تقسية الله لقلب فرعون[1]
إن العبارات المتنوعة الواردة في الكتب المقدسة بخصوص تقسية الله
لقلب فرعون قد أربكت عددًا كبيرًا من المسيحيين، وكثيرًا ما استخدمها غير المؤمنين
في هجماتهم على الكتاب المقدس. ويُقال إنه إذا كان الله قد قسى قلب فرعون، ونتيجة
لهذه التقسية تمرد فرعون على الله، فإن الله نفسه هو المسؤول عن خطية فرعون، ومن
الظلم محاسبة فرعون على تمرده ومعاقبته عليه.
في خروج 4: 21 نقرأ:
"وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «عِنْدَمَا تَذْهَبُ لِتَرْجِعَ إِلَى مِصْرَ، انْظُرْ جَمِيعَ الْعَجَائِبِ الَّتِي جَعَلْتُهَا فِي يَدِكَ فَاصْنَعْهَا قُدَّامَ فِرْعَوْنَ. وَلكِنِّي أُشَدِّدُ قَلْبَهُ حَتَّى لاَ يُطْلِقَ الشَّعْبَ»" (انظر أيضًا خروج 7: 3: «وَأُقَسِّي قَلْبَ فِرْعَوْنَ، فَيُكَثِّرُ آيَاتِي وَعَجَائِبِي فِي أَرْضِ مِصْرَ»؛ 14: 4: «فَأُقَسِّي قَلْبَ فِرْعَوْنَ فَيَسْتَتْبِعُهُمْ، فَأَتَمَجَّدُ بِفِرْعَوْنَ وَبِجَمِيعِ جَيْشِهِ، فَيَعْلَمُ الْمِصْرِيُّونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ. فَفَعَلُوا هكَذَا»).
الآن، من قراءة هذه النصوص، يبدو للوهلة الأولى وكأن هناك بعض
المبررات لنقد عمل الله في هذا الأمر، أو لنقد الرواية الكتابية عنه. ولكن عندما
ندرس بدقة ما يقوله الكتاب المقدس، وما يُنقل عن قول الله، والظروف التي قيل فيها
ذلك، تتلاشى الصعوبة. فأن يأخذ الله إنسانًا يرغب حقًا في معرفة مشيئته وفعلها،
ويقسي قلبه وبالتالي يميل به إلى عدم فعل مشيئته، سيكون بالفعل فعلًا من جانب الله
يصعب أو يستحيل تبريره. ولكن عندما نقرأ أقوال الله في هذا الشأن في سياقها،
نجد أن هذا ليس على الإطلاق ما فعله الله مع فرعون. لم يكن فرعون رجلًا يرغب في
طاعة الله. فالرواية بأكملها لا تبدأ بإقساء الله لقلب فرعون، بل بإقساء فرعون
لقلبه هو.
في خروج 4: 21، لدينا نبوة عما سيفعله الله مع فرعون، وهي نبوة وضعها
الله وهو يعلم مسبقًا وبشكل كامل ما سيفعله فرعون قبل أن يقسي قلبه. وفي خروج 9:
12 والنصوص اللاحقة، نجد إتمام هذه النبوة، ولكن قبل أن يقسي الله قلب فرعون
هنا، نجد وصفًا لما فعله فرعون نفسه.
في خروج 5: 1- 2، قيل لنا إن موسى وهارون مثلا في حضرة فرعون برسالة
يهوه:
"«هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: أَطْلِقْ شَعْبِي لِيُعَيِّدُوا لِي فِي الْبَرِّيَّةِ»"، فأجاب فرعون: "«مَنْ هُوَ الرَّبُّ حَتَّى أَسْمَعَ لِقَوْلِهِ فَأُطْلِقَ إِسْرَائِيلَ؟ لاَ أَعْرِفُ الرَّبَّ، وَإِسْرَائِيلَ لاَ أُطْلِقُهُ»".
هنا رفض فرعون بوضوح وتحدٍ الاعتراف بالله أو
طاعته. كان هذا قبل أن يقسي الله قلبه. ثم يتبع ذلك وصف لكيفية استسلام
فرعون لاضطهاد بني إسرائيل بقسوة أكثر من أي وقت مضى (خروج 5: 3- 9).
في خروج 7: 10 والآيات التالية، نرى موسى وهارون يدخلان إلى حضرة
فرعون ويصنعان آيات قدامه كدليل على أنهما مرسلان من الله؛ لكن فرعون لم يستمع.
نقرأ: "وقسيَّ قلب فرعون، فلم يسمع لهما" (ع 13). لكن الترجمة
المنقحة تنقلها بشكل صحيح: "فاشتد قلب فرعون". لم يقل النص حتى
الآن إن الرب قسى قلبه.
الحقائق في هذه الحالة هي كالتالي:
كان فرعون طاغية قاسيًا وظالمًا، أخضع شعب إسرائيل لأبشع أنواع
العبودية والمعاناة والموت. نظر الله إلى شعبه، وسمع صراخهم، وصمم برحمته على
إنقاذهم ((خروج 2: 25): "وَنَظَرَ اللهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعَلِمَ
اللهُ." (خروج 3: 7- 8): "فَقَالَ الرَّبُّ: «إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ
مَذَلَّةَ شَعْبِي الَّذِي فِي مِصْرَ وَسَمِعْتُ صُرَاخَهُمْ مِنْ أَجْلِ
مُسَخِّرِيهِمْ. إِنِّي عَلِمْتُ أَوْجَاعَهُمْ، فَنَزَلْتُ لأُنْقِذَهُمْ مِنْ
أَيْدِي الْمِصْرِيِّيِّنَ...»"). أرسل موسى كممثل له إلى فرعون للمطالبة
بتحرير شعبه، فقاومه فرعون بتمرد كبريائي وسلم نفسه لاضطهاد الشعب بقسوة أشد.
حينها، وفقط حينها، قسى الله قلبه.
كان هذا ببساطة تماشيًا مع منهج الله العام في التعامل مع البشر. منهج
الله العام هو أنه إذا اختار الإنسان الضلال، يسلمه الله للضلال؛ تسالونيكي
الثانية 2: 9- 12:
«الَّذِي مَجِيئُهُ بِعَمَلِ الشَّيْطَانِ بِكُلِّ قُوَّةٍ وَبِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ كَاذِبَةٍ، وَبِكُلِّ خَدِيعَةِ الإِثْمِ فِي الْهَالِكِينَ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَقْبَلُوا مَحَبَّةَ الْحَقِّ حَتَّى يَخْلُصُوا. وَلأَجْلِ هذَا سَيُرْسِلُ إِلَيْهِمُ اللهُ عَمَلَ الضَّلاَلِ حَتَّى يُصَدِّقُوا الْكَذِبَ، لِكَيْ يُدَانَ جَمِيعُ الَّذِينَ لَمْ يُصَدِّقُوا الْحَقَّ بَلْ سُرُّوا بِالإِثْمِ.»
وإذا اختاروا الخطية بقلب صلب، فإنه في النهاية
يسلمهم للخطية:
«لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ أَيْضًا فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى نَجَاسَةٍ، لِيُهِينُوا أَجْسَادَهُمْ بَيْنَ ذَوَاتِهِمِ. الَّذِينَ اسْتَبْدَلُوا حَقَّ اللهِ بِالْكَذِبِ، وَاتَّقُوا وَعَبَدُوا الْمَخْلُوقَ دُونَ الْخَالِقِ، الَّذِي هُوَ مُبَارَكٌ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ. لِهذَا أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى أَهْوَاءِ هَوَانٍ، لأَنَّ نِسَاءَهُمُ اسْتَبْدَلْنَ الاسْتِعْمَالَ الطَّبِيعِيَّ بِالَّذِي عَلَى خِلاَفِ الطَّبِيعَةِ.» (رومية 1: 24–26)
«وَكَمَا لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا اللهَ فِي مَعْرِفَتِهِمْ، أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ لِيَعْمَلُوا مَا لاَ يَلِيقُ.» (رومية 1: 28)).
هذا تعامل حازم، لكنه تعامل عادل.
وإذا بقيت أي صعوبة في هذه الواقعة، فإنها تختفي تمامًا عندما نتأمل
الطريقة التي قسى بها الله قلب فرعون. لم يكن ذلك، بطبيعة الحال، فعلًا ماديًا. لم
يكن الله يتعامل مع قلب فرعون كعضو في جسده. بل كان يتعامل مع القلب بالمعنى الذي
نستخدم به الكلمة باستمرار كمركز مفترض للذكاء والعاطفة والإرادة. لا يمكن
إكراه الإرادة بالقوة. لا يمكن تحريك الإرادة بالقوة أكثر مما يمكن جر قطار من
العربات بواسطة حجة منطقية أو استنتاج.
الطريقة التي قسى بها الله قلب فرعون كانت
بإرسال سلسلة من البراهين على وجوده وقدرته، وسلسلة من الأحكام. لو اتخذ فرعون الموقف الصحيح تجاه
هذه الإعلانات عن وجود الله وقدرته في هذه الأحكام التي أرسلها الله عليه، لكانت
قد قادته إلى التوبة والخلاص. ولكنه باتخاذه طواعية وعن عمد الموقف الخاطئ تجاهها،
تقسّى قلبه بها. لا شيء يرسله الله إلينا هو أكثر رحمة من أحكامه على خطايانا. إذا
اتخذنا هذه الأحكام بشكل صحيح، فإنها ستلين قلوبنا وتقودنا إلى التوبة والاستسلام
الكامل لله، وبذلك تجلب لنا الخلاص. ولكن إذا تمردنا عليها، فإنها ستقسي
قلوبنا وتجلب لنا الهلاك الأبدي.
الخطأ ليس من الله، والخطأ ليس في أحكامه؛
الخطأ فينا نحن وفي الموقف الذي نتخذه تجاه أحكامه وتجاه حق الله نفسه. الإنجيل هو رائحة حياة لحياة
-للذين يقبلونه- ولكنه رائحة موت لموت؛ للذين يرفضونه (كورنثوس الثانية 2:
15- 16). المشكلة ليست في الإنجيل، الذي هو "قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ
لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ" (رومية 1: 16). المشكلة هي في الإنسان الذي يرفض
الإنجيل، والذي يتقسّى ويُدان ويهلك بسببه. وهكذا يصبح له رائحة موت لموت.
العظة نفسها تجلب حياة لرجل وموتًا لآخر. تجلب
حياة وصفحًا وسلامًا لمن يؤمن بها ويعمل بها. وتجلب دينونة وموتًا لمن يرفض حقها. هي تلين قلب أحدهم، وتقسي قلب الآخر.
يسوع المسيح نفسه جاء إلى العالم، لا ليدين العالم، بل ليخلصه (يوحنا 3: 17)؛ ولكن
لمن لا يؤمن، هو يجلب الدينونة والهلاك الأبدي.
«اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ.» (يوحنا 3: 18)
«اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً، بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ.» (يوحنا 3: 36)
«مَنْ خَالَفَ نَامُوسَ مُوسَى فَبِدُونِ رَأْفَةٍ عَلَى فَمِ شُهُودٍ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ يُمَاتُ. فَكَمْ عِقَابًا أَشَدَّ تَظُنُّونَ أَنَّهُ يُحْسَبُ مُسْتَحِقًّا مَنْ دَاسَ ابْنَ اللهِ، وَحَسِبَ دَمَ الْعَهْدِ الَّذِي قُدِّسَ بِهِ دَنَسًا، وَازْدَرَى بِرُوحِ النِّعْمَةِ؟» (عبرانيين 10: 28–29).
[1] R.A.
Torrey, Difficulties in the Bible :
Alleged Errors and Contradictions (Willow Grove: Woodlawn Electronic
Publishing, 1998, c1996)
.webp)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق