الثلاثاء، 28 يوليو 2026

من هو كاتب إنجيل يوحنا؟

 


برهان أن يوحنا هو كاتب إنجيله

 

والبرهان الخارجي على أن القديس يوحنا هو مدون الإنجيل الرابع يتأكد لنا من الانتشار الواسع واستخدام آباء الكنيسة له منذ نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني وكذلك انتشاره في أوساط الهراطقة واستخدام أعداء المسيحية والوثنيين له، وكذلك ترجمته إلى أقدم الترجمات (السريانية واللاتينية والقبطية) ووجوده في أقدم المخطوطات القديمة، بل أن أقدم مخطوطة للعهد الجديد على الإطلاق هي لهذا الإنجيل وترجع لما بين 117 و135م.

 

أولًا: الآباء الرسوليين:

كان مضمون وجوهر الإنجيل للقديس يوحنا في فكر هؤلاء الآباء وعقولهم، وعلى الرغم من أنهم لم يقتبسوا من آياته مباشرة إلا أنهم استخدموا جوهرها ومضمونها مما يدل على وجود الإنجيل نفسه في محيطهم ووسطهم.

 

(1)- إكليمندس الروماني (95 م.): والذي نجد في رسالته إلى كورنثوس أربعة نصوص متأثرة بصورة واضحة بآيات الإنجيل للقديس يوحنا :

"يتمجد اسم الرب الحقيقي الوحيد" [1:43] مع (يو 28:12) "أيها الآب مجد اسمك" (يو 3:17) "أنت الإله الحقيقي وحدك".

"من كان له حب في المسيح فليحفظ وصايا المسيح" [1:49] مع (يو 14: 15) "إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي".

يسوع أعطى من جسده من أجل أجسادنا" [6:49] مع (يو 6: 51) "والخبز الذي أنا أعطى هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم".

"طهرنا بتطهير حقك" [2:60] مع (يو 17: 17) "قدسهم في حقك".

 

(2)- رسالة برنابا (حوالي 100 م.): يستخدم كاتب الرسالة نفس فكر المسيح في حديثه مع نيقوديموس في شرح العلاقة الرمزية بين الحية النحاسية التي رفعها موسى في البرية وبين مجد المسيح على الصليب "فقال لهم موسى: عندما يلسع أحدكم فليتقدم من الحية المرفوعة على الخشبة وليأمل في إيمان بأنه رغم ميتة قادرة أن تعطى حياة وسيخلص في الحال. وفعلوا هكذا. في هذا أيضًا لديكم مجد يسوع ثانية، لأن كل الأشياء فيه وله" [17:12] مع (يو 14:3) "وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي امرأة يرفع ابن الإنسان".

 

(3)- أغناطيوس الأنطاكي: تلميذ بطرس الرسول وقد استخدم جوهر آيات القديس يوحنا ونفس لغته 

يقول في رسالته إلى مجنيسيا [1:7] "وكما كان الرب متحدًا مع الآب ولم يفعل شيئًا بدونه سواء بذاته أو من خلال الرسل، كذلك أنتم لا تفعلوا شيئًا بدون الأسقف والقسوس" مع (يو 19:5) "لا يقدر الابن أن يفعل من نفسه شيئًا إلا ما ينظر الآب يعمل" (يو 28:8) "ولست أفعل شيئًا من نفسي بل أتكلم بهذا كما علمني أبي".

ويقول في رسالته إلى روما "رئيس هذا العالم يريد أن يخطفني.. لا يوجد فيَّ نار الحب للأشياء المادية ولكن فقط ماء حي.. أريد خبز الله الذي هو جسد يسوع المسيح". وهذه التعبيرات "رئيس هذا العالم"، "ماء حي"، "خبز الله" مأخوذة من أقوال السيد المسيح المدونة في الإنجيل للقديس يوحنا (يو 30:14؛ 31:12؛ 11:16؛ 10:4؛ 38:7؛ 6: 33). ويقول في الرسالة إلى فيلادلفيا [1:9] "هو باب الآب" مع (يو 9:10) "أنا هو الباب".

ويقول في الرسالة إلى أفسس [1:6] "لأن كل من يرسله رب البيت ليدبر شئونه يجب امرأة نقبله كما نقبل الذي أرسله" مع (يو 20:13) "الذي يقبل من أرسله يقبلني. والذي يقبلني يقبل الذي أرسلني".

 

(4)- كتاب الراعي الهرماس (100-145 م.): يستخدم روح وجوهر الإنجيل في قوله "لا يقدر الإنسان أن يدخل ملكوت الله إلا من خلال اسم أبنه، الذي هو محبوبه.. الباب هو ابن الله، هذا هو المخل الوحيد للرب. لا يمكن لإنسان امرأة يدخل إليه إلا من خلال أبنه" [مثل 9ف 5:2] مع (يو 6:14) "أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي".

ويقول في مثل 5 ف 3:6 "عندما طهر خطايا الشعب أراهم طريق الحياة وأعطاهم الناموس الذي تسلمه من أبيه".

 

(5)- الدياديكية (100 م.): والتي نجد فيها ظلال الإنجيل الرابع إذ أن كليهما يستخدمان لغة واحدة في الافخارستيا، 

وقد جاء فيها "وكما أن هذا الخبز كان منثورًا فوق الجبال ولكنه جمع معًا وصار خبزًا واحدًا" [4:9] مع (يو 52:11) "ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد"، وجاء "نقدم لك الشكر أيها الآب القدوس من اجل أسمك القدوس الذي جعلته يسكن في قلوبنا" مع (يو 11:17) "أيها الآب القدوس أحفظه في أسمك". وجاء في [5:10] "تذكر يا رب كنيستك لتخلصها من كل شر وتكملها في حبك" مع (يو 15:17) "أسأل.. أن تحفظهم من الشرير.. ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به".

 

ثانيًا: تلاميذ القديس يوحنا (الشيوخ):

 

يقول إريناؤس أسقف ليون (Adr. Haer. 2:22) وينقل عنه يوسابيوس القيصري أن القديس يوحنا سلم لتلاميذه، الشيوخ، الإنجيل مكتوبًا 

"جميع الشيوخ الذين رافقوا يوحنا تلميذ الرب في آسيا يحملون الشهادة أن يوحنا سلمه (أي الإنجيل) إليهم. لأنه بقى معهم حتى حكم تراجان (245)".

ومن هؤلاء التلاميذ بوليكاربوس الذي أقتبس من رسالة القديس يوحنا الأولى وكانت روح الإنجيل متجلية بوضوح في رسالته.

 

ثالثًا: البردية إيجرتون 2 Pap. Egerton 2:

 

والتي يرى غالبيه العلماء إنها ترجع لنهاية القرن الأول أو بداية القرن الثاني وأكثرهم تطرفًا رجع بها إلى ما قبل سنه 150م، ومحفوظة في المتحف البريطاني بلندن وتتكون من ورقتين وثالثه تالفة وتحتوى على نصوص من الأناجيل الأربعة منها أربعه نصوص تتطابق مع (يوحنا 39:5، 45؛ 29:9؛ 30:7؛ 39:10) وهذه هي: 

"قال (يسوع) لحكام الشعب هذه الكلمة فتشوا الكتب التي تظنون أن لكم فيها حياه. فهي التي تشهد لي"، " لا تظنوا إني جئت لأشكوكم إلى الآب، يوجد الذي يشكوكم وهو موسى الذي عليه رجاؤكم"، "نحن نعلم إن موسى كلمه الله، وأما أنت فلا نعلم (من أين أنت) فأجاب يسوع وقال لهم لقد قام الاتهام الآن على عدم إيمانكم..."، لأنكم لو كنتم تصدقون موسى، لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عنى لآبائكم".

 

رابعًا: مخطوطة جون ريلاندز (ب 52) P 52:

 

والتي تحتوى على (يوحنا 31:18-34، 37-38) وقد اكتشفت في صحراء الفيوم بمصر سنه 1935م ويؤرخها معظم العلماء بسنه 125م، وهى من أقوى الأدلة على سرعة وكثافة انتشار الإنجيل للقديس يوحنا وعلى إنه قد كتب قبل نهاية القرن الأول، فإذا كان الإنجيل قد كتب في أفسس بآسيا الصغرى وأنتشر في مصر في مثل هذا التاريخ، فهذا يعنى إنه كتب قبل ذلك على الأقل بحوالي 30 سنة أو أكثر.

 

خامسًا: يوستينوس الشهيد:

 

والذى كتب في النصف الأول من القرن الثاني والذي يعتبر اقتباسه من الإنجيل للقديس يوحنا برهانًا حاسمًا على انتشار هذا الإنجيل في بداية القرن الثاني وبالتالي وجوده قبل ذلك في نهاية القرن الأول. وقد حاول بعض النقاد أن يبطلوا هذا البرهان، الذي برهن عليه بصوره حاسمة وقاطعه ساندي Sanday في إنجلترا وعذار ابوت Ezra Abbot في أمريكا، ولم يستطيعوا. وفيما يلي أهم اقتباساته من الإنجيل للقديس يوحنا، وإن كان يعتمد على الذاكرة في اقتباسه أكثر من النقل من الإنجيل مباشرة:

يقول في الدفاع 61:1 "لأن المسيح قال أيضًا: أن لم تولدوا ثانية لن تدخلوا ملكوت السموات، وهذا يعنى إنه من المستحيل لأولئك الذين ولدوا مرة أن يدخلوا أرحام أمهاتهم".

وهذا النص مأخوذ مباشرة من (يوحنا 3:3-5) "إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله. قال له نيقوديموس كيف يمكن الإنسان أن يولد وهو شيخ؟ ألعله يقدر أن يدخل بطن أمه ثانيه ويولد؟ أجاب يسوع.. أن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله".

وقد حاول بعض النقاد أن يوهموا بأن يوستينوس قد استعان بما جاء في (متى 3:18) "أن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات"، ولكن هذه المحاولة باءت بالفشل لأن نص يوستينوس ينفق في المعنى والمضمون والنص مع القديس يوحنا لأن كليهما يتكلمان عن الولادة الآباء من الماء والروح، كما أن يوستينوس يلمح لقول نيقوديموس عن فكره الرجوع لبطن الأم أو الأرحام، في حين أن نص الإنجيل للقديس متى يتكلم عن البساطة ونقاوة القلب، إذ يقول "في تلك الساعة تقدم التلاميذ إلى يسوع قائلين فمن هو أعظم في ملكوت السموات. فدعا يسوع إليه ولدًا وأقامه في وسطهم. وقال الحق أقول لكم إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات. فمن وضع نفسه مثل هذا الولد فهو الأعظم في ملكوت السموات" (متى 1:18-4).

جاء في حوار 88 "ولكنه (يوحنا المعمدان) صاح لهم: أنا لست المسيح، بل صوت صارخ، لأن الذي هو أقوى منى سيأتي الذي لست بمستحق أن أحمل حذاءه". وهذا النص مأخوذ من (يوحنا 20:1، 43) "وأقر أنى لست المسيح.. أنا صوت صارخ في البرية" و(ع27) "هو الذي يأتي بعدى الذي صار قدامى الذي لست بمستحق أن أحل سيور حذائه".

وبرغم تقارب نص يوستينوس مع الأناجيل الثلاثة الأولى، إلا إنه متفق بصوره أدق وأقوى مع القديس يوحنا لأنه استخدم عبارات جاءت في الإنجيل الرابع فقد "أنا لست المسيح"، "لأن الذي هو أقوى منى سيأتي".

جاء في دفاع 63:1 "لا يعرفون الآب ولا الابن، أي اليهود، وهذا يتفق مع ما جاء في (يوحنا 19:8) "لستم تعرفونني أنا ولا أبى" و(يوحنا 3:16) "لأنهم لم يعرفوا الآب ولا عرفوني".

جاء في دفاع 22:1 أن المسيح "شفى كل المقعدين والمشلولين والذين ولدوا عميان" ولم تذكر.

الأناجيل الثلاثة الأولى أن المسيح شفى أحد المولودين عميان، بل هذا ما جاء في الإنجيل للقديس يوحنا فقط وبه فصل كامل (ص9) عن المولود أعمى الذي صنع له عينان من طين.

جاء في دفاع 13:1 "معلمنا هذه الأمور هو يسوع المسيح ولد لهذا الغرض أيضًا وصلب في حكم بيلاطس البنطي"، واضح هنا إنه يشير لقول المسيح لبيلاطس "لهذا قد ولدت أنا ولهذا قد أتيت إلى العالم" [37:18].

جاء في دفاع 66 "تعلمنا أن الخبز والخمر كانا جسد ودم يسوع الذي صار جسدًا" والعبارة الأخيرة "صار جسدًا" مأخوذة مباشرة من (يوحنا 14:1) "والكلمة صار جسدًا وحل بيننا".

جاء في دفاع 60:1 "أخذ موسى بإلهام الله وتأثيره نحاس وصنع (الحية) على شكل الصليب"، وفى (حوار 91) يشير إلى الحية النحاسية كرمز للصلب والصليب، ويقول أن الحية النحاسية لم تكن هي سبب نجاة من لدغتهم الحيات بل كانت مقصودة "لخلاص أولئك الذين يؤمنون أن الموت قد أعلن أنه سيأتي في الحية خلال الذي سيصلب" لأن الله "أرسل أبنهُ للعالم ليُصلب. لأن روح النبوة في موسى لم تعلمنا أن نؤمن بالحية". وهذا مبنى على قول السيد المسيح الذي جاء في (يوحنا 14:3) "وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع أبن الإنسان لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل له الحياة الأبدية".

وهناك برهان حاسم يؤكد لنا وجود الإنجيل للقديس يوحنا بين يدي يوستينوس، وهذا البرهان الحاسم هو شرحه لعقيدة "الكلمة Logos" كما جاء في مقدمة الإنجيل للقديس يوحنا تمامًا.

ا- يقول في دفاع 23:1 "يسوع المسيح بمعنى أوضح هو أبن الله الوحيد كونه كلمته (Logos) وبكر قوته الذي خلق كل شيء وأقامه به".

ب- ويقول في 63:1 "كلمة (Logos) الله هو ابنه..".

ج- ويقول في 13:2 "نعبد ونحب الكلمة (Logos) الذي من الله وغير المولود وغير المنطوق به، فقد صار بشرًا لأجلنا".

د- ويقول في 5:1 "الكلمة (Logos) ذاته الذي اتخذ شكلًا وصار بشرًا ودعى يسوع المسيح".

و- ويقول في 6:2. "الكلمة الذي كان معه أيضًا".

وهذه التعبيرات "الكلمة" و"أبن الله الوحيد"، الذي خلق كل شيء وأقامه به" و"صار بشرًا" و"اتخذ شكلًا وصار بشرًا" خاصة بالإنجيل للقديس يوحنا، وكلها مأخوذة من الإصحاح الأول. ونظرًا للتطابق التام بين هذه النصوص فقد أقر كثيرون من النقاد بصحة استشهاد يوستينوس بالإنجيل للقديس يوحنا.

 

سادسًا: هيراكليون وتفسير الإنجيل للقديس يوحنا:


كتب هذا الرجل الهرطوقي، الذي أشرنا إليه أعلاه، تفسيرًا للإنجيل يوحنا في النصف الأول من القرن الثاني، هذا التفسير علق عليه أوريجانوس فيما بعد. وهذا يدل على انتشار الإنجيل في بداية القرن الثاني بصورة واسعة حتى دعت الحاجة لتفسير آياته. ويعلق على ذلك أحد العلماء ويدعَى فولكمار Volkmar بقوله "أيها الإله العظيم إذا كان قد تألف تفسيرًا لإنجيل يوحنا فيما بين 125 و155 م. ومثل هذا التفسير قد حفظ منه أوريجانوس قطعًا معتبرة، فماذا يبقى لنا للمناقشة؟".

 

سابعًا: ثاؤفيلس أسقف إنطاكية (170-180 م.):


الذي أقتبس من الإنجيل لقديس يوحنا بالاسم "في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله، كقول يوحنا، الذي كان أحد الرجال حاملي الروح القدس" (246).

 

ثامنًا: إيريناؤس أسقف ليون:

 

والذي تعتبر شهادته حاسمة ولا جدال فيها لأنه تسلمها من بوليكاريثوس تلميذ القديس يوحنا مباشرة. وكانت شهادته هي شهادة الكنيسة الجامعة فقد كانت مبنية على الرسول يوحنا ذاته الذي لم يكن بينهما سوى حلقة واحدة فقط.

ونظرًا لما لشهادته من قيمة فقد حاول النقاد بكل جهدهم أن يقللوا من شأنه ولكنهم فشلوا فشلًا ذريعًا أمام مركزه التاريخي وما كان لديه من وسائل ووثائق كتب بناء على ما جاء فيها دفاعه عن العقيدة في كتبه ضد الهراطقة. ويقول عن كتابة القديس يوحنا للإنجيل الرابع "نشر يوحنا تلميذ الرب الذي اتكأ على صدره الإنجيل عندما كان في أفسس في أسيا".

وقد شهد أيضًا لكتابة القديس يوحنا للإنجيل الرابع تاتيان تلميذ يوستينوس الذي ضم آياته في كتابه الدياتسرون والوثيقة الموراتورية وترتليان في شمال أفريقيا وأكليمندس الأسكندري وأوريجانوس وغيرهم من آباء كنيسة الآرامي والقيصري في قيصرية وجيروم في روما وغيرهم من آباء الكنيسة وعلمائها في القرن الأولى.

 

تاسعًا: شهادة الكتب الأبوكريفية والهراطقة وأعداء المسيحية:

 

وما يدل على إن الإنجيل للقديس يوحنا قد كتب ونشر في نهاية القرن الأول هو انتشاره بصورة واسعة ووجوده في أيدي كُتاب الكتب الأبوكريفية والهراطقة وأيضًا الوثنيين الذين هاجموا المسيحية.

(1)- العظات الكليمندية: والتي كتبت في بداية القرن الثاني، والتي أشارت إلى الأناجيل الأربعة بعبارة "أناجيلنا"، ثم اقتبست النصوص التالية من الإنجيل للقديس يوحنا:

"خرافي تسمع صوتي" وأيضًا "أنا هو باب الحياة، الذي يدخل بي يدخل إلى الحياة" Hom. 3:52 (يو 10: 27، 3، 9).

"أجاب رّبنا على الذين سألوه بخصوص الرجل الأعمى منذ ولادته، الذي وهب له البصر، والذين سألوا أن كان هذا الرجل قد أخطأ أم أبواه حتى ولد أعمى، فأجاب لا هذا الرجل أخطأ ولا أبواه، بل لكي تظهر بواسطته قوة معالجًا خطايا الجهل.." hom. 19 وهذا ما جاء في (يوحنا 2:9-3).

(2)- كتاب البطاركة الاثني عشر: والذي كتب في بداية القرن الثاني وقبل الدمار الثاني لأورشليم سنة 130م هذا الكتاب يتحدث عن المسيح بألقابه التالية "نور العالم"، "المخلص"، "ابن الله"، "الابن الوحيد"، "حمل الله"، "الله الآتي في الجسد" ويقول "الروح يشهد للحق" وهذه كلها مأخوذة مباشرة من الإنجيل للقديس يوحنا.

(3)- مونتانوس الذي ظهر في فريجيا سنة 140 م. وزعم أنه اللوجوس والباراقليط بناء على ما جاء في الإنجيل للقديس يوحنا. ويرى العلماء إنه كتب فيما بين 120 و140 م.

(4)- مارسيون (140م) الذي قبل الإنجيل للقديس لوقا ورفض الأناجيل الثلاثة الأخرى، يقول ترتليان مؤكدًا وجود الإنجيل للقديس يوحنا في أيامه وقبل أيامه "إذا لم ترفض الكتابات المعارضة لنظامك فقد كان هناك إنجيل يوحنا ليقنعك" (247). وأكد في رده عليه أنه كان يعرفه ولكنه رفضه (248).

(5)- فالنتينوس (136-155 م.) الذي تأثر كثيرًا بالإنجيل للقديس يوحنا وأقتبس منه [5:3،6؛ 12:9؛ 11:14] ويقول لإيرناؤس أن أتباع فالنتينوس "يفندون أنفسهم في المسألة الأكمل للإنجيلي بحسب يوحنا" (249).

(6)- باسيليدس (117-138 م.) : يقول العلامة هيبوليتوس أن باسيليدس أقتبس من الإنجيل للقديس يوحنا قوله "كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتيًا إلى العالم" (250) يقول متى أرنولد M. Arnold في كتابه "الله والكتاب المقدس" أن باسيليدس كان أمامه الإنجيل للقديس يوحنا (سنة 125 م.).

(7)- الاوفايتس والذي يقول عنهم إيرناؤس أنهم من أقدم الجماعات الغنوسية، ويتحدث عنهم كأسلاف مدرسة فالنتينوس "آبائها وأمهاتها" (251). ويقول عنهم هيبوليتوس أنهم من أقدم الغنوسيين، ويقول أنهم استخدموا شهادات من الإنجيل للقديس يوحنا وهي [(يو 2: 1، 4؛ : 3؛ (3: 6-11)، مع إشارات قوية إلى (يو 9: 21؛ 4: 21؛ 10: 9؛ 13: 33؛ 8: 21؛ 6: 35)]. ويقتبس أجزاء من كتب The Peratae التي تقتبس تكرارًا من الإنجيل للقديس يوحنا (252).

(8)- كلسس الأبيقوري: هاجم المسيحية سنة 178 م. ورد عليه فيما بعد أوريجانوس، وقد هاجم الأناجيل الأربعة والفكر المسيحي والعقيدة المسيحية ككل وأقتبس كثيرًا من الإنجيل للقديس يوحنا تضمنها رد أوريجانوس عليه. ويدل وجود الإنجيل بين يدي هذا الرجل الوثني سنة 178م على أن هذا الإنجيل كان منتشرًا قبل أيامه بكثير.

 

عاشرًا: قانون أسفار العهد الجديد:

 

كان للإنجيل للقديس يوحنا مكانة ثابتة بين الأناجيل الأربعة التي لم يشك أحد مطلقًا في وحيها وقانونيتها، فقد وُجد في أقدم المجموعات، وفى أقدم الترجمات، فقد ترجم إلى السريانية واللاتينية والقبطية في أقدم ترجماتها، ووجد في قوائم الكتب القانونية الموحى بها والمقدسة، وأقرته جميع المجامع التي ناقشت قوائم الأسفار القانونية.

 

حادي عشر: أقدم المخطوطات:

 

ومن أقدم ما يقدم كبرهان حاسم على كتابة الإنجيل للقديس يوحنا في القرون الأولى وانتشاره بكثافة في بداية القرن الثاني هو أن أقدم المخطوطات التي وجدت هي لهذا الإنجيل الرابع فتوجد له البردية (ب52) وترجع لما بين 117 و135م والبردية (ب66) وترجع لسنة 150م وتشتمل على الإنجيل بالكامل عدا بعض أجزاء تلفت صفحاتها، والبردية (ب75) وترجع لسنة 180م وتضم الجزء الأكبر من الإنجيل للقديس يوحنا والإنجيل للقديس لوقا، والبردية (ب45) وترجع لسنة 220م وتحتوى على أجزاء من الأناجيل الأربعة وسفر أعمال الرسل.

وهكذا تدل جميع الأدلة والبراهين على أن الإنجيل الرابع قد كُتب في نهاية القرن الأول وكان منتشرًا وبصورة كبيرة في بداية القرن الثاني، وكان موجودًا مع أباء الكنيسة والهراطقة وأعداء الكنيسة، وأنه لم يشك أحد ولو للحظة أن مدونه وكاتبه بالروح القدس هو القديس يوحنا الحبيب تلميذ السيد المسيح ورسوله.

 

 

 

عن كتاب: كتاب الإنجيل: كيف كُتِبَ؟ وكيف وصل إلينا؟ - القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير 

(245) ك3 . ف 2:23.

(246) To Auto Lycus 2, 22..

(247) Decame Christic 100:3..

(248) Adv. Marc. 4:3..

(249) Ag. Haer. 3:2,1..

(250) (يو 9:1).

(251) Ag. Haer. 1 eh. 29, 1 and 31,3..

(252) Ref. Haer. B. 5..


إعلان الكتاب المقدس عن عبادة المسيح كإله

 



قال الله في العهد القديم "الرَّبَّ إِلهَكَ تَتَّقِي وَإِيَّاهُ تَعْبُدُ وَبِاسْمِهِ تَحْلِفُ" (تث6: 13)، وقال الرب يسوع المسيح في العهد الجديد "لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ" (مت4: 10). إذًا اللَّه وحده هو المعبود، والكتاب أيضًا يقول أنَّ الرب يسوع المسيح هو المعبود، كما سبق وتنبَّأ عنه دانيال النبي قائلًا " كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ" (دا7: 13-14). وقد أعلن هو نفسه أنه الذي يُصلَّي إليه وأنه هو سامع الصلاة، وأنه هو الذي يستجيب للصلاة، وأنه هو الذي يعطي القوة والغلبة، الذي يقوي ويجعلنا نغلب الشرير، فقال:

† "لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسَطِهِمْ " (مت18: 20 ).

 

† "وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذَلِكَ أَفْعَلُهُ لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالاِبْنِ." (يو14: 13).

 

† "إِنْ سَأَلْتُمْ شَيْئًا بِاسْمِي فَإِنِّي أَفْعَلُهُ" (يو14: 14).

 

† "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ يَا رَبُّ يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ." (مت7: 21).

 

† "وَلِمَاذَا تَدْعُونَنِي: يَا رَبُّ يَا رَبُّ وَأَنْتُمْ لاَ تَفْعَلُونَ مَا أَقُولُهُ؟ " (لو6: 46).

 

† ولذا فقد صلَّت إليه الكنيسة عند اختيار متياس الرسول بديلًا عن يهوذا قائلة: " أيُّهَا الرَّبُّ الْعَارِفُ قُلُوبَ الْجَمِيعِ عَيِّنْ أَنْتَ مِنْ هَذَيْنِ الاِثْنَيْنِ أَيًّا اخْتَرْتَهُ " (أع1: 24).

 

† كما يقول القديس بولس بالروح " مِنْ جِهَةِ هَذَا (آلام شوكة الجسد) تَضَرَّعْتُ إِلَى الرَّبِّ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ أَنْ يُفَارِقَنِي. فَقَالَ لِي: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضُّعْفِ تُكْمَلُ». فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ " (2كو12: 8-9).

 

† كما يشكره لأنه قواه " وَأَنَا أَشْكُرُ الْمَسِيحَ يَسُوعَ رَبَّنَا الَّذِي قَوَّانِي" (1تي1: 12).

 

† وقال له توما بعد القيامة " رَبِّي وَإِلَهِي" (يو20: 28).

 

فقد أعلن هو أنه المعبود ، وبرهن علي أقواله بأعماله، ومن ثمَّ فقد قدَّم له تلاميذه والمؤمنون به العبادة ووصفوا أنفسهم بعبيده، وهذا ما أكَّدوه في افتتاحيات رسائلهم للمؤمنين:

 

† "يَعْقُوبُ، عَبْدُ اللَّهِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ " (يع1: 1).

 

 

† "يَهُوذَا، عَبْدُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ،" (يه1).

 

† "سِمْعَانُ بُطْرُسُ عَبْدُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَرَسُولُهُ،" (2بط1: 1).

 

† "بُولُسُ عَبْدٌ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ" (رو1: 1).

 

† "بُولُسُ وَتِيمُوثَاوُسُ عَبْدَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (في1: 1).

 

† "يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ ابَفْرَاسُ، الَّذِي هُوَ مِنْكُمْ، عَبْدٌ لِلْمَسِيحِ" (كو4: 12).

 

† ويقول القديس بولس بالروح "لأَنَّ مَنْ دُعِيَ فِي الرَّبِّ وَهُوَ عَبْدٌ فَهُوَ عَتِيقُ الرَّبِّ. كَذَلِكَ أَيْضًا الْحُرُّ الْمَدْعُوُّ هُوَ عَبْدٌ لِلْمَسِيحِ. قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ فَلاَ تَصِيرُوا عَبِيدًا لِلنَّاسِ" (1كو7: 22-23).

 

ولأنَّ الرب يسوع المسيح هو المعبود فقد قبل السجود من كل من سجدوا له، وهو نفسه القائل " لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ " (مت4: 10) ولم يمنع أحدًا من السجود له، يقول الكتاب:

 

† فعند ميلاده جاء المجوس قائلين: " أَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ" (مت2: 3). وسجدوا له " خَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ" (مت2: 11).

 

† " وَإِذَا أَبْرَصُ قَدْ جَاءَ وَسَجَدَ لَهُ " (مت8: 2).

 

† " وَفِيمَا هُوَ يُكَلِّمُهُمْ بِهَذَا إِذَا رَئِيسٌ قَدْ جَاءَ فَسَجَدَ لَهُ" (مت9: 18).

 

† " وَالَّذِينَ فِي السَّفِينَةِ جَاءُوا وَسَجَدُوا لَهُ " (مت14: 33).

 

† " وَإِذَا امْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ.. فَأَتَتْ وَسَجَدَتْ لَهُ قَائِلَةً: «يَا سَيِّدُ أَعِنِّي!»" (مت15: 25).

 

 

† " والمولود أعمى الذي خلق له المسيح عينين " وَسَجَدَ لَهُ." (يو9: 38).

 

وكما عبده تلاميذه كالرب الإله فقد سجدوا له أيضًا كالرب الإله، فهم كانوا يعلمون مما تعلموه من الرب نفسه، وكيهود أصلًا، أنه لا سجود ولا عبادة لغير اللَّه، وقال الملاك القديس يوحنا في الرؤيا: "انْظُرْ.. أَنَا عَبْدٌ مَعَكَ وَمَعَ إِخْوَتِكَ الَّذِينَ عِنْدَهُمْ شَهَادَةُ يَسُوعَ. اسْجُدْ لِلَّهِ" (رؤ19: 10؛ 22: 9)،

 

† كما منع القديس بطرس قائد المئة الذي حاول أنْ يسجد له قائلًا "قُمْ أَنَا أَيْضًا إِنْسَانٌ" (أع10: 25).

 

† ولكن التلاميذ عبدوه وسجدوا له كالرب الإله، كما قال له توما "رَبِّي وَإِلَهِي" (يو20: 28).

 

† "حِينَئِذٍ تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ أُمُّ ابْنَيْ زَبْدِي مَعَ ابْنَيْهَا وَسَجَدَتْ" (مت20: 20).

 

† وبعد القيامة "وَلَمَّا رَأَوْهُ (تلاميذه) سَجَدُوا لَهُ" (مت28: 17؛ لو24: 25).

 

† والمريمتين "وَأَمْسَكَتَا بِقَدَمَيْهِ وَسَجَدَتَا لَهُ" (مت28: 9).

 

وفي كل هذه الحالات لا توجد أية إشارة أو تلميح في الكتاب علي أنَّ الرب يسوع المسيح قد رفض ولم يقبل السجود له بل على العكس تمامًا فهو المكتوب عنه " وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ" (عب1: 6)، وأيضًا " لأَنَّنَا جَمِيعًا سَوْفَ نَقِفُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «أَنَا حَيٌّ يَقُولُ الرَّبُّ إِنَّهُ لِي سَتَجْثُو كُلُّ رُكْبَةٍ وَكُلُّ لِسَانٍ سَيَحْمَدُ اللهَ». " (رو14: 10-11)، وأيضًا " لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ " (في2: 10).


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن كتاب هل قال المسيح إني أنا ربكم فاعبدوني؟ - القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير

الاثنين، 27 يوليو 2026

ماذا عن خطايا الأنبياء في الكتاب المقدس

 



1- أرجوك يا صديقي أن تنظر إلى أسلوب النقد المتحيز هذا، لتدرك هدف هؤلاء النُقَّاد، ومدى تحاملهم على الكتاب المقدَّس، ولي الحقائق، وطمس جزء كبير من الحقيقة، وتركيز الأضواء على سقطات الأنبياء، والتغافل تمامًا عن النقاط البيضاء الكثيرة في حياة رجال الله هؤلاء...

أين بر نوح، وطاعته لله، وصبره وطول أناته وهو يبني الفلك على مدار مائة عام، وإنذاره لجيله وهو يظهر كمختل في أعينهم..؟! أين قداسة لوط البار الذي عاش وسط شر سدوم وعمورة وحفظ نفسه طاهرًا؟! وأين شجاعته ودفاعه عن ضيوفه؟! أين تحذيره لأصهاره رغم أنه ظهر كمازح في أعينهم..؟ أين إيمان إبراهيم مضرب الأمثال عندما رفع السكين ليذبح ابنه طاعة لله..؟! أين صبر موسى، وغيرته المقدَّسة، وأمانته، وشفاعته عن شعبه، وقيادته الحكيمة لشعب عنيد أربعين سنة في الصحراء؟! وأين إيمانه الذي شق البحر، وفجر الماء من صخرة صماء وهزم عماليق؟!

لماذا لم يحاول هؤلاء النقاد التأمل في الفضائل الكثيرة لرجال الله هؤلاء الذين تكلم معلمنا بولس الرسول عن إيمانهم العظيم وختم كلامه قائلًا:

"الذين بالإيمان قهروا ممالك صنعوا برًّا نالوا مواعيد سدوا أفواه أسود. أطفأوا قوَّة النار نجوا من حد السيف تقوَّوا من ضعف صاروا أشداء في الحرب هزموا جيوش غرباء... وآخرون عُذبوا ولم يقبلوا النجاة لكي ينالوا قيامة أفضل. وآخرون تجرَّبوا في هزء وجلد ثم في قيود أيضًا وحبس. رُجموا نُشروا جُرّبوا ماتوا قتلًا بالسيف طافوا في جلود غنمٍ وجلود معزى معتازين مكروبين مُذلين. وهم لم يكن العالم مستحقًا لهم تائهين في براري وجبال ومغاير وشقوق الأرض" (عب 11: 33 - 38).

 

2- لو طبقنا أسلوب النقد الذي اتبعه هؤلاء النقاد فلن نجد إنسانًا قط يستحق الحياة... هل لأن الإنسان أخطأ مرة تقطع رقبته؟! هل لأن إنسان كذب مرة يطلقون عليه الكذاب المستبيح؟! وهل لأن إنسان زنى مرة يطلقون عليه الفاسق الشرير الكبش الضال؟! وهلم جرا...

 

3- الأنبياء من نفس عجينة البشرية لهم أخطاءهم وضعفاتهم، ومع هذا فإنهم أناس أمناء أحبوا الله من كل قلوبهم، قدموا توبة قوية عن كل خطية سقطوا فيها، ولكن النُقَّاد يلذ لهم تضخيم أخطاء هؤلاء الأنبياء القديسون، مع تغافل توبتهم تمامًا، ونحن لا نؤمن بعصمة الأنبياء في حياتهم الشخصية، لأن "الجميع زاغوا وفسدوا معًا. ليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحد" (رو 3: 12) فلا يوجد إنسان بلا خطية "إن قلنا أننا لم نخطئ نجعله كاذبًا وكلمته ليست فينا" (1يو 1: 10) إنما نؤمن بعصمتهم أثناء تسجيل كلمات الوحي الإلهي فقط.

 

4- كتابنا المقدَّس لا يُجمّل الصورة، إنما يذكر كل شيء بصراحة تامة وصدق كامل بدون تهويل ومبالغة، وبدون استهتار وتهاون، فالكتاب لم يكتب من أجل تمجيد الإنسان، إنما لتمجيد الله الذي يكره الخطية ويحب الخاطئ، ولذلك ذكر الأعمال الصالحة والطالحة، والأفعال البارة والخاطئة، وعندما ذكر أخطاء الأنبياء لم يذكرها كنوع من مدح الخطية، بل كنوع من إدانة الخطية، ولكيما نتعلم ونتعظ ونتحفظ لأنفسنا، ووجود هذه الأخطاء في الكتاب المقدَّس تعد دليلًا على عدم تعرضه للتحريف أو التبديل، لأنه لو تعرض للتحريف لحذف اليهود خطايا آبائهم وأنبيائهم الذين هم موضع افتخارهم... ألم يفتخر اليهود بأنهم أبناء إبراهيم؟! ولولا إيمان اليهود الكامل بالوحي الإلهي في تسجيل كلمة الله لحذفوا هذه الأخطاء من سطور الكتاب.

 

5- لم يتهاون الله ولم يتساهل مع أحد المخطئين برغم محبته الشديدة لهم، إنما نال كل منهم عقابه من الله... ألم يُحرَم موسى من دخول أرض الموعد لمجرد أنه ضرب الصخرة في المرة الثانية ولم يكلمها..؟! ألم يُعاقب داود بشدة على خطيته؟! أما نوح فكان أول إنسان يسكر على وجه الأرض، فربما لم يكن يعلم أن الخمر ستُذهب عقله.

 

6- إن كان هؤلاء النُقَّاد يشمئزون من خطايا الأنبياء التي ذكرها الكتاب المقدَّس، فما بالهم بخطايا الأنبياء التي جاء ذكرها في القرآن والأحاديث، وما أكثرها؟! بل إن القرآن نسب أحيانًا أخطاء لرجال الله لم يرد لها ذكر في التوراة، فمثلًا جاء في سورة يوسف عن محاولة امرأة فوطيفار إسقاطه "ولقد همَّت به وهمَّ بها" (سورة يوسف 24) أي أنها قصدت الخطأ معه وهو كذلك قصد الخطأ، والشروع في الخطأ يعتبر خطأً، بينما جاء عنه في سفر التكوين رفضه للشر منذ اللحظة الأولى قائلًا: "كيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطئ إلى الله" (تك 39: 9).

ومثل آخر أنه جاء عن نوح في القرآن أنه دعا على أهل زمانه قائلًا "ولا تزد الظالمين إلاَّ ضلالًا. ولا تزد الظالمين إلاَّ تبارًا" (سورة نوح 24، 28) بينما ذكر الكتاب المقدَّس أن نوح "كان كارزًا للبر" (2بط 2: 5).

ومثل ثالث أنه جاء في الحديث أن الشيطان أغوى آدم مرتين الأولى في الأكل من الشجرة المحرَّمة والثانية عندما سمى ابنه عبد الحارث، والحارث هو إبليس "قال ابن عباس لما وُلِد لآدم ولد أتاه إبليس فقال له إني سأنصح لك في شأن ولدك هذا تسميه عبد الحارث، وكان قبلًا يسمي أولاده عبد الله وعبد الرحمن، فقال آدم: أعوذ بالله من طاعتك. إني أطعتك في أكل الشجرة فأخرجتني من الجنة فلن أطيعك، فمات ولده، ثم وُلِد له بعد ذلك ولد آخر فقال أطعني وإلاَّ مات كما مات الأول فعصاه، فمات ولده، فقال (إبليس) لا أزال أقتلهم حتى تسميه عبد الحارث (وكان اسم إبليس الحارث) فأطاعه" (راجع الهداية جـ 1 ص 12)..

ألم يقل رسول الإسلام: "كل بني آدم خطاؤون، وأفضل الخطائين عند الله التوابون"؟!

 

7- الإدعاء بأن اليهود شوَّهوا صور جميع الأنبياء إدعاء غير صحيح، لأن هناك من رجال الله القديسين لم يذكر لهم العهد القديم أخطاء مثل أخنوخ البار، ويوسف الصديق، وصموئيل النبي، وإيليا النبي، ودانيال النبي... إلخ.

 

8- لم يكن لوط نبيًا، ولا يهوذا نبيًا، ولم ينكر أيوب البعث، بل آمن بالله والحياة الآخروية، وإن كان بعض النُقَّاد قد إتهموا اليهود بأنهم لطخوا سيرة أنبيائهم فإنهم لم يوضحوا ما الدافع لهذا؟! وإن قال بعض النُقَّاد أن ما قاساه اليهود في السبي دفعهم لتلطيخ ذكرى هؤلاء الأنبياء... كيف..؟ إن كان الإنسان الذي يضيع منه الحاضر يتمسك بشدة بالماضي، ويزداد فخره بآبائه، لأنه يحتسب مجد آبائه مجدًا له، فكيف يتنازل اليهود عن مجدهم ويفتخرون بخزيهم وخزي أبائهم؟! كما أن دعوى التحريف في النص أمر قد قتلناه بحثًا، ثم يجب الالتفات إلى أمر هام، وهو لا يصح الحكم على الذين عاشوا قبل الميلاد بعشرين قرنًا بمقاييس القرن العشرين.

 

9- يقول قداسة البابا شنودة الثالث عن أخطاء الأنبياء:

"حينما نقول إنهم أخطأوا، فلا نعني أن حياتهم كلها كانت خطية. بل السقطات كانت الوضع العابر الطارئ في حياتهم. أما القداسة فكانت الوضع الطبيعي الدائم. إذ عرفنا أن داود في وقت ما، قد زنى وقتل. فليس معنى هذا أن حياته كلها كانت زنى وقتلًا. وليس معنى هذا أن يتطاول بعض الوعاظ على هذا القديس العظيم، ولا يتحدثون إلاَّ عن خطيئته بلون من الاستصغار!! وينسون أنه رجل الصلاة والتسبيح والمزامير، رجل المزمار والقيثار والعشرة الأوتار، رجل الإيمان والوداعة، الذي قال عنه الرب بنفسه: "فحصت قلب داود فوجدته حسب قلبي"، إن الشر لم يكن طبيعة هذا البار، الذي حل عليه روح الرب، والذي هزم جليات، واحتمل شاول، وغفر لشمعي بن جيرا، وسبح للرب تسابيح جديدة... إنما هي صفات طارئة، سمح بها الرب ليعطي قديسيه انسحاقًا ودموعًا، ويصيره درسًا في التوبة، كما كان درسًا في الصلاة، وفي الوداعة، وفي الشجاعة.

وبنفس الوضع حينما نذكر أبينا إبراهيم، وقوله عن امرأته سارة أنها أخته... لا ننسى أبدًا إيمان الرجل، ونسكه، وشجاعته، وكرمه، وطاعته للرب حتى رفع السكين ليقدم وحيده المحبوب محرقة... ولا ننسى تركه لأهله وعشيرته وسعيه وراء الرب.." (شخصيات الكتاب المقدَّس - آدم وحواء ص 11، 12).

كما يقول قداسة البابا شنودة الثالث أيضًا عن خطايا الأنبياء:

"تؤمن المسيحية واليهودية أن العصمة من الخطية هي لله وحده. الله وحده هو القدوس الذي لا تتفق الخطية مع طبيعته الإلهية... أما عن البشر فقيل {ليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحد} (مر 14: 3)..

وقال القديس يوحنا الرسول "إن قلنا أنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا" (1يو 1: 8) ونحن نقول في صلواتنا "لأنه ليس أحد بلا خطية، ولو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض". 

أما عن عصمة الأنبياء، فنؤمن أنهم معصمون فقط في نبوءاتهم فيما ينقلونه من كلام الوحي الإلهي، ولكنهم ليسوا معصومين في حياتهم الخاصة... نبوءات الأنبياء هي المعصومة، وليس أشخاصهم... الرسالة التي يحملونها من الله هي المعصومة، وليست أعمالهم... لو كان كل نبي معصومًا، لصار مثل الله، أو لاعتبرنا الأنبياء من طبيعة أخرى غير طبيعتنا البشرية. الأنبياء بشر مثل سائر بني آدم، ولكنهم في مستوى عالٍ من الفضيلة وعلى الرغم من ذلك يمكن أن يخطئ النبي مع ملاحظة أمرين: أن الخطية تكون عارضة عليه، وليست أسلوب حياة دائم. والأمر الثاني أنه سرعان ما يقوم من الخطية، فيتوب بسرعة ويندم...

من الظلم إذًا أننا نذكر خطيئة لداود، ولا نذكر صلواته وحبه لله. كما لو كنا نتصيد لإنسان غلطة! ولا نأخذ حياته في جملتها، وهي في غالبيتها كلها قداسة، والأخطاء فيها هي الندرة، على الرغم من فداحة الخطأ... ولا ننسى أن الشيطان حينما يحارب نبيًا يحاربه حروبًا قاسية جدًا، أشد بكثير جدًا من محاربته لباقي الناس الذين غالبًا ما يقودهم إلى الخطأ ويتركهم إلى شهوات أنفسهم... كذلك من الظلم أن نذكر خطيئة لداود، وننسى توبة داود ودموعه... نفس هذا الكلام أو ما يشبهه، نقوله عن باقي الأنبياء ورجال الله في أخطائهم، وبخاصة في عصر الوثنية وانتشار الفساد، الذي كان فيه هؤلاء الآباء مشاعل من نور، على الرغم من سقطات بعضهم. هذه السقطات قال عنها أحدهم {لا تشمتي بي يا عدوتي. فإني إن سقطت أقوم} (مي 7: 8).

سمح الله ببعض السقطات لهؤلاء القديسين، حتى لا ترتفع قلوبهم بسبب عمق برهم، وعمق صلتهم بالله، فيقعوا في البر الذاتي... وكان في سقوط هؤلاء الأنبياء درس لنا، لكي نحترس في سلوكنا، ونخاف لئلا نسقط نحن أيضًا... هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، حتى لا نكون قساة في معاملة الذين يسقطون. فنحن معرضون للسقوط" (سنوات أسئلة مع الناس - أسئلة لاهوتية وعقائدية (ب) ص 104 - 106).

 

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن كتاب: النقد الكتابي، مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد القديم من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب