الأحد، 13 سبتمبر 2026

مختصر حياة الإنجليين متى ومرقس

 


حياة متى[1]

 

كان متى،[2] المُسمى قديماً لاوي، وهو أحد الرسل الإثني عشر، يعمل في الأصل عشّاراً أو جابي ضرائب[3] في كفرناحوم، ومن ثم كان على دراية تامة بالعبرية واليونانية في الجليل ثنائية اللغة، ومُعتاداً على إمساك الدفاتر. وقد أعدته هٰذه المهنة لكتابة إنجيل مرتب بحسب الموضوعات بكلتا اللغتين. وفي القوائم الإزائية الثلاث للرسل يُقرَن بتوما، ويشكل معه الزوج الرابع؛ وفي مرقس ولوقا يسبق توما، بينما يُوضع بعده في إنجيله الخاص (ربما بدافع التواضع).[4] ومن هنا جاء التخمين بأنه كان أخاً توأماً لتوما (ديديموس، أي التوأم)، أو شريكاً له في العمل. كان توما متشككاً أميناً وجاداً، ذوا طابع سوداوي، لكنه تيقن تماماً في النهاية عندما رأى الرب المقام؛ أما متى فكان مؤمناً قوياً وحازماً.

ولا تتوفر لدينا معلومات مؤكدة عن خدمته الرسولية. وتُنسَب إليه فلسطين، وإثيوبيا، ومقدونية، وبلاد الفرات، وفارس، وميديا بمختلف الآراء كحقول تبشيرية. وتوفي وفاة طبيعية وفقاً لأقدم تقليد، بينما تجعله الروايات المتاحة لاحقاً شهيداً.[5]

والإنجيل الأول هو عمله الخالد، الجدير بحياة طويلة، بل بحيوات كثيرة. ويحتل متى العشّار من حيث الزمان المرتبة الأولى في ترتيب البشيرين، كما نادت مريم المجدلية، التي أخرج منها المسيح شياطين كثيرة، أولاً بشارة القيامة المفرحة. لا لأن الإنجيل بناءً على ذٰلك هو الأفضل أو الأكثر أهمية — فالأفضل يأتي أخيراً — بل لأنه يسبق غيره بطبيعة الحال، كما يسبق الأساس البناء الفوقي.[6]

وهو في إنجيله مكتوباً ما يزال يحقق الإرسالية العظمى لإحضار جميع الأمم إلى مدرسة المسيح (متى 28: 19).

وتقترح المعلومات الشحيحة عن شخص متى وحياته بالارتباط مع إنجيله المعرفة التالية:

1. كان متى عبرانياً من العبرانيين، ولكن بدرجة مقارنة من الانفتاح، كونه عشّاراً كان على اتصال متكرر مع التجار القادمين من دمشق. وكانت هٰذه المهنة معيبة بالفعل في أعين اليهود، ولا تتوافق كلياً مع التطلعات المسيانية الوطنية؛ لكن كفرناحوم كانت تابعة لولاية هيرودس أنتيباس الرباعية، وكانت العائلة الهيرودسية، رغم كل تبعيتها لروما الوثنية، متماهية إلى حد ما مع الأمة اليهودية.

2. كان رجلاً ذا ثراء ومكانة اجتماعية جيدة. فقد كانت وظيفته مربحة، وكان يملك بيتاً، وأقام وليمة وداع لـ «جَمْعٌ كَثِيرٌ» من رفاقه القدامى، ترأسها يسوع.[7] وكانت في الوقت نفسه وداعاً منه للعالم، وثروته، ولملاذه وأمجاده. «ونحن نستطيع أن نتصور كم كانت تلك الوليمة مفرحة لمتى، وهو يلاحظ كلمات يسوع وأفعاله، ويختزن في ذاكرته المشهد والحديث اللذين أُلهِم لكتابتهما بحسب قدرته الكتابية لتعليم الكنيسة في جميع العصور التالية».[8] وفي تلك المناسبة قال يسوع تلك الكلمة التي كانت منطبقة بوجه خاص على متى ومثيرة للاشمئزاز بوجه خاص للفريسيين الحاضرين: «لَمْ آتِ لأَدْعُو أَبْرَاراً بَلْ خُطَاةً». ومما يُذكر أن أول اقتباس من إنجيل متى في عصر ما بعد الرسل هو هٰذا الفصل بعينه، وفصل آخر يشبهه.

3. كان رجلاً ذا شخصية حازمة وقادراً على التضحية الكبيرة من أجل إيمانه. فعندما دُعي، وهو جالس بأسلوب شرقي في مكان الجباية، ليعيد اتباع يسوع، «تَرَكَ كُلَّ شَيْءٍ وَقَامَ وَتَبِعَهُ»، وهو الذي عرفه في الحال ووثق به كـ الملك الحقيقي لإسرائيل.[9] لا أحد يستطيع أن يفعل أكثر من أن يترك «كُلَّ شَيْءٍ»، بغض النظر عن كثرة هٰذا الشيء أو قلته؛ ولا أحد يستطيع أن يفعل أفضل من أن «يتبع المسيح».

 

حياة مرقس

 

يجمع البشير الثاني في اسمه، كما في إرساليته، بين العبراني والروماني، ويُعد حلقة وصل بين بطرس وبولس، ولكنه بشكل خاص تلميذ للأول ورفيق له، بحيث يمكن دعوة إنجيله بحق «إنجيل بطرس». كان اسمه الأصلي يوحنا أو يوحنان (أي: يهوه حنّان)، وكان لقبه مرقس (أي: المطرقة الصغيرة).[10] وقد حل اللقب محل الاسم العبراني في حياته اللاحقة، كما حل بطرس محل سمعان، وبولس محل شاول. وسجل هٰذا التغيير انتقال المسيحية من اليهود إلى الأمم. وهو يُذكر مراراً وتكراراً في سفر الأعمال والرسائل.[11]

كان ابن امرأة تُدعى مريم عاشت في أورشليم وقدمت بيتها، بغير شك تحت مخاطرة كبيرة في تلك الفترة الحرجة من الاضطهاد، للتلاميذ المسيحيين لعقد اجتماعات العبادة. وقد أَمَّ بطرس هٰذا البيت بعد نجاته من السجن (سنة 44م). وهٰذا يفسر الألفة الحميمة بين مرقس وبطرس؛ إذ يُعتقَد أنه آمن على يديه، ومن ثم دعاه «ابنه» الروحي (1 بطرس 5: 13).[12] وربما كانت له معرفة سطحية بالمسيح؛ إذ يغلب أنه هو نفسه هٰذا «الشَّابُّ» غير المسمى الذي، بحسب روايته الخاصة، ترك «مُلاَءَتَهُ وَهَرَبَ مِنْهُمْ عُرْيَاناً» من جثسيماني في ليلة التسليم (مرقس 14: 51). وما كان ليذكر مثل هٰذا الحادث العابر، ما لم تكن له أهمية خاصة لديه بنقطة تحول في حياته. ويخمن «لانجه» (Lange) ببراعة أن أمه كانت تملك بستان جثسيماني أو بيتاً قريباً منه.

صاحب مرقس بولس وبرنابا كخادم لهما (ὑπηρέτης) في رحلتهما التبشيرية الكبرى الأولى؛ لكنه تركهما في منتصف الطريق، إثر ثبط عزيمته، كما يبدو، بسبب العمل الشاق، وعاد إلى أمه في أورشليم. ولهٰذا السبب رفض بولس أخذه في جولته التالية، بينما كان برنابا مستعداً للتغاضي عن ضعفه المؤقت (أعمال 15: 38). وحدثت «مشاجرة» في تلك المناسبة بين هٰذين الرجلين الصالحين، ربما بالارتباط مع الصدام الأشد خطورة بين بولس وبطرس في أنطاكية (غلاطية 2: 11 وما يليه). تحرك بولس بدافع شعور صارم بالواجب؛ بينما تحرك برنابا بدافع شعور عاطفي رفيق نحو ابن أخته (أو ابن عمته).[13] لكن هٰذا الجفاء كان مؤقتاً فحسب. فبعد ذٰلك بنحو عشر سنوات (سنة 63م) يتحدث بولس عن مرقس في روما كأحد القلائل من «الْعَامِلُونَ مَعِي لِمَلَكُوتِ اللهِ»، الذين صاروا «عَزَاءً» له في أسره؛ ويوصي به للإخوة في أسيا الصغرى أثناء زيارته (كولوسي 4: 10، 11؛ فليمون 24). وفي رسالته الأخيرة يكلف تيموثاوس بأن يحضر مرقس معه إلى روما على أساس أنه «نَافِعٌ لِي لِلْخِدْمَةِ» (2 تيموثاوس 4: 11). ونلتقي به مرة أخرى في رفقة بطرس في «بَابِلَ»، سواء كانت هي تلك الواقعة على الفرات، أو، وهو الأرجح، في روما (1 بطرس 5: 13).

هٰذه هي آخر الإشارات عنه في العهد الجديد. ويضيف تقليد الكنيسة حقيقتين مهمتين: أنه كتب إنجيله في روما كـ مترجم لبطرس، وأنه أسس بعد ذٰلك كنيسة الإسكندرية. ويدعي البطريرك القبطي أنه خَلفٌ له. أما الأساطير المتعلقة باستشهاده في السنة الثامنة لنيرون (هٰذا التاريخ أورده جيروم) فلا قيمة لها. وفي سنة 827م نُقلت رفاته من مصر إلى البندقية، التي بنيت له كاتدرائية فخمة ذات خَمس قباب في ساحة القديس مرقس، بالقرب من قصر الدوق، واختارته مع رمزه، الأسد، شفيعاً للجمهورية.

 


[1] Philip Schaff, History of the Christian Church, electronic ed. (Garland TX: Galaxie Software, 2000, c1916-23)

[2] Μαθθαι̂ος، متى 9: 9 (وفقاً لهجاء مخطوطات א وB* وD، والمُعتمد من لachmann وTischendorf وTregelles وWestcott وHort) ، أو Ματθαι̂ος (كما هُجئت في النص المعتمد Textus Receptus) ، مثل متياس ومتاثياس، وتعني عطية يهوه (מַתַּי, מַתָּאִי, מַַתַּנְיָה, מַתִּיָּה) ، وتطابق الاسم اليوناني ثيودور (Theodore). وربما اتخذ هٰذا الاسم بعد دعوته؛ إذ كان اسمه السابق لاوي، Λευίς، Λευείς (לֵוִי، أي اقتران)، وفقاً لمرقس 2: 12؛ لوقا 5: 27، 29. وقد غطى الاسم الجديد على القديم، كما حلّت أسماء بطرس وبولس محل سمعان وشاول. والهوية واحدة بوضوح من واقع أن دعوة متى أو لاوي أوردها البشيرون الثلاثة بالإفادات نفسها وتبعتها الخطبة نفسها. وينازع Nicholson (في شرحه لمتى 9: 9) في هٰذه الهوية، كما فعل Grotius وSieffert من قبله، لكن على أسس غير كافية. وقبل مرقس 3: 16 يُدعى بطرس باسمه السابق سمعان (مرقس 1: 16، 29، 30، 36)، وبذٰلك يظهر ذوقه التاريخي.

[3] ومن ثم يُدعى Μαθθαι̂ος ὁ τελώνης، متى 10: 3. وهو يدرج عمله السابق للإشارة إلى قوة النعمة الإلهية في إيمانه.

[4] متى 10: 3، مقارنة بمرقس 3: 18؛ لوقا 6: 15. ولكن في القائمة الواردة في أعمال 1: 13 يُقرَن ببرثولماوس، وتوما بفيليبس.

[5] يصوره كليمنضس الإسكندري كـ مسيحي يهودي متزمت يمتنع عن أكل اللحوم. وهٰذا يجعله واحداً من الإخوة الضعفاء الذين يحكم عليهم بولس برفق (رومية 14: 1 وما يليه). لكن لا يوجد في الإنجيل الأول ما يبرر هٰذا التقليد.

[6] إن أسبقية متى وتفوقه النسبي لا يحافظ عليهما أغسطينوس والتقليد الكاثوليكي فحسب، بل وأيضاً النقاد المعتدلون من Griesbach إلى Bleek، بل وحتى النقاد الراديكاليون في مدرسة توبنغن (Baur، وStrauss، وSchwegler، وZeller، وHilgenfeld، وDavidson)، ولا سيما Keim.

[7] هٰكذا لوقا 5: 29. ويتفق مرقس 2: 15 («وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ يَتَّكِئُونَ مَعَ يَسُوعَ وَتَلاَمِيذِهِ») ومتى 9: 10 («كثيرون من العشارين والخطاة»)؛ لكن متى يغفل اسمه بدافع التواضع بالارتباط مع تلك الوليمة. ويفهم بعض المفسرين «الْبَيْتِ» على أنه بيت يسوع، لكن يسوع لم يكن له بيت ولم يقم ولائم عشاء. ويقول لوقا صراحة إنه كان بيت لاوي.

[8] Carr, Com., p. 6

[9] لوقا 5: 28؛ مرقس 2: 14؛ متى 9: 9.

[10] Marcus، والاسم المصغر Marcellus (المطرقة الصغيرة)، اسمان رومانيان معروفان. كتب ماركوس توليوس شيشرون خطبة pro Marco Marcello.

[11] أعمال 12: 12، 25؛ 13: 5، 13؛ 15: 37؛ كولوسي 4: 10؛ 2 تيموثاوس 4: 11؛ فليمون 24؛ 1 بطرس 5: 13.

[12] لا يوجد سبب وجيه لأخذ كلمة «ابن» هنا بالمعنى الحرفي (مع Credner)، في حين أن المعنى المجازي يتوافق تماماً مع الاستخدام الكتابي ومع ما نعرفه بيقين عن علاقات مرقس الحميمة ببطرس من واقع سفر الأعمال والتقليد. يذكر التقليد ابنة لبطرس (بترونيلا)، لكنه لا يذكر ابناً. يقول كليمنضس الإسكندري إن بطرس وفيليبس أنجبا أولاداً.

[13] ἀνεψιός، كولوسي 4: 10.


ليست هناك تعليقات: