لاهوت إغناطيوس الأنطاكي[1]
يُشكّل إدراك إغناطيوس لذاته كشهيد نقطة
الانطلاق الأكثر نفعًا لتقدير فكره. ويمكن النظر إلى خبرته في هذا الصدد
باعتبارها صورة مُعَزَّزة لخبرة كافة المسيحيين (Ign. Eph. 10)،
كما يمكن اعتبار الصعوبات الخاصة التي واجهها امتدادًا للصعوبات التي يجابهها كل
أسقف (Pol. 1–5). وكان من بين هذه الصعوبات المقاومة الصادرة عن شعب الأسقف نفسه،
وفي حالة إغناطيوس الخاصة، الشعور بعدم الاستحقاق المحتمل. ويبدو أن هناك ما هو
أكثر من مجرد التقليل التقليدي من شأن الذات في الشكوك التي يعبر عنها إغناطيوس
بشأن حالته الروحية؛ إذ ربما يكون القبض عليه قد عجّل بهذه الأزمة. ولكن ثمة
إمكانية قوية أيضًا بأن يكون قد اهتز بسبب تحدٍّ لسلطانه في أنطاكيا. وتعتمد هذه
الإمكانية على أخذ "الصلح" الذي استُرد في أنطاكيا وأُبلغ به إغناطيوس
بواسطة الرسولين فور وصولهما إلى ترواس (Phld. 10.1; Smyrn. 11.2; Pol. 7.1)
لا كاستتباب للأمن وتوقف للاضطهاد في أنطاكيا، بل كاستسلام من أولئك الذين كانوا
يقاومون أسقفهم سابقًا (Harrison
1936: 79–106). وعلى أي حال، فإن إغناطيوس يمتلئ
بالامتنان للذين ينظرون إلى ما هو أبعد من قيوده وعدم استحقاقه الظاهري الذي ترمز
إليه هذه القيود (Smyrn.
10.2; Pol. 2.3)؛ ويبدو من المنصِف الاقتراح بأن دعوته
المستمرة للوحدة في الكنائس والطاعة للأسقف كانت في الوقت نفسه دعوة للاعتراف
والدعم وبحثًا عن إقرار باستحقاقه الخاص (Schoedel 1985: 10–14).
وبالتأكيد، فإن مستوى النشاط المبذول من حيث الرسائل المكتوبة، والرسل المرسَلين،
والمتلقين المجمعين (أو الذين سيُجمعون بعد في أنطاكيا) هو أمر استثنائي ويشير إلى
أن الأمر ينطوي على ما هو أكثر من مجرد تدفق تلقائي للتعاطف مع مسيحي زميل
مضطَهَد.
ويربط إغناطيوس بين إدراكه لذاته كشهيد
ولاهوته عند نقطة حاسمة واحدة: فهو يتساءل كيف يمكن لموته الوشيك أن يحمل أي
معنى إذا لم يكن الرب قد مات حقًا (Trall. 10; Smyrn. 4.2). وتُعد الموضوعات المناهضة للظاهراتية (الدوسيتية)
شائعة عند إغناطيوس وتتركز بوجه خاص في الرسائل إلى تراليس وإزمير. ومن المُرجَّح
أن إغناطيوس يرد أيضًا على شكل تهويدي متميز من المسيحية في رسائله إلى مغنيسية
وفيلادلفيا (Magn.
8–10; Phld. 5–9). غير أن من اللافت أنه يميل إلى التعامل مع
هذا الفكر باستعمال مصطلحات مستقاة من سجاله مع الظاهراتية (Magn. 9.1; 11).
وأي تهديد لسلطان الأسقف يُقاوَم بطبيعة الحال من قبل إغناطيوس. ولكن على مستوى
أعمق، فهو يشعر بوجود صلة بين حقيقة التجسد وآلام الرب (وكذلك حضوره في
عناصر المائدة المقدسة) والالتزام الأصيل بأعمال الإيمان والمحبة الملموسة (Smyrn. 6.2–8.2)؛
وتلك المحبة وهذا الإيمان، كما يراهما إغناطيوس، لا يوجدَان إلا في جماعة متحدة
تحت أسقفها، وليس في اجتماع نخبوي مغلق.
وتتضمن نتائج تأكيد
إغناطيوس على التجسُّد تنحية عقيدة الخلق إلى هامش فكره، وتخفيف الموضوعات
الإسخاتولوجية (الأُخروية)، والانشغال بالجماعة العابدة باعتبارها مجال التأثير
الإلهي في العالم. ومن المميز أنه عندما يوجِّه إغناطيوس
انتباهه إلى الكون، فإنه يفعل ذلك ليصف الأحداث الغامضة التي أحاطت بدخول
المسيح إلى العالم وخروجه منه (Eph. 19). ومن الناحية العقائدية، يستبق إغناطيوس
اللاهوت الأرثوذكسي في رؤية التجسد كاتحاد مفارقي للجسد والروح في الإله-الإنسـان
(Eph. 7. 2; Smyrn. 3.2). وهذا بدوره يفترض ضمنًا تعريف الطبيعة الإلهية بأنها أزلية وغير
مُتغيِّرة بمصطلحات هيلينستية صريحة (Eph. 7. 2; Pol. 3.2). وقد يشير اقتران الله (والأساقفة) بالصمت
في مواضع أخرى عند إغناطيوس (Eph.
6. 1; 14.2–15. 2; 19. 1; Magn. 8.2; Phld. 1.1)
إلى أن تفكيره في التسامي الإلهي مدين بشيء ما للغنوسية أيضًا (Paulsen 1978: 110–22)؛ ولكن ربما يكون من المُرجَّح أن لغته هنا تحمل دلالة مجازية (Magn. 8.2)
وأنها تُمثِّل امتدادًا لإصراره على تفوق العمل الصامت على الكلمات الفارغة (Schoedel, 56–57, 76–78, 91, 170–71).
والملمح المهم في
تعليم إغناطيوس عن التجسد هو تعليمه بأن الجسد والروح يتكاملان ولا يتعارضان في
الإله-الإنسان. غير أن الجسد والروح في هذا السياق يشيران
إلى مجالين أو بُعدين؛ ومن اللافت أن إغناطيوس لا يصف المسيح فحسب، بل يصف
البشريّة المفداة أيضًا بدلالة التكامل بين هذين المجالين (Martin 1971).
وهكذا تصير الأمور الجسدية روحية عندما يقوم بها أولئك الذين هم روحيون (Eph. 8.2).
وهذا إعادة التفسير والعكس لصيغة العهد الجديد يفتح الطريق أمام موقف أكثر
انفتاحًا نحو أمور هذا العالم، وربما يكون له علاقة بالتقدير الأكبر الذي يظهره
إغناطيوس نفسه للثقافة الشعبية في المدينة اليونانية. وينبغي ملاحظة أنه عندما
يتحدث عن البغضة التي يظهرها "العالم" للمسيحيين (Rom. 3.3)،
فإنه يفكر بالمقام الأول في ممارسة السلطة الرومانية. أَمَّا الوثنيون المباشرون
في جوار المسيحيين، فينبغي التعامل معهم كـ "إخوة" (Eph. 10.2).[2]
[1] William
R. Schoedel, "Ignatius, Epistles of", The Anchor Yale Bible
Dictionary, ed. David Noel Freedman (New York: Doubleday, 1996). 3:385
Bibliography
Bartsch, H.-W. 1940. Gnostisches
Gut und Gemeindetradition bei Ignatius von Antiochien. Gütersloh.
Campenhausen, H. F. von. 1972.
“Das Bekenntnis im Urchristentum.” ZNW 63: 210–53.
Daniélou, J. 1964. The Theology of
Jewish Christianity. London and Philadelphia.
Hagedorn, D. 1973. Der
Hiobkommentar des Arianers Julian. Patristische Texte und Studien 14. Berlin.
Harrison, P. N. 1936. Polycarp’s
Two Epistles to the Philippians. Cambridge.
Joly, R. 1979. Le dossier d’Ignace
d’Antioche. Université libre de Bruxelles, Faculté de Philosophie et Lettres
69. Brussels.
Koester, H. 1957. Synoptische
Überlieferung bei den Apostolischen Vätern. TU 65. Berlin.
Köhler, W.-D. 1987. Die Rezeption
des Matthäusevangeliums in der Zeit vor Irenäus. WUNT, 2d ser. 24. Tübingen.
Lightfoot, J. B. 1889. The
Apostolic Fathers, Part 2: Ignatius, S. Polycarp. 2d ed. 3 vols. London.
Martin, J. P. 1971. “La
pneumatologia en Ignacio de Antioquia.” Sal 33: 379–454.
Maurer, C. 1949. Ignatius von
Antiochien und das Johannesevangelium. ATANT 18. Zurich.
Paulsen, H. 1978. Studien zur
Theologie des Ignatius von Antiochien. Forschungen zur Kirchen- und
Dogmengeschichte 29. Göttingen.
———. 1985. Die Briefe des Ignatius von Antiochia und der Brief des Polkarp von
Smyrna. 2d ed. HNT 18. Tübingen.
Perler, O. 1949. Das vierte
Makkabäerbuch, Ignatius von Antiochien und die ältesten Martyrerberichte.
RivArCr 25: 47–72.
Rathke, H. 1967. Ignatius von
Antiochien und die Paulusbriefe. TU 99. Berlin.
Schlier, H. 1929.
Religionsgeschichtliche Untersuchungen zu den Ignatiusbriefen. BZNW 8. Giessen.
Smith, J. D. 1985. The Ignatian
Long Recension and Christian Communities in Fourth Century Syrian Antioch.
Diss. Harvard.
Zahn, T. 1873. Ignatius von
Antiochien. Gotha
[2] إغناطيوس،
رسالة إلى أهل أفسس Ign. Eph.
إغناطيوس، رسالة إلى بوليكاربوس Pol.
إغناطيوس، رسالة إلى أهل فيلادلفيا Phld.
إغناطيوس، رسالة إلى أهل إزمير Smyrn.
إغناطيوس، رسالة إلى أهل تراليس Trall.
إغناطيوس، رسالة إلى أهل مغنيسية Magn.
إغناطيوس، رسالة إلى أهل أفسس Eph.
إغناطيوس، رسالة إلى أهل رومية Rom.
.webp)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق