الأحد، 6 سبتمبر 2026

السخرية الإسلامية من المسيحية: إن كان يسوع هو الله، فلماذا كان يصلي لله؟

 



السخرية الإسلامية من المسيحية: إن كان يسوع هو الله، فلماذا كان يصلي لله؟[1]

 

السؤال يفترض أن الآب والابن هما الشخص نفسه

 

يفترض الاعتراض أن: "إن كان يسوع هو الله، فلماذا كان يصلي لله؟" يفترض السؤال أن المسيحية تُعلّم بأن يسوع هو الآب. المسيحية الكتابية لا تُعلّم بذلك. فالآب هو الله، والابن هو الله، والروح القدس هو الله، ولكن الابن ليس هو الآب. لذلك، فإن صلاة يسوع للآب لا تُشكِّل مشكلة للعقيدة المسيحية. بل هي بالضبط ما تقول به العقيدة. فالابن المتجسد، عاش كإنسان كامل، وصلى إلى أبيه بطاعة واعتمد عليه وبحب وأمانة العهد.

إن حياة الصلاة ليسوع تدحض خطأين في وقت واحد. فهي تدحض الادعاء بأن يسوع ليس سوى الآب يرتدي قناعًا، لأنه يتحدث بصدق إلى الآب. كما تدحض الادعاء بأن يسوع مجرد نبي، لأن صلواته تحدث ضمن بنوة أزلية فريدة لا يشاركها فيه أي نبي. يُسجِّل (إنجيل يوحنا 17: 5) قول يسوع: «وَالآنَ فَجَّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ.» لا يستطيع أي نبي عادي أن يصلي بهذه الصلاة. يسوع يصلي باعتباره الابن الذي شارك المجد الإلهي مع الآب قبل الخلقة.

 

صلى يسوع لأنه كان إنسانًا بحق

 

صار الابن إنسانًا. هذا يعني أنه عاش حياة بشرية حقيقية أمام يهوه. لم يتظاهر بأنه إنسان. لقد نما، وتعلم، وأطاع، وتألم، وقاوم التجربة، وصلى. يقول (إنجيل لوقا 2: 52): «وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ، عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ.» ويقول (رسالة العبرانيين 5: 7): «الَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طِلْبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ». تشير عبارة "في أيام جسده" إلى حياته البشرية المتجسدة. والصلاة تنتمي بطبيعتها إلى تلك الحياة.

لو لم يصلِّ يسوع، لاتهَمَ الناقدون للمسيحية بإنكار إنسانيته. ولأنه صلى، يتهم الناقدون المسيحية بإنكار ألوهيته. الكتاب المقدس يُعلّم بكليهما. يسوع إنسان بحق، لذلك فهو يصلي. يسوع إله بحق، لذلك تتضمن صلواته ادعاءات لا يستطيع أي إنسان مجرد أن يدعيها. الإقرار بأن يسوع هو الله بحق في الجسد يتطلب كلا الحقين. يقول (إنجيل يوحنا 1: 14): «وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا». ويقول (رسالة كولوسي 2: 9): «فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا.» الصلاة لا تلغي أيًا من هاتين العبارتين.

 

الصلاة تُعبِّر عن علاقة، لا عن تدني في جوهر الطبيعة

 

إن حديث الابن مع أبيه لا يثبت أن له طبيعة مختلفة عن أبيه. التشبيهات البشرية محدودة، لكن هذه النقطة بسيطة. التواصل يظهر العلاقة، ولا يثبت تلقائيًا تدني في الجوهر. في إنجيل يوحنا، يتحدث يسوع إلى الآب باعتباره الابن المتمايز عنه. يُسجِّل (إنجيل يوحنا 11: 41-42) صلاة يسوع قبل إقامة لعازر، حيث شكر الآب لأنه سمعه وقال إنه تحدث من أجل الجمع، لكي يؤمنوا أن الآب أرسله. تكشف الصلاة عن إرسالية الآب للابن علنًا.

يُسجِّل (إنجيل يوحنا 10: 30) قول يسوع: «أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ.» فهم خصومه هذا الادعاء على أنه تجديف لأنه، بحسب كلماتهم في (إنجيل يوحنا 10: 33): «وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلهًا». ومع ذلك، يسجل الإنجيل نفسه صلاة يسوع. لذلك، لا يرى يوحنا أي تناقض بين ألوهية يسوع وصلاة يسوع. التناقض موجود فقط في الاعتراض، وليس في النص الكتابي.

 

صلوات يسوع تُعبِّر عن إرساليته الخلاصية

 

جاء يسوع باعتباره المسيح المطيع. تظهر صلواته طاعته ضمن تلك الإرسالية. في (إنجيل متى 26: 39)، في جثسيماني، صلى يسوع: «يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ.» هذا لا يعني أن طبيعته الإلهية قاومت الآب. بل يظهر ألم إنسانية الابن المتجسد الحقيقي وهو يواجه هول حمل الخطية والخزي والموت. كانت طاعته حقيقية وليست تمثيلًا. تطبق (رسالة العبرانيين 10: 9) لغة الطاعة على المسيح: « هَنَذَا أَجِيءُ لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا اَللهُ».

لم يكن الصليب حادثًا عرضيًا. لقد خضع يسوع طواعية لمشيئة الآب. يقول (إنجيل يوحنا 6: 38): «لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي.» النزول من السماء يظهر الوجود الأزلي. وعمل مشيئة الآب يظهر الإرسالية. طاعة الابن لا تجعله مخلوقًا، بل تحدده كابن مُرسَل يحقق الفداء.

 

صلاة يسوع في يوحنا 17 تكشف ألوهيته

 

إنجيل يوحنا 17 هو واحد من أقوى الإجابات على الاعتراض. يرفع يسوع عينيه نحو السماء ويقول: «يَا أَبَتَاهُ، قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ. مجد ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ أَيْضًا». إنه يتحدث باعتباره الابن المتمايز عن الآب. ويقول أيضًا في (إنجيل يوحنا 17: 2) إن الآب أعطاه سلطانًا على كل جسد، ليعطي حياة أبدية لكل من أعطاه. لا يملك أي نبي مجرد سلطانًا على كل جسد أو يعطي حياة أبدية. يحدد (إنجيل يوحنا 17: 3) الحياة الأبدية بأنها معرفة الإله الحقيقي وحده ويسوع المسيح الذي أرسله. الابن المُرسَل ليس مستبعدًا من الهوية الإلهية؛ بل هو المعلن والمعطي المانح للحياة.

ثم يجعل (إنجيل يوحنا 17: 5) الأمر لا يدع مجالًا للشك. يطلب يسوع من الآب أن يمجده بالمجد الذي كان له مع الآب قبل كون العالم. يقول يهوه في (سفر إشياء 42: 8): «مَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لآخَرَ». ومع ذلك يتحدث يسوع عن مجد مشارَك مع الآب قبل الخلقة. القراءة الأمينة الوحيدة هي أن الابن يشارك المجد الإلهي، ليس كإله منافس، بل كابن أزلي في شركة مع الآب. صلاته تثبت التمايز والألوهية معًا.

 

صلى يسوع باعتباره الوسيط

 

تقول (رسالة تيموثاوس الأولى 2: 5) إن هناك إلهًا واحدًا ووسيطًا واحدًا بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح. الوسيط يقف بين طرفين. يستطيع يسوع أن يتوسط لأنه إنسان بحق وإله بحق. كإنسان، فهو يمثلنا. وكابن إلهي، فهو يصالحنا مع الله. تنتمي صلواته إلى عمله الوسائطي. تقول (رسالة العبرانيين 7: 25) إنه قادر أن يخلص أيضًا إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله، إذ هو حي في كل حين ليشفع فيهم.

هذه الشفاعة ليست صلاة إله أقل يتوسل لإله أعظم. إنها العمل الكهنوتي للمسيح القائم. تقول (رسالة العبرانيين 4: 15) إنه ليس لنا رئيس كهنة غير قادر أن يرثي لضعفاتنا، بل مجرب في كل شيء مثلنا، بلا خطية. تظهر صلواته خلال حياته الأرضية وشفاعته المستمرة صلاحيته كوسيط. لو لم يصلِّ يسوع، لكان دوره كإنسان مطيع وكاهن غير مكتمل.

 

الآب أرسل الابن دون أن يجعل الابن مخلوقًا

 

غالبًا ما تفترض الاعتراضات الإسلامية أنّ أَن تكون مُرسَلًا يعني أَن تكون أدنى في الطبيعة. الكتاب المقدس لا يدعم هذا الافتراض. يسجل (إنجيل يوحنا 20: 21) قول يسوع لللاميذ: «كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا.» أُرسِل التلاميذ من قِبَل يسوع، لكنهم ظلوا بشرًا مثل باقي البشر. الإرسال يصف الإرسالية، لا الجوهر. أرسل الآب الابن؛ ولم يصبح الابن مخلوقًا بإرساله. تقول (رسالة غلاطية 4: 4) إن الله أرسل ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس. لقد كان ابنًا قبل أن يُرسَل.

يسجل (إنجيل يوحنا 8: 42) قول يسوع: «لأَنِّي خَرَجْتُ مِنْ قِبَلِ اللهِ وَأَتَيْتُ. لأَنِّي لَمْ آتِ مِنْ نَفْسِي، بَلْ ذَاكَ أَرْسَلَنِي.» ويقول (إنجيل يوحنا 16: 28): «خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ، وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَيْضًا أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْهَبُ إِلَى الآبِ.» هذه الحركة من الآب إلى العالم والعودة إلى الآب تكشف عن الوجود الأزلي. الصلاة تحدث ضمن تلك الإرسالية. الابن الذي جاء من الآب يتحدث إلى الآب وهو يتمم العمل الموكل إليه.

 

اعتماد يسوع في حياته البشرية كان طوعيًا

 

تقول (رسالة فيلبي 2: 6-8) إن المسيح إذ كان في صورة الله، وضع نفسه آخذًا صورة عبد، وصار مطيعًا حتى الموت. كانت حالته المتواضعة طوعية. لم يتوقف عن كونه الإله. لقد قَبِل قيود والتزامات الحياة البشرية الحقيقية. عاش في طاعة كاملة، واعتمد على الله، وصلى بتقوى حقيقية. اعتماده كإنسان لا يناقض ألوهيته؛ بل يظهر حقيقة تجسده.

يظهر (إنجيل متى 4: 4) يسوع وهو يجيب الشيطان من سفر التثنية: «لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ.» قاوم يسوع التجربة كإنسان مطيع، مستخدمًا المكتوب. لم يكن بحاجة إلى طرق مختصرة صوفية خاصة. لقد كرم الأسفار المقدسة الموحى بها من الروح القدس. حياة صلاته تتطابق مع نفس نمط الطاعة البشرية الأمينة.

 

صلوات يسوع تدحض المودالية،[2] لا الثالوث

 

إذا كان أحدهم يُعلّم بأن يسوع هو الآب، فإن صلوات يسوع تصبح مربكة. لكن هذه ليست المسيحية الكتابية. صلوات يسوع تدحض المودالية (Modalism)، وهي الفكرة القائلة بأن الله واحد بشكل صنمي يظهر في أنماط مختلفة. في يوحنا 17، يسوع لا يتحدث إلى نفسه. في (إنجيل متى 3: 16-17)، الابن يُعمِّد، والروح ينزل، والآب يتكلم من السماء. هذه تمايزات أقنومية حقيقية. عقيدة الثالوث تفسر هذه النصوص.

في الوقت نفسه، لا تدعم صلوات يسوع الفكرة القائلة بأنه مجرد مخلوق. يسوع نفسه الذي يصلي هو أيضًا يغفر الخطايا، ويقبل العبادة، ويطالب بمجد أزلي، ويحدد نفسه كمعطي الحياة الأبدية، ويعلن وحدته مع الآب. القراءة الانتقائية تخلق إرباكًا. الشهادة الكتابية الكاملة تعطي وضوحًا: يسوع يصلي لأنه الابن المتجسد، وليس لأنه أقل من الله.

 

الجواب المسيحي أقوى من الاعتراض

 

يعامل الاعتراض الصلاة كدليل على أن يسوع لا يمكن أن يكون الله. يعامل الكتاب المقدس صلوات يسوع كجزء من الإعلان عن هويته. هو الابن الذي يتحدث إلى الآب. وهو الإنسان الذي يطيع بشكل كامل. وهو الوسيط الذي يشفع لشعبه. وهو الابن الإلهي الذي كان له مجد مع الآب قبل كون العالم. هذه الحقائق لا تتنافس. بل تتحد في شخص المسيح.

لذلك، فإن الجواب واضح. صلى يسوع لله الآب لأنه ليس هو الآب، ولأنه صار إنسانًا بحق، ولأنه عاش في طاعة كاملة، ولأنه تمم دور الوسيط، ولأن إرساليته تضمنت شركة حقيقية مع الآب. صلواته لا تنفي ألوهيته. بل تكشف عن العلاقة بين الآب والابن في قلب الإيمان الكتابي.

 

اقرأ أيضًا:

 شرح: يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ»

https://ikonomiaa.blogspot.com/2023/09/blog-post_9.html


 شرح صلاة المسيح: إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس

https://ikonomiaa.blogspot.com/2021/05/blog-post_90.html


صلاة المسيح، لماذا؟ في تعليم آباء الكنيسة

https://ikonomiaa.blogspot.com/2021/05/blog-post_10.html


لماذا كان يصلي المسيح بينما هو الله؟!

https://ikonomiaa.blogspot.com/2026/09/blog-post.html



[1] Andrews, E. D. (2026, May 31). Islam mocks Christianity: If Jesus is God, why was He praying to God? Updated American Standard Version. https://uasvbible.org/2026/05/31/islam-mocks-christianity-if-jesus-is-god-why-was-he-praying-to-god/

عن الكاتب: إدوارد د. أندروز (Edward D. Andrews) (حاصل على درجة الزمالة في العدالة الجنائية، وبكالوريوس في الدين، وماجستير في الدراسات الكتابية، وماجستير في اللاهوت) هو الرئيس التنفيذي ورئيس دار النشر المسيحية (Christian Publishing House). ألف أكثر من 220+ كتابًا. بالإضافة إلى ذلك، أندروز هو المترجم الرئيسي للترجمة الأمريكية القياسية المحدثة (UASV).

[2] المودالية (Modalism) هي اعتقاد بأن الله شخص واحد، لكنه يظهر في ثلاثة "أدوار" أو "أوضاع" متعاقبة: كان أبًا في العهد القديم، ثم ابنًا (يسوع) في العهد الجديد، ثم الروح القدس بعد الصعود. ببساطة: مثل ممثل يغير أقنعته على المسرح، فالله ليس ثلاثة أقانيم في وقت واحد، بل شخص واحد يتقمص أدوارًا مختلفة في أوقات مختلفة.


ليست هناك تعليقات: