السبت، 8 أغسطس 2026

ما تفسير قول السيد المسيح: إلهي إلهي لماذا تركتني؟! (مت 27: 46؛ مر15: 34)




"وَفِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: «إِلُوِي، إِلُوِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» اَلَّذِي تَفْسِيرُهُ: إِلَهِي، إِلَهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" (مر 15: 34)

"وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: «إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» أَيْ: إِلَهِي، إِلَهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" (مت 27: 46)

"إِلَهِي، إِلَهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي، بَعِيدًا عَنْ خَلاَصِي، عَنْ كَلاَمِ زَفِيرِي؟" (داود النبي: مز 22: 1).

 

تذكير بالمزمور 22


كانت المزامير قديمًا في وقت السيد المسيح بدون أرقام، وكان يُعرف كل مزمور بأول جملة فيه، فمثلًا بدلًا من أن نقول نقرأ المزمور 22، كانوا يقولون نقرأ مزمور إلهي إلهي لما تركتني.

وهكذا في كل النصوص القديمة، فحتى يومنا هذا تُعرف عظات القديس شنودة رئيس المتوحدين بأول جملة فيها، مثل عظة: حدث في مثل هذا اليوم.. ولم تكن تعطى أرقام كما في أيامنا هذه.

فكان السيد في وقت صلبه يذكرهم بهذا المزمور الذي يتحدث بشكل تفصيلي نبوي من داود النبي عن صلب المسيا وموته وقيامته، وعمق آلام الصليب من ثقب اليدين والقدمين، وإحصاء العظام نتيجة التعلق على الصليب، والموت، الذي تبعه نصرة القيامة النهائية.

وهذا ما يؤكده القمص تادرس يعقوب:

فبهذه الصرخة يذكرهم بالمزمور الثاني والعشرين بكونها افتتاحيته، وقد جاء المزمور يصف أحداث الصلب. إنه بهذه الصرخة يقدم انذرًا أخيرًا لليهود كي يعيدوا النظر فيما يفعلون قبيل تسليم روحه، لعلهم يدركوا أنه المسيا محقق النبوات فيرجعون. [القمص تادرس يعقوب ملطي، سلسلة "من تفسير وتأملات الآباء الأولين"، مرقس 15]

ولعلّه بصرخته هذه أراد أن يوقظ الفكر اليهودي من نومه ليعود إلى المزمور الثاني والعشرين الذي بدأ بهذه الصرخة معلنًا في شيء من التفصيل أحداث الصلب. وكأنه أراد تأكيد أن ما يحدث هو بتدبيره الإلهي السماوي، سبق فأعلن عنه الأنبياء. [القمص تادرس يعقوب ملطي، سلسلة "من تفسير وتأملات الآباء الأولين"، متى 27]

ويقول القمص أنطونيوس فكري:

وإلهي إلهي لماذا تركتني هو الاسم العبري لـ(مزمور 22) الذي يتنبأ عن آلام المسيح ولو تذكر اليهود الذين يهزأون بالسيد كلمات هذا المزمور لوجدوها تنطبق عليه. [آلام المسيح والقيامة | دراسة في الأناجيل الأربعة - القمص أنطونيوس فكري، يوم الجمعة من أحداث أسبوع الآلام: 5- صلب يسوع المسيح]

وهذا ما يؤكده أيضًا كريج كينر:

إن صرخة يسوع هي اقتباس آرامي لـ (مزمور 22: 1)، والذي كان يُتلى أحياناً في هذا الوقت من اليوم في الصلاة، ولكنه يكتسب أهمية خاصة عندما يصلي به يسوع. إن السطر الأول من شأنه أن يستحضر هذا المزمور بأكمله الخاص بالبار المتألم—ورجائه في التدخل الإلهي. [Craig S. Keener and InterVarsity Press, The IVP Bible Background Commentary : New Testament (Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1993). Mk 15:34]

هنا يقتبس يسوع (مزمور 22: 1)، والذي ربما كان جزءاً من تلاوة النص الكتابي في هذا الوقت من اليوم. لا يتوقف معارضوه للتفكير في أن المزمور ينتهي بتبرئة المتألم وانتصاره (مزمور 22: 25-31). [Craig S. Keener and InterVarsity Press, The IVP Bible Background Commentary : New Testament (Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1993). Mt 27:46]

كما يُشير تفسير ESV إلى هذا المعنى أيضًا، مع التأكيد على أن الاقتباس الآرامي كان من الترجوم الآرامي لمزامير داود:

إيلي، إيلي، لما شبقتني؟ يقتبس يسوع (مزمور 22: 1). الكلمتان الأخيرتان باللغة الآرامية (اللغة اليومية التي يتحدث بها يسوع)، والكلمتان الأولى والثانية يمكن أن تكونا إما بالآرامية أو العبرية. إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟ في اقتباسه لـ (مزمور 22: 1)، من المحتمل أن يسوع يستحضر باقي المزمور أيضاً، والذي ينتقل إلى صرخة نصرة (مزمور 22: 21-31)؛ وهو يعبر عن الإيمان داعياً الله "إلهي". بالتأكيد إنه يعرف لماذا يموت، لأن هذا كان الهدف من مجيئه إلى الأرض (قارن متى 16: 21؛ 20: 18-19، 28). وبالتأكيد إن صرخته، التي نطق بها بصوت عظيم، لا تعبر عن حيرة من ظروفه، بل عن شهادة للحاضرين، ومن خلالهم للعالم، بأنه كان يختبر التخلي الإلهي [في شعوره بالآلام الحقيقية وليس ترك اللاهوت له] لا لأي شيء في نفسه بل لأجل خلاص الآخرين. بالتأكيد إن متى، بفهمه لهذا، يقتبس كلمات يسوع ليتحدى قرائه. [Crossway Bibles, The ESV Study Bible (Wheaton, IL: Crossway Bibles, 2008). 1886]

وهذا ما يُعيد تأكيده تمامًا تفسير زوندرفان:

لا يصيغ يسوع كلمات الصلاة بنفسه كما فعل في جثسيماني ("«يَا أَبَا»")؛ بل يستشهد بتعبير مأثور عن الضيق من (مزمور 22: 1). لا يمكن للمرء أن يتوقع من ضحية صلب أن يتلو مزموراً بأكمله، ولكن من الممكن أن الاستشهاد بالآية الأولى من المزمور يشير إلى المزمور بأكمله. وبدون إصحاحات وآيات لتحديد نصوص معينة، كان يتم الاستشهاد بالكلمات الأولى أو العبارات الرئيسية (انظر مرقس 12: 26). [Clinton E. Arnold, Zondervan Illustrated Bible Backgrounds Commentary Volume 1: Matthew, Mark , Luke. (Grand Rapids, MI: Zondervan, 2002). 302]

 

صيحة نصرة وليست شكوى


الكلمات تحمل المعنى في الماضي وليس في الحاضر، وعليه فإن السيد لم يكن يتحدث عن آلامه الحاضرة، بقدر ما كان -بروح النبوة- يتحدث عن النصرة الآتية حين يعبر هذه الآلام.

فهذه لم تكن صرخة هذيمة، بل صيحة إنتصار، قد تبعها قول المسيح: "قد أُكمِل"، أي أنه تمم النصرة الكاملة حيث استخدم الصليب كمعبر للقيامة والنصرة النهائية.

كما أن التعبير المميز: أسلم الروح، يوضح كيف أن هذا كان فعل إرادة، فالسيد أسلم روحه بإرادته كما سبق وقال: "لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا. هَذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي»." (يو 10: 18).

وكما يقول القمص تادرس يعقوب:

فالكلمات "إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟" لا تحمل لهجة اليأس كما قد يظن البعض فإن الابن لن ينفصل قط عن الآب، إنما أراد أن يبرز بشاعة الخطية التي حملها على كتفيه نيابة عنا، فجعلته كمن يسقط تحت الغضب وهو الابن المحبوب لديه. [القمص تادرس يعقوب ملطي، سلسلة "من تفسير وتأملات الآباء الأولين"، مرقس 15]

 ويقول ف ف بروس:

إلوي، إلوي، لما شبقتني: في حين أن الآرامية (مثل العبرية) غامضة، إذ يمكن ترجمتها "لماذا تركتني" [في الحاضر] أو "لماذا تركتني" [في الماضي]، فإن اليونانية لا يمكن أن تحمل شرعياً إلا معنى "لماذا تركتني؟" [في الماضي]. هذا الاقتران مع الصوت العظيم يرجح تركاً قد انتهى وهتاف المنتصر بدلاً من صرخة التخلي الحالي. وعلى أية حال، فإن صرخة المنتصر "«قَدْ أُكْمِلَ»" (يوحنا 19: 30) تظهر أن يسوع عرف أن النصرة قد تحققت قبل أن يسلم روحه. [F. F. Bruce, New International Bible Commentary (Grand Rapids, MI: Zondervan Publishing House, 1979). 1152]

 وجاء في تفسير زوندرفان:

إن يسوع يصلي بالكلمات الافتتاحية لمزمور المرثاة هذا، والذي عند قراءته حتى النهاية، لا يعبر فقط عن يأس مرير بل أيضاً عن ثقة فائقة. إن هذا التفسير لا ينكر الحسرة الحقيقية التي يختبرها يسوع، ولكنه يفهم صرخته كتعبير عن الثقة بأن الله سينهض ويبرئه في النهاية. [Clinton E. Arnold, Zondervan Illustrated Bible Backgrounds Commentary Volume 1: Matthew, Mark , Luke. (Grand Rapids, MI: Zondervan, 2002). 302]

 وفي تعليقات نيلسون:

لم تكن هذه صرخة هزيمة. كان المسيح يقتبس من (مزمور 22) وربما كان يشير إلى النصرة العظيمة التي يصفها المزمور. [Earl D. Radmacher, Ronald Barclay Allen and H. Wayne House, The Nelson Study Bible: New King James Version (Nashville: T. Nelson Publishers, 1997). Mt 27:46]

 

كيف لمن يشرف على الموت أن يصرخ بصوت عظيم!


من الغريب جدًا أن إنسانًا مرّ بكل آلام الجلد وحمل الصليب والسير به مسافة طويلة، والرفع على الصليب لست ساعات، أن يصرخ، وبصوت عظيم! هذا لا يدل إلا على أن هذه الصرخة ذاته هي بقدرة إلهية فائقة.

فالمصلوب مع الوقت لا يستطيع حتى أن يتنفس بشكل جيد، نتيجة وضع التعلق الذي يكون فيه، فمن الغريب أن بعد كل هذا الإنهاك والتعب الشديد والآلام أن يصرخ بصوت عظيم!

يقول القمص تادرس يعقوب:

بحسب الجسد كان السيد المسيح قد أُنهك تمامًا، ولم يكن ممكنًا في ذلك الوقت أن يصرخ هكذا، لكنه صرخ ليُعلن أنه ما يتم الآن بين أيديهم ليس عن ضعف، بل تحقيقًا لعمله الإلهي الذي سبق فأعلنه بأنبيائه. [القمص تادرس يعقوب ملطي، سلسلة "من تفسير وتأملات الآباء الأولين"، مرقس 15]

ويؤكد الأب أنطونيوس فكري:

صرخ يسوع بصوت عظيم= كان المسيح في النزع الأخير، ولو كان إنسانًا عاديًا ما استطاع أن يصرخ بصوت عظيم. فهذا يدل على لاهوته. وهو قال إلهي إلهي وهذا يدل على ناسوته. وبهذا دلَّ المسيح على أنه الإله المتأنس أو الله ظهر في الجسد. [آلام المسيح والقيامة | دراسة في الأناجيل الأربعة - القمص أنطونيوس فكري، يوم الجمعة من أحداث أسبوع الآلام: 5- صلب يسوع المسيح]

ومن ناحية أخرى فصراخه بصوت عظيم يدل على لاهوته فالمصلوب المتألّم لا يستطيع الصراخ بصوت عظيم، وقوله إلهي إلهي لماذا تركتني إشارة إلى أنه إنسان كامل تحت الآلام. فهذه الآية تشير للاهوته وناسوته. [آلام المسيح والقيامة | دراسة في الأناجيل الأربعة - القمص أنطونيوس فكري، يوم الجمعة من أحداث أسبوع الآلام: 5- صلب يسوع المسيح]

ويقول كارسون:

المصلوبون عادةً ما يغرقون تدريجياً في فقدان الوعي بعد ساعات كثيرة، بل وأيام، من العذاب. ومع ذلك، فإن موت يسوع يُوصَف وكأنه هو نفسه في سيطرة كاملة: أسلَمَ الرُّوحَ هو تعبير غير عادي، يرجح أنه فعل إرادة. [D. A. Carson, New Bible Commentary : 21st Century Edition, 4th ed. (Leicester, England;  Downers Grove, Ill., USA: Inter-Varsity Press, 1994). Mt 27:45]

 

كنائب وممثل للبشرية


إنه كممثّل للبشريّة التي سقطت تحت سلطان الظلمة يصرخ في أنين من ثقلها كمن هو في حالة ترك، قائلًا: "إلهي إلهي لماذا تركتني؟" فإذ أحنَى السيِّد رأسه ليحمل خطايا البشريّة كلها صار كمن قد حجب الآب وجهه عنه، حتى يحكم سلطان الخطيّة بدفع الثمن كاملًا، فيعود بنا إلى وجه الآب الذي كان محتجبًا عنّا. [القمص تادرس يعقوب ملطي، سلسلة "من تفسير وتأملات الآباء الأولين"، متى 27]

المسيح هنا كممثل للبشرية التي سقطت تحت سلطان الظلمة يصرخ في أنين من ثقلها كمن في حالة ترك، فإذ أحنى السيد رأسه ليحمل خطايا البشرية كلهما صار كمن قد حجب الآب وجهه عنه حتى يحطم سلطان الخطية بدفع الثمن كاملًا، فيعود بنا نحن البشر إلى وجه الآب الذي كان محتجبًا عنا. [آلام المسيح والقيامة | دراسة في الأناجيل الأربعة - القمص أنطونيوس فكري، يوم الجمعة من أحداث أسبوع الآلام: 5- صلب يسوع المسيح]

 

هل العهد الجديد جدير بالثقة؟

 


هل العهد الجديد جدير بالثقة؟

بقلم: داريل ل. بوك[1]

 

مثل أي كتاب قديم، يبدو العهد الجديد غريباً بعض الشيء. فهو يورد أحداثاً غير عادية إلى جانب عادات غريبة. وهذا يثير بطبيعة الحال التساؤل عما إذا كان بإمكاننا الثقة بما يخبرنا به. تؤكد الحقائق الست هذه أن العهد الجديد يمكن الثقة به:

 

1. أُعْتُرِفَ بأسفار العهد الجديد من خلال عملية تمحيص دقيقة.

امتدت العملية من القرن الأول إلى القرن الرابع. وكانت المحفزات لتشكيل العهد الجديد هي استخدام النص الكتابي في العبادة، وظهور التعليم الباطل (الذي استلزم تحديد الأعمال الأنيقة)، والاضطهاد (الذي دعا إلى حرق الكتب المقدسة—لذا كان المرء بحاجة إلى معرفة أيها هي تلك الكتب!) وكانت الأسفار المدرجة في العهد الجديد هي تلك التي تُعتبر لها أدلة على سلطانها الإلهي. هل كانت مرتبطة برسول؟ هل كانت على خط واحد مع الأسفار الكتابية الأصيلة الأخرى؟ هل كانت مستخدمة ومقبولة على نطاق واسع؟ كانت هذه هي الأسئلة المستخدمة لتحديد الأسفار الجديرة بالثقة والمالكة للسلطان في العهد الجديد.

 

2. يستند العهد الجديد إلى مصادر موثوقة أُسْتُخْدِمَتْ بعناية ونُقِلَتْ بأمانة.

إن الكتاب المقدس يماثل كتباً أخرى ويختلف عنها في الوقت نفسه. أوضح لوقا أنه استخدم مصادر (لوقا 1: 1-4). وعَلَّمَ يسوع أن الروح سيساعد هؤلاء الرسل على تذكر ما علّمهم إياه يسوع (يوحنا 14: 25-26). إن المجادلة بأن الكتاب المقدس مُوحَى به من الله لا تنفي العناصر البشرية التي يتكون منها الكتاب. ما هي المصادر وكيف تُعُومِلَ معها؟ تشدد النصوص المحيطة بيسوع على دور شهود العيان كأصل للتقليد (انظر لوقا 1: 2). وضَمِنَ التواتر الرسولي مصداقية الرواية.

إن المسافة بين الحدث والتسجيل ليست كبيرة—أقل من مدى حياة، وهي مسافة زمنية صغيرة بالمعايير القديمة. على سبيل المثال، كان مؤرخو القرن الأول الرومان ليفي وديونيسيوس من هاليكارناسوس يبعدون قروناً عن العديد من الأحداث التي أرخوها. اعتمدت اليهودية على القدرة على نقل الأمور بعناية من جيل إلى جيل، ورواية الأحداث بعناية. هذا لا يستبعد بعض الاختلاف، كما هو واضح من خلال مقارنة روايات الإنجيل أو الروايات المتوازية في صموئيل الأول والثاني، والملوك الأول والثاني، وأخبار الأيام الأول والثاني. كانت اليهودية، والمسيحية التي نمت منها، ثقافة ذاكرة. حفظ الناس صلوات طقسية طويلة، وفي أغلب الأحيان عملوا من الذاكرة بدلاً من الصفحة المكتوبة. أي شخص قرأ كتاباً للأطفال مراراً وتكراراً لطفله يعلم أن العقل قادر على استيعاب كميات هائلة من الصياغات والكلمات والاحتفاظ بها.

أخيراً، فإن النص الكتابي الذي لدينا اليوم يعكس أساساً النص كما أُنْتِجَ في الأصل. يحتوي العهد الجديد على أدلة مخطوطات أفضل بكثير من أي وثيقة قديمة أخرى. ففي حين أن معظم الأعمال الكلاسيكية، مثل أعمال أفلاطون وهيرودوت وأريستوفانيس، تحتوي على مخطوطة واحدة إلى 20 مخطوطة، فإن العهد الجديد يحتوي على نحو 5,400 مخطوطة يونانية يمكننا مقارنتها لتحديد الصياغة الأصلية، ناهيك عن أكثر من 8,000 مخطوطة لاتينية قديمة.

 

3. تقييم الموثوقية يعني فهم تعقيد التاريخ.

الاختلافات في الروايات لا تؤدي بالضرورة إلى تناقض، كما أن التأمل اللاحق لا يعني إنكاراً للتاريخ. يمكن النظر إلى الأحداث من زوايا أو منظورات مختلفة دون التضحية بالتاريخية. وهكذا، فإن الاختلافات في الأناجيل الأربعة تثري تقديرنا ليسوع من خلال إعطائنا أربعة منظورات عنه—يسوع في أربعة أبعاد، إذا جاز التعبير. ولا يُعد التأمل إنكاراً للتاريخ. في بعض الأحيان تصبح أهمية حدث تاريخي، مثل لعبة كرة القدم، واضحة فقط عندما نرى الأحداث المتتابعة. يتضمن التاريخ كلاً مما حدث ونتائجه. تؤكد الموثوقية بسباطة أن الرواية المقيمة هي تصوير دقيق لما حدث وتفسير مصدق لما نتج عنه، وليست الطريقة الوحيدة التي رُئِيَتْ بها الأحداث المعنية.

 

4. تتطلب الموثوقية معرفة كافية وليست شاملة بالموضوع.

المصادر انتقائية حتى عندما تكون دقيقة. يوضح الكتاب المقدس هذه النقطة في (يوحنا 21: 25): "«وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ، إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ»". عندما يصف الناس الكتاب المقدس بأنه جدير بالثقة، فإنهم يجادلون بأن شهادته ليست مناقضة لما حدث وكافية لإعطائنا فهماً ذا معنى لله وعمله لأجلنا (2 تيموثاوس 3: 16-17). التحدث بدقة ليس هو نفسه التحدث بشكل شامل.

 

5. يعلمنا علم الآثار احترام محتوى الكتاب المقدس.

نادراً ما يمكن لعلم الآثار إثبات وقوع الأحداث. ما يمكنه إظهاره هو أن تفاصيل الرواية، وبعضها عرضي، تتطابق مع زمن النص وثقافته. يظهر علم الآثار أيضاً أنه ينبغي علينا الحذر في الإشارة إلى أخطاء في الكتاب المقدس لمجرد أن الكتاب المقدس وحده يشهد لشيء ما.

على سبيل المثال، كان هناك نقاش ذات يوم حول الوصف الوارد في (يوحنا 5: 2) لبركة ذات خمسة أروقة في أورشليم، تُدعى بيت حسدا أو بيت صيدا. شكك الكثيرون في وجودها رغم ثبوتها الواسع في التقليد القديم. أضافت الهجاءات المختلفة للموقع في تقليد مخطوطات العهد الجديد إلى ميل الكثيرين لرفض هذا الادعاء. في عام 1871، كان مهندس معماري فرنسي، C. Mauss، يرمم كنيسة قديمة ووجد صهريجاً على بعد 30 متراً. أوضحت الحفريات اللاحقة في 1957-1962 أنها تتكون من بركتين كبيرتين بما يكفي لاستيعاب كمية كبيرة من الماء والناس. اليوم، لا أحد يشك تقريباً في وجود بركة يوحنا.

 

6. تكون ادعاءات الكتاب المقدس للمعجزات معقولة عندما يأخذ المرء في الاعتبار الاستجابة لادعاءات القيامة.

أُدْرِجَتْ أحداث الأناجيل خلال حياة العديد ممن ادعوا أنهم شاهدوها. ربما كان أعظم دليل على القيامة هو التغير والرد المباشر لأولئك الذين شهدوا لها. اعترف التلاميذ صراحةً بأنه لم يكن لديهم تدريب رسمي وكانوا لفترة طويلة غير اكفاء بشكل صادم في الاستجابة ليسوع. ومع ذلك أصبحوا قادة شجعاناً. وقفوا بثبات في وجه تهديد الموت والرفض من قِبل القادة اليهود الذين قاوموهم. لم يشمل هذا شخصاً أو شخصين، بل استضاف مجموعة كاملة من القادة الذين تركوا بصمتهم على التاريخ، ولا سيما اضطهاد الكنيسة السابق، كما بولس. كلاهما بطرس وهو، إلى جانب آخرين مثل يعقوب أخ الرب، ماتوا لأجل إيمانهم بـ قيامة يسوع.



[1] Ted Cabal, Chad Owen Brand, E. Ray Clendenen, Paul Copan, J.P. Moreland and Doug Powell, The Apologetics Study Bible: Real Questions, Straight Answers, Stronger Faith (Nashville, TN: Holman Bible Publishers, 2007). 1452


الخميس، 6 أغسطس 2026

براهين من العصر المسيحي المبكر للأناجيل الأربعة وكُتَّابها

 


البرهان التاريخي لكتــَّاب مسيحيين من العصر المسيحي المبكر من خارج الكتاب المقدس[1]

 

يحتفظ لنا يوسابيوس في كتابه «التاريخ الكنسي» بكتابات بابياس أسقف هيرابوليس (130م)، والتي يسجل فيها بابياس أقوال الشيخ (الرسول يوحنا):

اعتاد الشيخ أن يقول هذا أيضاً: لقد دوَّن مرقس، الذي كان تلميذاً لبطرس بدقة جميع ما ذكره (بطرس) عن أقوال وأفعال المسيح ولكن بدون ترتيب إذ أنه لم يكن قد سمع الرب أو رافقه، ولكن فيما بعد كما قلت رافق بطرس الذي لقَّنه تعاليمه كلما اقتضت الضرورة. ولم يكن يكتب مؤلفاً يجمع فيه أقوال الرب. إذن فإن مرقس لم يخطئ في تدوينه بهذه الطريقة للأشياء التي كان (بطرس) يذكرها، لأن اهتمامه كان ينصبّ على عدم إغفال أي شئ يسمعه وعدم تدوين أي تعليم كاذب.

 

ويعلق بابياس أيضاً على إنجيل متي قائلاً: سجل متي أقوال الوحي باللغة العبرية (أي الآرامية).

 

أما إيريناوس، أسقف ليون (180م)، فقد كان تلميذاً لبوليكاربوس أسقف سميرنا الذي استشهد عام 156م وظل في المسيحية لستة وثمانين عاماً وكان تلميذاً للرسول يوحنا. كتب إيريناوس يقول: 

إن هذه الأناجيل تعتمد على أساس متين حتى أن الهراطقة أنفسهم يشهدون لصحتها وإنطلاقاً منها (أي من هذه الوثائق)، يحاول كل منهم أن يؤسس عقيدته الخاصة. (Against Heresies, III).

 

لقد أصبحت الأناجيل الأربعة شيئاً محورياً في العالم المسيحي حتى أن إيريناوس يشير إليها (الأناجيل الأربعة) كحقيقة راسخة ومعروفة مثلها مثل الاتجاهات الأصلية الأربعة للبوصلة:

كما أن هناك أربعة اتجاهات للعالم الذي نعيش فيه، وأربعة رياح أرضية، ولما كانت الكنيسة قد انتشرت على وجه كل الأرض، ولما كان الإنجيل هو عماد وأساس الكنيسة وهو نسمة الحياة، فمن الطبيعي أن يكون ذا أربعة أعمدة، آتياً بنسيم الخلود من كل جهة ومنعشاً حياة الإنسان من جديد. فمن ثم يتبين أن الكلمة، مبدع كل الأشياء والجالس فوق الكاروبيم والممسك بكل الأشياء معاً، إذ ظهر للبشر، أعطانا أربعة أناجيل ولكن يجمعها الروح الواحد.

 

لقد نشر متى إنجيله بين العبرانيين (أي اليهود) بلغتهم، بينما كان بطرس وبولس يبشران بالإنجيل في روما حيث أسسا الكنيسة هناك، وبعد انتقالهما (أي موتهما، الذي يشير التقليد أنه كان في وقت اضطهاد نيرون عام 64م)، سلَّم مرقس تلميذ بطرس والشارح لأقواله، بنفسه لنا كتاباته لفحوى بشارة بطرس. أما لوقا تلميذ بولس، فقد دون بشارة معلِّمه. ثم يوحنا، تلميذ الرب، والذي اتكأ على صدره أيضاً (إشارة إلى يوحنا 13: 25 و21: 20)، فقد كتب إنجيله عندما كان يعيش في أفسس بآسيا. Irenaus, AH)).

 

ويستخدم أكليمندس الروماني (حوالي 95م) الكتاب المقدس باعتباره مصدراً أصلياً موثوقاً.

 

أغناطيوس (70-110م): كان أسقفاً لأنطاكية واستشهد بسبب إيمانه بالمسيح. كان يعرف الرسل جميعاً وكان تلميذاً لبوليكاربوس الذي كان تلميذاً للرسول يوحنا.[2]

 

ويقول إلجين موير في كتاب شخصيات التاريخ الكنسي إن أغناطيوس نفسه قال:

إنني أفضل الموت من أجل المسيح على أن أحكم الأرض كلها. اتركوني للوحوش حتى يكون لي شركة مع الله. وقيل إنه ألقي للوحوش الضارية في الكولوسيوم بروما. وكتب رسالته في أثناء رحلته من أنطاكية إلى المكان الذي استشهد به.[3]

 

وقد صدَّق أغناطيوس على الكتاب المقدس من خلال الطريقة التي أسس إيمانه بها على صحة الكتاب المقدس. وقد كان له الكثير من الكتابات والشهادات التي تؤيد موثوقية الكتاب المقدس.

 

بوليكاربوس (70-156م): كان تلميذاً ليوحنا وسلَّم نفسه للاستشهاد عن عمر يناهز الثمانية والستين عاماً بسبب إخلاصه الشديد للمسيح وللكتاب المقدس. وقد برهن موته على ثقته في صحة الكتاب المقدس. حوالي سنة 155 ، أثناء حكم أنطونيوس بيوس، عندما كان الاضطهاد دائراً في سميرنا حيث استشهد العديد من رفقائه، أفرز كقائد للكنيسة وعِّين للاستشهاد. وعندما طُلب منه إنكار الإيمان ومن ثم النجاة من الموت، قال كلماته الشهيرة: ثمانية وستون عاماً خدمته ولم أر منه شراً. فكيف أتكلم بالشر على ملكي الذي خلصني؟ فأحرق ومات موت الشهداء الأبطال من أجل إيمانه.[4] ومن المؤكد أن بوليكاربوس كانت له صلات كثيرة لتحري الحقيقة.

 

تاتيان (حوالي 170م): قام بترتيب النصوص المقدسة ليؤلف بذلك أول توافق للأناجيل وهو ما يسمي الدياطسرون.



[1] جوش ماكدويل، برهان جديد يتطلب قرار.

[2] Liplady, Thomas. The Influence of the Bible., 209

[3] Moyer, Elgin S. Who Was Who in Church History, rev. ed. Chicago: Moody Press, 1968., 209

[4] Moyer, Elgin S. Who Was Who in Church History, rev. ed. Chicago: Moody Press, 1968., 337