُثْبَط عزيمتها بسهولة. فقد رأت في يسوع الفرصة الوحيدة لمساعدة طفلتها. وعلى ركبتيها توسلت: يا رب، أَعِنِّي! وجعلها رد يسوع تدرك موقعها، إذ قال إنه ليس حسناً أن يُؤْخَذَ خبز البنين وَيُطْرَحَ للكلاب. لقد كان يصور مجتمعة في وقت الوجبة حول مائدة، تأكل الطعام الذي قدمه رب البيت. ورأت المرأة الأممية نفسها في هذه الصورة. لم تكن طفلة في عائلة (إسرائيل) مؤهلة لأفضل قطع الطعام. لكنها رأت نفسها ككلب أليف في البيت (أممية؛ إذ كثيراً ما سمى اليهود الأمم "كلاباً") مؤهلة لتلقي الفتات الذي قد يسقط من مائدة السادة. لم تكن تريد حرمان إسرائيل من بركات الله. كانت ببساطة تطلب أن تُكْمَلَ بعض البركة إليها في حاجتها. وفي ضوء هذا الإيمان العظيم (قارن 8: 10)، وهو نوع الإيمان الذي كان يسوع يبحث عنه في إسرائيل، أجاب طلبها. وشُفِيَت ابنتها... في تلك الساعة بالذات. تباين إيمان هذه المرأة الأممية مع قادة إسرائيل الذين كانوا يرفضون يسوع.
تفسير New Living Translation[7]
امرأة أممية (حرفيًا امرأة كنعانية): يستخدم متى هذا التعبير القديم من العهد القديم ليصف المرأة بأنها وثنية. يا سيد، يا ابن داود: يبدو أن المرأة أدركت أن يسوع هو المسيح.
لم يجبها بكلمة: كان صمت يسوع اختبارًا لإيمان المرأة (15: 28؛ قارن 8: 24؛ 14: 16).
غالبًا ما أشار اليهود إلى الوثنيين بالكلاب، والتي هي نجسة طقسيًا (لاويين 11: 27). كان يسوع يكلم المرأة عن حالتها الروحية كأممية—كـ نجس ومَفْصُولة عن الله (قارن 7: 6).
الخلاصة
من خلال تعليقات كبار المفسرين والعلماء
يظهر بوضوح أن المسيح لم يشتم المرأة الكنعانية، بل استخدم لغة مألوفة في السياق
اليهودي ليختبر إيمانها ويُظهره أمام الجميع. أهم النقاط التي اتفق عليها
الشُرّاح:
1. اللفظ اليوناني الذي استخدمه المسيح هو kynarion
أي "كلب صغير أليف"، وليس الكلمة القاسية التي كان اليهود يستعملونها
للأمم، مما يخفف وقع العبارة ويُظهر رقة في الأسلوب (بروس، ESV).
2. الصمت والردود الأولية كانا اختبارًا
لإيمانها، كما حدث مع شخصيات في العهد القديم مثل المرأة الصيدونية والشونمية
اللواتي ألححن على النبي حتى نلن الاستجابة (كينر).
3. المسيح أوضح أولوية رسالته لإسرائيل
أولًا، لكنه لم يغلق الباب أمام الأمم، بل أظهر أن البركة ستتسع لتشملهم كما وعد
الله لإبراهيم أن تتبارك جميع الأمم فيه (فرنس، تيندال).
4. المرأة لم تُنكر هذا الترتيب، بل قَبِلت
موقعها المتواضع وطلبت "الفتات"، أي رحمة عرضية، فأظهر المسيح أن
التواضع والإيمان هما الطريق لنوال النعمة (بروس، Bible Knowledge Commentary).
5. اللغة التي بدت قاسية كانت في الحقيقة أسلوبًا
تربويًا يعكس ما يتوقعه الأممي من اليهودي، لكن المسيح قلب الموقف ليُظهر أن الأمم
بالإيمان يدخلون الملكوت (فرانس).
6. إصرار المرأة على الطلب رغم الصمت والرفض
الظاهري أظهر جرأة مقدسة في الصلاة، وهو ما مدحه المسيح قائلاً: "يا امرأة
عظيم إيمانك" (كينر).
7. النتيجة أن المسيح لم يهِنها، بل مجّد
إيمانها، وشفاء ابنتها صار علامة على أن الأمم أيضًا لهم نصيب في بركات
الملكوت.
إذن، المسيح لم يشتم المرأة الكنعانية، بل
استخدم الموقف ليُعلن أن التواضع والإيمان يفتحان أبواب النعمة للأمم كما لليهود.
[1] Craig
S. Keener and InterVarsity Press, The IVP Bible Background Commentary : New
Testament (Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1993). Mt 15:25
[2] F.
F. Bruce, STEPHEN S. SHORT, New International Bible Commentary (Grand Rapids,
MI: Zondervan Publishing House, 1979). 1165
[3] Crossway
Bibles, The ESV Study Bible (Wheaton, IL: Crossway Bibles, 2008). 1853
[4] D.
A. Carson, R. T. France, New Bible Commentary : 21st Century Edition, 4th ed.
(Leicester, England; Downers Grove,
Ill., USA: Inter-Varsity Press, 1994). Mt 15:21
[5] Robert
B. Hughes and J. Carl Laney, Tyndale Concise Bible Commentary, The Tyndale
reference library (Wheaton, Ill.: Tyndale House Publishers, 2001). 411
[6] John
F. Walvoord, Roy B. Zuck and Dallas Theological Seminary, The Bible Knowledge
Commentary : An Exposition of the Scriptures (Wheaton, IL: Victor Books,
1983-c1985). 2:55-56
[7] New
Living Translation Study Bible (Carol Stream, IL: Tyndale House Publishers,
Inc., 2008). Mt 15:22-26

