السبت، 12 سبتمبر 2026

القبلة المقدسة - معنى القبلة في العالم القديم

 



التقبيل في العالم القديم[1]

 

رغم أن قُرَّاء العهد الجديد على دراية بممارسة «القبلة المقدسة» (رومية 16: 16؛ 1 كورنثوس 16: 20؛ 2 كورنثوس 13: 12؛ 1 تسالونيكي 5: 26) أو «قبلة المحبة» (1 بطرس 5: 14)، وقد يدرك الكثيرون أنها ممارسة ثقافية، إلا أنّ قلة منهم يفهمون الإطار الثقافي الذي جعل مثل هذا العرف مقبوولاً ومفهومًا.

في مرحلة لاحقة نوعًا ما، اتخذت «قبلة السلام» وظيفة ليتورجية في الخدَمات الكنسية.[2] ولأن الممارسة في شكلها الباكر لم تكن -على الأرجح- مقصورة على الجنس الواحد،[3] فقد تعرضت أحيانًا للإساءة، مما أثار إدانات للذين يقبّلون مرة ثانية؛[4] وفى النهاية قُيِّدت لتكون بين أبناء الجنس الواحد فقط.[5] وكانت هذه القيود مهمة ولا سيما في ظل الاتهامات الباطلة التي كانت تحاربها الكنيسة، مثل زنا المحارم.[6] ولكن قبل أن تُكيَّف إرشادات بولس للاستخدام الليتورجي، كانت تعكس استخدامًا ثقافيًا أوسع في التحيات بين الأقارب والأصدقاء.

 

1. الأقارب والأصدقاء

 

كان التقبيل يُقصد به عادةً التعبير عن المحبة؛ فاللفظة اليونانية phileō يمكن أن تعني "يقبّل" أو "يحب"، وتظهر أحيانًا كجناس لفظي يفيد المعنيين معًا.[7] وكان التقبيل تحية أسرية معتادة؛[8] وعليه، فإن النساء الرومانيات، على سبيل المثال، كنّ يُقَبِّلن أقاربهنّ.[9] وكان يُتوقع من الطفل أن يقبّل أمه[10] وأباه.[11] وبالمثل، كان الآباء يقبّلون أبناءهم.[12] وكان للمرء أن يقوم ليقَبِّل ابن عمّه أو خاله الذي حيَّاه.[13]

وكذلك أدرك اليهود أنه من الطبيعي أن يقبّل الأبُ ابنه الذي يحبه ويعانقه[14] أو أن يقبل الابن أباه.[15] وكان هذا التقبيل يمثل تحية طبيعية بين الأقارب الأصغر كالأطفال،[16] وبين الأخوات،[17] أو بين الاخت والأخ.[18] وكان يتوقع المرء مثل هذه المظاهر من العاطفة بالأكثر في الظروف الدرامية؛ فكان بإمكان المرء أن يقبّل قريبًا وصل للتو من أرض بعيدة، باكيًا من الفرح (تكوين 33: 4؛ طوبيا 7: 6–7) أو أي قريب آخر لم يره منذ فترة طويلة (خروج 4: 27؛ 18: 7). وبالمثل، كان بإمكان المرء أن يقبّل طفلاً (تكوين 31: 28، 55؛ طوبيا 10: 13) أو قريبًا آخر (راعوث 1: 9، 14؛ 1 ملوك 19: 20) على وشك الرحيل. وكان للأخت أن تعانق أخًا علمت بأنه سالِم، فتقع على عنقه وتقبّله.[19]

ولذلك، فإن تقبيل الأب لابنه في لوقا 15: 20 ليس أمرًا يدعو للعجب، إلا بسبب الظروف الاستثنائية التي تنطوي عليها هذه القبلة، بما في ذلك غفران الأب لسلوك الابن المارق اجتماعيًا للغاية. وكانت القبلة قد تُستخدم أيضًا كإقرار (مثل 1 صموئيل 10: 1) أو كترحيب بالعودة إلى الشركة (2 صموئيل 14: 33)، كما عندما يقبل يوحنا كاليماخوس التائب في أعمال يوحنا 78.

وكان تقبيل الأصدقاء ومعانقتهم عند التحية أمرًا طبيعيًا أيضًا؛ ومن ثم اعتقد الوثنيون أنه يرمز إلى فال حسن في الحلم.[20] وهكذا كانت القبلة بمثابة تحية حميمة لشخص مقرب؛[21] كما كان الأصدقاء اليهود يقبّلون بعضهم عند الفراق (1 صموئيل 20: 4؛ أعمال 20: 37) وعند التحية (2 صموئيل 15: 5؛ 19: 39؛ 20: 9).

 

 2. تحية احترام

 

علاوة على ذلك، كانت القُبلات تُستخدم كتحيات احترام لمن هو أعلى مكانة؛[22] وكانت قبلات التهاني تُقدَّم على العنق، أو اليدين، أو العينين، أو أجزاء أخرى من الجسد.[23] وفي إحدى القصص اليهودية، عندما قبّل إبراهيمُ يدَ الموت باحترام، مات.[24] وكان للمرء أن يقبّل من يسره؛ وهكذا يُقال إن الله قبّل بعض الإسرائيليين الذين خُتنوا.[25] ويذكر مصدر مماثل أن والد مريم قبّل يدها عندما ظن أن نبوءتها قد تحققت، مع أنه ضرب رأسها عندما استنتج لاحقًا خطأً أنها نبوءة كاذبة.[26] وكانت القبلة تُعتبر عمومًا أمرًا سارًا (أمثال 24: 26)، ومن ثم يمكن أن تؤدي وظيفة مكافأة مناسبة.

وكان بإمكان الملك أن يقوم ليقبّل معلمًا أرضاه حديثه الحكيم (1 إسدراس 4: 47). وكان بإمكان الرابي أن يقوم ويقبّل رأس تلميذ قدّم تفسيرًا جيدًا؛ وقد رُوي هذا عن يوحنان بن زكاي،[27] والرابي غمالئيل الثاني،[28] والرابي شمعون بن يوحاي،[29] والرابي أبا بار كاهانا.[30] وكان بإمكان التلميذ أيضًا أن يقبّل المعلم على رأسه.[31] وتظهر مثل هذه الممارسة ذات صلة بقبلة الخيانة التي قدمها يهوذا في متى 26: 48–49 (وموازياتها في مرقس 14: 44–45؛ لوقا 22: 47–48): إذ إن الفعل الظاهري الذي كان ينبغي أن يُعبِّر عن الصداقة أو الاحترام أو الإخلاص جعل الخيانة أكثر شناعة (قارن أمثال 27: 6).

 

 3. طبيعة التقبيل

 

قد تختلف طبيعة التقبيل في كثير من الحالات عن توقعات القرّاء المعاصرين. فمن الممكن أن قبلات التحية المسيحية الأولى، مثل الكثير من القبلات في التقليد الكتابي، كانت قبلات خفيفة على الخد. ولكن سواء في مرحلة مبكرة أو متأخرة، فمن المرجح أن بعض القبلات، وخاصة في الغرب الروماني، كانت تتضمن ما هو أكثر. فكانت النساء الرومانيات يُقبّلن أقاربهنّ على الشفاه؛[32] وكانت الأمهات يُقبّلن بناتهنّ على الشفاه.[33] وتخبرنا المصادر بالأمر نفسه عن الآباء الرومان: فكان بوسع أحدهم أن يقبّل ابنه على الشفاه، وإن كان بخفة،[34] أو ابنته على الشفاه ببراءة تامة.[35] وكانت الأخت الإغريقية الثكلى قد ترغب في تقبيل أخيها الميت على الفم؛[36] وكان بإمكان الأطفال فعل الشيء نفسه مع أم متوفاة[37] أو أب (قارن التقبيل الوجهي في تكوين 50: 1). وعلى الرغم من الاستخدام الشائع للشفاه، فإن قبلة الأخت[38] أو الأم[39] تُوصف طبيعيًا بأنها أقل عاطفة من قبلة العاشق. وكانت العذارى يُقبّلن بعضهنّ البعض على الشفاه، ولكن بحشمة فقط؛ وهكذا كان الإله الشهواني المتخفي يفضحه سلوكه.[40] وبناءً عليه، فإن وثيقة يهودية هيلينستية تعاملت كأمر مسلم به مع فكرة أن المرء قد يقبّل أقاربه على الشفاه.[41]

وعلى العكس من ذلك، كانت الكاهنة المتقدمة في السن قد تقبّل بطلاً راحلاً على اليد فقط.[42] ويبدو أن بعض المعلمين اليهود لم يكونوا مرتاحين لبعض أشكال التقبيل؛ فقد رُويَّ أنّ الرابي عقيبا كان يحترم الماديين لأنهم لا يقبّلون إلا على اليد.[43] وقد تصبح قبلات التحية مناسبة لإساءات شهوانية.[44]

وكان الرومان عمومًا يعتبرون التقبيل العشقي (الذي كان يُمارس أيضًا في الثقافة اليهودية التقليدية؛ قارن أمثال 7: 13؛ نشيد الأنشاد 1: 2) أمرًا خاصًا. ورأى المحافظون أن الرجل لا ينبغي أن يقبّل زوجته في العلن، رغم أن طرد كاتو لرجل من مجلس الشيوخ بسبب تقبيله زوجته أمام ابنتهما كان يُعتبر عمومًا أمرًا مفرطًا.[45] وكانت بعض القبلات الغرامية تحدث في الولائم. «إن قبلة الوليمة الغرامية، basium، كانت مختلفة تمامًا عن osculum، القبلة البريئة التي يعطيها أفراد الأسرة الواحدة لبعضهم البعض على الفم». فقبلة الـ basium «ربما كانت مجرد ملامسة خفيفة للشفاه»، إشارة تومئ إلى شيء أكبر.[46]

 



[1] Stanley E. Porter and Craig A. Evans, Dictionary of New Testament Background: A Compendium of Contemporary Biblical Scholarship, electronic ed. (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 2000)

Bibliography. F. Dupont, Daily Life in Ancient Rome (Oxford: Blackwell, 1992); J. Ellington, “Kissing in the Bible: Form and Meaning,” BT 41 (1990): 409–16

[2] يوستينوس الشهيد، الدفاع الأول 65

[3] ترتليان، إلى زوجته 2. 4

[4] أثيناغوراس، الدفاع 32

[5] الدساتير الرسولية 2. 7. 57

[6] أثيناغوراس، الدفاع 3؛ ثيوفيلوس الأنطاكي، إلى أوتوليكوس 3. 4؛ مينوقيوس فيليكس، أوكتافيوس 31. 1؛ ترتليان، الدفاع 2. 5، 20

[7] Diodorus Siculus Bib. Hist. 9.37.1

[8] Longus Daphn. Chl. 4.22–23

[9] Plutarch Quaest. Rom. 6, Mor. 265B

[10] Ovid Met. 10.525

[11] Euripides Androm. 416

[12] Virgil Geor. 2.523

[13] Achilles Tatius Leuc. 1.7.3

[14] Jub. 31:21; Song Rab. 5:16 §3

[15] تكوين 27: 26–27؛ كتاب اليوبيلات 22: 10–11؛ 26: 21

[16] T. Sim. 1:2

[17] Num. Rab. 9:9

[18] Song 8:1; Jos. and As. 8:4/3

[19] Song Rab. 8:1 §1

[20] Artemidorus Oneir. 2.2

[21] Homer Odys. 21.224–27

[22] Arrian Alex. 4.11.3؛ قارن لوقا 7: 38، 45

[23] وهو ما يسخر منه أبيكتيتوس في المحادثات 1. 19. 24

[24] T. Abr. 20, A

[25] Ex. Rab. 19:5

[26] b. Soṭa 13a

[27] التلمود التوسيفتا، حجيجه 2: 1؛ أ Both R. Nat. 6 A؛ Abot R. Nat. 13 §32 B؛ التلمود البابلي، حجيجه 14b؛ التلمود الأورشليمي، حجيجه 2: 1 §4

[28] y. Ros, Has. 2:9 §2

[29] Pesiq. Rab Kah. 1:3

[30] y. Hor. 3:5 §3; Koh. Rab. 6:2 §1

[31] Qoh. Rab. 9:5 §1

[32] Plutarch Quaest. Rom. 6, Mor. 265B

[33] Ovid Met. 2.356–57

[34] Virgil Aen. 12.434

[35] Ovid Met. 10.362

[36] Euripides Phoen. 1671

[37] Euripides Alc. 403–4

[38] Ovid Met. 4.334

[39] Ovid Met. 4.222

[40] Ovid Met. 2.430–31

[41] يوسف وأسينات 8: 6

[42] Apollonius of Rhodes Arg. 1.313

[43] b. Ber. 8b

[44] Chariton Chaer. 2.7.7; cf. Jos. and As. 8:3–7

[45] Plutarch Bride 13, Mor. 139E

[46] F. Dupont, Daily Life in Ancient Rome (Oxford: Blackwell, 1992), 285


ليست هناك تعليقات: