الأربعاء، 12 أغسطس 2026

أنا والآب واحد [في الجوهر أم في مُجرد الرأي] (يو10: 30)

 


النص في السياق:

 

24. فَاحْتَاطَ بِهِ الْيَهُودُ وَقَالُوا لَهُ: «إِلَى مَتَى تُعَلِّقُ أَنْفُسَنَا؟ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ فَقُلْ لَنَا جَهْرًا»: لم تكن هذه رغبة حقيقية في المعرفة، بل سؤالاً أُجريَّ بانزعاج من قِبَل اليهود الذين كانوا حتى ذلك الحين غير قادرين على الإمساك بيسوع في حجته الخاصة. لكن يسوع لا يمكن أن يقول لهم جهرة، لأنه مع آرائهم الخاطئة فإن «نعم» أو «لا» ستكونان مضللتين بدرجة متساوية. فإما أن يظهر علامات مسيانية وفقًا للكتب المقدسة، وإما أن يجعل نفسه نوع المسيح الذي أرادوه.

26. لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنْ خِرَافِي: الخراف تعرف راعيها بما يفعله. لكن حقيقة أن هؤلاء اليهود طرحوا مثل هذا السؤال وهم سيبقون تمامًا وحقيقة خارج رعية الله.

27. وبالفعل، فإن تبعيتهم له ومعرفته لهم أمران متبادلان.

 

 

المعنى وفقًا للتعبير اليوناني:

 

30. أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ (اليونانية: ἕν ἕν hen (هن)): الجنس المحايد يستبعد أي فکرة تعني «أقنومًا واحدًا». ليس هذا تعليقًا على طبيعة الذات الإلهية. بل بالأحرى، بعد أن تحدث عن أمان الخراف في كل من نفسه والآب، يؤكد يسوع ما قاله بالإشارة إلى أنه في العمل، يمكن اعتباره والآب ككيان واحد، لأن إرادتيهما واحدة.[1]

إن لغتنا لا تسمح بالدقة الموجودة في الأصل في هذا القول العظيم. فالكلمة «أنا والأب» تجيء بالصيغة للمذكر—«نحن (شخصان)»؛ في حين إن «واحد» تأتي بالمحايد (neutrum)—«جوهر واحد». وربما تعبير «غاية واحدة» يعبر، بأقرب ما يمكن، عن مغزى هذا القول. ويبدو أن هناك بعض التناقض بين قوله إنهم قد أُعطوا من أبيه إلى يديه الخاصتين، اللتين لا يمكن أن يُختَطفوا منهما، ثم قوله إن لا أحد يقدر أن يخطفهم من يد أبيه، وكأنهم لم يُعطَوْا خارجًا عنهما. «ولا هم كذلك»، يقول هو؛ «فمع أنه قد أعطاهم لي، فهم في يديه القديرتين كما كانوا تمامًا—فهم لا يمكن، وعندما يُعطَوْن لي، لا يُعطَوْن بعيدًا عن ذاته؛ لأنه هو وأنا لنا كل شيء مشترك». وهكذا يُرى، أن وحدة الجوهر هُنا هي الأساس الذي أكدّ عليه وبنى عليه حُجّته، وبدونها لن يكون صادقًا. وكان أغسطينوس على حق عندما قال إن «نحن» تدين السابليين (الذين أنكروا التمايز بين الأقانيم في اللاهوت)، بينما «واحد» (كما شُرِحَت) تدين الآريوسيين (الذين أنكروا وحدة جوهرهما).[2]

 

مقارنة بمفهوم وحدانية الله في سفر التثنية:

 

إن إقرار يسوع بأنه أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ (أي كيان واحد—اليونانية محايدة؛ قارن 5: 17- 18؛ 10: 33- 38) يعكس الشيمع، الاعتراف الأساسي في اليهودية، الذي كلمته الأولى في تثنية 6: 4 هي الشيمع shema‘ (العبرية: «إسمع»). وبالتالي فإن كلمات يسوع ترتقي إلى الإقرار باللاهوت. ولهذا السبب تناول اليهود حجارة ليرجموه. وتُذكر وحدة يسوع مع الآب لاحقًا بكونها الأساس الذي يجب أن يتحد عليه أتباع يسوع (يوحنا 17: 22). وكما في يو 1: 1، تظهر هنا مجددًا اللبنات الأساسية لعقيدة الثالوث: «أَنَا وَالآبُ» تتضمن أكثر من أقنوم واحد في الجوهر الإلهي، لكن «وَاحِدٌ» تتضمن أن الله كائن واحد.[3]

 

المؤمنون خاصون بهما معًا لإن الجوهر الإلهي واحد:

 

أنه يعطي أتباعه حياة أبدية، ولا يقدر أحد أن يخطفها من يده؛ وأنه حصل عليها من أبيه، الذي في يديه، رغم أنها أُعطيَت له، ولا يقدر أحد أن يخطفها من يده؛ وأنها ملكية غير قابلة للإلغاء لكلينا، بقدر ما «أنا وأبي واحد». يعتبر ربنا كل هذا بمثابة قوله عن نفسه: «أنا ابن الله»—طبيعة واحدة معه.[4]

 

كيف فهمه اليهود:

 

33. تجديف: جعل التقليد القانوني اليهودي، المدعوم بالـ مشناة Mishnah (مشناة) والكتب الرابينية الأخرى، أي تصريح ينطق فيه الإنسان بالاسم الذي لا يُنطق به تجديفًا. لكن تهمتهم هي نتيجة مأساوية لعماهم. فيسوع هو بالفعل إنسان وإله معًا.

وكانت الشريعة اللاوية (لا 24: 16) تقضي بالموت رجمًا كعقاب للتجديف. وعندما حث يسوع الشريعة في ع 34 كان يستخدم المصطلح ليشمل الأجزاء الثلاثة للأسفار المقدسة اليهودية، لأن الاقتباس هو من مز 82: 6. وهناك آراء مختلفة حول من يخاطبه الله في هذا المزمور: قضاة إسرائيل الذين فشلوا في واجباتهم؛ أو الملائكة الذين أساؤوا استخدام سلطتهم على الأمم؛ أو إسرائيل ككل عند إعطاء الشريعة. وأيًا كان التفسير الصحيح، فإن المغزى هنا هو أن أولئك المدعوين "آلهة" هم أدنى من ذاك الذي أرسله الآب، ابن الله. فكيف يمكن اتهام يسوع الابن بالتجديف؟[5]

 

هل نحن آلهة كالمسيح؟

 

34. أَلَيْسَ مَكْتُوبًا... «أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ؟»: هذا الجواب، باستئنافه لمزمور 82: 6، هو حجة رابينية نموذجية. ويبدو أنه ينطوي على «لقد أعطيتكم الحق في شكل رمزي. أنتم لا تستطيعون قبول ذلك. حسنا جدًا، سألتقي بكم الآن بنوع الحجة التي تقدرونها» (قارن 7: 15- 24؛ مرقس 12: 35 فما فوق). يشير المزمور إلى قضاة إسرائيل—الذين يُدعون أحيانًا «رؤساء»—الذين، حتى لو فشلوا، أُطلق عليهم «آلهة» لأنهم مارسوا العدل كجزء من تفويضهم الإلهي. فكيف يمكنهم إذن اتهام يسوع بالتجديف إذا كان من الواضح أنه مُرْسَل من الله؟[6]

إن مقصد يسوع في الاستشهاد بمزمور 82: 6 هو أنه إذا كان القضاة البشر (مزمور 82: 2- 4) يمكن أن يُدعوا بمعنى ما آلهة (على ضوء دورهم كممثلين لله)، فإن هذا المسمى يكون أكثر ملاءمة للذي هو بحق ابن الله (يوحنا 10: 33، 35- 36).[7]

بشأن «نَامُوسِكُمْ»، يشير مزمور 82: 6 في سياقه إلى أصحاب السلطة، وربما ملوك الأرض المنظور إليهم كمجلس إلهي؛ هؤلاء الملوك اعتبروا أنفسهم إلهيين، لكنهم سيبيدون كالفانين. ومع ذلك، في التقليد اليهودي، كانت هذه الآية تطبق أحيانًا خارج سياقها على إسرائيل بصفتهم متلقي الشريعة الإلهية.[8]

وأعمال يسوع هي الوسيلة التي بها يمكن للناس أن يصلوا إلى فهم العلاقة بين يسوع والآب. فالإيمان القائم على الأعمال أدنى من الإيمان القائم على ما قاله يسوع. فالأعمال (أو الآيات) هي لغرض لاهوتي—لجلب الفهم للعلاقة بين يسوع والآب. وأي شخص وصل إلى فهم هذه العلاقة الحميمة لن يعثر في تصريح ع 30، كما عثر سامعو يسوع بوضوح. كان يسوع يؤكد أنه من المستحيل التمييز بين الابن والآب لأن لهم ذات العمل الواحد.[9]

إن كل قوة هذا الاستدلال، تكمن فيما قيل عن الطرفين المقارن بينهما. إن مقارنة نفسه بالبشر المكلفين إلهيًا تُقصد لبيان أن فكرة بلاغ المجد الإلهي للطبيعة البشرية لم تكن بأي حال غريبة عن إلهامات العهد القديم؛ ولكن هناك أيضًا تباينًا بينه وبين كل الممثلين من البشر لله—الأول «قَدَّسَهُ الأَبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ»؛ والآخرون، «الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ» (فقط)، وهو ما صُمِّم خصيصًا لمنع خلطه معهم وكأنه مجرد واحد من مسؤولين بشر كثيرين لله. لم يُقَال أبدًا عن المسيح إن «كلمة الرب صارت إليه»؛ بينما هذه هي الصيغة المعروفة التي يُعَبَّر بها عن التكليف الإلهي، حتى لأعظم البشر، مثل يوحنا المعمدان (لوقا 3: 2). والسبب هو ذلك الذي قدمه المعمدان نفسه (انظر يوحنا 3: 31). التباين هو بين أولئك «الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ»—أناس أرضيون، بشريون، نالوا فقط امتياز الحصول على رسالة إلهية ليعلنوها (إن كانوا أنبياء)، أو وظيفة إلهية ليقوموا بها (إن كانوا قضاة)—وبين «الَّذِي (ليس من الأرض على الإطلاق) قَدَّسَهُ (أو أفرزه) الأَبُ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ»، وهو تعبير لم يُستخدم أبدًا لأي رسول بشري، ويُستخدم فقط عنه هو.[10]

 

الحجة الرابينية من الأدنى للأعلى:

 

10: 35- 36. يجيب يسوع بحجة يهودية قياسية «من الأدنى إلى الأعلى» (طريقة شرح رابينية تُسمى بالعبرية: قَلْ وَحُومِر qal vahomer): إذا كان إسرائيل (كما تقرؤونها) قد دُعي بطريقة غير دقيقة «آلهة»، فكيف تعترضون على قولي إني ابن الله، دون أن تفهموا حتى مقصدي؟[11]

 



[1] F. F. Bruce, New International Bible Commentary (Grand Rapids, MI: Zondervan Publishing House, 1979). 1249

[2] Robert Jamieson, A. R. Fausset and David Brown, A Commentary, Critical and Explanatory, on the Old and New Testaments (Oak Harbor, WA: Logos Research Systems, Inc., 1997). Jn 10:29.

[3] Crossway Bibles, The ESV Study Bible (Wheaton, IL: Crossway Bibles, 2008). 2044

[4] Robert Jamieson, A. R. Fausset and David Brown, A Commentary, Critical and Explanatory, on the Old and New Testaments (Oak Harbor, WA: Logos Research Systems, Inc., 1997). Jn 10:29.

[5] D. A. Carson, New Bible Commentary: 21st Century Edition, 4th ed. (Leicester, England; Downers Grove, Ill., USA: Inter-Varsity Press, 1994). Jn 10:22

[6] F. F. Bruce, New International Bible Commentary (Grand Rapids, MI: Zondervan Publishing House, 1979). 1249

[7] Crossway Bibles, The ESV Study Bible (Wheaton, IL: Crossway Bibles, 2008). 2044

[8] Craig S. Keener and InterVarsity Press, The IVP Bible Background Commentary : New Testament (Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1993). Jn 10:31-39

[9] D. A. Carson, New Bible Commentary: 21st Century Edition, 4th ed. (Leicester, England; Downers Grove, Ill., USA: Inter-Varsity Press, 1994). Jn 10:22

[10] Robert Jamieson, A. R. Fausset and David Brown, A Commentary, Critical and Explanatory, on the Old and New Testaments (Oak Harbor, WA: Logos Research Systems, Inc., 1997). Jn 10:29

[11] Craig S. Keener and InterVarsity Press, The IVP Bible Background Commentary: New Testament (Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1993). Jn 10:31-39


ماذا قصد يسوع بقوله إن البشر «آلهة» (يوحنا 10: 34)؟

 


 

ماذا قصد يسوع بقوله إن البشر «آلهة» (يوحنا 10: 34)؟[1]

 

تقرأ يوحنا 10: 34: «أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَلَيْسَ مَكْتُوبًا فِي نَامُوسِكُمْ: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ؟»». وجاءت هذه الملاحظة فور إعداد اليهود للحجارة ليرجموا الرب بسبب إقراره في ع 30: «أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ». وقد فهم جمهور يسوع بحق أنه يؤكد لاهوته، بعبارات توحي بالثالوث. ولذلك خلصوا إلى أنه قد جدف على الله؛ لأنه بينما كان مجرد إنسان (كما توهموا)، كان يجعل نفسه إلهًا (ع 33). ولردع عدائهم ورفضهم، استشهد يسوع بمزمور 82: 6، الذي يقرأ كالتالي: «أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ، وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ».

 

وفي استشهاده بمزمور 82: 6، كان يسوع يحتج بآية من الكتب المقدسة المعصومة تطلق اسم أو لقب «إله» على أناس معينين، ليس على كل البشر بالطبع، بل فقط «أُولئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ» (يوحنا 10: 35). وقد أُضيف بعد إلهي إلى أولئك الذين أُفرزوا على نحو خاص من الله ليكونوا حاملي حقائق خلاصه ومدبري شريعته المقدسة. ففي مزمور 82 يخاطب الله قضاة ومدبرين أُفرزوا لخدمة ممثلين عنه في تعليم وشريعة قداسته وإجرائها. وللأمانة، فإن بعض هؤلاء القضاة المفوَّضين رسميًا مارسوا خدمتهم بظلم وأظهروا محاباة للأغنياء، مع كونهم على باطل (ع 2). ويعبر المزمور في جوهره عن دينونة هؤلاء القضاة الظالمين، قائلاً بما معناه: (على الرغم من أن لكم وضع وكلاء الله، ودُعيتم على اسمه، إلا أنه بسبب عدم أمانتكم للواجب المقدس ستموتون كالبشر وتسقطون كأحد رؤساء العالم غير المخلص).

 

وفي استخدام مزمور 82: 6 كحجة رابينية شهيرة تُدعى: من الأدنى إلى الأعلى (a fortiori)، لتأكيد وضعه الفريد كابن الله، يضع يسوع تمييزًا أو تباينًا جوهريًا بينه وبين البشرية المفتداة، قائلاً في يوحنا 10: 35- 36: «إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لأُولئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ، فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ، أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ، لأَنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ اللهِ؟». أي إن مؤمني العهد القديم الذين دخلوا في علاقة عهد مع الله على أساس وعوده المنعمة قد نالوا وضع العضوية في الله. لقد تبناهم الله الآب. ولم يكن هذا وضعًا جوهريًا وأزليًا يمتلكونه بحق أو على سبيل المكافأة على فضيلتهم وطاعتهم؛ بل كان مجرد إمتياز مُنح لهم بنعمة الله المحضة. فبنوتهم كانت مشتقة وليست موروثة.

 

وفي يوحنا 10: 36 يضع يسوع تمييزًا بين الخطاة المفتدين تحت العهد القديم وبين نفسه كابن أزلي يوجد مع الآب في المجدالابن الذي «قُدِّسَ» (أو أُفرز رسميا) لمهمته كمسيح وفادي شعب الله. وبعد أن قُدِّس هكذا في السماء، أرسله الآب إلى الأرض، إلى العالم الغارق في الخطيئة والراغب في مخلص.

وطوال إنجيل يوحنا، يُلقى تأكيد خاص على وضع يسوع بصفته المُرْسَل من الله الآب (يوحنا 4: 34؛ 5: 23- 24، 30؛ 6: 38- 40، 44، 57؛ 7: 16، 18؛ يوحنا 8: 16، 18؛ 9: 4؛ 10: 36؛ 11: 42؛ 12: 45، 49؛ 14: 24؛ 15: 21؛ 16: 5؛ يوحنا 17: 3، 18، 21، 23، 25؛ 20: 21). وبهذا المعنى فهو فريد مطلقًا، لأنه حتى وإن كان أنبياء مثل يوحنا المعمدان قد أُرْسِلُوا من الله إلى الناس (يوحنا 1: 6)، فقد أُرْسِلُوا من الأرض إلى الأرض؛ المسيح وحده هو من أُرْسِل من السماء (موطنه الخاص) إلى الأرض. وبهذا المعنى فهو ابن الله بمقتضى وضعه الذاتي كإله؛ أما المؤمنون فهم أبناء الله فقط بالدعوة المنعمة من الله وبفعل التبني. ولا يعني ربنا هنا بأي حال من الأحوال أننا أبناء الله مثله تمامًا—باستثناء مستوى أقل من القداسة والفضيلة. لا يوجد فهم خاطئ أشد انحرافًا من ذلك. لكن ما يؤكده هنا هو أنه لا ينبغي لسامعيه أن ينزعجوا من نسبة اللاهوت إلى نفسه، بينما الكتب المقدسة ذاتها تمنحهم وضع الألوهة بتبني النعمة.

 

وهناك ملاحظة إضافية جديرة بالذكر بشأن هذا الاستخدام العارض لكلمة إلوهيم Elohim (إلوهيم) في العهد القديم للإشارة إلى المؤمنين تحت العهد. يبدو أن هذا يعمل بقياس المسميات القومية مثل بني إسرائيل benê Yiśrāʾēl، بني عمون benê ʿAmmôn، بني يهوذا benê Yehûdāh، بني بابل benê Bāḇel، إلخ. وكل هذه القبائل أو الأمم كان يمكن أيضًا الإشارة إليها بدون بني benê (بني)، مثل إسرائيل، عمون، أو يهوذا. وبناءً على هذا القياس، فإن التركيب بني إلوهيم benê ʾelōhîm يمكن اختصاره إلى إلوهيم ʾelōhîm بمفردها—أي فرد من أبناء (أو شعب) الله. (والنصوص الأخرى من هذه الفئة، التي تشير إلى حكام وقضاة إسرائيل كنموذج لممثلي الله على الأرض، تشمل خروج 21: 6؛ 22: 7- 8، 27؛ مزمور 8: 5؛ 82: 1؛ 138: 1 [أو غير ذلك «الملائكة»]. مزمور 82: 1ب [جاء في هامش NASB National American Standard Bible: «آلهة»، لكن «حكام» في النص] تنتمي إلى هذه الفئة نفسها).

 

إن ادعاءات يسوع بأنه واحد مع الله تجاوزت الحدود التي آمن بعض القادة اليهود أنه لا ينبغي لأي إنسان أن يتخطاها على الإطلاق، لئلا يتعدى الشخص وينسب لنفسه حقوقًا وحقوقًا إلهية حصرية. وإن أراد البعض رجم يسوع (العددين 31- 33) لهو دليل على أن ادعاءه كان أكثر من مُجرد كونه واحدًا مع الله في الفكر أو الإرادة أو القصد.[2]

 



[1] Gleason L. Archer, New International Encyclopedia of Bible Difficulties, Zondervan's Understand the Bible Reference Series (Grand Rapids, MI: Zondervan Publishing House, 1982). 373

[2] Ted Cabal, Chad Owen Brand, E. Ray Clendenen, Paul Copan, J.P. Moreland and Doug Powell, The Apologetics Study Bible: Real Questions, Straight Answers, Stronger Faith (Nashville, TN: Holman Bible Publishers, 2007). 1592


هل الله قائم في مجمع الآلهة تعني الشرك؟ مز 82: 6؛ يو10: 34

 


 

أَللهُ قَائِمٌ فِي مَجْمَعِ ٱلآلِهَةِ؟[1]

 

من المدهش أن نجد نصًا كتابيًا يبدو وكأنه يقر بالوجود الضمني للآلهة التي تنافس يهوه. يتأمل المرنم آساف ألوهيم (Elohim) وهو يرأس مجمعًا عظيمًا ويقضي بين من يسميهم النص "آلهة". فهل يؤكد هذا النص وجود الشرك؟

 

أمامنا قاعة محكمة. والقضية المطروحة أمام المحكمة هي المشكلة المزعجة والمتكررة أبدًا: مشكلة الأشرار والظلم الذي يبدو وكأنه يجرف كل شيء في طريقه.

 

في مخاطبة "الآلهة" (بالعبرية: ˒elōhîm - ألوهيم)، لا يقر الله بالآلهة الوثنية ولا يعترف بوجود كائنات أخرى فائقة للطبيعة مثله؛ بل هو يخاطب القضاة والحكام الأرضيين لشريعته الذين أقامهم ليمثلوه. يضع ربنا شريعته بين يدي هؤلاء المدبرين، الذين يعملون كحكام في الدولة المعينة إلهيًا، لتقديم قسط من الفرج العاجل من مظالم الحياة وشرورها.

 

إن استخدام كلمة ˒elōhîm (ألوهيم) هذا ليس غريبًا كما قد يبدو في الوهلة الأولى. فنصوص أخرى تشير إلى هذه الفئة من حكام إسرائيل وقضاتها كممثلي الله على الأرض. ففي سفر الخروج 21: 6، وبإستخدام ذات الكلمة، يُؤمر العبد الذي يختار طوعًا أن يُستعبد مدى الحياة أن يُؤتى به «إِلَى ٱلْلَّهِ». وبالمثل، في سفر الخروج 22: 8، يُنصح صاحب البيت الذي يشتكي من السرقة، حتى عندما لا يُعثر على السارق، أن «يُقَدَّمَ أَصْحَابُ ٱلْبَيْتِ إِلَى ٱلْلَّهِ». وبإستخدام الكلمة عينها، ألمح المرنم في مزمور 138: 1 «أَحْمَدُكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِي. قُدَّامَ ٱلآلِهَةِ أُرَنِّمُ لَكَ».

 

لذلك، لا ينبغي أن يكون مستغربًا على الإطلاق أن يستعمل مزمور 82: 1 هذه الكلمة عينها للإشارة إلى السلطات التنفيذية أو القضائية للحكومة. وفي الواقع، يجعل مزمور 82: 6 الأمر جليًا كالنهر بفرضه أن جميع المؤمنين الذين هم «بَنُو ٱلْعَلِيِّ» هم «آلِهَةٌ».

 

وفي يوحنا 10: 34، عندما اتُّهم بالتجديف، احتج ربنا بمزمور 82: 6 قائلًا: «أَلَيْسَ مَكْتُوبًا فِي نَامُوسِكُمْ: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ؟». وبفعل ذلك، أوضح يسوع أنه يمكن إطلاق هذا اللقب على أناس معينين «صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ ٱللهِ» (يوحنا 10: 35)، ومن ثم لا يمكن تقديم اعتراضات ظاهرية ضد ادعائه بأنه إلهي. لقد كان هناك انتساب مشروع لكلمة ˒elōhîm (ألوهيم) لأولئك الذين أُعدوا خصيصًا من الله لإدارة شريعته وكلمته للشعب.

 

ومنذ سفر التكوين 9: 6، نقل الله إلى البشر تنفيذ امتيازه الشخصي في تقرير الحياة والموت، وأنشأ بينهم مكتبًا يحمل السيف. لقد نقل الله ممارسة سلطانه إلى هؤلاء "الآلهة" المرؤوسين دون أن يتجرد بذلك من القول الأخير.

 

إن الله يجلس الآن ليدين هؤلاء الحكام، لأن كل ما يفعلونه يجري أمام عينيه. والسؤال المطروح من العلي هو: "إلى متى تقضون بالجور وترفعون وجوه الأشرار؟" هذا هو المجمع العظيم الذي يرأسه ربنا والذين يسائلهم الآن عن معالجتهم الرديئة لشواغل المظلومين. ولكن ليس ثمة أي إشارة إلى الإيمان بآلهة أو إلهات متعددة. ولا يلمح الله بذلك إلى أن لديهم الطبيعة الإلهية الحصرية للثالوث. إنها مجرد حالة تتطلب فيها كلمة واحدة، وهي ˒elōhîm (ألوهيم)، أن تؤدي وظيفة مزدوجة، متضمنة ليس فقط الإشارة إلى الله، بل وأيضًا إلى خدامه الخواص المعينين للمهام الفريدة الموصوفة في هذه السياقات.

 

الخلاصة

 

تعتتقد مجموعة متنوعة من الشيع التابعة لحركة العصر الجديد (New Age) والجماعات الدينية شبه المسيحية أن البشر إلهيون. وغالبًا ما يشيرون إلى هذه الآية كدعم لرأيهم. في الواقع، إن هذه الآية هي إشارة إلى مزمور 82: 6، وهو مزمور لآساف، يصف قضاة العهد القديم الذين يقفون في مكان الله ليدينوا شعبه. وبكونهم ممثليه، فهم يمتلكون سلطة مفوضة للتكلم نيابة عنه. وفي مزمور 82: 7، يقال إن هؤلاء الآلهة/القضاة سيواجهون الموت بسبب أحكامهم الظالمة، مما يظهر بشكل قاطع أنهم بشر وليسوا كائنات إلهية. والكلمة المترجمة "آلهة" (elohim - ألوهيم) في مزمور 82: 6 تترجم «ٱلْلَّهِ» [أي القضاة] في خروج 21: 6 وخروج 22: 8.[2]

هذا ليس إقرارًا بالشرك أو ادعاءً بأن الكائنات البشرية هي آلهة؛ بل هو برهان "من الأدنى إلى الأعلى". لقد دُعيَّ القضاة البشر في إسرائيل "آلهة" بسبب أدوارهم السامية (وإن كانت مُساء استخدامها) في مزمور 82: 6، ولذا لم يكن ممكناً تلقائياً أن تُعد دعوى يسوع بأنه ابن الله تجديفاً.



[1] Walter C. Kaiser, Jr., Peter H. Davids, F. F. Bruce, Manfred T. Brauch and Walter C. Kaiser, Hard Sayings of the Bible (Downers Grove, Il: InterVarsity, 1997). 279

[2] Ted Cabal, Chad Owen Brand, E. Ray Clendenen, Paul Copan, J.P. Moreland and Doug Powell, The Apologetics Study Bible: Real Questions, Straight Answers, Stronger Faith (Nashville, TN: Holman Bible Publishers, 2007). 1592