السبت، 8 أغسطس 2026

هل العهد الجديد جدير بالثقة؟

 


هل العهد الجديد جدير بالثقة؟

بقلم: داريل ل. بوك[1]

 

مثل أي كتاب قديم، يبدو العهد الجديد غريباً بعض الشيء. فهو يورد أحداثاً غير عادية إلى جانب عادات غريبة. وهذا يثير بطبيعة الحال التساؤل عما إذا كان بإمكاننا الثقة بما يخبرنا به. تؤكد الحقائق الست هذه أن العهد الجديد يمكن الثقة به:

 

1. أُعْتُرِفَ بأسفار العهد الجديد من خلال عملية تمحيص دقيقة.

امتدت العملية من القرن الأول إلى القرن الرابع. وكانت المحفزات لتشكيل العهد الجديد هي استخدام النص الكتابي في العبادة، وظهور التعليم الباطل (الذي استلزم تحديد الأعمال الأنيقة)، والاضطهاد (الذي دعا إلى حرق الكتب المقدسة—لذا كان المرء بحاجة إلى معرفة أيها هي تلك الكتب!) وكانت الأسفار المدرجة في العهد الجديد هي تلك التي تُعتبر لها أدلة على سلطانها الإلهي. هل كانت مرتبطة برسول؟ هل كانت على خط واحد مع الأسفار الكتابية الأصيلة الأخرى؟ هل كانت مستخدمة ومقبولة على نطاق واسع؟ كانت هذه هي الأسئلة المستخدمة لتحديد الأسفار الجديرة بالثقة والمالكة للسلطان في العهد الجديد.

 

2. يستند العهد الجديد إلى مصادر موثوقة أُسْتُخْدِمَتْ بعناية ونُقِلَتْ بأمانة.

إن الكتاب المقدس يماثل كتباً أخرى ويختلف عنها في الوقت نفسه. أوضح لوقا أنه استخدم مصادر (لوقا 1: 1-4). وعَلَّمَ يسوع أن الروح سيساعد هؤلاء الرسل على تذكر ما علّمهم إياه يسوع (يوحنا 14: 25-26). إن المجادلة بأن الكتاب المقدس مُوحَى به من الله لا تنفي العناصر البشرية التي يتكون منها الكتاب. ما هي المصادر وكيف تُعُومِلَ معها؟ تشدد النصوص المحيطة بيسوع على دور شهود العيان كأصل للتقليد (انظر لوقا 1: 2). وضَمِنَ التواتر الرسولي مصداقية الرواية.

إن المسافة بين الحدث والتسجيل ليست كبيرة—أقل من مدى حياة، وهي مسافة زمنية صغيرة بالمعايير القديمة. على سبيل المثال، كان مؤرخو القرن الأول الرومان ليفي وديونيسيوس من هاليكارناسوس يبعدون قروناً عن العديد من الأحداث التي أرخوها. اعتمدت اليهودية على القدرة على نقل الأمور بعناية من جيل إلى جيل، ورواية الأحداث بعناية. هذا لا يستبعد بعض الاختلاف، كما هو واضح من خلال مقارنة روايات الإنجيل أو الروايات المتوازية في صموئيل الأول والثاني، والملوك الأول والثاني، وأخبار الأيام الأول والثاني. كانت اليهودية، والمسيحية التي نمت منها، ثقافة ذاكرة. حفظ الناس صلوات طقسية طويلة، وفي أغلب الأحيان عملوا من الذاكرة بدلاً من الصفحة المكتوبة. أي شخص قرأ كتاباً للأطفال مراراً وتكراراً لطفله يعلم أن العقل قادر على استيعاب كميات هائلة من الصياغات والكلمات والاحتفاظ بها.

أخيراً، فإن النص الكتابي الذي لدينا اليوم يعكس أساساً النص كما أُنْتِجَ في الأصل. يحتوي العهد الجديد على أدلة مخطوطات أفضل بكثير من أي وثيقة قديمة أخرى. ففي حين أن معظم الأعمال الكلاسيكية، مثل أعمال أفلاطون وهيرودوت وأريستوفانيس، تحتوي على مخطوطة واحدة إلى 20 مخطوطة، فإن العهد الجديد يحتوي على نحو 5,400 مخطوطة يونانية يمكننا مقارنتها لتحديد الصياغة الأصلية، ناهيك عن أكثر من 8,000 مخطوطة لاتينية قديمة.

 

3. تقييم الموثوقية يعني فهم تعقيد التاريخ.

الاختلافات في الروايات لا تؤدي بالضرورة إلى تناقض، كما أن التأمل اللاحق لا يعني إنكاراً للتاريخ. يمكن النظر إلى الأحداث من زوايا أو منظورات مختلفة دون التضحية بالتاريخية. وهكذا، فإن الاختلافات في الأناجيل الأربعة تثري تقديرنا ليسوع من خلال إعطائنا أربعة منظورات عنه—يسوع في أربعة أبعاد، إذا جاز التعبير. ولا يُعد التأمل إنكاراً للتاريخ. في بعض الأحيان تصبح أهمية حدث تاريخي، مثل لعبة كرة القدم، واضحة فقط عندما نرى الأحداث المتتابعة. يتضمن التاريخ كلاً مما حدث ونتائجه. تؤكد الموثوقية بسباطة أن الرواية المقيمة هي تصوير دقيق لما حدث وتفسير مصدق لما نتج عنه، وليست الطريقة الوحيدة التي رُئِيَتْ بها الأحداث المعنية.

 

4. تتطلب الموثوقية معرفة كافية وليست شاملة بالموضوع.

المصادر انتقائية حتى عندما تكون دقيقة. يوضح الكتاب المقدس هذه النقطة في (يوحنا 21: 25): "«وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ، إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ»". عندما يصف الناس الكتاب المقدس بأنه جدير بالثقة، فإنهم يجادلون بأن شهادته ليست مناقضة لما حدث وكافية لإعطائنا فهماً ذا معنى لله وعمله لأجلنا (2 تيموثاوس 3: 16-17). التحدث بدقة ليس هو نفسه التحدث بشكل شامل.

 

5. يعلمنا علم الآثار احترام محتوى الكتاب المقدس.

نادراً ما يمكن لعلم الآثار إثبات وقوع الأحداث. ما يمكنه إظهاره هو أن تفاصيل الرواية، وبعضها عرضي، تتطابق مع زمن النص وثقافته. يظهر علم الآثار أيضاً أنه ينبغي علينا الحذر في الإشارة إلى أخطاء في الكتاب المقدس لمجرد أن الكتاب المقدس وحده يشهد لشيء ما.

على سبيل المثال، كان هناك نقاش ذات يوم حول الوصف الوارد في (يوحنا 5: 2) لبركة ذات خمسة أروقة في أورشليم، تُدعى بيت حسدا أو بيت صيدا. شكك الكثيرون في وجودها رغم ثبوتها الواسع في التقليد القديم. أضافت الهجاءات المختلفة للموقع في تقليد مخطوطات العهد الجديد إلى ميل الكثيرين لرفض هذا الادعاء. في عام 1871، كان مهندس معماري فرنسي، C. Mauss، يرمم كنيسة قديمة ووجد صهريجاً على بعد 30 متراً. أوضحت الحفريات اللاحقة في 1957-1962 أنها تتكون من بركتين كبيرتين بما يكفي لاستيعاب كمية كبيرة من الماء والناس. اليوم، لا أحد يشك تقريباً في وجود بركة يوحنا.

 

6. تكون ادعاءات الكتاب المقدس للمعجزات معقولة عندما يأخذ المرء في الاعتبار الاستجابة لادعاءات القيامة.

أُدْرِجَتْ أحداث الأناجيل خلال حياة العديد ممن ادعوا أنهم شاهدوها. ربما كان أعظم دليل على القيامة هو التغير والرد المباشر لأولئك الذين شهدوا لها. اعترف التلاميذ صراحةً بأنه لم يكن لديهم تدريب رسمي وكانوا لفترة طويلة غير اكفاء بشكل صادم في الاستجابة ليسوع. ومع ذلك أصبحوا قادة شجعاناً. وقفوا بثبات في وجه تهديد الموت والرفض من قِبل القادة اليهود الذين قاوموهم. لم يشمل هذا شخصاً أو شخصين، بل استضاف مجموعة كاملة من القادة الذين تركوا بصمتهم على التاريخ، ولا سيما اضطهاد الكنيسة السابق، كما بولس. كلاهما بطرس وهو، إلى جانب آخرين مثل يعقوب أخ الرب، ماتوا لأجل إيمانهم بـ قيامة يسوع.



[1] Ted Cabal, Chad Owen Brand, E. Ray Clendenen, Paul Copan, J.P. Moreland and Doug Powell, The Apologetics Study Bible: Real Questions, Straight Answers, Stronger Faith (Nashville, TN: Holman Bible Publishers, 2007). 1452


الخميس، 6 أغسطس 2026

براهين من العصر المسيحي المبكر للأناجيل الأربعة وكُتَّابها

 


البرهان التاريخي لكتــَّاب مسيحيين من العصر المسيحي المبكر من خارج الكتاب المقدس[1]

 

يحتفظ لنا يوسابيوس في كتابه «التاريخ الكنسي» بكتابات بابياس أسقف هيرابوليس (130م)، والتي يسجل فيها بابياس أقوال الشيخ (الرسول يوحنا):

اعتاد الشيخ أن يقول هذا أيضاً: لقد دوَّن مرقس، الذي كان تلميذاً لبطرس بدقة جميع ما ذكره (بطرس) عن أقوال وأفعال المسيح ولكن بدون ترتيب إذ أنه لم يكن قد سمع الرب أو رافقه، ولكن فيما بعد كما قلت رافق بطرس الذي لقَّنه تعاليمه كلما اقتضت الضرورة. ولم يكن يكتب مؤلفاً يجمع فيه أقوال الرب. إذن فإن مرقس لم يخطئ في تدوينه بهذه الطريقة للأشياء التي كان (بطرس) يذكرها، لأن اهتمامه كان ينصبّ على عدم إغفال أي شئ يسمعه وعدم تدوين أي تعليم كاذب.

 

ويعلق بابياس أيضاً على إنجيل متي قائلاً: سجل متي أقوال الوحي باللغة العبرية (أي الآرامية).

 

أما إيريناوس، أسقف ليون (180م)، فقد كان تلميذاً لبوليكاربوس أسقف سميرنا الذي استشهد عام 156م وظل في المسيحية لستة وثمانين عاماً وكان تلميذاً للرسول يوحنا. كتب إيريناوس يقول: 

إن هذه الأناجيل تعتمد على أساس متين حتى أن الهراطقة أنفسهم يشهدون لصحتها وإنطلاقاً منها (أي من هذه الوثائق)، يحاول كل منهم أن يؤسس عقيدته الخاصة. (Against Heresies, III).

 

لقد أصبحت الأناجيل الأربعة شيئاً محورياً في العالم المسيحي حتى أن إيريناوس يشير إليها (الأناجيل الأربعة) كحقيقة راسخة ومعروفة مثلها مثل الاتجاهات الأصلية الأربعة للبوصلة:

كما أن هناك أربعة اتجاهات للعالم الذي نعيش فيه، وأربعة رياح أرضية، ولما كانت الكنيسة قد انتشرت على وجه كل الأرض، ولما كان الإنجيل هو عماد وأساس الكنيسة وهو نسمة الحياة، فمن الطبيعي أن يكون ذا أربعة أعمدة، آتياً بنسيم الخلود من كل جهة ومنعشاً حياة الإنسان من جديد. فمن ثم يتبين أن الكلمة، مبدع كل الأشياء والجالس فوق الكاروبيم والممسك بكل الأشياء معاً، إذ ظهر للبشر، أعطانا أربعة أناجيل ولكن يجمعها الروح الواحد.

 

لقد نشر متى إنجيله بين العبرانيين (أي اليهود) بلغتهم، بينما كان بطرس وبولس يبشران بالإنجيل في روما حيث أسسا الكنيسة هناك، وبعد انتقالهما (أي موتهما، الذي يشير التقليد أنه كان في وقت اضطهاد نيرون عام 64م)، سلَّم مرقس تلميذ بطرس والشارح لأقواله، بنفسه لنا كتاباته لفحوى بشارة بطرس. أما لوقا تلميذ بولس، فقد دون بشارة معلِّمه. ثم يوحنا، تلميذ الرب، والذي اتكأ على صدره أيضاً (إشارة إلى يوحنا 13: 25 و21: 20)، فقد كتب إنجيله عندما كان يعيش في أفسس بآسيا. Irenaus, AH)).

 

ويستخدم أكليمندس الروماني (حوالي 95م) الكتاب المقدس باعتباره مصدراً أصلياً موثوقاً.

 

أغناطيوس (70-110م): كان أسقفاً لأنطاكية واستشهد بسبب إيمانه بالمسيح. كان يعرف الرسل جميعاً وكان تلميذاً لبوليكاربوس الذي كان تلميذاً للرسول يوحنا.[2]

 

ويقول إلجين موير في كتاب شخصيات التاريخ الكنسي إن أغناطيوس نفسه قال:

إنني أفضل الموت من أجل المسيح على أن أحكم الأرض كلها. اتركوني للوحوش حتى يكون لي شركة مع الله. وقيل إنه ألقي للوحوش الضارية في الكولوسيوم بروما. وكتب رسالته في أثناء رحلته من أنطاكية إلى المكان الذي استشهد به.[3]

 

وقد صدَّق أغناطيوس على الكتاب المقدس من خلال الطريقة التي أسس إيمانه بها على صحة الكتاب المقدس. وقد كان له الكثير من الكتابات والشهادات التي تؤيد موثوقية الكتاب المقدس.

 

بوليكاربوس (70-156م): كان تلميذاً ليوحنا وسلَّم نفسه للاستشهاد عن عمر يناهز الثمانية والستين عاماً بسبب إخلاصه الشديد للمسيح وللكتاب المقدس. وقد برهن موته على ثقته في صحة الكتاب المقدس. حوالي سنة 155 ، أثناء حكم أنطونيوس بيوس، عندما كان الاضطهاد دائراً في سميرنا حيث استشهد العديد من رفقائه، أفرز كقائد للكنيسة وعِّين للاستشهاد. وعندما طُلب منه إنكار الإيمان ومن ثم النجاة من الموت، قال كلماته الشهيرة: ثمانية وستون عاماً خدمته ولم أر منه شراً. فكيف أتكلم بالشر على ملكي الذي خلصني؟ فأحرق ومات موت الشهداء الأبطال من أجل إيمانه.[4] ومن المؤكد أن بوليكاربوس كانت له صلات كثيرة لتحري الحقيقة.

 

تاتيان (حوالي 170م): قام بترتيب النصوص المقدسة ليؤلف بذلك أول توافق للأناجيل وهو ما يسمي الدياطسرون.



[1] جوش ماكدويل، برهان جديد يتطلب قرار.

[2] Liplady, Thomas. The Influence of the Bible., 209

[3] Moyer, Elgin S. Who Was Who in Church History, rev. ed. Chicago: Moody Press, 1968., 209

[4] Moyer, Elgin S. Who Was Who in Church History, rev. ed. Chicago: Moody Press, 1968., 337


لماذا يوجد اختلاف في أسفار العهد القديم بين الكنائس البروتستانتية والكنائس التقليدية؟

 


 

كم عدد أسفار العهد القديم؟[1]

 

قد يبدو هذا السؤال للوهلة الأولى وكأنه مجرد سؤال بسيط في مسابقات المعلومات العامة الكنسية. لكن في الحقيقة، يمكن أن تختلف الإجابة اعتمادًا على نسخة الكتاب المقدس التي تقرأها. فالعهد القديم العبري يضم 22 أو 24 سفرًا، بينما يحتوي العهد القديم في كتابك المقدس في الغالب على 39 سفرًا، وتضم الكنائس الكاثوليكية الرومانية 46 سفرًا، في حين تحوي كتب الكنائس الأرثوذكسية الشرقية والروسية عددًا أكبر من ذلك. وأجد أن هذا التباين غالبًا ما يُثار في الحوارات مع الملحدين والمسلمين حول موثوقية العهد القديم.

 

لماذا هذا الاختلاف؟ إذا كنت تصدق القنوات التشكيكية على يوتيوب، فالأمر برمته يعود إلى صفقات سرية خفية، مثل مجمع جامنيا اليهودي في عام 90 ميلادية، أو الدورة الرابعة لمجمع ترنت الكاثوليكي (أبريل 1546). حيث قرر المنفذون ما يُدرج وما يُستبعد بناءً على السياسة -كما نفترض-.

 

إنهم يصورون الأمر وكأنه مؤامرة كبرى. ولكن هل الكتاب المقدس خاضع للأهواء بالفعل كما يبدو من هذا الطرح؟ سأدعك تتخذ قرارك بنفسك في هذا الشأن، وقبل أن تفعل، دعنا نتمهل ونلقي نظرة عن كثب على قصة كيفية وصولنا إلى الأسفار القانونية للعهد القديم.

 

القانون

 

الكلمة المفتاحية هنا هي "قانوني". وتأتي كلمة قانون (Canon) من أصل عبري يعني "قصبة" (ومنها جاءت الكلمة الإنجليزية cane). كان الناس يستخدمون القصب كعصي قياس في ذلك الوقت، وهذه هي الفكرة وراء القانون: إنه معيار، وقائمة مرجعية رسمية تضم جميع أسفار الكتاب المقدس، لتحفظ كنائسنا في الطريق القويم.

 

قبل اختراع الكتب المجلدة بالجلد، كان كل جزء من العهد القديم يدون على درج/لفافة (Scroll) منفصل. فكيف تتأكد حينئذ من أنك قرأت جميع الأسفار الإلهية؟ بدأ الناس في وضع قوائم: التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، التثنية، وهلم جرا. وبحلول القرن الرابع الميلادي، أُطلق على هذه القوائم اسم "القانون": وهو خطة قراءة للأسفار ذات السلطان الإلهي لتراجعها سفرًا سفرًا.

 

لكن هُنا يُطرح السؤال الكبير نفسه: هل الأشخاص الذين وضعوا هذه القوائم هم من قرروا أي الأسفار تُعد أسفارًا إلهية، أم أنهم كانوا مجرد معترفين بالأسفار التي كانت تُعتبر بالفعل أسفارًا ذات سلطان إلهي؟

 

فكر في الأمر على طريقة روايات هاري بوتر. لنفترض أنني أردت تحديث صفحة ويكيبيديا التي تسرد جميع روايات هاري بوتر الرسمية لـ ج. ك. رولينج. تضم الصفحة حاليًا سبعة كتب، من "حجر الفيلسوف" إلى "مقدسات الموت". أُنشئت النسخة الأولى من الصفحة في 8 أكتوبر 2001 بواسطة مستخدم على ويكيبيديا يُدعى "Belltower". فهل اختار "Belltower" الأسفار التي تستحق أن تُدرج في قائمة قانون هاري بوتر الرسمي؟

 

بالطبع لا. فلم تصبح روايات هاري بوتر روايات لهاري بوتر فجأة عندما وضع "Belltower" القائمة. بل إن مكانتها وسلطانها ينبعان من كونها كُتبت بواسطة ج. ك. رولينج، وكون قصتها جزءًا من عالم هاري بوتر.

 

بالتأكيد هناك بعض الفروق بين الأسفار الإلهية وروايات هاري بوتر، ولكن هذا يوضح أمرًا مهمًا حول كيفية عمل القوائم القانونية. سفر ارميا، على سبيل المثال، لم يكتسب سلطانه الإلهي عندما وضعه أحد المجامع في القائمة. بل كان ذو سلطان إلهي منذ البداية، لأن الله دعا ارميا وأقامه نبيًا للشعوب: "قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ، وَقَبْلَمَا خَرَجْتَ مِنَ الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ. جَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلشُّعُوبِ" (ارميا 1: 5). أما مسألة إدراكنا لهذا السلطان من عدمه فهذا أمر يعود إلينا. (وكما حدث، قرر الملك يهوياقيم أنه لا يحب ما كان لدى ارميا ليقوله وأحرق النسخة الأصلية من السفر -لكن ذلك لم يمنع تحذير ارميا من سقوط أورشليم من أن يتحقق!)

 

إن المجتمعين في مجمع جامنيا لم يظنوا قط أنهم يجعلون الكتب أسفارًا إلهية. بل كان النقاش يدور حول ما إذا كان ينبغي الاعتراف بسفرين، وهما الجامعة وسفر نشيد الأنشاد، كقانونيين بنفس طريقة سفر التكوين أو سفر ارميا. وحقيقة أنهم كانوا يناقشون هذا السؤال تؤكد أنهم كانوا يعترفون بالفعل بمجموعة محددة من الأسفار الإلهية، والتي ميزوها عن المواد التعبدية الأخرى.

 

الشريعة والأنبياء والكتب

 

ما هي الأسفار التي اعتبرها يهود القرن الأول، بمن فيهم يسوع، أسفارًا إلهية؟ لدينا أدلة جيدة من نهاية القرن الأول على وجود قانون يتكون من 22 سفرًا. يتحدث المؤرخ اليهودي يوسيفوس عن 22 سفرًا، ويذكر أنها كانت استقرت منذ عصر عزرا (Against Apion، حوالي عام 100 ميلادية). وهو يفترض أن الجميع يعرفون الأسفار التي يقصدها، وللأسف بالنسبة لنا، فهو لا يذكر أسماءها. بل يكتفي بذكر أنها تتكون من:

 

 خمسة أسفار لموسى،

 وثلاثة عشر سفرًا للأنبياء،

 وأربعة أسفار "تضم تسابيح لله وإرشادات لسلوك الحياة البشرية".

 

وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن هذه المجموعات الثلاث من الأسفار -الشريعة والأنبياء والكتب- تستمر في الظهور بشكليها المتنوعين، بالعودة إلى زمن مبكر يعود لعام 132 قبل الميلاد في مقدمة لترجمة سفر يشوع بن سيراخ.

 

ويسوع نفسه يشير إلى المجموعات الثلاث من الأسفار في لوقا 24: 44 باسم الشريعة والأنبياء والمزامير ("المزامير" تشير هنا على الأرجح إلى مجموعة "الكتب" ككل). لذلك عندما يتحدث كُتَّاب العهد الجديد عن "الأسفار" فهم يعنون مجموعة ذات سلطان إلهي من الكتب، مقسمة إلى شريعة موسى، والأنبياء، والكتب، وكانت هذه الأسفار مقبولة ومستقرة بالفعل.

 

كيف نعرف أن هذه الأسفار هي نفسها الأسفار الموجودة في عهدنا القديم؟ الموجه الجيد هو النظر في الأسفار المقتبسة في العهد الجديد. سفر التكوين؟ نعم. سفر الخروج؟ بكل تأكيد. سفر اللاويين؟ بكثرة. علاوة على ذلك، نحن لا نتحدث هنا عن اقتباسات من نوعية "إليك فكرة لطيفة"، بل نتحدث عن "هذا النص من الأسفار الإلهية فافعل ما يقوله". يقول يسوع: "اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ" (متى 4: 10)، مقتبسًا من سفر التثنية. وبصرف النظر عن حفنة من الأسفار التي لم تُقتبس بهذه الطريقة (بما في ذلك عزرا، ونحميا، ونشيد الأنشاد، وأستير، والجامعة)، يمكننا أن نكون على ثقة تامة بأن الغالبية العظمى من أسفار العهد القديم كانت مقبولة كـأسفار إلهية من قِبل يسوع وكُتَّاب العهد الجديد. في المقابل، فإن النصوص اليهودية المعاصرة الأخرى لم تُقتبس قط بهذه الطريقة (باستثناء ربما سفر أخنوخ الأول وصعود موسى اللذين يظهران بشكل عابر في رسالة يهوذا، لكنهما لا يُقتبسان باعتبارهما أسفارًا ذات سلطان إلهي).

 

القوائم المختلفة

 

لماذا إذن تحتوي كتبنا المقدسة المختلفة على أعداد مختلفة من الأسفار؟

 

يرجع جزء من ذلك إلى طريقة الترقيم فحسب. ففي اللغة الإنجليزية تُحسب أسفار الأنبياء الصغار كمجموعة من اثني عشر سفرًا منفصلاً، بينما تُحسب في الكتاب المقدس العبري كسفر واحد مقسم إلى اثني عشر جزءًا. وبالمثل، فإن سفري الملوك الأول والثاني، وعزرا-نحميا، وسفري أخبار الأيام الأول والثاني هي أسفار فردية في العبرية ولكنها مقسمة إلى سفرين في النسخ الإنجليزية. بالإضافة إلى ذلك، يضم سفر راعوث أحيانًا إلى سفر القضاة، وتلحق المراثي بنهاية سفر ارميا. كل هذا يرفع المجموع في الكتاب المقدس الإنجليزي من 22 إلى 39: فهي نفس الأسفار، ولكن تم عدها بطريقة مختلفة.

 

أما الكتاب المقدس الكاثوليكي فأمره أكثر تعقيدًا قليلًا. فهو يتضمن اثني عشر سفرًا إضافيًا ليست موجودة في الكتاب المقدس العبري أو الإنجليزي. وهذه النصوص هي نصوص يونانية تُسمى "الأسفار القانونية الثانية" (Deuterocanonical) أو "أبوكريفا العهد القديم" (Old Testament Apocrypha). وهي تأتي من فترة أحدث من العهد القديم، ولذلك كُتبت باليونانية، وليس بالعبرية أو الآرامية مثل أسفار العهد القديم الأصلية (وهو سبب واضح لعدم وجودها في الكتاب المقدس العبري).

 

وعلى عكس أسفار العهد الجديد الأبوكريفية (والتي هي في الأساس كتابات خيالية ذات جودة مشكوك فيها)، فإن بعض هذه النصوص الإضافية للعهد القديم مفيدة ومثيرة للاهتمام حقًا. لكن اليهود لم يعتبروها قط أسفارًا إلهية، ولم يتعامل معها كُتَّاب العهد الجديد قط كـأسفار إلهية.

 

ماذا يوجد فيها؟ قلة منها هي أعمال تاريخية تغطي الأحداث التي تلت نهاية العهد القديم، مثل سفري المكابيين الأول والثاني. وهي مصادر مفيدة لفهم ما حدث بين زمن نحميا وزمن يسوع. وهناك أعمال أخرى مثل سفر يهوديت وقصة بيل والتنين وهي تشبه إلى حد ما ما قد تجده في قسم أدب الشباب في مكتبة Koorong -أعمال خيالية صُممت للإلهام ولتعليم القيم الصالحة. ثم هناك بعض النبوءات والنصوص الحكمية الجانبية المضافة للتدعيم.

 

وفي حين أن هذه النصوص اليونانية لم تكن تُعتبر أسفارًا إلهية في زمن يسوع، إلا أنها كُتبت أحيانًا في الملحق الخلفي لنسخ الترجمة السبعينية (الترجمة اليونانية للعهد القديم). وعندما ترجم المسيحيون في الغرب الترجمة السبعينية إلى اللاتينية، أدرجوا بعضًا من هذه النصوص التعبدية، ومع ذلك، فإن جيروم، الذي ترجم الكتاب المقدس إلى اللاتينية للكنيسة الكاثوليكية، كان يعلم أنها ليست أسفارًا إلهية وميزها بوضوح باعتبارها مثيرة للاهتمام ولكنها ليست ذات سلطان إلهي. ورغم ذلك، اعتاد الناس على رؤيتها هناك، وتطورت الأمور شيئًا فشيئًا حتى أُدرجت بحلول مجمع ترنت في القائمة الرسمية للأسفار الإلهية لدى الكنيسة الكاثوليكية.

 

خلاصة القول: القصة أكثر تعقيدًا مما تصوره مقاطع الفيديو التشكيكية على يوتيوب. بالتأكيد، كانت المجامع البشرية مشاركة تمامًا في وضع القوائم الرسمية، وتختلف هذه القوائم بالفعل بطرق لافتة بين المجتمعات اليهودية، والبروتستانتية، والكاثوليكية، والأرثوذكسية. ومع ذلك، يمكننا أيضًا أن نكون على ثقة عالية بأننا نعرف ما كان يعنيه يسوع وأتباعه عندما تحدثوا عن "الأسفار". وما اعترفوا به كـأسفار ذات سلطان إلهي هو نفس كلمة الله الحية والفاعلة التي تواجهنا في كتابنا المقدس اليوم.



[1] Andrew Judd, “Why Do Different Bibles Include Different Books in the Old Testament?”, The Gospel Coalition Australia, April 29, 2020.

Available at: https://au.thegospelcoalition.org/article/why-do-different-bibles-include-different-books-in-the-old-testament