السبت، 1 أغسطس 2026

ليس جيدًا أن يؤخذ خبز البنين ويعطى للكلاب، هل شتم المسيح المرأة الكنعانية؟ مت15: 26، جزء 2

 


تعليقات علماء الكتاب المقدس

 

كريج كينر:

 

بعض الشخصيات في العهد القديم، وعلى رأسهم المرأة الصيدونية التي جاء إليها إيليا (1 ملوك 17: 18-19) والمرأة الشونمية مع أليشع (2 ملوك 4: 28)، وضعن احتياجهن أمام نبي ولم يقبلن بالرفض جواباً؛ فاستجاب الله لصلواتهن بالنعم. (وقد أُثر عن بعض المعلمين اليهود القريبين من عصر يسوع ممارستهم لهذا النوع عينيه من الجرأة المقدسة [chutzpah] في الصلاة لأجل المطر، وما إلى ذلك.) وحتى أولئك الذين كانوا الأكثر قرباً من الله، اقتربوا منه ببالغ الاحترام والمهابة حينما قدموا صلاة إلحاحية (تكوين 18: 22-32)؛ لكنهم رَفَضوا أيضاً أن يثنيهم شيء.[1]

 

ف ف بروس

 

وفيما كان في بيت معيّن في تلك المقاطعة، اقتربت من يسوع امرأة يونانية (أي أممية) وُلدت في فينيقية السورية (26)، والتجألت إليه أن يخرج الشيطان من ابنتها. غير أن يسوع رفض ذلك في البداية، مبيناً لها أن خدمته المعيّنة إنما هي بين اليهود، لا بين الأمم. والتعبير المجازي الذي استخدمه يسوع في إعلان هذه الحقيقة هو ذلك الذي يُمَثَّل فيه اليهود بالبنين، والأمم بالكلاب (حيث يشير اسم التصغير اليوناني kynarion «إلى أن الإشارة هي إلى الكلاب الصغيرة التي تُقتنى للأنُس في البيوت، وليس إلى كلاب الشوارع»؛ Cranfield, ad loc.)، بينما تُشَبَّه بركات خدمة يسوع بخبز البنين (27). وقد قَبِلَت المرأة الحقيقة التي أقرّها يسوع هنا؛ ولكنها بتعميق التشبيه الذي استخدمه قليلاً، لفتت الانتباه إلى أنه عندما يُعطى البنون طعامهم، تنال الكلاب بعض الفائدة الضئيلة من خلال الفتات الذي يسقط من البنين على الأرض (28). وبذلك، فإنها لم تكن ترغب في الانتقاص من امتيازات اليهود، ولكنها كانت مع ذلك تتوق إلى نيل رحمة عرضية، إن جاز التعبير، من يسوع. ونالت مرادها، إذ شفى يسوع ابنتها (29) دون حتى أن تقع عينُه على الصبية.[2]

 

تعليق ESV:

 

كثيراً ما كان اليهود يزينون إهانة الأمم بدعوتهم كلاباً، وهي التي كانت تُعدّ في فلسطين القديمة حيوانات مفترسة برية مشردة. غير أن الصيغة التي يستخدمها يسوع هنا (باليونانية kynarion، «كليب» أو «كلب صغير») تشير إلى مصطلح أكثر تودداً يُطلق على الحيوانات الأليفة المنزلية. فيسوع لا يهان المرأة هنا بل يمحص إيمانها.

15: 27 تُلِحُّ المرأة على يسوع بالإشارة ضمنياً إلى البركات الممتدة الموعود بها للأمم من خلال إبراهيم (قارن تكوين 12: 3)، والتي كانت على دراية بها.[3]

 

تعليق ر. ت. فرانس[4]

 

تعود قضيّة النجاسة للظهور هنا بصورة أكثر عملية؛ إذ انتقل يسوع، المعلم اليهودي، إلى تخوم الأمم، واعترضت طريقه امرأة أممية ابنتها مجنونة (بها شيطان). وقد تركز الحوار الناشئ عن ذلك حول مدى تطلع شخص أممي إلى نيل بركة ما من المسيح اليهودي (ابن داود).

تشبه هذه القصة بصرامة قصة خادم قائد المئة (8: 5-13)، ليس فقط من حيث إن الإيمان أُثيب بكلمة شفاء أُطلقت عن بُعد، بل أيضاً في الصراع العرقي الذي وضع ذلك الإيمان موضع المحك. وإذ يصف متى المرأة بأنها كنعانية، فإنه يحدد أبعاد القضية بحد ذاتها؛ إذ كان الكنعانيون هم الأعداء التقليديين لإسرائيل في العهد القديم.

وقد أُعقب صمتُ يسوع المثبط للعزيمة (23) بتصريح أكثر إحباطاً يركز فيه على البعد اليهودي لرسالته (24). وقد بدت كلماته وكأنها لا تدع مجالاً للرجاء، لكن المرأة أصرّت بالتفاتها إلى ابتهال بسيط للعماد والنجدة، لتواجه قولا أكثر إيلاماً يُشبّه الأمم بالكلاب (التي كانت تُعدّ عند اليهود حيوانات نجسة).

تبدو هذه اللغة قاسية إلى حد لا يُصدق، ولا سيما حين تصدر عن يسوع نفسه الذي سبق ورحّب بإيمان قائد المئة الأممي كعلامة على مشاركة الأمم مستقبلاً في بركات إسرائيل. ولعل الحرف المكتوب يخفي شائبة من التهكم أو التلطف الممازح في نبرة يسوع. وعلى أية حال، فقد كان يواجهها بنوع اللغة الذي يتوقع الأممي سماعه من يهودي، فارتفع إيمانها ليتسامى فوق هذا الاختبار. وقد أقرّت إجابتها في العدد 27 بأولوية رسالته لإسرائيل، لكنها مع ذلك طالبت بامتداد تلك الرسالة لتشمل الأمم. وبذلك تكون قد أدركت التدبير الذي كان الله يعمل بموجبه منذ دعوة إبراهيم (تكوين 12: 1-3)، والذي كان سيمد الكنيسة في الوقت المحدَّد إلى ما وراء حدود إسرائيل. ولأجل هذا الإيمان أُثيبت استحقاقاً.

 

تعليق تفسير تيندال[5]

 

لماذا جعل يسوع هذه المرأة تتوسل؟ هل كانت تطلب بركة مسيانية ("يا ابن داود"، 15: 22)؟ أثار صمت يسوع استجابة من تلاميذه: "اصْرِفْهَا" (15: 23). وقد استجابوا بناءً على افتراض أن البركات التي يجلبها يسوع كانت مقصورة على اليهود، وبذلك فشلوا في الاستجابة برأفة. ويبدو أن قول يسوع "لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ" (15: 24) يدعم طلب التلاميذ بصرفها.

ومع ذلك، كان يسوع ينوي تلبية حاجتها. ففي 15: 24، كان يوضح ببساطة نطاق إرساليته؛ إذ أُرسِل إلى إسرائيل فقط. أوضح يسوع الأولويات الموجودة في أي بيت (15: 25–26). إذ كان الأبناء يُطعمون دائمًا كأولوية قبل الحيوانات الأليفة في البيت. لم يكن يسوع يهدف إلى إهانة المرأة بدعوتها كلبًا؛ بل استخدم صيغة لكلمة كلب تعني "حيوانًا أليفًا".

بعد أن أوضح بجلاء الأولوية التي يحظى بها بني إسرائيل في خدمته، تابع يسوع تعليم التلاميذ والمرأة أن الأمم سينالون أيضًا بركات من حضوره. وكان مطالباتها بالبركة من خلال العهد الإبراهيمي، الذي وعد بأن جميع الأمم ستتبارك من خلال إسرائيل (قارن تكوين 12: 3). وبعد أن بيّن نقطته حول الأولوية في الخدمة المسيانية، شفاها يسوع. انتظر يسوع حتى أصبح واضحًا جليًا أن المرأة ستشترك بالإيمان في البركة التي سيمنحها إياها.

 

تفسير The Bible Knowledge Commentary[6]


هناك التقى بامرأة كنعانية. وقبل قرون، كان سُكَّان تلك المنطقة يُدْعَون كنعانيين (عدد 13: 29). وتوسلت إليه أن يرحم ابنتها المضروبة بالشرير (المجنونة). وخاطبته كـ رب، ابن داود، وهو لقب مسياني. ولكن حتى هذا التوسل لم يكن ليساعدها، لأن التوقيت لم يكن مناسباً. وعندما لم يجبها يسوع واستمرت في توسلها، حث التلاميذ يسوع على صرفها. ويبدو أنهم كانوا يسألون: "يا رب، لماذا لا تتقدم وتساعد هذه المرأة؟ إنها لن تستسلم حتى تفعل ذلك."

ذَكَّرَهُم يسوع: لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ. لقد جاء ليقدم لشبعه الخاص الملكوت الموعود به من خلال داود قبل قرون. ولذلك لم يكن من المناسب له أن يجلب البركات على الأمم قبل أن تقع البركات على إسرائيل. ولكن المرأة لم تُثْبَط عزيمتها بسهولة. فقد رأت في يسوع الفرصة الوحيدة لمساعدة طفلتها. وعلى ركبتيها توسلت: يا رب، أَعِنِّي! وجعلها رد يسوع تدرك موقعها، إذ قال إنه ليس حسناً أن يُؤْخَذَ خبز البنين وَيُطْرَحَ للكلاب. لقد كان يصور مجتمعة في وقت الوجبة حول مائدة، تأكل الطعام الذي قدمه رب البيت. ورأت المرأة الأممية نفسها في هذه الصورة. لم تكن طفلة في عائلة (إسرائيل) مؤهلة لأفضل قطع الطعام. لكنها رأت نفسها ككلب أليف في البيت (أممية؛ إذ كثيراً ما سمى اليهود الأمم "كلاباً") مؤهلة لتلقي الفتات الذي قد يسقط من مائدة السادة. لم تكن تريد حرمان إسرائيل من بركات الله. كانت ببساطة تطلب أن تُكْمَلَ بعض البركة إليها في حاجتها. وفي ضوء هذا الإيمان العظيم (قارن 8: 10)، وهو نوع الإيمان الذي كان يسوع يبحث عنه في إسرائيل، أجاب طلبها. وشُفِيَت ابنتها... في تلك الساعة بالذات. تباين إيمان هذه المرأة الأممية مع قادة إسرائيل الذين كانوا يرفضون يسوع.

 

تفسير New Living Translation[7]

 

امرأة أممية (حرفيًا امرأة كنعانية): يستخدم متى هذا التعبير القديم من العهد القديم ليصف المرأة بأنها وثنية. يا سيد، يا ابن داود: يبدو أن المرأة أدركت أن يسوع هو المسيح.

لم يجبها بكلمة: كان صمت يسوع اختبارًا لإيمان المرأة (15: 28؛ قارن 8: 24؛ 14: 16).

غالبًا ما أشار اليهود إلى الوثنيين بالكلاب، والتي هي نجسة طقسيًا (لاويين 11: 27). كان يسوع يكلم المرأة عن حالتها الروحية كأممية—كـ نجس ومَفْصُولة عن الله (قارن 7: 6).

 

الخلاصة

 

من خلال تعليقات كبار المفسرين والعلماء يظهر بوضوح أن المسيح لم يشتم المرأة الكنعانية، بل استخدم لغة مألوفة في السياق اليهودي ليختبر إيمانها ويُظهره أمام الجميع. أهم النقاط التي اتفق عليها الشُرّاح:

 

1. اللفظ اليوناني الذي استخدمه المسيح هو kynarion أي "كلب صغير أليف"، وليس الكلمة القاسية التي كان اليهود يستعملونها للأمم، مما يخفف وقع العبارة ويُظهر رقة في الأسلوب (بروس، ESV). 

2. الصمت والردود الأولية كانا اختبارًا لإيمانها، كما حدث مع شخصيات في العهد القديم مثل المرأة الصيدونية والشونمية اللواتي ألححن على النبي حتى نلن الاستجابة (كينر). 

3. المسيح أوضح أولوية رسالته لإسرائيل أولًا، لكنه لم يغلق الباب أمام الأمم، بل أظهر أن البركة ستتسع لتشملهم كما وعد الله لإبراهيم أن تتبارك جميع الأمم فيه (فرنس، تيندال). 

4. المرأة لم تُنكر هذا الترتيب، بل قَبِلت موقعها المتواضع وطلبت "الفتات"، أي رحمة عرضية، فأظهر المسيح أن التواضع والإيمان هما الطريق لنوال النعمة (بروس، Bible Knowledge Commentary). 

5. اللغة التي بدت قاسية كانت في الحقيقة أسلوبًا تربويًا يعكس ما يتوقعه الأممي من اليهودي، لكن المسيح قلب الموقف ليُظهر أن الأمم بالإيمان يدخلون الملكوت (فرانس). 

6. إصرار المرأة على الطلب رغم الصمت والرفض الظاهري أظهر جرأة مقدسة في الصلاة، وهو ما مدحه المسيح قائلاً: "يا امرأة عظيم إيمانك" (كينر). 

7. النتيجة أن المسيح لم يهِنها، بل مجّد إيمانها، وشفاء ابنتها صار علامة على أن الأمم أيضًا لهم نصيب في بركات الملكوت. 

 

إذن، المسيح لم يشتم المرأة الكنعانية، بل استخدم الموقف ليُعلن أن التواضع والإيمان يفتحان أبواب النعمة للأمم كما لليهود.



[1] Craig S. Keener and InterVarsity Press, The IVP Bible Background Commentary : New Testament (Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1993). Mt 15:25

[2] F. F. Bruce, STEPHEN S. SHORT, New International Bible Commentary (Grand Rapids, MI: Zondervan Publishing House, 1979). 1165

[3] Crossway Bibles, The ESV Study Bible (Wheaton, IL: Crossway Bibles, 2008). 1853

[4] D. A. Carson, R. T. France, New Bible Commentary : 21st Century Edition, 4th ed. (Leicester, England;  Downers Grove, Ill., USA: Inter-Varsity Press, 1994). Mt 15:21

[5] Robert B. Hughes and J. Carl Laney, Tyndale Concise Bible Commentary, The Tyndale reference library (Wheaton, Ill.: Tyndale House Publishers, 2001). 411

[6] John F. Walvoord, Roy B. Zuck and Dallas Theological Seminary, The Bible Knowledge Commentary : An Exposition of the Scriptures (Wheaton, IL: Victor Books, 1983-c1985). 2:55-56

[7] New Living Translation Study Bible (Carol Stream, IL: Tyndale House Publishers, Inc., 2008). Mt 15:22-26


ليس جيدًا أن يؤخذ خبز البنين ويعطى للكلاب، هل شتم المسيح المرأة الكنعانية؟ مت15: 26

 


"ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ مِنْ هُنَاكَ وَانْصَرَفَ إِلَى نَوَاحِي صُورَ وَصَيْدَاءَ. وَإِذَا امْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ خَارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ التُّخُومِ صَرَخَتْ إِلَيْهِ قَائِلَةً: «ارْحَمْنِي، يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ! اِبْنَتِي مَجْنُونَةٌ جِدًّا». فَلَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَةٍ. فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَطَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ: «اصْرِفْهَا، لأَنَّهَا تَصِيحُ وَرَاءَنَا!» فَأَجَابَ وَقَالَ: «لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ». فَأَتَتْ وَسَجَدَتْ لَهُ قَائِلَةً: «يَا سَيِّدُ، أَعِنِّي!» فَأَجَابَ وَقَالَ: «لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلَابِ». فَقَالَتْ: «نَعَمْ، يَا سَيِّدُ! وَالْكِلَابُ أَيْضًا تَأْكُلُ مِنَ الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا!» حِينَئِذٍ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: «يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ». فَشُفِيَتِ ابْنَتُهَا مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ." (مت 15: 21-28)

 

تعليقات مفسري الكتاب المقدس:

 

الأب تادرس يعقوب:

 

لقد أكمل السيّد حديثه، قائلًا: "ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب؟" [مت15: 26]. لماذا نطق هكذا؟ هل كان يحتقر الأمم فيدعوهم كلابًا؟!

بلا شك لا يحتقر السيّد خليقته، ولكنه ربّما قال هذا مردِّدًا ما كان يردِّده اليهود لكي يمجِّد من ظنَّهم اليهود كلابًا، معلنًا كيف صاروا أعظم إيمانًا من البنين أنفسهم.

هذا ومن ناحية أخرى، فإن الأمم بإنكارهم الإيمان بالله، وصنعهم الشرور الكثيرة حتى أجاز الكثيرون أطفالهم في النار، وقدّموا بنيهم ذبائح للأصنام، فعلوا ما لا تفعله الكائنات غير العاقلة. إنه لا يقصد تمييز اليهود عن الأمم، إنّما يكشف عن فعل الخطيئة فينا، كما كشف عن أعماق قلب المرأة الكنعانيّة التي سبقت بتواضعها العجيب أبناء الملكوت. فقد قالت: "نعم يا سيّد، والكلاب أيضًا تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها" [27].

يقول القديس أغسطينوس:

[أنها لم تثُرْ ولا غضبت، لأجل دعوتها ككلبٍ عندما طلبت البركة وسألت الرحمة، بل قالت: "نعم يا سيّد". لقد دعوتني كلبًا، وبالحق أنا هكذا، فإنّني أعرف لقبي! إنك تنطق بالحق، لكن ينبغي ألا أُحرم من البركة بسبب هذا... فإن الكلاب أيضًا تأكل من الفتات الساقط من مائدة أربابها. ما أرغبه هو البركة بقدر معتدل، فإنّني لا أزحم المائدة، إنّما أبحث فقط عن الفتات. انظروا أيها الإخوة عظمة التواضع الذي أمامنا...! إذ عرفت نفسها، قال الرب في الحال: "يا امرأة عظيم إيمانك، ليكن كما تريدين" [28]. لقد قلتِ عن نفسكِ إنكِ "كلبًا"، لكنّني أعرفك إنكِ "إنسان"... لقد سألتي وطلبتي وقرعتي، فيُعطَى لك وتجدين ويُفتح لك. انظروا أيها الإخوة كيف صارت هذه المرأة الكنعانيّة مثالًا أو رمزًا للكنيسة؟! لقد قدّمت أمامنا عطيّة التواضع بدرجة فائقة(Ser. on N. T.,  27:11)!]

ما حُرم منه اليهود أصحاب الوعود بسبب كبريائهم نالته الأمم المحرومة من المعرفة خلال التواضع. الذين ظنّوا في أنفسهم أبناء، حُرموا أنفسهم من مائدة الملكوت خلال جحودهم، والذين كانوا في شرّهم ودنسهم كالكلاب، صاروا بالحق أبناء يدخلون وليمة أبيهم السماوي. لقد حقّقت هذه المرأة الخارجة من تخوم صور ما سبق فأعلنه النبي عنها: "بنت صور أغنى الشعوب تترضَّى وجهك بهديّة" (مز 45: 12). أيّة هدية تقدّمها بيت صور هذه إلا إعلان إيمانها الفائق خلال صمت السيّد، وتظاهره بعدم العطاء في البداية. لقد وهبها الفرصة لتقديم أعظم هديّة يشتهيها الرب، إذ يقول "يا امرأة عظيم إيمانك، ليكن لكِ كما تريدين" [28]. لقد فتحت بهذه الهديّة كنوز السيّد، لتنال كل ما تريد، بينما أغلق قادة اليهود أبواب مراحم الله أمام أنفسهم. قَبِل هديّتها القلبيّة الفائقة، وردّ لها الهديّة بما هو أعظم، إذ مدَحها أمام الجميع، فاتحًا أبواب محبّته أمامها، مقيمًا إيّاها رمزًا لكنيسة الأمم التي اغتصبت الرب نفسه بالإيمان.[1]

 

 

الأب أنطونيوس فكري:

 

كانت استجابة المسيح عجيبة فهو أولًا لم يجبها بكلمة ثم حين تكلم معه تلاميذه نجده يقول لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ولما أتت وسجدت وقالت له يا سيد أعني. نجده يقول لها ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويُطرح للكلاب. وهذه الردود العنيفة لم تكن من طبع المسيح فلماذا استخدم السيد المسيح هذا الأسلوب معها؟

 

1. لكي لا يعثر اليهود إذا رأوه يتجاوب مع الأمم. واليهود يقسمون العالم قسمين:

أ- اليهود أبناء الله.

ب- الكلاب (وهم الأمم) ويعتبرونهم نجاسة ويغسلون أي شيء تمتد إليه يد أممي ولا يأكلون معهم.

 

2. قال السيد لتلاميذه تكونون لي شهودًا في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض (أع8:1). ونفذ هو بنفسه هذه الوصية فهو بدأ بأورشليم واليهودية ثم ذهب للسامرية، ولكن الوقت كان لم يحن بعد للذهاب للأمم (أقصى الأرض). بل هو لن يذهب للأمم لكن سيرسل تلاميذه.

 

3. صمت السيد أولًا كان ليثير تلاميذه فيطلبون لأجلها، فرسالتهم ستكون الاهتمام بالعالم الوثني. والسيد يريد من كل منا أن نهتم بكل متألم ونصلي لأجله "صلوا بعضكم لأجل بعض" (يع 16:5). فهذه هي المحبة في المسيحية، خروج من الذات والبحث عن كل محتاج.

وكان صمته أيضًا لتستمر في لجاجتها فتطهر. ونحن إذا تأخر الله في استجابته علينا فهذا لأنه يريد أن تطول فترة صلاتنا أي نستمر في حضرة الله فنطهر أولًا. وهذا أهم من أن نفرح بالعطية.

 

4- السيد المسيح له طرق مختلفة مع كل خاطئ ليجذبه للتوبة، كلٌ بحسب حالته، وما يصلح لهذا الإنسان لا يصلح مع الآخر.

أماّ هذه الكنعانية فهي من شعب ملعون، هم أشر شعوب الأرض لعنهم أبوهم نوح (تك 25:9)، ثم ثبت تاريخيًا أنهم مستحقون لهذه اللعنة، فهم عاشوا في نجاسة رهيبة (فمنهم أهل سدوم وعمورة)، أي اشتهروا بالشذوذ الجنسي وقدموا بنيهم ذبائح للأصنام وفعلوا الرجاسات حتى مع الحيوانات وأجازوا أولادهم في النار. والسيد استخدم مع هذه المرأة أسلوب جديد، هو يظهر لها نجاستها، يكشف لها حقيقة نفسها وخطيتها فلا شفاء دون إصلاح الداخل ولا معجزات دون توبة أولًا. كان أسلوبًا قاسيًا ولكنه كمشرط الجراح، مع كل ألمه إلاّ أنه الطريقة الوحيدة لإزالة المرض. المسيح يكشف لها نجاستها لتشمئز منها فتطلب الشفاء والنقاوة الداخلية.

 

5. كان السيد الذي يعلم كل شيء يعرف أن هذه المرأة قادرة على احتمال الموقف " لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون (1كو 13:10).

 

6. إذ كان يعلم احتمالها، وأنها ستظهر إيمانًا وصبرًا عجيبًا. كان بهذا يزكيها أمام الموجودين ويعلن استحقاقها لعمل المعجزة.

 

7. من المؤكد أن يده الحانية كانت تسند قلبها حتى لا تخور فشماله تحت رأسي (أي كلماته الصعبة) ويمينه تعانقني (أي تعزياته) (نش 6:2). كانت هناك معونة خاصة تسندها حتى تصمد ولا تيأس.

 

8. لاحظ قولها نعم يا سيد والكلاب أيضًا تأكل.. هذا القول هو اعتراف بالخطية، اعتراف بنجاستها. هنا ظهر أن أسلوب المسيح القاسي معها أتى بنتيجة باهرة. لم يكن المسيح ليستعمل هذا الأسلوب إلًا لو كان متأكدًا من نجاحه.

 

10. والمسيح يطوب ويمدح هذه المرأة أمام الجميع على إيمانها.

 

13. رقة المسيح في قوله كلاب للمرأة الكنعانية ظهرت في نوع الكلمة التي استخدمها. فالكلمة التي يستخدمها اليهود كلمة تنم على الاحتقار وهي الكلمة التي استخدمها بولس الرسول في رسالته (في 2:3) أمّا السيد فاستخدم هنا كلمة تشير للكلاب المدللة وغالبًا قالها المسيح للمرأة بنظرة حانية.

 

تعليق ألفريد إدرشيم:

 

هنا كان لابد للرب أن يعطيها الدرس لتعلم الفارق الشاسع بين طهارة مملكته التي جاء ليؤسسها وبين قذارة الوثنيين الذين تحيا بينهم. وبدا في رد الرب عليها القسوة حين قال عنها لفظ الكلاب (ولكن كان اللفظ الذي استخدمه الرب يقال على كلاب المنازل المدللة وليس كلاب الشوارع اللفظ الذي كان اليهود يستعملونه عن الأمم). ولكن من سياق القصة نكتشف أن الرب كان يشفي هذه المرأة من خطاياها ويظهر إيمانها للناس. وكان الرب يعلم أنها ستحتمل قسوة الدرس وتُشفَى روحيا. وكان رد المرأة عجيبا "والكلاب أيضا تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها". [والعالِم بكل شيء كان يعلم ما بداخلها وأراد إعلانه للموجودين].

هذا بجانب الدرس الذي تعلمته المرأة أن الوثنية بجانب اليهودية هي نفس موقف الكلاب بالنسبة للبنين [الوثنيين يعبدون الشيطان بالإضافة لممارساتهم البشعة]. ولكن المرأة بإجابتها العجيبة أدخلت نفسها في بيت الرب، وهذا ما جعل الرب يعجب بإجابتها وقال "لأجل هذه الكلمة" (مر7) فهي قالت "نعم فكلاب البيت تأكل من فتات مائدة البنين". وبهذا أعلنت انضمامها لبيت الرب، وفهمها أنها لوثنيتها فهي ما زالت كالكلب. فالبنين يجلسون على المائدة بينما هي تحت المائدة. لكن صاحب البيت مسئول عن إطعام الجميع، البنين وكلاب البيت. فهو يشرق شمسه على الأبرار والأشرار (مت5: 45). أوليس هذا إعلانا لإيمانها بأن المسيح ربا لها حتى وإن كانت ما تزال في وثنيتها، ولكن واضح ندمها على وثنيتها ونجاستها، فهي قبلت وصفها بالكلب. هي بإيمانها هذا أوجدت لنفسها مكانا بين أولاد إبراهيم وإسحق ويعقوب. واستحقت هذه المرأة أن تجلس على المائدة مع البنين وأن تحصل على خبز البنين، وإنضمت هذه المرأة للملكوت الذي أتى المسيح ليؤسسه.

إنسحاق هذه المرأة أمام المسيح هو درس لكيف نحصل على القبول أمام الرب (إش57: 15؛ مز51: 17). [والسبب بسيط ومفهوم - كيف نتقابل مع المسيح المتواضع الحقيقي بل والوحيد النازل من السماء للأرض ونحن نريد أن نصعد من الأرض ونصل للسماء في كبرياء؟!]

والدرس الثاني في قصة هذه المرأة الكنعانية لكيفية الحصول على ما نريد هو مفهومنا لمن هو المسيح، وأنه المسيح "ابن داود" وأنه الملك الذي أتى ليؤسس مملكة لله على الأرض. فهل نحن قد مَلَّكْنا المسيح على قلوبنا حقيقة أو أننا نريده مسيحا بحسب المفهوم اليهودي المرفوض من المسيح.. مسيحًا صانع معجزات.. مسيحًا يُرضي رغباتنا، دون أن نملكه على القلب خاضعين له كـ "ابن داود" ملك الملوك.[2]

 

الخلاصة

 

المسيح لم يشتم المرأة الكنعانية، بل استخدم أسلوبًا تربويًا عميقًا يكشف إيمانها ويُظهر تواضعها أمام الجميع:

 

1. المسيح لم يحتقر الأمم، بل استعمل التعبير الذي كان اليهود يستخدمونه ليُظهر عظمة إيمانها مقارنة بضعف اليهود. 

2. صمته أولًا كان ليُثير شفاعة التلاميذ ويُعلّمهم الاهتمام بالآخرين، وليمنح المرأة فرصة للثبات في الطلب. 

3. قوله "خبز البنين والكلاب" لم يكن شتيمة، بل كشف لحقيقة النظرة اليهودية للأمم، ثم قلبها ليُظهر أن الأمم بالإيمان يدخلون الملكوت. 

4. الكلمة التي استخدمها المسيح تشير إلى "كلاب البيت المدللة"، لا الكلاب المحتقرة، مما يخفف وقع العبارة ويُظهر رقة في الأسلوب. 

5. المرأة قبلت بتواضع، واعترفت بخطيتها، فأظهر المسيح أن التواضع هو الطريق لنوال النعمة. 

6. المسيح كان يعلم قدرتها على الاحتمال، فاستخدم هذا الموقف ليزكيها أمام الجميع ويُعلن إيمانها العظيم. 

7. النتيجة أن الأمم الذين ظنّهم اليهود "كلابًا" صاروا أبناء بالإيمان، والمرأة الكنعانية صارت رمزًا للكنيسة التي دخلت إلى مائدة الملكوت. 

بهذا يتضح أن المسيح لم يشتمها، بل مجّد إيمانها وأعلن أن التواضع يفتح أبواب النعمة.



[1] شرح الكتاب المقدس - العهد الجديد - القمص تادرس يعقوب ملطي، سلسلة "من تفسير وتأملات الآباء الأولين"، متى 15.

[2] شرح الكتاب المقدس - العهد الجديد - القمص أنطونيوس فكري، متى 15.


هل قولنا في القداس: الخالق الشريك مع الآب، يعتبر شرك بالله؟!

 


 

لا، قولنا في القداس بأن المسيح "خالق" و"شريك" مع الآب ليس شركاً بالله، بل هو جوهر الإيمان المسيحي القائم على سر الثالوث القدوس. لفهم هذا بشكل صحيح، يجب النظر إلى العلاقة بين الأقانيم الإلهية كما تُصلى وتُعلن في الليتورجيا.

 

الإيمان المسيحي يؤمن بإله واحد، لكن هذا الإله الواحد هو ثلاث أقانيم: الآب والابن والروح القدس، متساوون في الجوهر والأزلية. عندما نصف المسيح بأنه "خالق" أو "شريك" مع الآب، فإننا لا نعني أن هناك إلهين منفصلين، بل نعترف بأن الابن (المسيح) له الجوهر الإلهي نفسه للآب.

 

   طبيعة العلاقة: العلاقة بين الآب والابن ليست علاقة شريكين مستقلين، بل هي علاقة جوهرية وأزلية. الابن "مولود من الآب قبل كل الدهور"، وهو "نور من نور، إله حق من إله حق". هو ليس خليقة، بل هو خالق مع الآب. ويكتب ق. اثناسيوس الرسولي:

الثالوث المبارك لا يتجزأ ، وهو واحد في ذاته، لأنه حينما ذُكر الآب ذُكر الابن الكلمة والروح القدس الذي في الابن، وإذا ذُكر الابن فإنّ الآب في الابن، والروح القدس ليس خارج الكلمة لأن للآب نعمة واحدة تتم بالابن في الروح القدس، وهناك طبيعة إلهية واحدة. [الرسائل إلى سرابيون 1 : 14].

 

ولذلك يكتب ق. امبرسيوس:

نحن نقول إله واحد ونعترف بالآب والابن. لقد كُتِبَ (أحبب الرب إلهك ولا تعبد سواه. تث 10 : 20) أما يسوع فقد رفض أنه منفرد بنفسه إذ قال (لا أكون وحدي لأن الآب معي. يو16: 32). ليس هو وحده الآن لإن الآب يشهد أنه حاضر معه. الروح القدس حاضر (أيضاً). لأن الثالوث غير منفصل. [التفسير القديم للكتاب المقدس، ترجمة الاب ميشال نجم، انجيل لوقا، ص 126]

 

ومن القرن الثاني يوضح العلامة ترتليان بجلاء هذه الحقائق قائلًا:

[وكما أن الشعاع ينطلق من الشمس ... إلاَّ أن الشمس تكون قائمة في الشعاع بمقتضى أن الشعاع هو شعاع الشمس، والشعاع لا يُعتبر مادة منفصلة عن الشمس بل خارجاً منها. وهكذا دائماً تكون علاقة الروح من الروح، والإله من الإله، وكما أن النور حينما يشتعل من النور فإن النور الأصلي يبقى كاملاً ولا ينقص، هكذا ما يخرج من - طبيعة - الله فإنه يسمَّى في الحال “إله” و“ابن الله” وأنهما كليهما واحد.] [الأب متى المسكين، القديس أثناسيوس الرسولي، ص 397]

   شهادة المسيح نفسه: في الإنجيل، يقول المسيح: "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يوحنا 10: 30)، ويؤكد أن من رآه فقد رأى الآب (يوحنا 14: 9-10) . هذه ليست دعوة للشرك، بل إعلان عن وحدة الجوهر الإلهي.

 

القداس الإلهي (الليتورجيا) هو المساحة التي تُعاش فيها عقيدة الثالوث بشكل صلاة، وهي تُظهر بوضوح أن العبادة كلها موجهة لله الواحد، ولكن من خلال المسيح وبالروح القدس:

   في الصلوات: تُختتم معظم صلوات القداس بـ "نَسْأَلُكَ بِرَبِّنَا يَسُوعَ المَسِيحِ ابْنِكَ، الَّذِي يَحْيَا وَيَمْلِكُ مَعَكَ وَمَعَ الرُّوحِ القُدُسِ، إلهاً وَاحِداً، إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ" . هنا نرى بوضوح أن المسيح "يحيى ويملك" مع الآب، وهم إله واحد.

   في الإفخارستيا (صلاة الشكر): في قلب القداس، تُقدّم الذبيحة للآب، من خلال المسيح، وفي الروح القدس. كما يوضح التعليم المسيحي، الآب هو "مصدر وغاية كل بركات الخلق والخلاص". والمسيح هو الذي يُتمم هذه البركات ويُقدّمها للآب. العبادة ليست موجهة لكيانين، بل لله الواحد الثالوث.

   في الصلاة الربانية: عندما نصلّي "أبانا الذي في السماوات" في القداس، فإننا نُمارس الجرأة التي أعطانا إياها المسيح لنخاطب الله كأب. هذا يؤكد أن العلاقة مع الله هي علاقة أبناء من خلال الابن، وليست عبادة لآلهة متعددة. ويقول أيضًا القديس يوحنا الدمشقي:

إنَّ اللاهوت لا يمكن ان ينقسم إلى أقسام، وهو على نحو ما يصير في ثلاثة شموس متواجدة بعضها في بعض وهي لا تنفصل، فيكون مزيج النور واحد والاضائة واحدة. إذًا عندما ننظر إلى اللاهوت، على أنه العلة الأولى، والرئاسة الواحدة، والواحد، وحركة اللاهوت ومشيئته الواحدة - إذا صحَّ القول - وقوة الجوهر وفعل سيادته ذاتها، فالذي يتصور في ذهننا هو الواحد. [يوحنا الدمشقي. المائة مقالة في الايمان الارثوذكسي. ص72 - 73]

 

إذا نظرت إلى نص القداس ككل، ستجد أنه يصوغ حركة روحية واحدة: كل شيء يأتي من الآب، ويُتحقق بالمسيح، ويُكمل بالروح القدس، ليعود كل المجد إلى الآب. إن القول بأن المسيح "شريك" الآب في الخلق هو إعلان عن سر محبته، حيث الآب خلق العالم بالابن. هذه العبادة هي أسمى تعبير عن وحدانية الله، وليست شركاً به.

ففي الصلاة التي نرفعها نحن المؤمنين بالله، فإنّها تكون في الروح بالابن إلى الآب، وذكرنا لاسم أحد الأقانيم يعني تبعًا أنّنا ذكرنا الأقنومين الآخرين، حيث الأقانيم في بعضهم البعض في اتحاد حقيقي ووحدة دون انفصال، لإن الله واحد فيه ثلاثة أقانيم في بعضهم البعض؛ يقول القديس امبرسيوس:

من يذكر اسم واحد من الأقانيم فقد ذكر الثالوث، فإذا ذكرت اسم المسيح فأنت ضمنًا تشير إلى الله الآب الذي به الابن قد مُسحَ، والابن نفسه الذي مُسحَ، والروح القدس الذي تمت به المسحة... وإذا تكلمت عن الروح فأنت تذكر الله الآب الذي منه ينبثق الروح، وتذكر أيضًا الابن لإنّه روح الابن.[ الروح القدس، للقديس أمبرسيوس أسقف ميلان. 1: 12: 14. ذُكِرت في: الروح القدس كتابيًا وآبائيًا، للراهب هرمينا البراموسي. ص 28]